الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وهذا تعريف من الله عز وجل لنبيه عليه السلام، قتل من فادى به يوم بدر، كان أولى من المفاداة وإطلاقهم.
وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا﴾.
هذا للمؤمنين الذين رَغِبُوا في أخذ المال والفداء.
﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾، أي: يريد لكم زينة الآخرة وخيرها.
قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل، في الأسرى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: 4]، فجعل الله المؤمنين بالخيار في أسَارَاهُم.
وقال مجاهد: " الإثْخان ": القتل.
وقال ابن مسعود: لما كان يوم بدر وجيء بالأسَارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنهـ: يا رسول الله، قومك وأهلك، فأستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم.
وروي عنه أنه قال: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام.
وقال عمر رضي الله عنهـ، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعنقاهم.
ورُوي عنه أنه قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي قال أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضْرمه عليهم.
فقال له العباس: قطعتك رحمك.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ناس: نأخذ برأي أبي بكر.
وقال ناس: نأخذ برأي عمر.
وقال ناس: نأخذ برأي عبد الله بن رواحة.
ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: " إن الله ليُليّنُ قلوب رجال [حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة]، وإن مثلك يا أبا بكر، مثل إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي [فَإِنَّهُ] مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: 118]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26]، ومثلك يا عبد الله كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ/ واشدد على قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: 88]، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتم اليوم عالة، فلا يقتلنّ أحد منكم إلا بفداءٍ أو ضربة عُنُق ".
قال قتادة: فَادَوْهُم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين.
قال مالك: الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم أسارى المسلمين، قال: وأمثل ذلك عندنا أن يقتل من خفيف منه.
وقال جماعة من العلماء: الإمامُ مُخيَّر، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن شاء فادى، وهو قول الشافعي وغيره).
من قتل أسيراً قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل صبياً أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره.
وقال الأوزاعيي والثوري: لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، فإن قتله بعدها وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ولا غرم عليه.
قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ [مِّنَ] الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
هذا خطاب لأهل بدر في أخذهم الغنائم والفداء.
وروي أن هذه الآية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر "، رضي الله عنهـ.
وذلك أن عمر رضي الله عنهـ أشار على النبي صلى الله عليه وسلم، بقتل الأسارى، وألا تؤخذ منهم الفدية، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: كذّبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم.
وخالفه أبو بكر رضي الله عنهـ، وغيره في ذلك.
والمعنى: لولا أنّ الله قد سبق قضاؤه في اللوح المحفوظ، أنه يحل لكم ذلك، لعقوبتم بما فعلتم؛ لأنه تعالى لم يكن يحل ذلك لأحد من الأمم قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أخذوا الغنائم وقبلوا الفداء، قبل أن ينزل عليهم ما قد سبق منه، تعالى، أن يحله لهم، وكانت الأمم قبل محمد، عليه السلام، إذا غَنِمُوا شيئاً جعلوه للقربان فتأكله النار، فهو حرام عليهم، لا يحل لأحد منهم شيء منه.
وقيل: المعنى: لولا أن سبق في علمي أني سأحل لكم الغنائم، لمسكم في أخذكم إياها عذاب عظيم.
وقيل المعنى: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم لمسهم في أخذهم الغنائم عذاب عظيم، قال ذلك: الحسن، وقتادة وابن جبير.
وقال ابن زيد: سبق في علمه الغفو عنهم، والمغفرة لهم، يعني: أهل بدر، ولولا
ذلك، لمسهم إذ أخذوا الغنائم التي لم تحل لأحد قبلهم عذاب عظيم.
وقال مجاهد: لولا أنه سبق في علمه أن لا يُعذَّبَ أحد بفعل أتاه جهلاً، لمسكم فيما جهلتم فيه، من أخذ الغنائم عذاب عظيم.
ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " نُصِرْتُ بالرُّعب، وجُعلت لي الأرض مسجداً وظهوراً، وأعطيت جوامع الكَلِمَ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأُعْطِيتَ الشفاعة، خمس لم يؤتهنَّ نبي كان قبلي ".
وقيل المعنى: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهي، لعذبتكم بأخذكم للغنائم.
واختار النحاس، وغيره، أن يكون المعنى: لولا أنه سبق من الله تعالى، أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، لعذبكم بأخذكم الغنائم.
وقيل المعنى: / ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ﴾، فآمنتم به، وهو القرآن فاستوجبتم بإيمانكم الصفح والغفو، لعذبتم على أخذكم الغنائم.
قال ابن زيد: لم يكن أحد ممن حضر بدراً إلا أحب أخذ الغنائم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ، فإنه جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قومن نجاهد في سبيل الله حتى يعبد الله.
ثم أحلَّ لهم ذلك فقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً واتقوا الله﴾، أي: خافوه فيما حرم عليكم، وما نهاكم عنه، وفي أن تركبوا بعد هذا فعل ما لم تؤمرا به.
﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾.
أي: لذنوب أهل الإيمان، أي: سائر عليها، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.
قال الطبري: ﴿واتقوا الله﴾، يراد به التأخير بعد ﴿رَّحِيمٌ﴾.
قوله: ﴿يا أيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى﴾، إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قوله: ﴿يا أيها النبي﴾، ثم قال: ﴿في أَيْدِيكُمْ﴾، إنما ذلك؛ لأن المعنى: قل لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى.
وقيل: المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى.
وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته.
والمعنى: يا محمد، قل لمن في يديك ويدي أصحابك من الأسرى الذين أخذ منهم الفداء: ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾، أي: إسلاماً، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾، في الفداء، ويغفر لكم ذنوبكم التي سلفت منكم، وقتالكم نبيكم، أي: يسترها عليكم، ﴿والله غَفُورٌ﴾، أي: ساتر لذنوب عباده إذا تابوا، ﴿رَّحِيمٌ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة.
قال العباس بن عبد المطلب: فيَّ نزلت هذه الآية.
وكان العباس فدى نفسه يوم بدر بأربعين أوقية من الذهب، قال العباس: فأعطاني الله أربعين عبداً، كلهم تاجر، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله عز وجل، بها.
قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أُسروا يوم بدر، وهم سبعون.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم بالأسارى المدينة، قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي طالب.
ونوفل بن
الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان حليفاً للعباس.
قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أعلم بإسلامك، أما ظاهرك فقد كان علينا ". وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين أُوقِيَّةً من ذهب، كل أوقية أربعون مثقالاً، فقال العباس: احسبها لي يا رسول الله في فدائي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ذلك مال أفاءه الله علينا، ولست أحسبه لك "، فقال له العباس: مال مال غيره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عم، أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي دفنته بمكة عنجد أم الفضل بنت الحارث، ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن أُصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا،
فقال العباس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك أحد إلا الله وأم الفضل.
ففدى العباس نفسه، وابنَيْ أخويه، وحليفه، ففي ذلك نزل: ﴿يا أيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، الآية.
فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: مَنَّ علي/ بالإسلام، وغفر لي، ويعطيني خيراً مما أخذ مني.
فأعطاه الله عز وجل، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ورحمه.
قال ابن وهب: لما رجع المشركون من بدر إلى مكة، جلس عُمير بن وهب إلى صفوان بن أمية، فقال له صفوان: قبح العيش بعد قتلى بدر! فقال عُمير: أجل، ما
في العيش خير بعدهم، ولولا دَيْنٌ عليّ وعيالي، لرحلت إلى محد فلنقتلنه إن ملأت عيني منه، فإن لهم عندي عِلّة أقول: قدمت لتفادوني في أسيرٍ لي، ففرح صفوان بقوله/ وقال له: عليّ دَيْنُكَ، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لن يسعني شيء ويعجز عنهم.
فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فسُم وصقل.
وقال عمير لصفوان: اكتمني ليالٍ.
وأقبل عُمير حتى وصل المدينة، فنزل ببال المسجد، وعَقَلَ راحلته وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع عمر من عُمير، وقال لأصحابه: هذا عدو الله الذي حرَّش بيننا
وحزرنا للقوم، ثم قام عمر ودخل على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، وقال: هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد، ومعه السلاح، وهو الفاجر الغادر، يا رسول الله لا تأمنه! فقال صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ فدخل، وأمر عمر أصحابه أن يحْتَرزوا منه، ويدخلوا بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم: فقال النبي عليه السلام: يا عمر، تأخر عنه، فلما دنا عُمير من النبي عليه السلام قال: أنْعِمُوا صباحاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا السلام، وهي تحية أهل الجنة، فما أقدمك يا عُمير؟ قال: قدمت تفادوني في أسيري؛ فإنكم العشيرة والأهل.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " وما شَرَطْتَ لصفوان بن أمية في الحِجْرِ؟ ففزع عُمير، وقال ": وما شرطت له؟ قال: تحمّلت له قتلي على أن يعول بنيك، ويقضي دَيْنَكَ،
والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من خبر السماء، وأنّ هذا الحديث الذي كان بيني وبين صفوان في الحِجْرِ كما قلت يا رسول الله، لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، ثم أخبرك الله عز وجل، به فآمنتُ بالله ورسوله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح المسلمون حين هَدَاه الله، فقال عمر: والله لخنزير كان أحب إليّ منه حين أتى، ولَهُوَ اليوم أحب إلي من بعض بني.
فقال له النبي عليه السلام: " أجلس نواسك.
وقال [لأصحابه]: عَلِّمُوا أخاكم القرآن.
وأطلق له أسيره، فقال له عُمير: يا رسول الله، قد كنت جاهداً ما استطعت في إطفاء نور الله سبحانه، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، فأْذن لي ألحق بقريش فأدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يهديهم ويَسْتَنْقِذَهُم من الهلكة، فأذن له النبي عليه السلام، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هخل كان [بها] من حدث؟ وكان يرجو قتل النبي، عليه السلام، على يد عُمير، حتى قدم عليه رجل من
المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: قد أسلم، فقال المشركون: صبأ/ عُمير.
وقال صفوان: إن لله علي ألا أنفعه بنافعه أبداً، ولا أكلمه بكلمة أبداً، وقدم عليهم عُمير، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فأسلم بشر كثير.
ونذر أبو سفيان بن حرب بعد وقعة بدر أن لا يمسَّ رأسه ذُهْنٌ، ولا يقرب أهله حتى يغزو محمداً صلى الله عليه وسلم فغزاه إلى أُحد، فكانت وقعة أُحد بعد بدر بسنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾.
يعني الأسارى الذين افتدوا وأسلموا في ظاهر أمرهم، ﴿فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل وقعة بدر، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، يعني ببدر.
قال قتادة: هو عبد الله بن أبي سَرْح كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم نافق
وسار إلى المشركين بمكة وقال لهم: ما كان محمد يكتب إلا ما شِئْتُ فَنَذَر رجل من الأنصار لئن أمكنه الله به ليضربنه بالسيف.
فلما كان يوم الفتح أمّن النبي صلى الله عليه وسلم، الناس إلا عبد الله بن سد بن أبي سَرْح [ومِقْيَس بن صُبَابة]، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي عليه السلام، كل صباح.
فجاءه عثمان بابن أبي سَرْح، وكان رضيع عبد الله، فقال: يا نبي الله، هذا فلان أقبل تائباً نادماً، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع
به الأنصاري، أقبل متقلداً سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى النبي عليه السلام، رجاء أن يومئ إليه.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم يده فبايعه، فقال: " أما والله لقد تَلُومَنَّكَ فيه لتوفي نذرك "، فقال: يا نبي الله، إني هبتك، فلولا أَوْمَضَتَ إليّ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا ينبغي لنبيٍ أن يُومِضَ ".
ومعنى ﴿خَانُواْ الله﴾: خانوا أولياءه.
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾، إلى قوله: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
من فتح " الواو " في: " الوَلاية " جعله مصدر " وَليَ " يقال: هو لي بَيِّنُ الوَلاَيَةِ.
ومن كسر فهو مصدر " والي "، يقال: هو والٍ بيّن الوِلاَيةِ.
ومعنى الآية: إن الذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وما جاء به، وهجروا قومهم وعشيرتهم وأرضهم إلى أرض الإسلام، والهجرة هجرتان: هجرة كانت إلى أرض الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وهذا إنما كان في أول الإسلام، ثم انقطع ذلك الآن: لأن الدار كلها دار الإسلام، ﴿وَجَاهَدُواْ﴾، أي: أتعبوا أنفسهم في حرب أعداء الله، ﴿والذين آوَواْ ونصروا﴾، أي: آووا رسول [الله] صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ونصروهم، وهم الأنصار، ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: المهاجرون أولياء الأنصار وإخوانهم.
و " الوليُّ " في اللغة: النصير.
فاختيار الطبري أن يكون: ﴿أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ بمعنى أنصار بعض.
قال ابن عباس: كانت هذه الولاية في الميراث، فكان المهاجرون والأنصار يرث بعضهم بعضاً بالهجرة دون القرابة، ألا ترى إلى قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾، فكانوا يتوارثون على ذلك حتى نزلت بعده: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75]، فنسخت مواريث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض.
وكذلك قال مجاهد.
قال قتادة: لبث المسلمون زماناً يتوارثون بالهجرة، وليس يثرث المؤمن الذي لم يهاجر من المؤمن المهاجر شيئا، وإن كان ذا رحم، ولا الأعرابي من المهاجر شيئاً، فنسخ ذلك قوله: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ/ مَّعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: 6]، يعني: من أهل الشرك، يوصون لهم إن أرادوا،
ولا يتوارث أهل مِلَّتَيْن.
وقال عكرمة والحسن: نسخها آخر السورة: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75].
وقوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ﴾.
أي: الذين آمنوا بمكة، ولم يفارقوا دار الكفر، ﴿مَا لَكُمْ﴾.
أيها المهاجرون، ﴿مِّن وَلاَيَتِهِم﴾، أي: نصرهم وميراثهم، ﴿مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ استنصروكم﴾، هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، ﴿فِي الدين﴾، أي: على أهل الكفر، ﴿فَعَلَيْكُمُ﴾ نصرهم ﴿إِلاَّ﴾ أن يستنصروكم ﴿على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، أي عهد وذمة، فلا تنصروهم وهم عليهم، ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: [بصير] فيما أمركم به من ولاية بعضكم بعضاً.
وقال ابن عباس: ﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين﴾، يعني: الأعراب المسلمين، فعليكم
أن تنصورهم، ﴿إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، فلا تنصورهم عليهم.
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، الآية.
المعنى: والذين كفروا بعضهم أحق ببعض الميراث، [أي:] أحمق من قرابتهم من المؤمنين.
وقيل: معناه: بعضهم أعون بعض.
وقوله: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ﴾.
أي: إن تفعلوا موارثة المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض، دون ذوي
الأرحام من المهاجرين الذين آمنوا ولم يهاجروا، ودون قرابتهم من المؤمنين والكفار: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾، أي: يحدث بلاء في الأرض بسبب ذلك، ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، أي: معاص.
قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض﴾.
قال ابن زيد: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لا يتوارثان، وإن كانا أخوين، فلما كان الفتح انقطعت الهجرة، وتوارثوا حيث ما كانوا بالأرحام.
وقال ابن جريج: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾: إلا تناصروا وتتعاونوا ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض﴾.
ف " الهاء " في: ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ تعود على التوارث، أو على التناصر.
قوله: ﴿والذينءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا﴾، الآية.
المعنى: والذين صدقوا بمحمد عليه السلام، بوما جاء به، ﴿وَهَاجَرُواْ﴾، أي: هجروا أهلهم ودارهم، ومضوا إلى دار الإسلام ﴿وجاهدوا﴾، أي في سبيل الله، ﴿والذينءَاوَواْ ونصروا﴾، أي: آووا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المهاجرين، ونصروهم، وهم الأنصار، ﴿أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾، أي: ستر: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي: لهم في الجنة مطعم هنيّ كريم، لا يتغير في أجوافهم فيصير نجواً، ولكنه يصير رَشْحاً كرشح المِسْكِ.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ [فأولئك مِنكُمْ]﴾، الآية.
المعنى: والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به، من بعد ما أمرتكم بموالاة المهاجرين والأنصار وتوارثهم، وهاجروا إليم وجاهدوا معكم ﴿فأولئك مِنكُمْ﴾، يعني الذين آمنوا من بعد الحديبية، ﴿وَهَاجَرُواْ﴾، ويقال لها: الهجرة الثانية،
﴿فأولئك مِنكُمْ﴾، أي: مثلكم ف يالنصر والموالاة والمواريث.
ثم قال تعالى: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾.
هذا نسخ لما تقدم/ من التوارث بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة.
قال اسماعيل القاضي: عنى بذوي الأرحام من يرث منهم، هم أولى ممن لا يرث من ذوي الأرحام، ومن غيرهم ممن لا نسب بينه وبين الميّت، فأما الولاء فهو قائم بنفسه في الميراث كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعنى ﴿فِي كِتَابِ الله﴾، في اللوح المحفوظ، هو كذلك قد سبق في علمه تعالى أنه كذلك بأمرنا.
﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أي: يعلم ما ينقلكم إليه قبل أن ينقلكم، لا إله إلا هو.
تفسير سورة براءة
قوله: ﴿بَرَآءَةٌ﴾، مبتدأ والخبر: ﴿إِلَى الذين﴾، وحَسُنَ الابتداء بِنَكِرَةٍ، لأنها موصوفة.
ويجوز أن تكون رفعت على إضمار مبتدأ، أي: هذه براءة.
يقال: بَرِئْتُ من العهد براءةً، وبَرِئْتُ من المرض وبَرَأْتُ [أيضاً] بُرْءاً، وَبَرَئْتُ القلم بَرْياً، غير مهموز مفتوح وأَبْرَيْتُ الناقة: جعلت في أنفها بُرَةً وهي حلقة من حديد.
وسورة " براءة " من آخر ما نزل بالمدينة، ولذلك قلّ المنسوخ فيها.
ويدل على ذلك أن ابن عباس قال لعثمان، رضي الله عنهما: ما حملكم على أن عمدتم إلى " الأنفال " وهي من المثاني، وإلى " براءة " وهي من المئين ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما: " بسم الله الرحمن الرحيم " ووضعتموهما في السبع الطُّوَل؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنزل عليه السور ذوات العدد، فإذا نزلت عليه الآية قال: " اجعلوها في سورة كذا وكذا "، وكانت " الأنفال " من أول ما نزل بالمدينة، وكانت " براءة " من آخر ما نزل، وكانت قصتها تشبه قصتها، ولم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك شيئاً، فلذلك فرق بينهما ولم يكتب بينهما سطر " بسم الله الرحمن الرحيم ".
ورُوي أن عثمان قال: ظننت أنها منها.
وكانت تُدْعَيَانِ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم: القرينتَين، فلذلك جعلتهما في السبع الطُّوَلِ.
ففي قول عثمان هذا: دليل على أن تألييف القرآن عن الله، عز وجل، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان، ويدل على أن ترتيب السورة على ما في المصحف إنما كان على اجتهاد من عثمان وأصحابه، ألا ترى إلى قول ابن عباس له: ما حملكم على كذا وكذا؟ يدل على أنهم هم رتبوا السورة، وأن تأليف السور إلى تمام كل سورة كان على تعليم النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ذلك.
وقد صح أن أبيَّ [بن] كعب، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وأبا زيد عم
أنس، كانوا قد جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشعبي: وأبو الدرداء حفظ القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومُجَمَّع ببن جارية، بقيت [عليه] سورتان [أَ] وْ ثلاث.
قال: ولم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان.
وحفظ سالم مولى أبي حذيفة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا شيئاً بقي عليه.
فهذا يدل على أنه كان مؤلفاً؛ لأن هؤلاء لم يحفظوه إلا وهو مؤلَّف مرتَّبٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، صلوات الله عليه، جل ذكره.
وقال أبي بن كعب: آخر ما نزل " براءة " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر في أول كل سورة بـ: " بسم الله الرحمن الرحيم "، ولم يأمر في سورة " براءة " بشيء، فلذلك ضُمّت إلى سورة " الأنفال "، وكانت أولى بها لشبهها بها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُعطيت السبع الطّول مكان التوراة وأعطيت المِئِينَ مكان الزَّبور، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وفُضِّلْتُ بالمفصّل ".
فهذا الترتيب يدل على أن التأليف/ كان معروفاً عند رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، وبذلك
أتى لفظه، عليه السلام.
ومعنى: ما رُوِيَ: أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يجمع القرآن، وأنه ضم إليه جماعة، أنه إنما (أمر) بجمعه في المصحف ليرسل به إلى الأمصار، لا أنه كان غير مؤلف ثم ألفه، هذا ما لا يجوز، لأن تأليفه من المعجز، لا يكون إلا عن الله عز وجل.
وقد قيل: إنما أمر بجمعه على حرفٍ واحدٍ؛ لأنهم كانوا قد وقع بينهم الخلاف لاختلاف اللغات السبعة الي بها نزل القرآن، فأراد عثمان أن يختار حرفاً واحداً، هو أفصحها ليثبته في المصحف، وإنما خص عثمان زيد بن ثابت لجمعه دون غيره ممن هو أفضل منه؛ لأنه كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم.
واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف فقيل: حرفُ زيد بن ثابت.
وقيل: حرفُ أُبَي بن كعب؛ لأن قراءته كانت على [آخر] عَرْضةٍ عرضها النبي على جبريل عليهما السلام.
وعلى الأول أكثر الرواة.
ومعنى: حرف زيد، أي: روايته وطريقته.
" فَلْيَقْرَأْه بقراءة ابن أُمِّ عبد "، يعني: ابن مسعود.
فإنه إنما أراد به ترتيل ابن مسعود، وذلك أنه كان يرتل القرآن إذا قرأه، فخصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف لترتيله لا غير ذلك.
قال الحسين بن علي الجعفي: فقراءة عبد الله هي قراءة الكوفيين؛ لأن عمر رضي الله عنهـ، بعث به إلى الكوفة ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قيل أن يجمع الناس عثمان على حرف واحد، ثم لم تزل في أصحابه ينقلها الناس عنهم.
وأصحابه منهم: علقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزِرُّ
ابن حُبَيْش، وأبو وائل، وأبو عمرو الشيباني وعبيدة، وغيرهم.
فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد، كان أول من قرأ به بالكوفة أبو عبد الرحمن السَّلّمِي: عبد الله بن حبيب، فأقرأ بجامع الكوفة أربعين سنة، إلى أن توفي، رحمه الله، في إمارة الحجاج.
وقد أخذ القرآن عن عثمان، وعن علي، وعن ابن
مسعود، وزيد، وأُبي.
وكان قر قرأ على علي، وقرأ عليه علي، وهو يمسك المصحف.
وأقرأ هو الحسن والحسين.
فلما مات أبو عبد الرحمن خلفه عاصم.
وكان عاصم أخذ عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زِرٍ.
وكان زر قد قرأ علي ابن مسعود.
ثم انتهت قراءة ابن مسعود إلى الأعمش.
وقرأ حمزة على الأعمش بالكوفة، وقرأ أيضاً حمزة على ابن أبي ليلى، وعلى حُمران بن أعين، وقرأ
حُمران على عُبَيد الله بن نُضَيْلَة، وقرأ عبيد الله على علقمة.
وقرأ علقمة على ابن مسعود، وقرأ ابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقرأ أيضاً حمران على أبي الأسود وقرأ أبو الأسود على علي.
وقد قال المبرد: إنما لم تكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " قبل " براءة "؛ لأن " بسم
الله الرحمن الرحيم " خير، و " براءة " أولها وعيد [و] نقض للعهود.
وعن عاصم أنه قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " لم تكتب أول " براءة "؛ لأنها رحمة و " براءة " عذاب.
قوله: ﴿إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ﴾.
إنما ذلك، لأن عقد النبي على أمته كعقدهم لأنفسهم.
وهؤلاء الذين بَرِئَ الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم، إليهم من العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذن لهم في السياحة في الأرض أربعة أشهر، جنس من المشركين كان مدة العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقل من أربعة أشهر، وأُمهلوا بالسياحة تمام أربعة أشهر (ليرتاد كل واحد).
والجنس الآخر كما عهده إلى غير أجل محدود/، فَقُصِرَ به على أربعة أشهر ليرتاد كل واحد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك، يقتل حيث وجد، إلا أن يُسلم.
فكان نزول " براءة " في بعض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين من
العهود، و [في] كشف المنافقين الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، في تبوك وغيرهم ممن سر خلاف ما أظهر.
وقيل: إنما أمهل أربعة أشهر، من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهد، فأما من لم يكن له عهد، فإنما جعل أجله خمسين ليلة، عشرين من ذي الحجة والمحرم، ودلّ على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5].
قال ذلك ابن عباس.
وكان النداء بـ: " براءة " يوم النحر.
وقيل: يوم عرفة، وبه تتم خمسون ليلة.
ونزلت " براءة " أول شوال، ومن ذلك اليوم كان أجل أربعة أشهر لأهل العهد.
وقيل: أول شوال كان نزول " براءة " وذلك سنة تسع، ومن ذلك الوقت أول أربعة الأشهر للجميع.
وهو قول الزهري.
فكان أجل من كان له عهد أربعة أشهر من ذلك الوقت، ومن لم يكن له عهد انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك أربعة أشهر أيضاً.
وقال ابن عباس: إنما كان أول الآجال من يوم أُذِّنَ بـ: " براءة "، وذلك يوم النحر، فجعل لمن له عهداً أربعة أشهر من ذلك اليوم، وذلك إلى عشر من ربيع الآخر.
ولمن لم يسم له عهد آخر الأشهر الحرم خمسين يوماً، ثم لا عهد لهم بعد ذلك ولا ذمة، يقتلون حتى يدخلوا في الإسلام.
وكان علي هو الذي نادى بـ: " براءة "، وكان أبو بكر أميراً عليهم، فلم يحج المشركون بعد ذلك [العام]، وكانوا يحجون مع المسلمين قبل ذلك.
قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم، عاهد قريشاً زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله عز وجل، نبيه عليه السلام، أن يُوفِّيَ بعهدهم إلى مدتهم، وأن يؤخروا من لا عهد له انسلاخ المحرم، ثم يقاتلون حتى يشهدوا [أن] لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وألا يقبل منهم إلا ذلك.