الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وفي سائر المصاحف: ﴿ذِي﴾، بالياء.
وفي سورة الحديد: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [الحديد: 10]، بغير ألف، [في مصاحف أهل الشام، وفي سائر المصاحف: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله﴾ بأللإ.
وفيها: ﴿فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾، بغير (هو)، في مصاحف أهل المدينة [و] الشام، وفي سائر المصاحف: ﴿فَإِنَّ الله هُوَ الغني﴾، بزيادة (هو).
وفي سورة الشمس وضحيها: ﴿وَلاَ يَخَافُ﴾ [الشمس: 15]، بالفاء، في مصاحف أهل
المدينة والشام، وفي سائر المصاحف: بالواو: " ولا يخاف ".
وذكر أبو حاتم في هذه الحروف أنّ في مصاحف المدينة، خاصة: ﴿وَقَالَ الملك ائتوني﴾ [يوسف: 54]، بغير ياء قبل التاْء.
وفي الحج والملائكة ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ [الحج: 23]، بألف، في مصاحف المدينة، وبعض مصاحف الكوفة.
وفي الزخرف: ﴿ياعباد﴾ [الزخرف: 68]، [بياء]، لا حذف في مصاحف المدينة [و] الكوفة.
و ﴿قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: 15] الثاني بألف في مصاحف المدينة.
وفي: (قل أوحى): ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو﴾ [الجن: 20]، بغير ألف في مصاحف الكوفة.
وفي النساء: ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: 171] على التوحيد، في مصاحف البصرة،
ولم يقرأ به أحد.
قال وفي يَس: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ [يس: 35] بغير " هاء "، مصاحف أهل الكوفة.
ومثله: ﴿إِحْسَاناً﴾ [الأحقاف: 15]، بـ: " ألف "، في الأحقاف.
ومثله: ﴿لَّئِنْ أَنجَانَا﴾ [الأنعام: 63]، في الأنعام.
وقال: في مصاحف أهل الشام خاصة في الأنعام: ﴿وَلَلدَّارُ الآخرة﴾ [الأنعام: 32]، " الآخرة " بلام واحدة.
ومثله في: الأعراف: " تحتها " في موضع: ﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾ [الأعراف: 43]، ولم يقرأ به أحد.
ومثله: ﴿(وَإِذْ) أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾ [الأعراف: 141]، بألف فيهما.
ومثله: ﴿كِيدُونِ﴾ [الأعراف: 195] بالياء في الأعراف.
ومثله: " ما كان للنبي أن يكون له أسى، بلامين في الأنفال، ولم يقرأ به أحد.
ومثله: (ينشركم) بالشين، في يونس.
وهذا باب آخر نذكر فيه سبب اختلاف القراء واختلاف هذه المصاحف
فكان سبب هذا الاختلاف، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " نزل هذا القرآن على سبعة أحرُفٍ "، فكان من/ قرأ عليه من أصحابه بأي حرف قرأ تركه، ودلّ علكى ذلك حديث عمر مع هشام بن حكيم، إذ سمعه عمر يقرأ القرآن على كغير ما قرأ هو على النبي عليه السلام، فلما توجها إلى النبي صلى الله عيه وسلم، وتحاكما لديه، قرأ عليه، أجاز قراءة كل واحد منهما، وقال: " هكذا " أُنْزِلَ ". وكان اختلافها في أحرفٍ من سورة الفرقان.
فدل على أنه صلى الله عليه وسلم، كان يترك كل واحد يقرأ على لُغَتِهِ، فإذا صح أنه كان يقرأ كل واحد على لغته، وصح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه كان يرسل أصحابه إلى البلدان، يعلمونهم القرآن والفقه في الدين، وأنه وجّه معاذ بن جبل إلى اليمن وكان قد خَلَفَه قبل ذلك، وأبا موسى الأشعري بمكة [حين] توجه إلى حنين لحر هَوَازِن ليعَلِّمَا من كان بها القرآن والعلم.
وبعث إلى الطائف مثل ذلك عثمان بن أبي العاص الثقفي.
ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وفتحت البلدان، فمضى على سيرته وزيراه: أبو بكر وعمر.
فوجه عمر ابن مسعود إلى الكوفة مُعَلِّماً لهم، ووجه أبا (موسى) إلى البصرة مثل ذلك.
وكان بالشام معاذ بن جبل، وأبو الدرداء.
وكان بالمدينة جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من أهل حفظ القرآن منهم: أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، فكان كل واحد يقرئ في موضعه بحرفٍ من السبعة التي أمر الله عز وجل، بها نبيه عليه السلام.
فلما انتشر ذلك في البلدان، وتعلم الناس، وسافروا من كل بلد وتلاقوا في الغزوات، واجتمعوا في الموسم، قرأ كل قوم كما عُلِّمُوا، فأنكر بعضهم على بعض، الزيادة والنقص، والرفع والنصب، وكذَّبَ بعضهم بعضاً، وعظم الأمر فيهم، وذلك في أيام عثمان.
فتكلم بعض أصحاب النبي عليه السلام إلى عثمان أن يكتب للناس مصحفاً يجمعهم عليه، وكان ممن كلمه في ذلك حُذَيْفة [بن] اليمان، وقد كان أراد أن يكلم عمر في مثل ذلك، حتى مات عمر رضي الله عنهـ، وكان حذيفة قدم من غزوة شهدها بإرمينية، فرأى اختلاف الناس في القرآن، فلما قدم المدينة لم يدخل (بيته) حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدْرِك الناس، فقال عثمان: وما ذلك؟ فقال: غزوة إرمينية يحضرها أهل العراق، وأهل الشام، فإذا أهل المدينة يقرأون بقراءة: أُبَيّ بن كعب، فيكفرهم أهل العراق، و (أهل العراق) يقرأون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم
يسمع أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام.
فجعل عثمان زيداً يكتب مصحفاً وأدخل معه رجلاً فصيحاً، وهو أبان بن سعيد بن العاص، وقال لهما: إذا اجتمعتما فاكتبا، وإذا اختلفتما فارفعا إليّ ما تختلفان فيه.
قال أنس بن مالك: اجتمع لغزوة أَذْرَبِيجان وإرمينية أهل الشام والعراق،
فتذاكرا القرآن فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن اليمان في ذلك إلىعثمان، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى أني والله خشيت أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف.
فَفَزع لذلك عثمان رضي الله عنهـ، فزعاً شديداً، وأرسل إلى حفصة فاستخرج المصحف الذي كان أبو بكر، رضي الله عنهـ، أمر زيداً بجمعه، فنسخه منه مصاحف فبعث بها إلى البلدان.
وكان عثمان قد انسخ من المصحف الذي عند حفصة، بحضرة زيد بن ثابت وأبان بن سعيد بن العاص.
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وقال: ما اختلفم فيه فاكتبوه بلسان قريش.
قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في ﴿التابوت﴾ [البقرة: 248]، فقال القرشيون:
﴿التابوت﴾، وقال زيد: " التَّابُوه ".
فرفع/ اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش.
فلما كتب عثمان النسخة، جعلها أربع نسخ، فأنفذ مُصْحفاص إلى: الشام، ومصحفاً إلى العراق، ومصحفاً إلى اليمن، واحْتَبس مُصحفاً.
وقيل: بل وجه واحداً إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى البصرة.
وقيل: بل كتب سبعة مصاحف، فبعث مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى الكوفة، ومصحفاً إلى البصرة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين، واحتبس مصحفاً.
فأما مصحف اليمن والبحرين فليس يعرف لهما خبر.
ولم يمت النبي صلى الله عليه وسلم، إلاَّ والقُرْآنُ مُؤَلَّفٌ في الصُّدُور، إلا أنه لم يكتب في مصحف.
وأول من جمعه أبو بكر رضي الله عنهـ في المصحف، ومات وتركه عند عمر،
ومات عمر وتركه [عند] حفصة ابنته.
قال ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ، وذكره السدي.
وروى الزهري عن عبيد بن السّبَّاق أن زيد بن ثابت حدثه، قال: أرسل إلي أبو بكر، فأتيته، فإذا عنده عمر رضي الله عنهـ، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل اسْتَحَرَّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخْشَى أن يَسْتَحشرَّ القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإنّي أرى أنْ تأْمر بجمع القرآن.
قال أبو بكر: فقلت فيكف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: هو والله خير، قال أبو بكر: فلم [يزل] عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له، ورأيت فيه الذي رأى عمر.
قال زيد: قال لي أبو بكر: إنَّك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَتَتَبَّعْ القرآن فاجمعه.
قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال لكان أثقل عليّ من ذلك.
فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر:
هو والله خير.
فلم يزل يراجعي في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهـ، حتى شرح الله صدري للذي شرح إليه صدرهما، فتتبعث القرآن من الرِّقَاع والعُسُبِ، ومن صدور الرجال، فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: 128]، إلى آخرها، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة، ثم نسخ عثمان من عند حفصة المصاحف، ووجه إلى كل أُفقٍ مصحفاً، وأمر بما سوى ذلك أن يُحَرَّق.
ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أُنْزِل القرآن على سبعة أَحْرُف "، أي: على سبع لغات متفرقة في القرآن، (لا أن كُلَّ حرف من القرآن) يقرأ على سبع لغات.
قال الشيخ أبو بكر، رضي الله عنهـ، وَجْهُ هذه الزيادة والنقص في المصحاف، أنها كتبت على قراءة من كان وجه إلى كل بلد من الصحابة، ويدل على ذلك أنَّ القراء
يُسْنِدُونَ قراءتهم إلى إمام مِصْرهم من الصحابة، وقد كانت هذه الحروف يقرأ بها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنقص، ولولا ذلك ما أثبتت في بعض المصاحف وحذفت من بعض ولا يجوز/ أن يُتَوَهَّم أنها وهم من الكابت؛ لأن الله قد حفظه، ويدل على ذلك أن علياً لما صارت إليه الخلافة لم يغير منها شيئاً بل استحسن فعل عثمان، وقد كانوا يكرهون النقط في المصاحف خوف الزيادة، فكيف يزيدون الحروف وتجوز عليهم الزيادة.
وكره النخعي الفصل بين السور، والتَّعْشِيرِ، بالحمرة.
وقال يحيى بن كثير: كان القرآن مُجَرَّداً، فأول ما أُحْدِثَ فيه العَجْمُ: نقط التاء والثاء، فلم ينكره أحد، ثم أحدثوا نَقْطاً على منتهى الآي، ثم أحدثوا التعشير، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم.
وقال قتادة: وددت أنَّ الأيدي قُطِعت في هذه النقط.
فليس يجوز على هذا الاحتياط أن تقع هذه الحروف إلا بنصّ وَمَعْرِفَةٍ، ولم تقع على وهم من الكاتب.
وقد ذكر أبو بكر عن بعض العلماء أنه قال: إنَّ إصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما جمعوا القرآن ونسخوه من عند حفصة في نسخ، عمدوا إلى كل حَرْفٍ سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قِرأه على وجهين، فأثبتوا في مصاحف وجهاً، وفي مصاحف وجهاً آخر.
لتحصل الوجهان للمسلمين، ولا يسقط عنهم وجه قراءته، فحصل على هذا الاختلاف في المصاحف على هذا الوجه، وهو داخل في السبعة، وهذا إن شاء الله هو الحق والصواب.
فأما اختلافهم في الحركاتت والمْدَ والْقَصْر والهمز وشِبْهه من إبدال حرف مكان آخر بصورته، فإن السبب في ذلك أن المصاحف التي وجهت إلى الأمصار لم تضبط ولا نقطت، وإنما كانت حروفاً أشخاصاً.
فلما خلت الحروف من النقط والضبط صارت التاء (التي) هي غير منقوطة محتملة لأن تكون: ياءً أو باءً أو تاءً، واشتركت الصور في الحروف.
ألا ترى أنك لو كتبت " لم يقم "، ولم تنقط الحرف الأول جاز أن يكون تاء، وباء، ونوناً، فقرأ أهل كل مصر على ما كانوا تعلموا من إمامهم الصحابي قبل إتيان المصاحف إليهم، فقرأ أهل البصرة على ما كان علمهم أبو موسى الأشعري، وأهل الكوفة على ما علمهم علي، وابن مسعود، وأهل الحرمين على ما تعلموا من أُبيّ، وزيد، وأهل الشام على ما تعلموا من معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، ووافقوا بقراءتهم خط المصحف الذي وجه إليهم، فقرأ هؤلاء بنصبٍ وهؤلاء برفعٍ،
وهؤلاء بِهَمْزٍ، وهؤلاء بِيَاءٍ، وهؤلاء بِتَاءٍ والصور واحدة، كل قوم قرأوا على ما كانوا تعلموا قبل وصول المصحف إليهم، فوافقوا بقراءتهم المصحف الذي وجه إليهم من زيادة أو نقص.
فهذا سبب الاختلاف.
وقد كان جَمَعَ القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ستة نفرٍ من الأنصار: معاذ بن جبل، وأُبيُّ بن كعب، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وسعد، بن عبيد.
وجمعة مُجَمَّعُ بن جارية، إلا سورتين، ولم يجمعه من الأئمة إلا عثمان.
وذكر أنس والشعبي أنه لم يجمعه على عهد النبي عليه السلام، أحدٌ.
والدليل على ذلك أن عثمان لم يتكل فيه على أحدٍ حتى جمع إليه جماعة، وأن زيد بن ثاتب قال: جمعته من صدور الرجال، ومن كذا وكذا، فهذا يدل على أنه لم يكن يحفظه.
وإنما اختار عثمان زيد/اً، لأنه كان يكتب الوحي؛ ولأن قراءته كانت على العرضة الآخرة، ولأنه وهو الذي اختار أبو بكر لجمعه.
قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب منافقون﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ومعنى الآية: ومن القوم الذين حولكم، أي: حول المدينة ﴿منافقون﴾، أي: قوم منافقون.
﴿مَرَدُواْ عَلَى النفاق﴾.
أي: دربوا عليه وخَبُثُوْا.
وقيل: معناه: عتوا، على النفاق.
من قولهم: " شَيْطانٌ مَارِدٌ " أي: عاتٍ.
﴿وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾.
أي: من أهلها مثلهم.
وقيل: المعنى: ومن أهل المدينة قوم ﴿مَرَدُواْ﴾.
فلا يكن في الكلام على هذا تقديم ولا تأخير.
وعلى القول الأول يكون فيه تقديم وتأخير.
قال ابن زيد ﴿مَرَدُواْ﴾: أقاموا عليه، ولم يتوبوا.
وقال ابن إسحاق ﴿مَرَدُواْ﴾، عليه، أي: لجوا فيه وأبوا غيره.
﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ﴾.
أي: لا تعلمهم يا محمد، بصفتههم.
﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾.
قيل: هما فضيحتهم في الدنيا وإظهار سرائرهم، ثم عذاب القبر، ثم يردن إلى عذاب الآخرة.
قاله ابن عباس: وذكر: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخرج قوماً من المسجد يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، لناس منهم، فهذا عذابهم الأول، والثاني: عذاب القبر.
وقال مجاهد هما: عذاب السيف بالقتل وعذاب الجوع.
والآخر: عذاب القبر، ثم عذاب الآخرة.
وقال ابن زيد: العذاب الأول، عذابهم بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والآخر: عذاب النار.
وقيل الأول: أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، وهو غير راضين، والآخرة: عذاب القبر.
ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً﴾.
والمعنى: ومنهم آخرون: أي: من أهل المدينة منافقون آخرون، ﴿اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، أي: أقروا بها: ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً﴾، هو إقرارهم وتوبتهم، ﴿وَآخَرَ سَيِّئاً﴾، هو تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.
والواو [في] قوله: ﴿وَآخَرَ﴾، بمعنى: " مع " عند البصريين، كما تقول:
" استوى الماء والخشبة ".
وقال قوم: هي بمعنى: " الباء "، وقدروا " الواو " في " الخشبة " بمعنى: بالخشبة.
وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة " استوى الماء والخشبة "؛ لأن هذا لا يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة " خلطت الماء واللبن "، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية.
قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه السلام أوثق سبعَةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي عليه السلام إلى رجع في المسجد عليهم.
فلما رآهم قال: من هؤلاء؟
قال: أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ". فلما بلغهم ذلك قالوا: / ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا.
فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية.
فأطلقهم النبي عليه السلام، و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة ".
وقيل: كانوا ستةً، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لبابة ورجلان معه.
وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوأ أنفسهم ثمانية.
وقال قتادة: كانوا سبعه، وفيهم نزل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا).
وقال مجاهدة هو أبو لبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان في بني قريظة، إذ أشار لهم إلى حَلقِه، يريد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذابحكم إن نزلتم على حكم الله، سبحانه.
وقال الزهري: نزلت في أبي لبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى أنزل الله، - عز وجل -، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشيّاً عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو الذي يحلني، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول
الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقةً إلى الله ورسوله، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يجزيك يا أبا لُبابة الثلث".
والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم.
وقيل: حضورهم بدراً مع النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(مُنَافِقُونَ)، وقف، إن جعلت (مَرَدُوا)، نعتاً لأهل المدينة"، فإن جعلته نعتاً للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم.
وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لُبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من الأنصار.
لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، وكان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ,إذا ابتدأ سفراً أو رجع منه ابتدأ بالمسجد, فصلى فى ركعتين, فدخل فرأى فيه قوما موثقين, فسأل عنهم, فأخبر بخبرهم, وأنهم أقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا أقسم لا أطلق عنهم حتى أومر, ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله , فلما نزل فيهم القرآن حلهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، إلى قوله: ﴿التواب الرحيم﴾.
قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾، هو خطاب للنبي عليه السلام.
أي: فإنك تطهرهم بها وتزكيهم، وهذا قول الزجاج.
وقيل: هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول الأخفش، قال: ويكون ﴿بِهَا﴾ توكيداً.
ف: " التاء " على القول الأول للمخاطبة، وفي ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير النبي صلى الله عليه وسلم.
وهي على القول الثاني: الثانية للصدقة لا للمخاطبة، وفي
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير الصدقة.
وقيل: هما للنبي عليه السلام، وهما في موضع الحال منه.
وقيل: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ للصدقة، صفة [لها]، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ للنبي عليه السلام، حال منه.
وأجاز بعض النحويين، في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ الجزم؛ لأنه جواب الأمر.
وحجة من قرأ: ﴿صلاتك﴾ بالجمع هنا، وفي " هود "، وفي " المؤمنين "
إجماعهم على الجمع في: ﴿وَصَلَوَاتِ الرسول﴾ [التوبة: 99] ولا فرق بينها والتي في سورة المؤمنين يراد بها الصلوات الخمس، فالجمع أولى به؛ ولأنها مكتوبة في المصحف بالواو، فدل ذلك على الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو اختصرت/ من الكتاب.
وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف، فدلت الواو في هذه الثلاثة على أنه جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات.
ومن قرأ بالتوحيد، احتج بالإجماع في: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: 162]، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في " الأنعام "، و ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: 1].
وأيضاً فإن قوله: إنَّ صَلاَتَكَ أعم من: إن صلواتك؛ لأن الجمع إنما هو لما دون العشرة، فكأنه: " إنّ دعواتك "، والتوحيد بمعنى: " إنَّ دعاءك "، والدعاء أعم من "
الدعوات " وأكثر؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما دون العشرة.
ومعنى الآية: خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من دنس ذنوبهم، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾، أي: تنميهم]، وترفعهم بها، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: ادع لها بالمغفرة، ﴿إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، أي: إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم، ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي: سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير ذلك.
قال ابن عباس: أتى أبو لُبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله، عز وجل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية.
وقد قيل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: منسخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: 84].
وقيل: إنَّها محكمة.
والمعنى: وادع لهم إذ جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء.
وقال قتادة: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، وقَارٌ لهم.
وقال زيد بن أسلم: قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ.
فأنزل الله عز وجل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية.
قال سعيد بن جبير: كان الثلاثة إذا (اشتكى أحدهم).
اشتكى الآخران مثله، وكان قد عَمِيَ، فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِيَ.
وقال ابن عباس: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾: رحمه لهم.
وقيل: إنَّ هذا إنَّما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾.
أخبر الله عز وجل، في هذه الآية بقَبول توبة من تاب من المناقين وغيرهم، وأخذ الصدقات من أموالهم.
فالمعنى: ألم يعلم هؤلاء الذين تخلفوا عن الجهاد، ثم ندموما وربطوا أنفسهم بالسواري وقالوا: لا نطلق أنفسها حتى يكون النبي صلى الله عليه سولم، هو الذي يطلقنا، أن ذلك (ليس) إلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، ولا إلى غيره، وإنما هو إلى الله سبحانه، هو يقبل توبتهم، وتوبة غيرهم، ويأخذ صدقة من تصدق، بصدقةٍ، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم.
قال ابن زيد: قال المنافقون لما تاب الله على هؤلاء: كانوا بالأمس، لا يُكلَّمون ولا يُجَالَسُون، فما لهم اليوم يُكلَّمون ويُجالَسُون؟ فأنزل الله عز وجل، ألم يعلم هؤلاء الذين لم يتوبوا وتكلموا في هؤلاء الذين تُبت عليهم ﴿وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾، الآية.
قال ابن عباس: ﴿وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾، يعني إن استقاموا على/التوبة.
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إن الله يقْبلُ، الصدقة ويأخذها بيمينه، فيرُبِّيها لأحدكم كما يُربِّى أحدكم مهرة، حتى إنَّ اللقمة لَتَصير مثل أحد.
وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات﴾ و ﴿يَمْحَقُ الله الرباوا وَيُرْبِي الصدقات﴾ ".
وقال ابن مسعود: ما تصدق رجل بصدقة إلاّ وقعت في يد الله قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم تلا: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة﴾.
وقوله: ﴿وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون﴾، إلى قوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
والمعنى: ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم: ﴿اعملوا﴾، أي: اعملوا بما يرضي الله، ﴿فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ﴾، وسيراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، ﴿وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة﴾، أي: تردون يوم القيامة، إلى الله الذي يعلم السر والعلانية، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي يخبركم بعملكم، ويجازيكم عليه جزاء المسحنين أو جزاء المسيء.
وقال مجاهد: الآية وعيد من الله.
و ﴿فَسَيَرَى الله﴾، من رؤية العين.
ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾.
هذه معطوف على ما قبله.
والمعنى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب منافقون وَمِنْ أَهْلِ المدينة﴾ قوم ﴿مَرَدُواْ عَلَى النفاق﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾.
فالتقدير: من هؤلاء المتخلفين عنكم، ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾، وقضائه فيهم.
﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾.
وهم قوم تخلفوا ولم يعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وندموا على ما صنعوا، فتاب الله عليهم، إذ علم صحة توبتهم وندمهم، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ التواب الرحيم﴾ [التوبة: 117 - 118].
قال ابن عباس: لما نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، يعني: أبا لُبابة وصاحبيه، يعني: الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم، ولم يظهروا التوبة، فلم يذكروا بشيءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فأنزل الله، عز وجل: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله﴾، الآية، فيهم فجعل الناس
يقولون: هلكوا، إذ لم ينزل فيهم عُذْرٌ.
وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم، فصاروا مرجئين، لا يقطع لهم بشيء، حتى نزل: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾ يعني: الثلاثة الذين أُرْجُوْا، إلى قوله: ﴿هُوَ التواب الرحيم﴾.
وقال عكرمة: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾: هم الثلاثة الذين خُلَّفُوْا.
والثلاثة في قول مجاهد: هلال بن أمية، ومُرارةَ بن الربيع، وكعب بن مالك، الثلاثة من الأوس.
وقال الضحاك: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن التوبة، يعني: توبة أبي لُبابة وصاحبيه، فضاقت عليهم الأرض، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فيهم فئتين، فئة تقول: هلكوا، وفئة تقول: عسى الله أن يعفوا عنهم، فأنزل الله/ عز وجل: ﴿ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم
حتى نزلت توبتهم.
وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾.
ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم.
﴿حَكِيمٌ﴾، وقف، على قراءة من قرأ: ﴿الذين﴾، بغير واو.
وغير وقف على قراءة من قرأ: ﴿الذين اتخذوا﴾ بالواو.
قوله: ﴿والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً﴾، الآية.
من قرأ: ﴿الذين﴾ بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى:
ومنهم الذين، مردود على: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ [التوبة: 101].
وقيل: هو مردود على ﴿وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي﴾، (والَّذِينَ اتَّخّذُوا مَسْجِداً).
ومن قرأ ﴿الذين اتخذوا﴾ بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، وفي الخبر تقديران:
قال الكسائؤ الخبر: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ﴾، أي: لا تقم في مسجدهم.
وقيل الخبر: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ﴾، وهذا أحسن.
﴿ضِرَاراً﴾ مصدر، وإن شئت مفعولاً من أجله.
ومعنى الآية: إنّ اثني عشر رجلاً من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار،
ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجداً ضراراً بمسجد " قُباء "، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قبل خروجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجداً لذِي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأْتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني على جَنَاحِ سَفَرٍ وشُغْل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه.
فلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم، راجعاً [من سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، فأرسل قوماً لهدمه، فَهُدم وأُحْرِق.
ومعنى ﴿ضِرَاراً﴾ أي: ضِرِاراً لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفراً بـ الله، لمخادعتهم النبي عليه السلام.
﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين﴾.
يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم.
﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن [قَبْلُ]﴾.
أي: إعداداً له، وهو أبو عام الذي كان حَزَّبَ الأحزاب لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خذله الله عز وجل، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار، وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي فهم فيه، إذا رجع.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى﴾.
أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، والتوسعة على الضعفاء، ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، في وقلهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين.
قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجداً، ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه.
وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فيه.
فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنان، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة.
فأنزل الله/ عز وجل: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ/ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾.
قال قتادة: لما دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي في مسجدهم دعا بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم.
قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقُباء، وكذلك قال قتادة.
قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قُباء، بنى [قوم] من الأنصار مسجداً للضِّرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في مسجدهم.
قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾، وقف في قراءة من قرا: ﴿الذين﴾ بغير واو إن قدرت أنَّ
الخبر: ومنهم الذين.
وإن قدرت أن يكون ﴿لاَ يَزَالُ﴾ الخبر، أو ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾، لم يجز الوقف على: ﴿مِن قَبْلُ﴾.
و ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ وقف، وكذلك يقدر جميع هذه الآية.
قوله: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ﴾، الآية.
والمعنى: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه المنافقون، ضِراراً وتفريقاً بين المؤمنين، أبداً.
ثم أقسم، فقال: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى﴾، أي: ابتدئ أساسه وبناؤه على طاعة الله عز وجل، ورضوانه ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ابتدئ بنيانه، ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾، أي: أولى أن تقوم فيه، مصلياً لله، عز وجل.
و ﴿مِنْ﴾ هاهنا، بمعنى: منذ.
وقيل: [المعنى]، من تأسيس أول يوم.
ومعنى ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: أول الأيام: كما تقول: أتيت على كل رجل، أي: على كل الرجال.
قال ابن عمر، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري وابن
المسيب، وخارجة بن ثابت، وابن جريج: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي فيه اليوم قبره.
وقال ابن عباس، وابن زيد، وعروة بن الزبير، وأبو زيد: هو مسجد قُباء.
وقاله ابن جبير، وقتادة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " هو مسجدي هذا ".