التوبة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وجعل ابن عباس الكُرْكِيَّ في موضع الغراب.
قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: / " صُرْ وَجُهَكَ إِلَيَّ " أي أقبل به إلي، ووجهه إلي.
قال ذلك الكسائي.
وفي الكلام حذف: " وقطعهن بعد الضم ".
وقال مجاهد: " ﴿فَصُرْهُنَّ﴾: انتفهن بريشهن ولُحُومِهِنَّ ".
وقال أبو عبيدة: " صِرت [بالكسر: قطعت، وصُرْت] بالضم: جمعت ".
وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا.
وقيل: معنى الكسر: قطعهن.
/ قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع.
ويكون في الكلام تقديم/ وتأخير على هذا التفسير.
ومعناه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي فقطعهن.
وقد قال عطاء: " ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: / أضممهنَّ إليك ".
وقال ابن زيد: " أجمعهن ".
وقال قتادة: " أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن على أربعة أجبل ".
قال ابن جريج: " جعل لُحُومَهُنَّ وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال التي رأى الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة التي كانت سبب سؤاله، وأمسك إبراهيم [ صلى الله عليه وسلم] عند نفسه رؤوسهن ثم دعاهن بإذن الله عز وجل، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الآخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة
الأخرى، وكل بضعة وكل عظم بعضها إلى بعض.
فلما تتامت عليه في الهواء انقضت عليه فوصلت كل جثة إ لى الرأس الذي [في يده] ".
قوله: ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره.
قوله: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله﴾.
قال الطبري: " هذه الآية مردودة إلى قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ وإلى الآيات التي بعدها ".
قال السدي: " نزلت في الذي ينفق على نفسه في سبيل الله عز وجل ويخرج ". والمثل في هذه الآية إنما هو للنفقة لا للمنفق، وفي الكلام حذف، والتقدير: " مثل نفقة الذين ينفقون "، ودل " ينفقون " على النفقة فحسن حذفها.
وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: " لما نزلت: {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله
كَمَثَلِ حَبَّةٍ} الآية، قال النبي عليه السلام: " اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي "، فنزلت:
﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رَبِّ زِدْ أُمَّتِي " فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ".
قال مالك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها ".
قال مالك: " وبلغني أن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ".
قلت: والصبر على طاعة الله عز وجل وعن محارم الله تعالى أفضل من الصبر على المصائب والفجائع.
كذا، قال عمر وغيره.
ثم قال: ﴿والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾.
أي ممن أنفق في غير سبيل الله، يضاعف أيضاً إن شاء.
وقيل: ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ هو المنفق في سبيل الله عز وجل، يزيد على سبعمائة ضعف إلى ألفي ألف ضعف إن شاء.
روي ذلك/ عن ابن عباس.
قوله: ﴿والله وَاسِعٌ﴾.
أي يزيد من يشاء من خلقه على السبعمائة ما شاء.
﴿عَلِيمٌ﴾.
أي عليم بما ينفق المنفقون في سبيله.
وقيل: عليم بمن يزيده على السبعمائة ضعف ومن لا يزيده.
/ قوله: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ﴾.
قال الكلبي وغيره: " أصل نزول هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف، أتى عبد الرحمن بن عوف إلى النبي صلى عليه السلام بأربعة آلاف دينار.
وقال: يا رسول الله، اجتمع عندي ثمانية آلاف فعزلت لنفسي وعيالي نصفها،
وجعلت لله نصفها، فجزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً.
وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، عليّ تجهيز كل عاجز عن النهوض معك لفقره إلى تبوك، واشترى رومة يبرأ بوقفها للمسلمين ". ثم " الآيات لكل " من فعل مثل فعلهما.
وهذه الآيات فيما قال ابن زيد:: هي لمن ينفق، وليس يجاهد، ولم يقل للمجاهدين شيئاً ".
وقيل: هي عامة، علم الله عز وجل أقوماً يمنون بعطيتهم فقدم في ذلك.
قال زيد بن أسلم: " إن ظننت أنه يثقل عليه سلامك، فكي سلامك عنه ". يعني الذي تصدق عليه.
قوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾.
" قول " مبتدأ، و " معروف " نعته، والخبر محذوف كأنه " أمثل " و " أولى ". و " مغفرة ": مبتدأ و " خير من صدقة " الخبر.
قال الضحاك: " إن تمسك مَالَكَ خير من أن تنفقه، ثم تتبعه المن والأذى ".
قوله: ﴿والله غَنِيٌّ﴾.
أي عنى عن ما يتصدق به بالمن والأذى.
﴿حَلِيمٌ﴾.
لا يعجل بالعقوبة على من يتبع صدقته المن والأذة، وقيل: المعنى: قول جميل، ودعاء للسائل خير من أن تعطي صدقة [يتبعها أى ومَنٌّ ".
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم﴾ الآية/.
أمروا أن يكفوا عن المن والأذى اللذين يبطلان ثواب الصدقة، كما يبطل الرياء صدقة المتصدق المافق/ الذي يوهم بصدقته أنه مؤمن فيرائي.
والمراد في قوله: ﴿وَلاَ يُؤْمِنُ بالله﴾.
هو المنافق، وإنما ذلك لأنه أضاف إليه الرياء.
وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره.
فأما الكافر فليس عنده رياء، لأنه مناصب للدين مجاهر بذلك.
وقيل: المراد به الكافر المجاهر.
وذلك أن الكافر قد ينفق ماله، ليقول الناس: " ما أكرمه! ما أفضله "، ولا يريد بإنفاقه إلا الثناء، لا غير.
فنهاهم الله أن يكونوا مثله إذا منوا أو آذوا.
وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾.
الصفوان: الحجر الأملس.
وقرأ ابن المسيب والزهري: " صَفَوَانٍ " بفتح الفاء.
وحكى قطرب " صِفْوَانٍ " بكسر الصاد.
قال الأخفش: " صَفْوَانٌ، جماعة صَفْوَانَةٍ ".
وقال غيره: " هو واحد والصلد هو الذي لا شيء عليه من نباته
ولا غيره ".
مَثَّلَ الله المنافقين وأعمالهم بالحجر الأملس عليه تراب، وأصابه مطر وابل؛ وهو العظيم القطر، فتركه لا شيء عليه.
فكذلك صدقات المنافقين للرياء.
ومعنى: ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾.
أي لا يقدرون يوم القيامة على وجود شيء مما كسبوا، أي من ثواب ما كسبوا في الدنيا لأنه كان لغير الله.
﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾.
أي لا يسددهم لإصابة الهدى في فعلهم وقولهم.
وهذا يقوي قول من ق ل: أراد بما تقدم الكافر لا المنافق.
قال معنى ما ذكرنا: قتادة والربيع/ وغيرهما.
قوله: ﴿وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ [أَمْوَالَهُمُ] ابتغآء مَرْضَاتِ الله﴾.
ضرب الله الآية الأولى مثلاً لأعمال الكافرين يوم القيامة، وشبه صدقة أهل الرياء والكفر بالصفوان الذي عليه تراب فأصابه مطر شديد، ثم ضرب هذه الآية
مثلاً لأعمال المؤمنين وصدقاتهم.
فمعنى قوله: ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، أي يقيناً وثقة.
قاله السدي وقتادة وأبو صالح.
وقال مجاهد: " يثبتون: أين يضعون أموالهم ".
قال الحسن: " يعني زكاتهم ".
وروي عن قتادة: " ﴿وَتَثْبِيتاً﴾: احتساباً من أنفسهم ".
وعن الحسن أنه قال: " يثبت إذا أراد أن ينفق، فإن كان لله أنفق وإلا أمسك ".
قوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾.
شبه فعل هؤلاء في صدقاتهم بجنة بربوة، وهي الترعة أصابها وابل وهو المطر الشديد العظيم القطر، فإن أخطأها الوابل أصابها الطل وهو الندى.
وقال الضحاك: " هو الرذاذ من المطر، يعني اللين منه ".
والهاء في ﴿أَصَابَهَا﴾ تعود على الجنة أو على الربوة، وكذلك الهاء في " يصبها ".
قوله: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾.
أي فهي لا تخلف؛ لابد من إتيان الأكل.
فكذلك عمل المؤمن لا خلف لخيره.
وسميت الربوة ربوة لأنها ربت على وجه الأرض.
/ أي ارتفعت من: " ربا " إذا زاد.
قال مجاهد: " الربوة المكان الظاهر المستوي ". وكذلك قال الحسن.
وقال الضحاك: " الربوة المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار ". وقال السدي: " ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: برابية من الأرض " يريد المنخفض.
وقال ابن عباس: " الربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه
الأنهار " / وتقدير الكلام عند المبرد: " فطل يكفيها ".
وعلى ذلك يستحسن الوقف على ﴿فَطَلٌّ﴾.
وقدَّره غيره.
" فهو طل " أو " أصابها طل ".
قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآية.
قوله: ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾.
على تقدير: " وقد أصابه الكبر "، ولذلك عطفه على " أَيَوَدُّ " وهو مخالف له.
وقيل: هو محمول على المعنى، تقديره: " أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر ".
وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي.
ينفقانهما رياء الناس، فهو يحمد على ما ظهر منه في الدنيا ولا حاجة به إلى ذلك في الآخرة كالرجل الذي له جنة من نخيل وأعناب ولا كبر معه ولا ذرية.
فلما كبر، وصارت له ذرية ضعفاء.
وضعف عن الكسب والتصرف، ولا طاقة لذريته على التكسب لضعفهم وصغرهم، فعند ذلك
احترقت جنته، فانطقع في أحوج ما كان إليها، ولم ينتفع بها في شيببته وقلة عياله إذ كانت سالمة.
كذلك المنافق أو المرائي، إذا أتى في الآخرة لم يجد شيئاً من عمله، وهو أحوج ما يكون إليه، ولم ينفعه حمد الناس على ما ظهر لهم من عمله.
فحاجته إلى العمل الصالح، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى جنته.
قوله ﴿إِعْصَارٌ﴾.
أي ريح فيها سموم فاحترقت، وهي ريح عاصفة تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود/ والجمع أعاصير، وهي التي تسميها الناس: الزوابعة.
وقال الحسن: " ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: ريح فيها برد شديد ".
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ﴾.
أي هكذا البيان المُتَقَدم في الصدقة، والجهاد، وقصة إبراهيم، وجميع ما سلف.
﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ أي العلامات.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
قال/ ابن عباس: " تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها ".
وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي تطعون ".
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال علي رضي الله عنهـ: " من الذهب والفضة، الجياد منها ". أي زكوا من ذلك.
وقيل: من الحلال.
وقال مجاهد: " ما كسبتم من التجارة، ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض﴾: يعني ما فيه زكاة مما بينته السنة ".
﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث﴾:
أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه
زكاتكم.
ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قِنوا من حشف للصدقة وكانوا يعلقون في أيام الجداد في مسجد النبي [عليه السلام] / بين كل أسطوانتين أقناء يأكل منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف فنهوا عن ذلك، وهو الخبيث يراد به الرديء.
وقال علي: " كان الرجل يعزل الرديء من التمر للصدقة، فنزلت الآية ". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء.
وقال ابن زيد: " الخبيث: / الحرام ".
أي لاتتدصقوا من الحرام.
وتصدقوا من الحلال.
قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ﴾.
أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي كراهية، فتأخذونه كأنكم قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم.
وقرأ الحسن " أن تُغْمَضُوا " بفتح الميم وضم التاء.
أي لستم تأخذونه حتى تنقصوا من سعر غيره.
وكذلك قرأ قتادة.
قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص.
وقرأ الزهري: " تَغْمِضُوا " بفتح التاء، وكسر الميم.
وعنه أيضاً بضم التاء، وتشديد الميم.
وقال علي: " لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم "، أي يرخص عليكم من ثمنه، فيقول تعالى: " ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في أخذه وكراهة ".
وقال ابن زيد: " لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم في من الإ ثم ".
قوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ﴾.
أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد.
/ ﴿حَمِيدٌ﴾ لمن تصدق بطيب ماله.
قوله: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾.
أي يخوفكم به ويوسوس إليكم، فلا تخرجون الزكاة.
﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين].
﴿والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً﴾ أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة.
وقال ابن عباس: " الشيطان يقول: " لا تنفق مالك، أمسكه
عليك "، والله يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلاً في الرزق ".
وقال قتادة: " والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلاً لفقركم ".
﴿والله وَاسِعٌ﴾ يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء.
﴿عَلِيمٌ﴾ بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه.
وروي أن في التوراة مكتوباً: " عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ".
وفي القرآن نظير/ هذا، ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ [سبأ: 39].
قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾.
قال ابن عباس: " الحكمة علوم القرآن/ مقدمة ومؤخرة وناسخة ومنسوخة،
ومحكمة ومتشابهة ". وقال قتادة: " الحكمة: الفقه في القرآن ". وقال مجاهد: " الحكمة: الإصابة في القول ". وقال ابن زيد: " الحكمة: العلم بالدين ". قال مالك: " الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقة فيه، والاتباع له ". وروى عنه ابن القاسم أنه قال في الآية: " الحكمة: التفكر في أمر الله والاتباع له ". وعنه أيضاً أنه قال: " الحكمة: طاعة الله والاتباع له، والفقه في الدين والعمل به ". وقال مالك: " إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين يدخل الله في القلوب من رحمته وفضله ".
وقال الربيع بن أنس: " الحكمة: الخشية ".
وقال السدي: " الحكمة: النبوءة ".
وقال زيد بن أسلم: " الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه ".
وقال ابن زيد بن أسلم: " الحكمة: العقل في الدين ".
وقال مجاهد أيضاً: الحكمة: القرآن ". وقاله الضحاك.
قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾.
أي لا يتذكر ولا يتعظ بهذه الآيات إلا أولوا العقول وهم المؤمنون.
قاله ابن سلام.
قوله: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾.
الهاء " في ﴿يَعْلَمُهُ﴾ تعود على الإنفاق أو على النذر.
أي ما تصدقتم من صدقة لم تعقدوها على أنفسكم أو نذرتم من نذر، فعقدتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم ذلك، أي يعلم من تصدق ونذر لوجه الله، ومن فعل ذلك للرياء.
و" ما " لمن ظلم نفسه فتصدق لغير الله، ونذر لغير الله.
قال الحسن: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَا أَنْفَقَ النَّاسُ/ مِنْ نَفَقَةٍ أَعْظَمُ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلٍ ".
وقال الحسن أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: " مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، وَقِرَاءَةُ القُرْآن ".
وقَال: " أَفْضَلُ النَّفَقَةِ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَالِدَيْكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَلَدِكَ وَزَوْجَتِكَ وَعِيَالَكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى قَرَابَتِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ الله " هذا معنى الحديث.
قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
أي ما للظالم من نصير ينصره يوم القيامة.
قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية.
قال الربيع: " كل مقبول، إذا كانت النبية خالصة، والسر أفضل ".
وكذلك قال ابن جبير وغيره.
وهذا في التطوع.
قال [ابن عباس: " صدقة التطوع في السر أفضل من العلانية، يقال: بسبعين ضعفاً.
وصدقة الفريضة في العلانية/ أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفاً ".
وكذلك جميع الفرائض والنوافل على هذا القياس.
ومن قرأ: " يُكَفِّرْ " بالياء، فمعناه: ويكفر الإعطاء.
وقيل: معناه: ويكفر الله، و " مِنْ " للتعبيض.
ومعنى ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يكفر منها ما شاء لمن يشاء، ليكون العباد على وَجَلٍ
من الله، لئلا يتكلوا على الصدقات أنها تكفر الذنوب كلها.
وقيل: " من " زائدة، فتكون الكفارات للسيئات كلها.
قوله: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
أي خبير بما تصنعون في صدقاتكم من أخفائها وإعلانها.
ومعنى ﴿خَبِيرٌ﴾ / ذو خبر.
قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾.
هذا مثل/ ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ [البقرة: 119]، على قراءة من رفع، أي ليس عليك سوى البلاغ المبين، ولست عليهم بمسيطر.
﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفقه للهداية.
وهذا الآية نزلت في المشركين لأن المؤمنين كانوا لا يتصدقون عليهم ليدخلوا في الإسلام، فنزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله﴾.
وقيل: " نزلت في أسماء بنت أبي بكر امتنعت مِن بِر جدها [أبي قحافة] إذ لم يسلم/ وغيره، فتصدق عليهم ".
قال ذلك ابن عباس وابن جبير، قالا: " كان ناس من الأنصار لهم قرابة ضعفاء مشركون فلا يتصدقون عليهم، فنزلت الآية، فتصدقوا عليهم ".
وروى ابن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان لا يتصدق على المشركين حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم.
وقال ابن زيد: " لك ثواب نفقتك، وليس علكيم من عمله شيء ".
وهذا إنما هو في التطوع، فأما في الواجب فلا يعطى منه إلا المسلمون.
قال مالك: " يتصدق على اليهود والنصارى من التطوع، ولا يعطون من الواجبات لا من الزكاة ولا من صدقة الفطر، ولا مما أشبههما ".
قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾.
أي ما تتصدقوا من مال - والخير المال - فإنه لأنفسكم تجزون به.
[روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " إِذَا تَصَدَّقَ الْعَبْدُ بِالْصَدَّقَةِ وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْسَّائِلِ فَيُرْبِيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرْبِي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مَثْلَ أُحُدٍ ".
وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿َيَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾ [البقرة: 276]، وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصدقات﴾ [التوبة: 104].
قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾.
اللام متعلقة بقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ للفقراء الذين من حالهم وقصتهم - ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾.
وعني به فقراء المهاجرين بالمدينة.
ومعنى ﴿أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾: منعوا أنفسهم من التصرف وحبسوها على جهاد عدوهم.
قاله قتادة وغيره.
وقال ابن زيد: " كانت الأرض للعدو، فلا يستطيعون تصرفاً فهم محصرون ".
وقال السدي: " معناه: حصرهم المشركون بالمدينة ".
﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض﴾.
أي تقلباً ولا تصرفاً في المعاش والتجارات.
وقال ابن جبير: " نزلت في قوم أصابتهم جراحات في سبيل الله، فصاروا زمنى من أجل عدوهم، أو من أجل حرصهم على الجهاد والغزو.
قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾.
بكسر السين وفتحها لغتان، ونظيره " نَعِمَ " و " يَئِسَ "، يأتي المستقبل بالفتح والكسر.
وحكى أبو إسحاق أن مثله عهد، يقال: " يَعْهِدُ وَيَعْهَدُ.
ومعنى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل﴾.
أي الجاهل بأمرهم وحالهم، أغنياء من تعففهم عن المسألة والتعرض لها.
تعرفهم يا محمد بعلاماتهم وهي السيماء وهي أثر السجود.
وقيل: هي الخشوع والتواضع.
قاله مجاهد.
وقيل: هي أثر الفاقة والحاجة.
قال السدي.
وقال ابن زيد: " هي رثاثة ثيابهم، / لأن الجوع خفي ".
ومن العرب من يمد السيماء، ومنهم من يقول سيماء بالمد وزيادة ياء بعد الميم.
قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً/﴾.
أي إلحاحاً، أي لا يشملون الناس بالسوال، ومنه اللحاف.
والمعنى: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحافاً.
وهو كقول امرئ القيس:
" عَلَى لاَ حِبٍ لاَ يَهْتَدِي لِمَنَارِهِ ".
أي ليس فيه منار فيهتدي به.
ويقال: قد ألحف السائل إذا ألح.
ويقال: " أَلْحَفَ الرجل " و " أَلَحَّ " و " أَخْفَى "، بمعنى واحد.
قوله: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾.
قال ابن عباس: " نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ؛ كانت معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً.
وبالنهار درهماً، وسراص درهماً، وعلانية درهماً ".
وقيل: " إنها نزلت في علف الخيل في سبيل الله ".
ذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعن أبي ذر الغفاري.
/ وقال أبو أمامة: " نزلت في أصحاب الخيل ".
وكذلك قال الأوزاعي: " هي في الذين يربطون الخيل في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار " وروي ذلك عن أبي الدرداء.
وعلى أنها في الخيل أكثر أهل التفسير.
قوله: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الرباوا لاَ يَقُومُونَ﴾.
معناها: الذين يأكلون الربا في الدنيا لا يقومون في الآخرة إذا بعثوا من قبورهم إلا مثل قيام المجنون.
والمس: الجنون.
قاله مجاهد وقتادة وابن جبير وغيرهم؛ قاوا: " يقوم الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً﴾ [المعارج: 43] إلا أكله الربا، فإن الربا يربو في بطونهم فيقومون ويقسطون، يريدون الإسراع فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون ".
قال ابن جبير: / " يبعث أحدهم حين يبعث، وشيطان يخنقه ".
والقصد بالنهي في هذه الآية: كل من أخذ الربا أكله أو لم يأكله.
وكان أهل الجاهلية إذا حل أحدهم الأجل في دين/ عليه، يقول الذي عليه الدين: " زِدْنِي في الأَجَل وَأَزيدُكَ فِي دَيْنِكَ "، فنهى الله عن ذلك، وقال: ﴿اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278 - 279].
وأصل الربا الزيادة، وهو في التجارة والبيع والشراء جائز إذا كان على وجهه الذي قد بينته السنة والكتاب.
فأصل الربا المحرم أن يقول الذي عليه الدين: " أَخِّرْنِي وَأَزِيدَكَ فِي دَينك "، ثم جرى مجراه كل ما شابهه في البيوع والدين، وغير ذلك ما قد أحكمته السنة وفسره العلماء.
وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبَا ".
قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
أي ما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة فذلك مغفور له.
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾.
أي في المستقبل، إن شاء ثبته وإن شاء رده إلى ما نهاه عنه.
والموعظة: القرآن.
ومن عاد فعمل بالربا حتى يموت فأولئك أصحاب النار.
قال ذلك سفيان.
وقال غيره: " من عاد فقال: إنما البيع مثل الربا، وتمادى عليه، فهو من أصحاب النار ".
قوله: ﴿يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾.
معناه: ينقص الله الربا ويذهبه، ويضاعف الصدقات وينميها.
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.
أي إن الذين تابوا من أكل الربا فآمنوا بما أنزل عليهم، وانتهوا عما/ نهو عنه وعملوا الصالحات، فهم أصحاب الجنة.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا﴾.
معناه: / يا أيها الذين صدقوا محمداً: ذروا ما بقي لكم من الربا زيادة على رؤوس أموالكم.
ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوا عليهم فقبضوا بعضاً، وبقي بعض، فعفا لهم عما كانوا قبضوا وحرم عليهم ما بقي
مما زاد على رأس المال.
قال ابن المسيب: " لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما [يكال و] يوزن مما يؤكل ويشرب ". يعني في المبايعة.
وفسره بعض العلماء فقال: " ما كان مما يكال أو يوزن من نوع من الطعام، فلا تأخذ إلا وزناً بوزن، ومثلاً بمثل، يداً بيد، وكذلك الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، فإن اختلف النوعان فَزِدْ واستزد يداً بيد ".
قال عبد الله بن سلام: " أكل الربا يعدل سبعين فجرة، أدنى فجرى منها مثل أن يضطجع الرجل مع أمه ".
وروى الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنهـ أنه قال: " درهم ربا أشد من/ ست وثلاثين زنية ".
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الرِبَا سَبْعُونَ حُوباً، أَيْسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ ".
قال ابن مسعود: " الربا بضع وسبعون بابا ".
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله﴾.
أي فأيقنوا بحرب.
وقال الأصمعي: " معناه: كونوا على علم ".
ومن قرأ بالمد فمعناه: فأعلموا أصحابكم بالحرب.
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾.
أي تركتم الربا.
﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أموالكم﴾.
بلا زيادة.
﴿لاَ تَظْلِمُونَ﴾.
فتأخذون ما ليس لكم.
﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾.
فتنقصون من رؤوس أموالكم.
وروى المفضل عن عاصم: " لا تُظْلَمُونَ وَلاَتَظْلِمُونَ "، المفعول قبل
الفاعل.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾.
أي إن وقع ذلك.
ولا خبر ل " كان "، هي " كان " التامة تستغني باسمها عن الخبر.
فليست بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر.
وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: " وإن كان ذو عسرة في الدين فظرة إ لى ميسرة ".
وفي مصحف عبد الله: " وَإِنْ كَانَ ذَا " بالألف على تقدير: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، فهي " كان " الناقصة على هذا.
وقرأ مجاهد: " فَنَاظِرْهُ إِلَى مَيْسُرِ هِي "، بضم السين، وصلت الهاء بياء.
وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث.
قال الأخفش: / " ولو قرأوا بفتح السين لكان حسناً، لأن " مفعلاً " في الكلام كثير ".
وقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾.
هو من التأخير.
ورفعها على معنى: " فعليكم نظرة ".
/ وحكى أبو إسحاق: " فناظرة " من التأخير.
وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2].
ورد أو حاتم ذلك وقال: " إنما يجوز هذا في نظر العين، مثل الذي في النمل قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: 35].
والمعنى: " إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة ".
وفتح السين وضمها لغتان.
وأجاز النحاس النصب على
المصدر.
وهذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام.
كان الرجل إذا اتبع في دين ولم يكن معه ما يقضيه بيع في الدين.
روي عن النبي عليه السلام: " أنه أمر أعرابياً ببيع رجل له عليه دين، ولا مال معه ".
وقال قوم: " إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا يؤديه إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: ﴿إِنَّ الله/ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
قال ابن عباس: " نزلت في الربا ".
/ وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ينظر إلى يسره إذا صح فَقْرُهُ وثبت.
قوله: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي وصدقه رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل.
وقال قتادة: " ندبوا أن يتصدَّقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير ".
وقال غيره: " ذلك على المعسر خاصة ".
قال عمر بن الخطاب رضي لله عنه: " آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله قبض من قبل أن يفسرها ".
قال ابن عباس: " آخر آية نزلت: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾.
كذلك قال السدي وعطية وابن جريج.
واليوم في هذا يوم القيامة.
وقيل: هو يوم موت الإنسان لأنه وقت قدومه على الله.
ويروى أن النبي عليه السلام قال: " أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عَلَى رَأْسِ ثُمَانَينَ وَمَائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ ".
ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه.
وروي أنها نزل على النبي عليه السلام قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي عليه السلام: " اجْعَلُوهَا بَيْنَ آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الرِّبَا ".
وقال مقاتل: " نزلت قبل/ وفاته بتسع ليال ".
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾.
قال ابن عباس: " نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم ". يريد بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام.
وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري " أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين ". وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد.
/ وقال عطاء: " أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
وهو مذهب الطبري.
وقال أبو سعيد الخدري: " كان ذلك فرضاً ثم نسخه ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283].
وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي.
وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد ". وقال: " من جعل الإشهاد فرضاً، لا يجوز أن يكون هذا منسوخاً لأنه يلزم منه رفع حكم الإ شهاد.
والإشهاد جائز بإجماع.
وفي تركه وقع الاختلاف فلو كانت منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية فيها/: " لا تكتبوا ولا تشهدوا ". بل لك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا.
وإنما معنى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾ عند عدم الكاتب والشهود ".
قال أبو محمد رضي الله عنهـ: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا يعمل بما نسخ البتة.
وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن مُرَغَّبٌ فيه.
كذلك فرض الإشهاد، هو منسوخ، وفعله حسن جائز.
وقول الطبري: " الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على الندب ".
جوابه: أن الدليل على أنه صار ندباً قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾.
ولا يحمل