الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وذهب أبو حاتم إلى جواز الوقف على " تبع ". يقدر أن قوله: " والذين من قبلهم أهلكناهم " مبتدأ وخبره.
كأنه يجعل المهلكين هم الذين كانوا من قبل قوم تبع (لا قوم تبع).
والوقف عند غيره " أهلكناهم " على أن يكون الذين عطف على " قوم " وَأَتَمُّ منه " مجرمين ".
(ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: إن يوم فصل الله بين خلقه وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم).
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾.
" يوم " بدل من " يوم " الأول.
ومعناه إن يوم لا يغني ولي عن ولي شيئاً وقت لجميع الخلق يجتمعون فيه للفصل بينهم، أي: يوم لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحب شيئاً من العذاب.
﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾، أي: ولا ينصرهم أحد مما حَلَّ بهم من النقمة بكفرهم.
قال قتادة: " انقطت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس يومئذ إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ / خيراً سَعِدَ به، ومن أصاب يومئذ شراً شقي به ".
والمولى والولي في اللغة: الناصر.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ " في تفسيره ثلاثة أقوال:
- أحدهما: إن معناه: من كنت أتولاه فعلي يتولاه.
- والثاني: من كان (يتولاني، يتولاه) علي.
- والثالث: إنه كان قوله ذلك في سبب، وذلك أن أسامة بن
زيد قال لعلي: لبست مولاي، إنما مولاي رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كنت مولاي فعلي مولاه ".
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله إِنَّهُ هُوَ العزيز الرحيم﴾ " من " عند الأخفش في موضع رفع على البدل على المعنى كأن التقدير: (ولا ينصر) أحد إلا من رحم الله.
وأجاز أن تكون في موضع رفع على الابتداء.
كأنه في التقدير: إلا من رحم الله فيغني عن غيره، أي: يشفع لغيره ممن أراد الله عز وجل له الشفاعة كما قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28].
وقيل: " من " رفع لفعلها، أي لا يغني إلا من رحم الله (" فمن " على هذا القول بدل من " مولى " أي: لا يشفع إلا من رحم الله).
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يشفعون.
وقال الكسائي " من " في موضع نصب على الاستثناء المنقطع وهو قول الفراء.
وتقف على " ينصرون " إن جعلت " من " (ابتداء، ويكون) التقدير: إلا من رحم الله فإنه تغني شفاعته.
فإن جعلت " من " بدلاً أو استثناء منقطعاً لم تقف على ينصرون.
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ المُؤْمِنينَ يُقَامُ في صَفِّ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرَى رَجُلاً مِنَ المُوَحِّدِينَ قَائِماً (فِي صَفِّ) أَهْلِ النَّارِ (قدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ) في
الدُّنْيَا فَيُذَكِّرُهُ ذَلِكَ فَيَذْكُرُ، فَيَشْفَعُ فِيهِ فَيُحَوَّلُ إِلى صَفِّ اَهْلِ الجنَّةِ ".
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ العزيز الرحيم﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم﴾ - إلى آخر السورة أي: إن شجرة الزقوم التي أخبر تعالى أنها تنبت في أصل الجحيم هي طعام الكافر في جهنم، والأثيم: الآثم وهو في هذا أبو جهل ومن كان مثله.
ولما نزلت هذه الآية دعا أبو جهل بزبد ودعا أًحابه (فقال: تَعَالَوْا، تَزَقَّمُوا)، فهذا الذي يَعِدُنَا به محمد أنه طعامنا في الجحيم.
وذكر ابن هشام أن أبا جهل لما سمع قول الله جل ذكره ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم﴾ قال: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم) التي يخوفكم بها محمد؟، قالوا: لا.
قال: هي عَجْوَةُ يَثْرِب بِالزَّبد.
والعجوة صنف من التمر طيب.
ورُوي أن أبا الدرداء كان يُقْرِئُ رَجُلاً ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم﴾ فكان الرجل يقول: طعام اليتيم.
فلما أكثر عليه أبو الدرداء ولم يفهم الرجل، قال له: إن شجرة الزقوم طعام) الفاجر.
فهذه قراءة على التفسير لا يحسن أن يُقْرَأَ بها.
وقال ابن عباس: " لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت على الدنيا لأفسدت على الناس معائشهم ". وقال ابن زيد: الأثيم هنا: أبو جهل.
قال: ﴿كالمهل يَغْلِي فِي البطون﴾، أي: شجرة الزقوم - التي جعلنا ثمرها طعام الكافر في جهنم - كالرصاص أو الفضة المذابة إذا ما تناهت حرارتها.
وقال ابن عباس: " كالمهل: كُدْردِيِّ الزيت ".
(وروي عنه أنه رأى فضة قد أذيبت فقال: هذا المُهْلُ وروى) الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كَالمُهَلِ: كَعَكِرِ الزَّيْتِ، إِذَا قرب إلى وَجْهِ الكَافِرِ سَقَطَتْ (فَرْوَةُ) وَجْهِهِ فِيهِ " وقيل: " المهل " عكر القطران.
وقيل: هو الصديد من الحميم.
وقوله: ﴿كَغَلْيِ الحميم﴾، أي: (يغلي) ذلك في بطون الكفار كغلي الماء المحموم، وهو الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، والحميم بمعنى: (محموم، كقتيل) بمعنى: مقتول.
ثم قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فاعتلوه﴾: يعني الأثيم، وهو الكافر، يقال للملائكة: خذوا الكافر فاعتلوه، أي: (فادفعوه وسوقوه) على عنف.
يقال عتله: إذا ساقه بالدفع والجذب.
وقوله: ﴿إلى سَوَآءِ الجحيم﴾، أي: إلى وسطها، أي: ادفعوه إلى وسط النار.
ثم قال: ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم﴾، أي: صبوا على رأس هذا الأثيم - وهو الكافر - من عذاب الجحيم.
ثم قال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾، أي: يقال له ذق هذا العذاب إنك أنت كنت العزيز في قومك.
قال قتادة: " نزلت هذه الآية في أبي جهل عدو الله لقي النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم فَهَزَّهُ، ثم قال: " أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ، ثُمَّ أَوْلَى لَك فَأَوْلَى " فقال أبو جهلٍ أيوعدني محمد، لأنا أعز من يمشي بين جبليها.
فنزلت ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ أي: المدعي ذلك "
، وفيه نزلت: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] /، وفيه نزلت: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ [العلق: 19].
فالمعنى: ذُقْ عذاب الله، إنك أنت العزيز عند نفسك، الكريم فيما كنت تقول.
وقوله " ذق " عند من كسر " إن " واقع على محذوف وهو العذاب.
فأما من فتح " أن " فمعناه مثل ذلك: ذق العذاب لأنك وبأنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم.
وهذا كلام معناه التقريع والتوبيخ وليس بمدح له، إنما هو على طريق الحكاية لما كان يدعي في الدنيا من العزة والكرم، إذ كان يقول: أنا العزيز الكريم، فقرع به عند حلول العذاب به إذ صار في ذلة وهوان.
فكأنه قيل له: ذق هذا العذاب إنك كنت تقول: أنا العزيز الكريم، فأنت الآن الذليل المهان.
فأين ما كنت تقول في الدنيا.
وذلك أشد لنكا له وحسرته.
" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فقال له: " إِنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكَ
﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: واللاَّتِ لاَ تَمْلِكُ لِي نفعاً ولا ضراً وَإِنِّي لأَمْنَعُ أَهْلَ البِطْحَاءِ، وَإِنِّ لأَعَزُّ وَأَكْرَمُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا يُقَالُ لَهُ جَوَاباً لِقَوْلِهِ: أنا أعز وأكرم، فقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ عند نفسك، وأنت الذليل المهان عند الله ".
ثم قال: ﴿إِنَّ هذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، أي: يقال لهم إن هذا العذاب الذي كنتم تَشْكُّونَ.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي: إن الذين اتقوا الله عز وجل فأدوا طاعته (واجتنبوا معصيته) في موضع إقامة آمنين فيه من السوء كله.
وكل من (تقبل الله) له عملاً وإن قل فهو من المتقين بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ [المائدة: 27].
قال علي (بن أبي طالب) رضي الله عنهـ: مَا قَلَّ عَمَلٌ مع تقوى وكيف يَقِلُّ ما يتقبل.
ويروى أن سائلاً سأل ابن عمر ولده أن يعطيَه فأعطاه وقال له: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال ابن عمر: لو علمت أن الله عز وجل تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم واحد، لم يكن غائب أحد إلي من الموت.
أتدري ممن يتقبل؟! إنما يتقبل الله من المتقين! ذكر ذلك أبو عبيد في كتاب الشواهد.
ووصف المقام " بأمين " لأنه يؤمن فيه.
والمقام - بالفتح - اسم المكان من قام، وبالضم اسم المكان (من أقام).
ثم بين تعالى ذكره ذلك المقام قال: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: في بساتين وعيون من الماء متطرداً في أصول أشجار الجنات.
ثم قال تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
السندس: مَا رَقَّ من الديباج.
والإستبرق: ما غَلُظَ منه: وقيل: السندس: الخِزُّ المُوَشَّى.
وقوله: " متقابلين، أي: هم على سررهم لا يستدبر بعضهم بعضاً.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: كما أدخلناهم الجنات، وألبسناهم السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضاً فيها بحور عين، وهن النقيات (البياض، والواحدة) حوراء.
وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: " أنكحناهم حوراً.
والحور التي يحار فيهن الطرف، بادٍ مُخُّ سوقهن من (وراء ثيابهن).
يرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون ".
والحَوَرُ في اللغة: البياض، كما قيل للدقيق الصافي البياض الحُوَّارَى وفي حرف ابن مسعود: " زوجناهم بعيسى عين "، والعيس جمع عيساء وهي البيضاء من الإبل.
والعين جمع عيناء وهي العظيمة العينين من النساء.
ومن العرب من يقول: بحير عين على الاتباع للثاني.
ومثله من الحديث رواية من روى " أُرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ " والفصيح: ارجعن موزورات.
ثم قال: ﴿فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: يدعو هؤلاء المتقون من في الجنة بكل نوع من الفاكهة اشتهوه آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم، ونفاده، وغائلة (أذاه) (ومن كل) سوء يذحر في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾، أي: بعد الموتة الأولى، أي: لا يذوقون فيها موتاً بعد موتهم في الدنيا.
ف " إلا " هاهنا قريبة المعنى من " بعد ".
وقال بعض النحويين " إلا " هنا بمعنى " سوى " أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، ومثله عنده ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22 و 23].
وطُعِنَ في هذا القول، لأن القائل لو قال (لا أذوق) اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم بمعنى " سوى "، لجاز أن يريد أن عنده طعاماً من نوع الطعام الذي ذاق بالأمس، وإنه ذائقه اليوم دون سائر الأطعمة.
فيحتمل معنى الآية إذا كانت " إلا " بمعنى " سوى " أن يكون ثم موت من جنس الموت الأول (يحل بهم) / وهذا محال.
وقال النحاس: المعنى لا يذوقون فيها الموت البتة.
ثم قال: ﴿إِلاَّ الموتة الأولى﴾ على الاستثناء المنقطع.
ولذلك أجاز بعضهم الوقف على " الموت " (لأن ما) بعده منقطع.
وأكثرهم على أن " إلا " بمعنى " بعد "، كما تقول: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك.
(والأحسن أن يكون " إلا " بمعنى " غير "، أي: لا يذوقون فيها موتاً غير الموتة الأولى التي كانت في الدنيا).
ثم قال: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجحيم﴾، أي: نجاهم منه.
ثم قال: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ﴾، أي: تفضلاً منه.
وهو مصدر والعامل فيه فعل مضمر.
وقيل العامل: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
(وقيل العامل: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾).
وقيل العامل: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجحيم﴾.
وقيل: الكلام كله الذي قبله عامل فيه، لأنه تفضل منه عليهم إذ وفقهم في الدنيا إلى أعمال يدخلون بها الجنة.
وقيل: سماه " تفضلاً " لأنه غفر لهم صغائرهم لو أخذهم بها لم يدخلوا الجنة.
وقيل: إنما سماه " تفضلاً " لأن نعمه عليهم في الدنيا تستغرق حسناتهم فأدخلهم الجنة بفضله ورحمته لا بأعمالهم.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَا اَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةِ بِعَمَلِهِ.
قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: (وَلاَ اَنَا) إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ ".
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾، (أي: هذا الذي تقدم وصفه للمتقين هو النجاء العظيم والظفر) الكبير.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي أنزلنا القرآن بلسان العرب لعلهم يفهمون (فيتذكرون ويتعظون).
ثم قال تعالى: ﴿فارتقب إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾، أي: فانتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، إنهم منتظرون بك ريب الحدثان.
وقيل المعنى: فانتظر الفتح والنصر فإنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك.
سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿حم* تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله﴾ - إلى قوله - ﴿مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، قد تقدم ذكر الاختلاف في " حم ".
والمعنى هذا تنزيل القرآن من عند العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبيره.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لأيات لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن فيها لعبراً وحُججاً للمصدقين بها، أي: إن لها خالقاً لم يخلقها عبثاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: وإن في خلقكم أيها الناس، وما ينشر الله عز وجل في الأرض من دابة تدب عليها من غير
جنسكم آيات لقوم يوقنون بحقائق الخلق، وأن الله عز وجل اخترع جميع ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: وإن في تعاقب الليل والنهار، وما ينزل من السماء من مطر يكون عنه من النبات رزقكم.
وسمي الماء رزقاً لأن عنه يتكون الرزق في الأرض.
وقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: أنزل الماء فاهتزت الأرض بالنبات بعد أن كانت لا نبات فيها.
ثم قال: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾، أي: وكون الرياح مرة شمالاً ومرة جنوباً، ومرة صبّا ومرة دَبُوراً، ونحو ذلك من اختلافها لمنافع الخلق.
﴿ءايات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أي عبراً وحججاً لقوم يعقلون عن الله عز وجل أمره ونهيه، فيتبعون رسله، ويفهمون عنهم وحيه.
وقوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءايات﴾ النصب في " ءايات " حسن على معنى: وإن في
خلقكم آيات.
وحسن ذلك لإعادة حرف الجر مع خلقكم.
ويجوز الرفع من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن (تعطفها على الموضع) مثل قراءة الجماعة: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ والساعة﴾ [الجاثية: 32] بالرفع، عطف على موضع ﴿وعْدَ﴾.
والوجه الثاني: ترفع " الآيات " بالابتداء، وما قبلها خبرها.
وتكون قد عطفت (جملة على) جملة منقطعة كما تقول إن زيداً خارج، وأن أجيئك غداً.
والوجه الثالث: أن ترفع على الابتداء والخبر والجملة في موضع الحال.
مثل قوله: ﴿يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: 154].
وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ - إلى قوله - ﴿ءايات﴾، فالرفع حسن على ما تقدم من الأوجه.
والنصب عند سيبويه (والأخفش والكسائي) جائز على العطف على عاملين وهما " إن " وحرف الجر لأنك لم تُعِدْ " في مع " الاختلاف " كما أعدت أولا " في " مع " خلقكم ". فصرت تعطف بالواو على ما عملت فيه " إن " وعلى ما عمل فيه حرف الجر.
فتخفض " الاختلاف " وتنصب " الآيات ".
ونظير هذا من الكلام قولك: في الدار والحجرة عمرو فتعطف بالواو على ما عملت فيه " في " وعلى ما عمل فيه الابتداء فتخفض الحجرة وترفع عمراً، فتعطف على عاملين (بحذف واحد.
ولو أعدت " في " لم يكن عطف
على عاملين.
ومنع المبرد القراءة بالنصب وقال: لا يجوز العطف على عاملين.
وكان الزجاج يحتج لسيبويه بأن قال: إن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله رفع فهو أيضاً عطف على عاملين لأنه عطف " واختلاف " على " خلقكم " وعطل " آيات " على موضع " آيات " الأولى.
قال: / فقد صار العطف على عاملين إجماعاً.
وهذا، لا يلزم، لأن من رفع يقول: إنما قطعته مما قبله فرفعته بالابتداء وما قبله خبر.
وحكى الفراء رفع " الاختلاف " ورفع " الآيات ". جعل " الآيات " هو " الاختلاف ". وهذا وجه حسن ظاهر لولا أن القراءة سنة.
وإنما بعد العطف على عاملين (عند المبرد وغيره لأن حرف العطف إنما أتى به لينوب مناب العامل للاختصار.
فلم يقرأ أن يجعل ينوب مناب عاملين مختلفين، ولو جاز أن ينوب مناب عاملين) لجاز أن ينوب مناب ثلاثة وأكثر (وهذا لا يقوله أحد) لأنه لو ناب مناب رافع وناصب لكان [رافعاً (ناصباً) في حال، وللزوم أن ينوب مناب رافع وناصب وجار فيكون] ناصباً ورافعاً جاراً في حال.
وهذا محال ظاهر على أنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز إذا تأخر المجرور، نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، وإنما أجازه من أجازه إذا كان المجرور يلي حرف العطف.
وهذا تحكم بغير علة.
ثم قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق﴾، أي: تلك حجج الله نتلوها عليك يا محمد، أي: نخبرك عنها بالحق لا الباطل كما يخبر مشركو قريش عن آلهتهم بالباطل يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: 3].
ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وءاياته يُؤْمِنُونَ﴾، أي: فبأي حديث يا محمد بعد قرآن الله عز وجل وكتابه وآياته يؤمن هؤلاء المشركون.
ومن قرأ بالتاء فمعناه: فبأي حديث بعد قرآن الله سبحانه تؤمنون أيها المشركون.
ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾؟
روي أنها نزلت في النضر بن الحارث كان يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه ويحدث قريشاً.
بأخبار ملوك العجم ويقول: أنا أحسن حديثاً من محمد صلى الله عليه وسلم.
فالمعنى: الواد سائل من صديد أهل جهنم لكل كذاب، ذي إثم سامع
لآيات الله تُقرأ عليه ثم يتمادى وتجبره على ربه سبحانه، فلا يذعن لأمره ونهيه كأن لم يسمع ما قرئ عليه ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾
[لقمان: 7]، أي: صمماً، فلا يسمع شيئاً لإصراره على كفره.
فبشره يا محمد بعذاب مؤلم، أي: موجع يوم القيامة.
قال ابن عباس نزلت في الحارث بن كلدة ".
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً اتخذها هُزُواً﴾، أي: وإذا علم عذا الأفاك الأثيم من آيات الله شيئاً اتخذها هزواً، أي: يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم﴾ [الدخان: 43 و 44]، إذ دعا بزبد (وثمر) فقال: تزقموا من هذا، فما يفزعكم محمد إلا بهذا.
ثم قال: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: لهم في الآخرة عذاب يهينهم، ويذلهم في نار جهنم.
وجمع في قوله: ﴿أولئك﴾ رداً على قوله: ﴿لِّكُلِّ أَفَّاكٍ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: أمامهم جهنم.
﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم﴾ من عذابها.
﴿مَّا كَسَبُواْ﴾ في الدنيا من الأموال والأولاد شيئاً.
﴿وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم آلهتهم التي اتخذوها أولياء من دون الله فعبدوها، ولا رؤساؤهم الذين أطاعوهم في الكفر فاتخذوهم أولياء على ذلك من عذاب الله شيئاً.
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: نار جهنم وما فيها من أصناف العذاب.
ثم قال تعالى: ﴿هذا هُدًى والذين كَفَرُواْ بآيات رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلنا هدى لمن وفقه الله إلى الإيمان به والعمل بما فيه.
والذين جحدوا آيات ربهم ولم يؤمنوا بها، لهم عذاب مؤلم من الرجز.
قال المبرد: " الرجز: أغلظ العذاب وأشده ".
قوله تعالى: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ﴾ - إلى قوله - ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: الذي تجب له العبادة والخضوع والطاعة هو الله الذي سخر لكم البحر لتجري السفن فيه بأمره وبقدرته فتنتفعون بذلك لمتجركم، ومعائشكم، وتصرفكم في البلدان، وتبتغون من فضله فهو الذي يجب له الشكر على نعمه دون غيره.
ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾، أي: سخر لكم أيضاً - أيها الناس - ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار وما في الأرض من دابة وشجر وجبل وغير ذلك لمنافعكم ومصالحكم جميعاً منه، أي: نعمة منه عليكم، فإياه فاحمدوا واشكروا.
وقرئت: " جميعاً منة "، أي من " عليكم بذلك منة).
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: إن في تسخير ما تقدم ذكره لمنافع الخلق ومصالحهم لعبراً لقوم يتفكرون في آيات الله عز وجل وحججه سبحانه وأدلته فيعتبرون بها وينطقون.
و ﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (وقف جيد).
ومن قرأ " منة " وقف على " جميعاً "، ثم ابتدأ " منة " إن في ذلك "، أي: من عليكم بذلك منة.
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾، أي: قل لهم اغفروا يغفروا.
فهو جواب أمر محمول على المعنى.
والمعنى: قل يا محمد للذين صدقوك: اغفروا للذين لا يخافون أيام الله، أي: بأس الله ووقائعه فمن كفر به ونقمه منهم يغفروا.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليجزي الله عز وجل في الآخرة هؤلاء /
الذين يؤذون المؤمنين بما اكتسبوا في الدنيا من أذى المؤمنين (ومن غير) ذلك.
وروي عن عاصم أنه قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ بنصب قوم والفعل لما لم يسم فاعله.
وهذا بعيد جداً لم يجزه سيبويه ولا جميع البصريين.
وإنما تقديره عنده: ليجزي الجزاء قوماً.
فيقيم المصدر مقام ما لم يسم فاعله ويضمره وينصب الاسم المقصود بالمعنى وهو شاذ في النظر والقياس.
ولم يجز النحويون: " شُرِبَ الضربُ زيداً " برفع الضرب ونصب زيد، ولو جاز هذا لجازت هذه القراءة ولكن لا يجيزونه إلا في شعر على بعد.
قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزؤون به ويكذبونه، ثم أمره الله عز وجل أن يقاتلهم كافة.
فكان هذا من المنسوخ.
وعن ابن عباس أيضاً، وهو قول الضحاك: إن الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ
شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة، فأراد أن يبطش به فنزلت: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ - يعني عمر - ﴿يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾، ثم نسخ هذا في " براءة " بالأمر بالقتال والقتل للمشركين، وهو أيضاً قول قتادة، إلا أنه قال: نسخها قوله:
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: 57] وقاله الضحاك.
وعن أبي هريرة أنه قال نسخها قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: 39] وقاله الضحاك.
وقيل: معنى " لا يرجون أيام الله ": لا يخافون البعث.
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ﴾، أي: لخلاص نفسه يعمل، والله عز وجل غني عن عمله، إنما عمله له.
﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، أي: ومن عمل عملاً سيئا فعلى نفسه جنى وفي عطبها
سعى، لا يضر الله سبحانه ذلك ولا ينقصه من ملكه.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾ أيها الناس.
﴿تُرْجَعُونَ﴾، (أي: تردون) في الآخرة فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب والحكم والنبوة﴾، أي: ولقد أعطينا بني إسرائيل التوراة والإنجيل.
﴿والحكم﴾ يعني: الفهم بالكتاب والعلم بما فيه من السنن التي لم تنزل في كتاب.
قال مجاهد: " الحكم: اللب ".
وقوله: ﴿والنبوة﴾، أي: وجعلنا منهم الأنبياء والرسل إلى الخلق، فأكثر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل.
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾، يعني: المَنَّ والسَّلْوَى وغير ذلك من المطاعم.
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾، أي: على عالم زمانهم.
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر﴾، أي: وأعطيناهم واضحات من أمرنا بتنزيلنا التوراة عليهم فيها تفصيل كل شيء.
ثم قال: ﴿فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي: لم يختلفوا في دينهم إلا من بعد ﴿مَا جَآءَهُمُ العلم﴾، أي: إلا من بعد ما أنزلت عليهم التوراة فاختلفوا
للرياسة بعد علمهم بالحق مما اختلفوا فيه فتنافسوا في الدنيا ورياستها فبغوا بغياً فيما بينهم، وتركوا تبيين ما أنزل الله عليهم.
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾، أي: يحكم (ويفصل بينهم) فيما اختلفوا فيه يوم القيامة، فيعلي المحق على المبطل.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر فاتبعها﴾، أي: ثم جعلناك يا محمد بعد بني إسرائيل على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا من قبلك من الرسل، فاتبع تلك الشريعة ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: ولا تتبع ما يدعوك إليه الجاهلون بالله.
قال ابن عباس: ﴿على شَرِيعَةٍ﴾: " على هدى من الأمر وبينة ".
وقال قتادة: " الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي ".
وقال ابن زيد: الشريعة: الدين، وقرأ ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الشورى: 13] فنوح أولهم ومحمد آخرهم صلى الله على جميع النبيين وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي إن هؤلاء الجاهلين بربهم لن ينفعوك من الله شيئا إن ابتعت أهواءهم وما يدعونك إليه.
ثم قل تعالى: ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: وإن الكافرين بعضهم أنصار بعض وأعوانهم على أهل الإيمان بالله عز وجل.
﴿ والله وَلِيُّ المتقين﴾، أي: هو ولي من اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
ثم قال تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، أي: هذا القرآن بصائر يبصر به من العمى وهو الضلالة، ويهتدي به من جار عن طريق / الحق، وتاه في ميدان الباطل ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: وهو رحمة لمن آمن به واتبعه.
(وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي هو نور ورشاد ورحمة لمن أيقن أنه من عند الله فآمن به واتبعه).
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾، أي: أيحسب بالكفار بالله عز وجل المكتسبون الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل
المجتنبين للكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين السيئات في هذه الآية الكفار قوله: " كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ". فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال: كالذين عملوا الصالحات ولم يذكر الإيمان.
ثم قال: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
قال مجاهد معناه: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه.
وقال أبو الدرداء: " يبعث الناس على ما ماتوا عليه ".
هذا معنى قراءة من رفع " سواء " فجعله مبتدأ " ومحياهم " خبر، ومماتهم عطف على " محياهم ".
وإنما حَسُنَ الرفع في " سواء " (لأن الفعل) قد استوفى مفعوليه فارتفع " سواء " على الابتداء، كما قيل " سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِي ".
وإنما اختير الرفع في " سواء " لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالإبتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع " سواء " مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز: مررت برجل سواءً عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة.
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالاً للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين إذا رفعت ظاهراً بعدها.
وبالنصب قرأ حفص وحمزة والكسائي على الحال من الهاء والميم في " نجعلهم ".
وقرأ الأعمش ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بالنصب في ذلك كله ينصب " سوا " على الحال، وينصب " محياهم ومماتهم " على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفاً.
ويجوز أن يكون ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ فيصير المعنى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء)، أي كمحيى الذين آمنوا ومماتهم.
والوقف على " الصالحات " حسن عند نافع وأبي
عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما: من نصب سواء وقف عليه.
وهو بعيد لا وجه له، لأن " محياهم " مرتفع " بسواء ". والتمام عند الأخفش: " ومماتهم " وعند غيره " يحكمون ".
ومعنى " ساء ما يحكمون: " بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و" ما " في موضع رفع إن جعلتها نكرة.
قال مجاهد في معنى الآية: محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، محيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان.
قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ - إلى قوله -: ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: خلق ذلك للعدل والحق لا لما يحسب هؤلاء الجاهلون بالله عز وجل من أن يجعل من اكتسب السيئات بالكفر كمن آمن بالله تعالى وعمل صالحاً في المحيى والممات، لأن هذا من فعل غير أهل العدل والإنصاف.
فمن
الحق والعدل عند الذي خلق السماوات والأرض لهما، أن يخالف بين حكم من كفر ومن آمن في العاجل والآجل.
ثم قال: ﴿ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، أي: وخلق ذلك لتجزى كل نفس في الآخرة بما كسبت في الدنيا من خير وشر.
﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يظلمون جزاء أعمالهم.
وروى أبو هريرة حديثاً يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِذَا كانَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ عز وجل مَعْ كَلِّ امْرِئٍ عَمَلَهُ، فَلاَ يَرَى المُؤْمِنُ شَيْئاً (يُرَوِّعُهُ وُلا شَيْئاً) يَخَافُهُ إِلاَّ قَالَ لَهُ عَمَلُهُ: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ وَالله مَا أَنْتَ بِالَّذِي هُوَ يُرَادُ بِالَّذِي هضا هُنَا، وَلاَ أَنْتَ المَعْنِي بِهِ.
فَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً قَالَ لَهُ المُؤْمِنُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ، فَوَالله مَا رَأَيْتُ شَيْئاً قَطْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْكَ وَجْهاً وَلاَ أَطْيَبُ مِنْكَ لَفْظاً.
فَيقول: / أَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِي؟ إِنَّ عَمَلَكَ وَالله -، كَانَ حُسْناً في الدُّنْيَا، وَإِنِّي عَمَلُكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ تَحْمِلُنِي في الدُّنْيا عَلَى ثِقْلِي، وَإِنِّ وَالله لأَحْمُلَكَ اليَوْمَ وأُدَافِعُ عَنْكَ، قال: (وَإِنَّهَا لِلَّتِي) يَقُولُ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ".