الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4968-5007
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4968-5007
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

بعضهم في آثار بعض.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر.
ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير.
والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث.
ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله.
ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله.
﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم.
وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم.
ثم قال تعالى: ﴿فقالوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾.
أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم.
يقال لكل من دان لملك: هو عابد له.
ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾.

أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله.
كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على/ إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب.
وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة.
وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه.
تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمة آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها.
فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير وكل بإذن الله جلّ ذكره.
ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله.
قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين.
" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هي الرملة

" وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس.
وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد.
قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر.
وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى.
قال ابن جبير الربوة: النشرز من الأرض.
وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض.
وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد.
وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر.

قال ابن عباس " ومعين " هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ ". وقال الضحاك: " ومعين " الماء الظاهر.
وقال قتادة ذات قرار أي ثمار " ومعين " وماء وهي بيت المقدس.
وقوله: " ومعين " هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة.
وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية.
قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معهين وممعون.
وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً.
وقيل: يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعنى في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا.

ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذا هي ربع عشرة في العين.
قوله تعالى ذكره: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ إلى قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً "، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنين فقال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾.
وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: " الذين قال لهم الناس " يعني نعيم بن مسعود وحده.
وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يا أيها الرسل﴾ " لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله.
وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قل الزجاج وهو اختيار الطبري.

روى: أن عيسى كان يأكل من غزل أمه.
ثم قال: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " فتح " إن " في هذا على معنى " ولأن هذه ". هذا قول البصريين.
وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما قوله: إني بما تعلمون.
وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب عل الحال.
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: " أمة واحدة "، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾.

أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي.
ثم قال: ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾.
أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان/ واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد وزيراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن.
قال قتادة: " براً " كتباً.
وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً.
والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد.
وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذابهم.
قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش " زُبراً " بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه: فتفرقوا عن دينهمه بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم

نصارى.
وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه.
ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ﴾.
أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم.
قال ابن زيد: الغمرة العمى.
﴿حتى حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد " حتى حين " حتى الموت.
ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾.
أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين " فسارع لهم " " أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر

فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم.
وقوله: ﴿فِي الخيرات﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج.
وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أطهر فقال: " في الخيرات " كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء.
وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم " أن ". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: " يُسارع " بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي " يسارع " ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر.
ومذهب الكسائي أن " إنما " حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على " نبين " ولا يقف عليه على مذهب غيره.
وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مامل وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾.

أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمو على طاعته جادون في طلب مرضاته.
ثم قال: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي بكتابه يصدقون ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾.
أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً.
ثم قال تعالى: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.
أي: يعدون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة.
﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه.
قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله.

وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع.
وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف.
وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتياه الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون.
وقال ابن عمر: " يؤتون ما أتوا ": الزكاة.
وقال مجاهدك المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل.
وقال ابن جبير: / يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات.
وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة.
" وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله.
﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويوصومون وهم مشفقون ".

وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه ". وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء).
وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما علموا وهم خائفون.
قوله تعالى ذكره: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾.
معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم " يسارعون " أي: يسابقون في الأعمال الصالحة.
قال ابن زيد: " الخيرات " المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله.
ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده.
قال ابن عباس: " وهم لها سابقون " سبقت لهم من الله تعالى السعادة.
وقيل: معناه: وهم إليها سابقون.
وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون

إلى رحمة الله.
وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾.
أي: إلا ما تطيق من العبادة.
﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا.
﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾.
أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هذا﴾.
أي في عمامية من هذا القرآن.
وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم.
وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين.
والغمرة، الغطاء والغفلة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.

أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة.
قال مجاهد: " من دون ذلك " من دون الحق.
وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار.
وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها ويسعلمونها.
وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها.
ثم قال تعالى: ﴿حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بالعذاب﴾.
أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون.
قال ابن زيد: " المترفين " العظماء.
قال مجاهد: " حتى إذا أخذنتا مترفيهم بالعذاب ". قال: بالسيوف يوم بدر.
وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون.
قال ابن جريج: " بالعذاب " يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل

مكة يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم.
قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر.
ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾.
أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه.
وقد قيل: هو عذاب الآخرة.
وعلى القول الأول أكثر الناس.
ثم قالت: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾.
هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم.
قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين/ عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها.
تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه.
قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة.
ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.
أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك.

قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم.
وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب.
أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ.
وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾.
أي: تسمرون بالليل في الحرم.
يقال لجماعة يجتمعون للحديث " سامر " كما يقال: " باقر " لجماع البقر، " وجامل " لجماعة الجمال.
وأكثر ما يستعمل " سامراً " للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار.
وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر.
قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر.

وقال الضحاك: يعني سمر الليل.
قال الطبري: إنما وحد " سامر "، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك.
ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذ نطق بالفحش.
وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: " الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب ". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون الهجر.
وقال عكرمة: تشركون.
وقال الحسن: تسبون النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن.
ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي.

ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، كذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره.
وقيل: معناه: من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي.
وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق.
وقال السدي: تهجرون البيت.
وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل.
وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح.
" ومستكبرين " وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: " سامراً تهجرون " أي في البيت.
وقيل: " مستكبرون به " الوقف.
وقيل: تهجرون التمام.

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر.
أي: إنك قد اخترت الشر.
ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم.
وقيل: " أم " هنا بمعنى " بل "، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تكدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله.
ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾.
أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته " فهم له منكرون " أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾.
أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم.
﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾.
أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله

هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون/.
فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون.
ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محمق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لا تباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾.
أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي.
وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينهما لم يقمن إلا بالحق.
وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.
وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض.
وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض.

ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾.
أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس.
وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم.
﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44].
وقال قتادة: " بذكرهم ": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه.
ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾.
أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذ منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ [الشورى: 23].
ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾.
أي: لم تسألهم رزقاً على ماجئتهم به.
فرزق ربك خير.
قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن.
وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء.
وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم.

وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾.
أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾.
يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ﴾.
أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون.
قال السدي: ﴿عَنِ الصراط لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون.
وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة.
وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار.
ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾.
أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾.
أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع.
﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجزاءتهم على الله.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون.
قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم.

وقيل: المعنى، لورددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾.
يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا استكانوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما/ خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون.
ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس: " جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾.
الآية ". وروى في هذا الحديث " أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين.
قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب.
. .﴾ الآية ".

قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلا فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾.
. . الآية.
قال ابن جريج، هو الجوع والجدب.
ثم قال: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج.
وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول.
وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهري قبل أن يبلغ نكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
أي: يائسون من الخير.
وقيل: المبلس، الساكت المتحير.
وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.
أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال.
ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾.
أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارج وغيرها.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾.
أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء.
الأمكنة كلها مخلوقة والأزمننة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً.
فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب كان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم.
﴿وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾.

أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين.
ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون﴾.
أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث/.
قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً.
استبعدوا ذلك فأنكروه.
ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هذا مِن قَبْلُ﴾.
أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة.
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها.
فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم.
ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم﴾.
أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه.
فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله.

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد.
﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾.
أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء.
وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملكم لا الجارحة تعالى الله عن ذلك.
وهذا أتى على لسان العرب.
تقول: هذه الدرابيد فلان، أي: ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه.
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾.
أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله.
ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل

ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال.
ومن قرأ: لله لله، أتى الجواب من عند المسؤول، وهو الأصل.
قال ابن عباس: " تسحرون ": تكيدون.
وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ماهو به من هيئته.
فكذلك معنى ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر.
فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46] فقد ذكرنا معناها في موضعها.
وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.

أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آله دمن الله، بل أتيناهم بالبقين، وهو ما أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء.
﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾.
أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً/، لأنه عاجز بضعفه.
والعاجز مذولو مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك.
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
أي: عما يصفون به الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ الغيب والشهادة﴾.
أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء.
فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه.
والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في " عالم الغيب " على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا اتخذ الله﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دون، فاستؤنف على إضمار مبتدأ.
وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال:

(وتعالى) بالواو.
فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد " هو عالم " واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المسحن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعدب الله الذي أحسن وأحسنت إليه.
قال: ولو قلت: " المحسن " بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام.
وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: " ورب المشرق " بالخفض، وبعده " فاتخذه " ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾.
أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.
أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

قوله تعالى ذكره: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾.
أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم.
فهو منسوخ بالأمر بالقتال.
والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له.
قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك.
وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم.
ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.
أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾.
أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين ". وقال ابن زيد: " همزات الشياطين " خنقهم للناس.
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾.
أي: يحضرون في شيء من أموري.

وقيل: " همزات الشياطين " الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الشيطان، ويقول: " من همزة ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر.
فقيل له: وما نفخه؟ قال: " الكفر ". ثم قال: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت﴾.
أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ارجعون﴾ إلى الدنيا ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه.
وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً.
يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالمو، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته.
وليست " لعل " في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً.
قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا حضر الإنسان/ الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ارجعون.
. .﴾ الآية.
وروى ابن جريج " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا عاين المؤمنا الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ". قال الضحاك: يعني به أهل الشرك.
وقوله: ﴿رَبِّ ارجعون﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعمة، ووحد أولاً لأن الله واحد.
وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجمعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم.
وقيل: إنما جاء " ارجعون " بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] قال: معناه: الق الق.

ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾.
قال ابن زيد: لابد كل مشرك أن يقولها.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع.
قال ابن عباس: " برزخ " أجل إلى حين.
وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت.
وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون.
وقال مجاهد: " البرزخ ". ما بين الموت إلى البعث.
وقال الضحاك: " البرزخ " ما بين الدنيا والآخرة.
وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين.
وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخةر فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾.
أي: فإذ نفخ إسرافيل في القرن.

وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح.
قال ابن مسعود: " الصور ": قرن.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبتهه وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ". ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾.
وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين.
وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنسان في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب.
ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل.
وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله:

﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي.
وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه.
قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلونن فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنبت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل/ مثقال حبة من خردل ضاعفها له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها﴾.
. . الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناه وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار.
وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون.
وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه

مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾.
. . إلى.
. . ﴿يُغْنِيهِ﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش.
يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة.
ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا.
وقيل: إن يوم القيام مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون﴾.
إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.
أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار﴾ أي: تنفح وجوههم النار.
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.
قال ابن مسعود: " الكالح ": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار.

وقال ابن عباس: " كالحون " عابسون.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته ". قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون.
ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾.
أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب.
قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا.
قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن.
﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ [غافر: 49] فلم يجيوبهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فادعوا وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: 50].
قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فسكت عنهم مالك خازن

جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾.
وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: 11]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ الذين فِي النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ [غافر: 49] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾، قالوا: " بلى "، قالت لهم الخزنة: ﴿فادعوا وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: 50].
والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب.
ومعنى: " اخسئوا " ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً " أي مبعداً.
وقال/ محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا

مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق﴾، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: 22]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾.
. . قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿الكبير﴾.
قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد.
قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾.
. . إلى.
. . ﴿مُوقِنُونَ﴾.
قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قال فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾.
قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.
. الآية.
قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.
قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر.
. . ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾.
. . قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ.
. .﴾ إلى ﴿. . . ظَالِمُونَ﴾.
فقال لهم ذلك: اخسئوا فيها ولا

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل