الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 1118-1157
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النحل

صفحات 1118-1157
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا، ويأسروننا كيف شاؤوا! لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، وما تلين شيئاً، وما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة.
ثم قلت: تلك الملائكة.
قال ابن عباس: " أسر أبو اليسر كعبُ بنُ عمرو العباسَ وكان أبو اليسر رجلاً مجموا وكان العباس رجلاً جسيماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أسرت العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك، ولا بعده هيأته كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أعانك عليه والله ملك كريم ". وقيل: إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ وما بعده في قصة يوم أحد هو كله وإنما وعدوا يوم بدر بأن يمدهم الله بألف من الملائكة مردفين.
قال قتادة: قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليلون.
ثم رجع إلى قصة أحد فقال: إذ تقول للمؤمنين الآيات ووعد الله [تعالى] المؤمنين يوم أحد أنهم إن ثبروا واتقوا بعد هذا اليوم أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسمين ففروا يوم أخد، ولم يتقوا النبي صلى الله عليه وسلم [ في أمره، فلم يمدهم بشيء.

وقال ابن زيد: " سألوا النبي صلى الله عليه وسلم] فقالوا يا رسول الله: هل يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟ وذلك يوم أحد، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ﴾ " قال الشعبي وغيره: وعدهم بخمسة آلاف، إن جاءوا من ذلك الفور، فلم يجيئوا ولم يمدهم بخمسة آلاف وأمدهم يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، يوم أحد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فهم أربعة آلاف وهم اليوم في جنود المسلمين.
ومعنى ﴿مِّن فَوْرِهِمْ هذا﴾ أي: من وجههم هذا.
وقيل: من غضبهم هذا لأنهم غضبوا يوم بدر.
واستدل من قال أنه تعالى قد أمدهم بقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾.
وقال مجاهد: معنى مسومين " معلَّمين مجززة أذناب خيلهم ونواصيها [فيها] الصوف العهن، وذلك التسويم.
وقال قتادة: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها وأنهم

كانوا على خيل بلق وقد سوم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالصوف.
وقيل: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر، وكذلك كانت عمامة الزبير.
وهذا كله يوم بدر، على كسر الواو لأنها سومت أنفسها، ومن فتح أضاف تسويمها إلى الله [تعالى ذكره.
ومن فتح الواو أيضاً احتج بقوله ﴿مُنزَلِينَ﴾ بإضافة النزول إلى الله] سبحانه فكذلك التسوم، كانوا أنزلوا مسومين.
وقيل: معنى مسومين: مرسلين من سومت الخيل: أرسلتها إلى السائمة.
وحكى بعض النحويين سوم الرجل غلامه أرسله، وخلا سبيله فيكون المعنى على هذا مرسلين إلى الكفار وكذلك (قال) الأخفش معناه: مرسلين.
وأكثر الناس على أن معنى مسومين معلمين: من السومة.

وقال مجاهد: لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وقال: مسومين معلمين بالصوف في أذناب خيلهم.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ﴾ الآية.
أي: ما جعل الله النصر والمدد والوعد بذلك إلا بشرى لكم ولتسكن إليه قلوبكم.
وقال مجاهد: لم يقاتلوا معهم يوم أحد، ولا قبله ولا بعده إلا في يوم بدر.
﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾.
قال ابن زيد: لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل لأنه عزيز في انتقامه حكيم في تدبيره.
فالهاء في ﴿جَعَلَهُ﴾ تعود على الإمداد، ودل عليه ﴿يُمِدَّكُمْ﴾ وقيل: تعود على المدد، وهم الملائكة لدلالة يمددكم على الملائكة الين يُمَدُّ السلمون بهم، وقيل: تعود على التسويم.
وقيل: تعود على الإنزال لدلالة [منزلين] على ذلك.
وقيل: تعود على العدد لأن خمسة آلاف عدد، فرجعت الهاء على المعنى.
قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا﴾ الآية.
المعنى: ليقطع طرفاً من الذين كفروا

نصركم، فبهذا تتعلق اللام.
ويجوز أن تكون متعلقة بـ " يمددكم ". والطرف: الطائفة [من الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم] . [ وتقدير الآية ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ﴾ فيهلك من الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم] . قال قتادة: قطع الله بدر طرفاً من الذين كفروا، وقتل صناديد رؤسائهم في الشر.
وقال السدي: عنى بذلك يوم أحد قتل منهم ثمانية عشر رجلاً، فذكرهم الله في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾، ثم ذكر الشهداء فقال بعد ذلك ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [آل عمران: 169] ومعنى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾.
وقيل: معناه: أو يصرعهم لوجوههم سُمِعَ من العرب كبته الله لوجهه بمعنى صرعه.
ذكره أبو عبيدة، وعن أبي عبيدة أيضاً، الكبت: الهلاك، وقيل: معناه: يغيظهم ويخزيهم ومنه ﴿كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: 5].
والأصل فيه عند أهل النظر يكبدهم من أصاب كبده بشر وحزن وغيظ، ثم أبدل من الدال تاء لقرب مخرجهما كما قال: هرت التوب وهردت إذا حرضه يقال قد

أخرق الحزن كبده، والخائب الذي لم ينل ما أمل.
قوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ الآية.
هذا معطوف عند الطبري وغيره على ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، والمعنى عنده: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ ففي الكلام في قوله تقديم وتأخير.
وعند غيره أو بمعنى إلا، فهي الناصبة بإضمار إن، ولا تقديم ولا تأخير في الكلام.
ومعنى الآية: ليس لك يا محمد من الحكم في عبادي شيء، أو أتوب عليهم برحمتي إن شئت، فيؤمنوا أو أعذبهم فيموتوا على كفرهم ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: قد استحقوا العذاب بظلمهم.
وكان سبب نزول هذه الآية " أن النبي عليه السلام لما أصابه بأحد ما أصابه قال كالآيس منهم أن يؤمنوا: " كيف يفلح قوم فعلوا [هذا] بنبيهم " وقد كانوا كسروا رباعيته، وشج، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول " كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم "؟ فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء حين نزلت عليه الآية، وكان قد دعا عليهم قبل الآية وقال، في عتبة بن أبي وقاص حين كسرت رباعيته، ووشاء وجهه فقال

" اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً " فما حال عليه [الحول] حتى مات كافراً ". وقال ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ الآية ". وروى أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى الفجر فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قال: اللهم انجِ عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المسلمين، اللهم اشدد وطأتك

على مضر اللهم سنين كسني يوسف فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ الآية " وروى ذلك أبو هريرة أيضاً - عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أنه قال: " واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وزاد فيها الدعاء على قوم آخرين "، فلما نزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ ترك ذلك.
وروى ابن وهب عن رجاله يرفعه إلى النبي عليه السلام " أنه كان يدعو على مضر إذ جاء جبريل صلى الله عليه وسلم فأومأ إليه أن اسكت، فسكت فقال يا محمد: إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذاباً ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ قال: ثم علمه القنوت " اللهم إنا نستعينك.
. . إلى آخره ملحق ". وقال بعض الكوفيين: إن هذه ناسخة للقنوت الذي كان النبي عليه السلام جعله في صلاة الصبح، وأكثر الناس على أنه ليس بمنسوخ.
قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾.
هذا تأكيد لما قبله أن الله له كل الأشياء يفعل ما يريد ويحكم ما يريد فيغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء ويعذب من يشاء.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرباوا أضعافا مضاعفة﴾ [أضعافاً]: حال من الربا.

قال النحاس: هو مصدر، وهو غلط منه، وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن يأكلول الربا بعد إسلامهم.
ومعنى ﴿أضعافا﴾ أي: تضعفون الدين إذا أخرتم الأجل، كان الذي عليه الدين يقول: أخرني، وأزيدك فإذا حان قال: أخرني وأزيدك، فيتضاعف الدين عليه.
﴿واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تنجون.
والمفلح الذي أدرك ما أمل ونجا مما خاف.
﴿وَأَطِيعُواْ الله والرسول﴾ أي: أطيعوه فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وأطيعوا الرسول أن تخالفوه كما خالفتموه يوم أحد فهذه معاتبة من الله عز وجل للذين عصوا يوم أحد، قال ابن عباس.
قوله: ﴿سارعوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ الآية.
معناه: بادروا بالأعمال الصالحات، أي: إلى ستر ذنوبكم من ربكم، والمغفرة الستر - ومنها المغفر.
وسارعوا أيضاً إلى جنة هذه صفتها.
ومعنى ﴿عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾.: أي عرضها كعرض السماوات السبع، والآراضين السبع إذا ضم بعضها إلى بعض.
قال ابن عباس: تقرن السماوات السبع، والآرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذلك عرض الجنة ولا يصف أحد طولها لاتساعه، والله أعلم بذلك.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: لو أن السماوات بسطن، ثم وصل بعضها إلى بعض ما كُنَّ في سعة خلق الله إلا بمنزلة

الحلقة في المفازة.
وكم لله من عالم أعظم من السماوات والأرض! [وروي أن لله تعالى اثني عشر عالماً السماوات والأرض] منها عالم واحد.
قال أبو محمد رضي الله عنهـ: والله أعظم من ذلك كله، ويقدر على أكثر من ذلك كله لا إله إلا هو.
وقد قيل معنى ﴿عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ أي: سعتها كسعتهن ومن قول العربي أرض عريضة أي: واسعة، وليس يريد العرض الذي هو خلاف الطول.
قال أنس بن مالك: يعني بالمسارعة: التكبيرة الأولى.
وسئل النبي عليه السلام وقيل له: " هذه الجنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال: هذا النهار إذا جاء فأين الليل؟ " وروي أن بعض أهل نجران سألوا عمر عن ذلك فأجابهم بذلك فقالوا: لقد نازعت بمثل ما في التوراة.
قوله: ﴿الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ والضرآء﴾ الآية.
هذه صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ينفقون أموالهم في الله في حال السرور.
والسراء مصدر سرني مسرة وسروراً.
والضراء مصدر، قد ضُرَّ فلان إذا أصابه الضر، وهو الضيق والجهد.
قال ابن

عباس: في السراء والضراء في اليسر، والعسر.
﴿والكاظمين الغيظ﴾ أي: الذين يتجرعون غيظهم عند امتلاء أنفسهم.
وقيل الكظم: الحبس، فمعناه: والحابسين غيظهم ﴿والعافين﴾ أي: الصافحين عن جنايات الناس وذنوبهم وهم على الانتقام قادرون.
قال أبو العالية: ﴿عَنِ الناس﴾ أي: عن المماليك.
وقال النبي صلى الله عليه سلم " من كظم غيظاً، وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً " وقال ابن عباس: هذا كقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى 34] ﴿والعافين عَنِ الناس﴾ مثل قوله: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ﴾ [النور: 22].
. . إلى قوله: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ [النور: 22] الآية.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما تجرع عبد جرعة خير له من جرعة غيظ ".

وقال " أفضل أخلاق المسلمين العفو ". ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ أي: يحب من عمل بهذه الصفات.
وعن الحسن أنه قال: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ عن الأرقاء ﴿والعافين عَنِ الناس﴾ إذا ما جهلوا عليهم.
قوله: ﴿والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ الآية.
هذا كله من نعت المتقين الذين أعدت لهم جنة عرضها السماوات والأرض.
وروي عن جابر أنه قال: الفاحشة هنا: الزنا وكذلك (قال) السدي.
وقيل: هي كل فعل قبح [في] الشر [ع].
ومعنى ﴿أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعلوا غير الذي ينبغي.
قال النخعي: الظلم من الفاحشة والفاحشة من الظلم.
ومعنى ﴿فاستغفروا﴾ أي: استدعوا الغفران من الله عز وجل وهو الستر على فعلهم ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله﴾ أي: من يسترها على فاعلها إلا الله.
وقال عطاء بن أبي رباح: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " يا نبي الله، بنو إسرائيل

أكرم على الله منا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه [على بابه] مكتوبة: أجدع أنفك، افعل كذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿سارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
. . إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم؟ ثم قرأ الآيات.
فقيل: إنها خصوص أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن بني إسرائيل كانت تمتحن على ذنوبها، وتعاقب عليها في الدنيا ". قال ثابت البناني لما نزلت.
﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية: بكى إبليس فزعاً منها، قال: وبلغني أنه بكى حين نزلت ﴿والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
قال علي بن أبي طالب: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً ينفعني الله منه بما يشاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر له " ثم تلى هذه الآية ﴿والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾.
وروي عنه زيادة في هذا الحديث وهو أنه قال: ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر.

وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه ثمراً فضرب على عجزها فقالت: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك؟ فأُسقط في يده، فذهب إلى أبي بكر فقال له: إياك أن تكون امرأة غازٍ.
ثم قال له عمر مثل ذلك، وقال النبي عليه السلام مثل ذلك، فذهب يبكي فنزلت في اليوم الرابع ﴿والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ الآية.
وقال النبي عليه السلام: " إن الله يغضب للغزاة كما يغضب للمرسلين ويستجيب لهم كما يستجيب للمرسلين ". وروي أن نبهان التمار أقام ثلاثة أيام صائماً حزيناً يبكي على ذنبه، فلما نزلت الآية أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بها فشكر الله، ثم قال: يا نبي الله هذه توبتي قبلها الله مني، فكيف حتى يتقبل شكري؟ فأنزل الله ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل﴾ [هود: 114] الآية.
ومعنى ﴿ذَكَرُواْ الله﴾ [أي]: ذكروا نهي الله عما ركبوا وما أحدثوا فاستغفروا ﴿لَمْ يُصِرُّواْ﴾ أي: لم يتمادوا ولم يثبتوا على ما فعلوا.
وقيل ﴿لَمْ يُصِرُّواْ﴾ أي: لم يسكتوا عن الاستغفار قاله السدي.
والمعنى عند أكثر المفسرين، وأهل اللغة لم يقيموا متعمدين على الذنب، وترك التوبة منه.

وقال الحسن: المعنى لم يواقعوه إذ هموا به، جعل الآتي للذنب مصراً في حال إتيانه، وهو بعيد عند أهل اللغة، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ". وقال السدي: معنى ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لم يقيموا على ترك الاستغفار وهم يعلمون [أنهم اذنبوا.
وقيل: المعنى يعلمون أن الذي أتوا معصية.
وقيل المعنى ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾] أنهم إن تابوا تاب الله عليهم.
وقيل المعنى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ إني معاقب على الإصرار.
وقيل: المعنى: وهم يذكرون ذنوبهم.
قوله ﴿أولئك جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ الآية.
المعنى: أولئك الذين مضت صفتهم جزاؤهم مغفرة أي: ثوابهم مع ما ذكر مما أعد لهم ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي: ثواب المطيعين.
قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأرض﴾.

المعنى: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا أصحاب محمد سنن وسير نحو: إهلاك عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم فتركتهم عبراً ﴿فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين﴾ للرسل الجاحدين للكتب.
وهذا إعلام من الله تبارك وتعالى للمؤمنين أنه سيهلك من أدال له على المسلمين للمشركين يوم أحد، وأنه إنما فعل لهم ذلك استدراجاً منه لهم، وإمهالاً حتى يبلغ الكتاب أجله.
وأصل السنة الطريقة المستقيمة.
وقيل: ﴿سُنَنٌ﴾ هنا أمثال فيمن كان قبلكم.
قوله: ﴿هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ الآية.
وقال الحسن: ﴿هذا﴾ إشارة إلى القرآن، وقاله قتادة.
وقال الربيع: ﴿هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ عامة وهو القرآن ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ خاصة.
وقال ابن اسحاق: ﴿هذا﴾ إشارة إلى قوله ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ الآية.
وقال الشعبي: ﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ من الجهل وذلك لمن اتقى المحارم.
قوله: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ الآية هذه الآية تعزية لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيما

أصابهم يوم أحد من الجراح، والقتل فعزَّاهم الله، وبشّرهم أنهم الأعلون.
ومعنى ﴿وَلاَ تَهِنُوا﴾: لا تضعفوا عن قتال عدوكم ﴿وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ على ما فات، فإلى النعيم المقيم صار، وأنتم مع ذلك الظافرون فيما تستقبلون ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين لمحمد صلى الله عليه وسلم وما أتى به.
قال ابن جريج: " لما انهزم أصحاب النبي عليه السلام يوم أحد في الشعب قالوا: ما فعل فلان، ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضاً، وتحدثوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم [ قتل، فكانوا في هم وحزن على النبي صلى الله عليه وسلم] فبينا هم كذلك إذ علا خالد بن الوليد [الجبل] بخيل من المشركين فلما رأى المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا، وثاب قوم من الرماة [من المسلمين فصعدوا الجبل فرموا المشركين حتى انهزموا وعلا المسلمون الجبل فنزل ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا قوة إلا بك وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر " ". قال ابن عباس: لما أتى خالد بن الوليد يريد أن يعلو الجبل بخيل معه، قال النبي عليه السلام: " اللهم لا يعلون علينا " فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَهِنُوا﴾ الآية.
قوله ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ﴾ الآية.
هذا تعزية للمسلمين فيما أصابهم من الجراح والقتل يوم أحد وأنهم إن كان

أصابهم ذلك فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر، ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس﴾ أي: إن ظفرتم يوم بدر فكانت لكم دولة، ثم كانت الدولة للمشركين يوم أحد غليكم بمعصيتكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم كل ذلك ليبتلي الله المؤمنين، وليبلغ الكتاب أجله.
وروي أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم أحد سبعون، وكثر الجراح في الباقين حتى شج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته والقَرح والقُرح لغتان عند الكسائي والأخفش وقطرب كالضُعف والضَعف.
وقال الفراء: الفتح اسم الجرح، والضم اسم الألم.
ولم يعرف أبو عمر الضمن.
وقال يعقوب الحضرمي: المفتوح ما كان بسلاح، والمضموم الجهاد كذا وقع عنه.
قال ابن عباس: " لما كان يوم أحد وأصاب المسلمين ما أصاب صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل فجاء أبو سفيان فقال يا محمد: الحرب سجال يوم لنا، ويوم لكم فقال النبي عليه السلام: أجيبوه فقالوا له: لا سواء لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في الناؤ.
فقال له أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه.
فقالوا: الله مولانا ولا مولى

لكم [فقال أبو سفيلن: أعل هبل أعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل].
فقال أبو سفيان: موعدنا، وموعدكم بدر الصغرى، فنزلت ﴿وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس﴾ ". قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الله الذين﴾ أي: داوها ليعلم الله المؤمنين من المنافقين علم مشاهدة، وهو عالم بهم قبل أن يخلقهم الله ولكن أراد العلم الذي يقع عليه الجزاء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ أي: يكرم من أراد بالشهادة.
والشهداء جمع شهيد، وسمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة.
قال ابن جريج: كان المسلمون يسألون الله أن يريهم مثل يوم بدر، فيقاتلون ويلتمسون فيه الشهادة، فابتُلوا بيوم أحد، فخالف الرماة، فقتل من المسلمين، واتخذهم الله شهداء، فبلغهم أملهم الذي كانوا قد أملوا وسألأوا.
وقال ابن عباس: يسألون الشهادة فقتلوا يوم أحد.
تم الجزء التاسع

قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ﴾.
المعنى: داول الله [الأيام] بين الناس، فيعلم المؤمنين من المنافقين، وليمحص ذنوب المؤمنين.
يقال: محصه إذا خلصه فمعناه على هذا: وليخلص الله المؤمنين من ذنوبهم داول الأيام بين الناس، ومنه قولهم: اللهم محص عنا ذنوبنا أي خلصنا من عقوبتها.
وقيل: معنى ليمحص ليبتلي.
ومعنى: ﴿وَيَمْحَقَ الكافرين﴾ أي: يستأصلهم.
وقيل يمحق أعمالهم.
وقيل: ينقصهم ويفنيهم.
يقال: محق فلان الطعام إذا نقصه وأفناه.
وقال مجاهد: وليمحص وليختبر.
قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ﴾ الآية.
قرأ الحسن ويحيى بن يعمر ﴿وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ عطفاً على ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله﴾.
ومن نصب في ظهر " أن " عند الخليل وسيبويه، وعلى الصرف عند الكوفيين،

ومعنى الصرف عندهم أن يكون في أول الكلام جحد، أو استفهام أو نهي، ولا تمكن إعادته مع حرف العطف فإذا لم تمكن إعادته لم يعطف بالثاني على الأول، ولكن يصرف على العطف على النصب.
والمعنى: أم حسبتم أيها المؤمنون أت تنالوا الكرامة، ولم تختبروا بالشدة والبأساء، فيعلم منه صدقكم وصبركم واقعاً وقد كان تعالى ذكره، علمه غيباً، ولكن لا تقع المجازاة إلا على ما خرج من الأفعال إلى الوجود.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت﴾ الآية.
المعنى: لقد كنتم يا أصحاب محمد تتمنون الموت، وذلك أن أناساً فاتهم حضور بدر، وما أ'طي أهل بدر من الفضل، فكانوا يتمنون الموت أن يجاهدوا، فيبلوا العذر في القتال في الله عز وجل.
ومعنى: ﴿تَمَنَّوْنَ الموت﴾ أي: القتل الذي هو سبب الموت ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: رأيتم سبب الموت ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي: بصراء تشهدون ذلك عن قرب.
قال القتبي ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾: يعني أسباب الموت وهي السيف والسلاح.
وقيل: الهاء في رأيتموه تعود على محمد صلى الله عليه وسلم.
فلما كان يوم أُحد حضروا القتال، فولى قوم وأبلى [قوم] العذر، وأوفوا بما

عاهدوا، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: 23] أي: استشهد فقتل، ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ أي: الشهادة ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ أي: ما بدلوا العهد الذي عاهدوا الله عليه من ابتلاء العذر في الجهاد في الله عز وجل.
وقيل: إنهم كانوا يتمنون الشهادة في القتال فقتلوا يوم أحد.
قال الحسن: لما سألوا، ابتلوا بيوم أحد [فلا] والله ما كلهام صدق.
قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ الآية.
معنى الآية أن الله أخبرهم أن محمداً كبعض رسله المتقدمين في الرسالة والدعاء، الذين قد مضوا وخلوا، فلما حضرت آجالهم ماتوا فمحمد صلى الله عليه وسلم مثلهم ميت عند انقضاء أجله، وهذا إنما هو معاتبة من الله للمؤمنين على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل فب أحد إن محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل، ومقبحاً لهم انهزام من انهزم منهم حين سمع ذلك.
ومعنى: ﴿انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: ارتددتم عن دينكم لو مات، وهل هو إلا مثل من تقدمه من الرسل ميت عند انقضاء أجله؟ فلو مات أكنتم تكفرون؟ ﴿وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ﴾ أي: من يرتدد عن دينه ﴿فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً﴾ سبحانه ارتداده.
وفي

لفظ الاستفهام تقديم وتأخير، وذلك أنهم إنما وبخوا وعوذلوا على الانقلاب على العقبين، فهم لم ينكروا موت محمد صلى الله عليه وسلم فيقع عليه لفظ الاستفهام الذي يدل على التوبيخ، ولا أنكر عليهم ذلك، إنما أنكر عليهم انقلابهم، فحق الاستفهام الذي للتوبيخ أن يقع على ما أنكر عليهم وهو انقلابهم، ومثله ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: 34] لم يستفهم عن الموت وإنما استفهم عن خلودهم بعد موت محمد صلى الله عليه وسلم؟ أيكون أم لا؟ فحق الاستفهام أن يقع عليهم، فيكون: أفهم الخالدون إن مت؟ وكذلك هذا حقه.
أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟ ففيه اتساع معروف في كلام العرب مشهور قد علم معناه.
والأصل في ذلك أن كل استفهام دخل على حرف الجزاء، فالاستفهام في غير موضعه وحقه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط داخلاً على الجواب، فهذا تقديره حيث وقع.
أو قولهم ﴿وَسَيَجْزِي الله الشاكرين﴾ أي: وسيثيب الله عز وجل من شكره على هدايته له، وتوفيقه إياه.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: أبو بكر أمير الشاكرين، فالآية إنما نزلت فيمن انهزم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال قتادة: لما كان يوم أحد من الشناعة ما

كانت في قتل النبي صلى الله عليه وسلم قال ناس: لو كان نبياً ما قتل.
وقال ناس من عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله، أو تلحقوا به، فأنزل الله تبارك وتعالى في عتاب من قال: لو كان نبياً ما قتل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾.
وذكر الربيع أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال الأنصاري: وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.
قال السدي: " لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يوم أحد بعد صلاة لجمعة يوم الجمعة، أمر الرماة فقاموا في أصل الجبل في وجوه خيل المشركين.
وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن لأسود على المشركين فهزموهم وحمل صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموهم وهزموا أبا سفيان.

فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة من المسلمين، فانقطع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينهبونه بادروا الغنيمة، فقال بعضهم لبعض: لا تتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق عامتهم فلحقوا بالمعسكر فلما رأى خالد قلة من بقي من الرماة صاح فيه خيله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل على أصحاب محمد، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل شدوا على المسلمين وتنادوا فقتلوا من المسلمين عدداً، وأتى ابن قميئة الحاري فرمى [رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته، وشجه في وجهه، وتفرق عن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وصعد بعضهم الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وجعل] رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا الناس ويقول: [إلي عباد الله] فاجتمع إليه ثلاثنون رجلاً، وجعلوا يسيرون بين يديه، ولم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك فقال: يا كذاب، أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم طعنة في الدرع، فجرحة فوقه يخور خوار الثور، فحماه المشركون وقالوا: ليس بك بأس، فما

يجزعك؟ فقال: أليس قال: لأقتلنك، لو كانت الضربة لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم فلم يلبث حتى مات [و] فشا في الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال بعض أحصاب الصخرة: ليتنا أخذنا من المشركين أماناً، وضعفوا، وقال بعضهم: يا قوم إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل، فإن رب محمد صلى الله عليه وسلم لم يُقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم اللهم إنا نعتذر إليك مما قال هؤلاء ". ويروى " أن الذي قال ذلك واعتذر: أنس بن النضر، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل.
وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو حتى أتى أصحاب الصخرة فلما رأوه أراد رجل منهم أن يرميه، ولم يعرفه فقال: أنا رسول الله، ففرحوا وفرح رسول الله بهم، وذهب عنهم الحزن وأنزل الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ الآية ". وقال الضحاك: نادى منادٍ يوم أحد: ألا إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول فأنزل الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ الآية.
قوله ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ الآية معناه: لا تموت نفس إلا بإذن الله، وليس هو نهي للنفس، لأن ذلك ليس هو في يديها وهو بمنزلة

﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] أي: كونوا مسلمين حتى يصادفكم الموت عليه، وليس هو نهي عن شيء لأن ذلك ليس إليهم ليس الموت في أيديهم، وله نظائر كثيرة ليس معناها النهي عن المذكور إنما معناها النفي، كأنه قال: لا تفارق الإسلام حتى يأتيكم الموت، وأنتم عليه كذلك.
هذا نعنى لا تموت نفس إلا بإذن الله، أخبرهم الله في هذه الآية أن محمداً صلى الله عليه وسلم وغيره لا يموت إلا بإذن الله، وإذا أتى أجله.
" وكتاباً " منصوب على المصدر أي كتب الله ذلك كتاباً.
قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من يرد بعمله أعراض الدنيا دون ما عند الله يعطه ما قسم الله منها يرزق أيام حياته، ولا حظ له في الآخرة، ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة﴾، أي ما عند الله من الكرامة ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشاكرين﴾ أي: سنتيب من أطاعني وقبل أمري، لأن اتباع أمر الله والعمل بطاعته من أعظم الشكر.
قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ﴾ الآية.

قال الخليل: من قرأ كأين بهمزة بعد ألف وهي قراءة أهل مكة فإنما قدم الياء قبل الهمزة ثم جعلها ألفاً وسكنت الياء الثانية لأنها بعد همزة مكسورة.
وأما من قرأ وكأي فإنها عند الخليل (أي): دخلت عليه كاف التشبيه فصار في الكلام معنى كم، فيجب على قوله أن تقف بغير نون في قراءة الجماعة كما تقف على (أي): وهو مذهب سيبويه وكذلك حكى عن أبي عمرو، والكسائي، وروي عنهما الوقف على النون.
فمن وقف بالنون في هذه القراءة، فإنما ذلك لأنه اتبع السواد وهو في المصحف بالنون على قراءة من قدم الألف قبل الهمزة وهي قراءة ابن كثير ومن قرأ: " قتل ": فالمعنى عند عكرمة أن القتل إخبار عما فعل بالأنبياء عليهم السلام، وأنهم قتلوا فيما مضى، وأن من كان معهم لم يضعف بعده ولا تضعضع.
ثم أخبر عن قولهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، وثباتهم على دينهم، فيكون التمام على هذا قتل وفيه بعد لأن ما بعده من صفة نبي ويكون معنى الآية: أن الله وبخ بذلك

أصحاب النبي الذين ضعفوا يوم أحد حين قيل: قتل محمد! فأخبرهم أن كثيراً من الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان معهم ليتأسوا بهم.
وقيل: المعنى أن الله عز وجل أخبر أنه قد قتل مع الأنبياء عليهم السلام ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فما وهن من بقي ولا ضعف ولا ذل، فيتأسى المسلمون بهذا، فلا يضعفون لما أصاب أصحابهم من القتل يوم أحد، فلا يكون التمام على هذا قتل لأن " الربيون " مرفوع بقتل، والأول أحسن لأن كعب بن مالك قال: أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أنه لم يقتل: أنا، رأيت عينيه تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن: اسكت.
وكان قد صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد فانهزم المسلمون إلا قليلاً منهم، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ﴾ أي: كثير من الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان بعده ولا ذل، فكيف اردتم أيها المؤمنون أن تضعفوا حين سمعتم الشناعة بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل، فتأسوا أيها المؤمنون بمن كان قبلكم من أصحاب الأنبياء صلوات الله عليهم، الربيين.

وعلى تأويل اختار قوم من العلماء قراءة من قرأ قتل لأنهم عوقبوا على ضعف بعضهم لما سمعوا لقتل النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن قرأ قاتل حمله على معنى أنهم وهنوا لقتل أصحابهم وجراحم، فأنزل الله عز وجل عليهم يعلمهم أن كثيراً من الأنبياء قاتل مع أصحابه وأتباعه، فلم يضعفوا لما أصابهم من قتل وجراح فتأسوا بهم.
واختار بعض أهل اللغة قاتل لأنه أبلغ في المدح من قتل لأن الله تعالى إذا مدح من قاتل كان من قتل أدخل في المدح لأنه لم يقتل إلا بعد القتال، فالقاتل والمقتول ممدوحان في قراءة من قرأ قاتل وهو إذا مدح من قتل فليس من قاتل، ولم يقتل بالممدوح، فقاتل أبلغ في المدح للجميع.
" والربيون " الذين يعبدون الرب نسبوا إليه لعبادتهم إياه وإقرارهم له، وهو معنى مروي عن الحسن وغيره.
واحدهم ربي منسوب إلى الرب ولكن كسرت الراء اتباعاً للكسرة التي بعدها كما قالوا: نسي وعصي فكسروا الأول للاتباع، وقيل: الربانيون الجماعات.
وقيل: هم العلماء الألوف.

قال ابن عباس: ربيون جموع كثيرة.
وقال ابن جبير: علماء كثير.
وقال الحسن: فقهاء وعلماء.
وقال ابن المبارك: أتقياء صُبُر.
وقال ابن زيد: الربانيون الأتباع، والربانيون الولاة.
وقيل الربانيون: منسوب إلى الرب أيضاً واحد ربي وزيدت الألف والنون للمبالغة كالنسبة إلى الجهة: جهاتي ثم جمع بعد الزيادة وقد مضى ذكره.
وقال ابن زيد: هذا عتاب من الله عز وجل لأصحاب النبي عليه السلام حين صاح إليهم الشيطان يوم أُحد أن محمداً قد قتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمنوكم.
وقرأ الحسن وعكرمة وأبو رجاء: رقبيون بضم الراء غُير أوله بالضم كما قالوا في النسب إلى الدهر دهري.
قوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ أي: ما ضعفوا، ولا عجزوا لما أصابهم من آلام الجراح، وقتل أصحابهم: وقيل: لم يعجزوا لما أصابهم من قتل نبيهم صلى الله عليه وسلم ولا آلام جراحهم، ولم يعجزوا عن القتال في سبيل الله تعالى بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم.

والوهن أشد الضعف.
وكان سعيد بن جبير يقول: لم أسمع بنبي قتل في الحرب، فلا يكون الوقف على قوله: قتل البتة.
قوله: ﴿وَمَا استكانوا﴾ أي: ما خشعوا لعدوهم بالدخول في دينهم، ولكن مضوا على بصيرتهم في نصر دينهم وصبروا.
قال ابن اسحاق: ما وهنو لفقد نبيهم، وما ضعفوا عن قتال عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الحرب.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
حكى الله عز وجل للمؤمنين قول الربيين الذين ذكرهم ليتأسوا بهم، فأخبرهم أنهم لم يعتصموا إلا بالصبر ومجاهدة عدوهم، ومسألة ربهم المغفرة والنصرة على عدوهم.
ومعنى: ﴿وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا﴾ أي: خطايانا وظلمنا لأنفسنا.
وقال الضحاك: هي الكبائر وسألوه المغفرة فيها.
قوله: ﴿فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدنيا﴾ الآية]، المعنى: فأعطى الله المؤمنين الربيين ثواب الدنيا أي: النصر على عدوهم والظفر والغنيمة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة﴾ أي: خير

جزاء الآخرة وهو الرضوان من الله: ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ أثنى عليهم أنهم محسنون وأن الله يحبهم.
قوله ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية.
هذه الآية تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يطيعوا المنافقين والكافرين بمحمد في أمر، أو يقبلوا منهم نصيحة، وأ'لمهم أنهم إن قبلوا منهم ردوهم كافرين مثلهم، فيخسرون دنياهم وآخرتهم.
قوله ﴿بَلِ الله مَوْلاَكُمْ﴾ أي: بل الله وليكم ينقذكم من طاعة الكافرين التي ترديكم فأطيعوه ولا تستنصروا بغيره فهو خير من استنصرتم به.
قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ الآية.
بشر الله تعالى المؤمنين بما صنع بالمشركين، ويصنع بهم.
قال السدي: " ارتحل المشركون يوم أُحد متوجهين نحو مكة إذا بلغوا بعض الطريق ندموا فقال لهم أبو سفيان: بئس ما صنعنا، قاتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب وانهزموا، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً فقالوا له: إذا لقيت محمداً، وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم.
كذباً منهم لما قد جعل في قلوبهم من الرعب، وأعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأمرهم ورعبهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فلم يلحقهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " نصرت بالرعب " ".

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ﴾ الآية.
أعلم الله عز وجل المؤمنين أنه قد صدقهم وعده الذي أتاهم على لسان نبيه، وهو قوله للرماة بأحد: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا هزمناهم، فإن لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، ووعدهم بالنصر إن انتهوا إلى أمره.
وقال لمن معه غير الرماة: إذا هزمناهم فلا تتبعوهم فقام الرماة بأصل الجبل.
ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم من أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط، وانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم ابن عم، فتركه وكبّر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجيز عليه؟ فقال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، [ثم شد الزبير بين العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزمهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فنقمع، ثم أيقن الرماة بأن المشركين انهزموا، وأن

رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وأصحابه] ينهبونهم، فلحق أكثرهم بالعسكر من نهب وثبت [الأقل] لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل على من بقي من الرماة فقتلهم، وحمل على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تراجعوا فشدوا على المسلمين فهزموهم، وقتلوا وجرحوا فأصيب من المسلمين سبعون رجلاً، وكان أبو سفيان أقبل إلى المدينة في ثلاث خلون من شوال، فنزل بأحد، وكانوا في ثلاثة آلاف معهم مائتا فارس، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم [ في سبعمائة رجل، فمعنى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ﴾ أي: الذي وعدكم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم] من النصر إذا ثبت الرماة حق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم [أنهم] سيهزمون المشركين، فكان ما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم حق، فهو الوعد الذي صدقهم الله تعالى.
فلما (فشلتم وتنازعتم وعصيتم) طلباً للغنيمة يعني ما فعله الرماة والذين اتبعوا الهزيمة ﴿بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ وهو هزيمة المشركين.
ومعنى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: تقتلونهم بعلمه، والحسن: القتل الذريع وذلك في أول الهزيمة التي كانت على المشركين قبل أن يزول الرماة من مكانهم.

وقيل: بإذنه بحكمه.
وقيل: بتسليطه إياكم عليهم.
ومعنى: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر﴾ هو اختلاف الرماة قال قائلون: نمضي للغنيمة.
وقال آخرون: لا نبرح ولا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى الأكثر وكان ذلك سبب قتل من بقي.
ومعنى: ﴿فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم، وتخاذلتم، وعصيتم النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمركم به وقد كان الله تعالى: صدقكم وعده الذي أخبركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم ﴿ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ من النصر إذ هزم عدوكم ولكنكم اخترتم الدنيا وهي الغنيمة.
قال مالك: لما نزلت يوم أحد: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة﴾ قال عبد الله بن مسعود: والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ما ظننت أن فينا أحداً يريد الدنيا.
ومعنى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ أي: يريد الغنيمة، وأخذ الأموال وقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي: ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد أن استوليتم عليهم، ورأيتم ما تحبون من هزيمتهم، وقتل صاحب رايتهم فعل ذلك بكم ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي يختبركم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذا لمن عصى من الرماة خاصة.
وقال ابن جريج: معنى

﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ إذ لم يستأصلكم بالقتل، وقاله غيره.
قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾ الآية.
العامل في إذ عفا، كأنه قد عفا الله عنكم أيها المؤمنون ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: تلوون منهزمين في الوادي والرسول يدعوكم إليّ عباد الله، فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية اصتعاد، وفي الجبل صعود لأنه كالسلالم والدرج.
وقرأ الحسن " إذ تَصعَدون " بفتح التاء والعين على تأويل إنهم صعدوا الجبل منهزمين، وقد روي أن بعضهم صعد الجبل.
قال السدي: " لما وقعت الهزيمة على المسلمين دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إلي عباد الله إلي عباد الله ". وقال القتبي: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ تبعدون في الهزيمة يقال: اصتعد في الأرض إذا أمعن

في الذهاب.
﴿وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾ أي: لا ترجعون ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هرباً من عدوكم ﴿فأثابكم غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ أي: جزاكم بفراركم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم، وفشلكم عن عدوكم، ومخالفتكم غماً على غم، الباء في موضع على.
ومعنى: ﴿فأثابكم﴾ جعل ما يقوم مقام الثواب لكم غماً بعد غم مثل: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21، التوبة: 34، والانشقاق: 24].
فالغم الأول: ما لحقهم على نبيهم صلى الله عليه وسلم حين سمعوا أنه قتل.
والثاني: ما لحقهم من الجراح، وقتل أصحابهم لأنه قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين.
قوله: ﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: من الغنيمة ﴿وَلاَ مَآ أصابكم﴾ من ألم الجراح والقتل.
وقيل: الغم الأول: ما صاحبهم على قتل أصحابهم، وجراحهم.
والثاني: ما أصابهم حين سمعوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم قتل.
وقيل: الغم الأول: أسفهم على ما فات من الغنيمة.
والثاني: اطلاع أبي سفيان عليهم في الجبل، فخافوا حين أتاهم، فرموه، فرجع عنهم وقد كانوا فزعوا منه أن يميل عليهم فيقتلهم فهو الغم الثاني.
وكان من قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين.

قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ الآية.
النعاس: بدل من أمنة.
ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله.
وأمنة مصدر في الأصل.
وقيل: هو اسم فاعل.
أخبرهم الله تعالى أنه جعلهم طائفتين طائفة أمنة حتى نعست، وطائفة أهمتها نفسها حين ظنت بالله غير الحق: أي ساء ظنها بالله سبحانه.
وسبب ذلك فيما ذكر السدي: " أن المشركين انصرفوا [من أحد] بعدما كان منهم، واعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدراً من قابل فقال لهم: نعم، فتخوف المسلمون أن ينزل المشركون المدينة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً: أنظر، فإن رأيتهم قعوداً على أثقالهم، وجنبوا خيلهم، فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله، واصبروا وَوَطَّنهم على القتال، وإن رأيتهم سراعاً عجالاً، فليس ينزلون المدينة، فلما أبصرهم الرسول - قعود على الآثقال - سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك أمنوا وناموا، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتوهم فطار عنهم النوم، ولم يركنوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم وما أخبرهم به: أنهم لا ينزلون المدينة ".

قال أبو طلحة: كنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.
ثم أخبر عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء المنافقين يخفون في أنفسهم ما لا يبدون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن الذي يخفون منه قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا﴾ وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ﴿لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين﴾ قدر الله عليهم القتل إلى مضاجعهم التي سبق في علمه أنهم يقتلون بها.
ومعنى: ﴿لَبَرَزَ الذين﴾ [أي]: لصاروا إلى براز من الأرض، وهو المكان المنكشف.
وقرأ أبو حياة: لبُرِّز الذين.
مشدداً على ما لم يسم فاعله.
قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني به: المنافقون يبرزون من بيوتهم إلى مضاجعهم التي يموتون بها.
وقيل المعنى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ فرض عليكم القتال.
وقال الطبري: معناه وليختبر الذي في صدوركم من الشك فيميزكم بما يظهر للمؤمنين من نفاقكم، فيميزكم المؤمنون.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل