الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال ابن عباس: الفرح هنا والمرح: الفخر والخيلاء والعمل في الأرض بالخطيئة وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله في قارون: ﴿لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين﴾ [القصص: 76].
ثم قال: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: أبواب جهنم السبعة ماكثين فيها إلى غير نهاية.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾، أي: فجهنم بئس مثوى من تكبر في الدنيا عن عبادة الله عز وجل وطاعته.
ثم قال تعالى: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾، أي: فاصبر يا محمد على ما تلقى من مشركي قومك ومجادلتهم لك بغير الحق وتكذيبهم، إن الله منجز لك ما وعدك به من الظفر والنصر عليهم، وإحلال العذاب بهم.
﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد في حياتك، ﴿بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن يحل بهم ذلك، ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾، أي: إلينا مصيرهم، فنحكم بينك وبينهم بالحق فنخلدهم في النار ونخلدك ومن اتبعك ومن آمن بك في (النعيم المقيم.
وهذا كله وعيد من الله عز وجل لقريش وتعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتصبير له.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ﴾ - إلى آخر السورة: أي: ولقد أرسلنا (يا محمد من قبلك) رسلاً إلى أممهم، منهم من أنبأناك بخبره، ومنهم من لم ننبئك بخبره.
روي عن أنس أنه قال: عدة الرسل ثمانية آلاف، بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعدهم.
منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل.
وروى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعث الله عز وجل أربعة آلاف نبي ".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ في الآية: بعث الله عز وجل عبداً حبشياً وهو الذي لم يقصص خبره على نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾، (أي: ليس لرسول ممن تقدمك يا محمد أن يأتي إلى قومه بآية فاصلة بينه وبينهم إلا بإذن الله له) بذلك فيأتيهم بها.
وهذا تنبيه من الله عز وجل لنبيه عليه السلام أنه ليس له أن يأتي قومه بما يسألونه من الآيات دون إذن الله عز وجل له بذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾، (أي: فإذا (جاء قضاء) الله بين الأنبياء والأمم قضي بينهم بالعدل، فينجي رسله والمؤمنين، ويهلك، هنالك، المبطلون، أي: الكاذبون على الله سبحانه.
ثم قال تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾ أي: خلق لكم الإبل والبقر والغنم والخيل والحمير وغير ذلك من البهائم لتركبوا منها، يعني: الخيل والإبل والحمير والبغال.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، يعني: الإبل (والغنم والبقر).
التقدير عند الطبري: لتركبوا منها بعضاً، ومنها بعضاً تأكلون ثم حذف ذلك استغناء بدلالة الكلام على ما حذف.
ثم قال ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، يعني: الأنعام، وذلك جعلهم من جلودها بيوتاً ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين.
وذكر الزجاج أن الأنعام هنا: الإبل، يركبونها ويأكلون لحومها ويستمتعون بجلودها وأوبارها.
وهذه الآية.
تدل على إباحة أكل لحوم الإبل عند من جعلها خصوصاً في الإبل.
وقد قال تعالى في غيرها مما لا يؤكل: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها.
ثم قال تعالى ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾، أي: ولتبلغوا بالحمولة على بعضها - يعني: الإبل - حاجة في صدوركم لم تكونوا لتبلغوها لولا هي إلا بشق الأنفس، كما قال: ﴿" وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس "﴾ [النحل: 7].
ثم قال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾، أي على الإبل.
وما شابهها من الأنعام في البر، وعلى السفن في البحر تحملون.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي حججه / وأدلته على وحدانيته.
﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾، أي: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض - تنكرون صحتها فتكذبوا - من أجلها فسادها - بتوحيد الله سبحانه.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أفلم يسافر قومك - يا محمد - من قريش فينظروا آثار الأمم التي كذبت الرسل من قبلهم كيف بادوا وهلكوا، فيخافون أن ينزل بهم بتكذيبهم إياك فيما جئتهم به مثل ما نزل بمن كان قبلهم من الأمم المكذبة لأنبيائها.
﴿كانوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾، أي: كانت الأمم المهلكة قبلهم بالتكذيب أكثر من قريش.
﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأرض﴾، أي: أكثر عدداً وأكثر آثاراً بالبناء والحرث
والعمل من قريش.
﴿فَمَآ أغنى عَنْهُم﴾، أي: عن الأمم الماضية.
﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من الأموال والأولاد والبناء والعمل بل أهلكوا ودمروا بتكذيبهم الرسل وكفرهم.
(فماذا ينتظر) قومك يا محمد مع تكذيبهم بما جئتهم به، وهم دون أولئك في القوة والكثرة والآثار في الأرض من البناء (والتصرف والحرث) وغير ذلك.
وهذا كله تنبيه وتهدد لقريش.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾، يعني: الأمم الماضية، جاءتهم رسلهم بالآيات الواضحات.
﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ لجهالتهم.
﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم عقاب استهزائهم بما جائتهم به الرسل واستعجالهم للعذاب.
والمعنى: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا، نحو قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا﴾ [الروم: 7].
وقيل: الضمير في " فرحوا " للرسل، أي: فرح الرسل بما عندهم من العلم أن الله مهلك من كفر بهم وكذبهم، وناصر دينهم، فينجي الأنبياء ومن آمن بهم ويهلك الكفار.
وقيل: في الكلام حذف.
والتقدير: فلما جاءت الرسل قومها كذبوهم فأوحى الله عز وجل إليهم أنه معذبهم، ففرحوا بما أوحى إليهم من هلاك من كذبهم، فالضمير للرسل في " فرحوا "، والضمير في " حاق بهم " للمكذبين للرسل.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ﴾، أي: لما رأت الأمم المكذبة للرسل عذاب الله عز وجل وانتقامه الذي وعد الرسل بإيقاعه على من كذبهم، قالوا أمنا بالله وحده، أي: أقررنا بتوحيد الله وكفرنا بما كنا به مشركين من الأصنام والأوثان).
قال الله جل ذكره: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ أي: لم ينفعهم التوحيد عند معاينتهم العذاب.
﴿سُنَّتَ الله التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾، أي: سن الله ذلك سنة فيمن تقدم من عباده أنه من آمن عند معاينة العذاب لم ينفعه ذلك.
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون﴾، أي: وهلك عند معاينة العذاب من تمادى على كفره
حتى حل به العذاب، فلم ينفعهم إيمانهم عند المعاينة العذاب لأنهم مضطرون إلى ذلك حين عاينوا العذاب وإنما كان ينفعهم الإيمان لو آمنوا قبل معاينتهم ما يلجئهم إلى الإيمان ويضطرهم.
فكذلك فعل الله عز وجل فيمن خلا من عباده، لا يقبل إيمانهم عند معاينتهم العذاب واضطرارهم إلى الإيمان، فهو قوله تعالى ﴿سُنَّتَ الله التي قَدْ خَلَتْ﴾ في عباده ".
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
سورة حم السجدة مكية
قوله تعالى: ﴿حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم﴾ - إلى قوله - ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالمين﴾.
قد تقدم القول في حم.
وقوله: ﴿تَنزِيلٌ﴾، أي: هو تنزيل، يعني: هذا القرآن تنزيل من الله الرحمن الرحيم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، أي: هو كتاب فصلت آياته بالحلال والحرام، والفرائض والأحكام.
وهو قول قتادة.
(وقال الحسن): فصلت بالوعد والوعيد.
وقال مجاهد: فصلت: فسرت.
وقيل: " كتاب " ارتفع على أنه خبر لتنزيل.
وقيل: معنى فصلت آياته: أنزلت شيئاً بعد شيء، ولم تنزل إلى الدنيا مرة واحدة.
ثم قال تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، نصب " قرآناً على الحال، أي: فصلت آياته في حال جمعه، وقيل: نصبه على المدح، والمعنى أنه ليس بأعجمي بل هو عربي.
وهذا يدل على بطلام قول من قال: إن فيه من لغة العبريانية والنبطية ما لم تعرفه العرب.
بل الذي فيه من ذلك قد أعربته العرب وغيرته بلسانها فصار من لغتها.
(فصار كل) القرآن عربياً.
ويدل أيضاً هذا على بطلان قول من قال: إن في معاني باطنة لا تعلمها العرب فكيف ينزل بلغتها وهي لا تفهمه.
ثم قال تعالى: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾، أي: يبشرهم - إن آمنوا وعملوا بما أمروا - بالخلود في الجنة وينذرهم - إن عصوا أو كفروا - بالخلود في النار.
وقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، معناه: لقوم يعقلون ما يقال لهم.
وهذا يدل على أن الله جل ذكره إنما خاطب العقلاء البالغين، وإن من أشكل عليه شيء من أمر دينه وجب عليه أن يسأل من يعلم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، أي: فأعرض كثير منهم عن الإيمان واستكبروا عن قبول ما جاءهم به محمد عليه السلام؛ فهم لا يصغون له فيسمعون ما فيه، استكباراً.
وقيل: معنى لا يسمعون، لا يقبلون ما جاءهم من عند الله عز وجل.
" ويروى أن قريشاً اجتمعت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم عتبة بن ربيعة - وكان مقدماً في قريش، قد قرأ الكتب وقال الشعر وعرف الكهانة والسحر - أنا أمضي إلى محمد فاستخبر أمره لكم.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند المقام بمكة، فقال: يا محمد، إن كنت
فقيراً جمعنا لك من أموالنا ما نغنيك به، وإن أحببت الرياسة رأسناك علينا.
. . وعدد عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت.
فلما فرغ عتبة من كلامه قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: " ﴿ بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ - إلى - ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ﴾ - حتى بلغ - ﴿وَثَمُودَ﴾، فلما سمع عتبة ذلك وثب خائفاً فوضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم إلا سكت، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وانصرف عنه إلى منزله، وأبطأ على قريش.
فقالت قريش: صبأ عتبة إلى دين محمد! امضوا بنا إليه.
فجاؤوا منزل عتبة فدخلوا وسلموا وسألوه.
فقال: يا قوم، قد علمتم أني من أكثركم مالا وأوسطكم حسباً، وأني لم أترك شيئاً إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله يا قوم، لقد قرأ علي محمد كلاماً ليس بشعر (ولا رجز) ولا سحر ولا كهانة، ولولا ما ناشدته الرحم ووضعت يدي على فمه لخفت أن ينزل بكم العذاب ".
قال أبو محمد: وهذا يدل على إعجاز القرآن، فلو كانوا يقدرون على مثله أو على شيء منه لعارضوه به ولاحتجوا عليه بذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾، أي: وقال المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم قلوبنا في أوعية قد تغطت بها فلا تفهم عنك ما تقول لها كقول اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: قلوبنا لف وواحد الاكنة كنان.
﴿وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ﴾، أي: صمم، فلا تسمع منك ما تقول كراهة لقولك.
قال مجاهد: في أكنة: " كالجعبة للنبل "، وقال السدي: في أكنة: في أغطية.
ثم قال تعالى: حكاية عنهم: ﴿" وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ "، أي: حاجز فلا نجامعك على شيء مما تقول، نحن نعبد الأصنام وأنت تعبد الله سبحانه.
فهذا هو الحاجز الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قالوا له: ﴿فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، أي: فاعمل يا محمد بدينك، إننا عاملون بديننا، ودع ما تدعونا إليه من دينك وندع دعاءك إلى ديننا.
وقيل: المعنى: فاعمل في هلاكنا وضرنا إنا عاملون في مثل ذلك منه.
ثم قال الله جل ذكره لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد جواباً لهم على قولهم لك: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ "، أي: إنما أنا من ولد آدم مثلكم في الصورة والحال، أوحى الله إلي أن معبودكم الذي تجب له العبادة والخضوع واحد لا إله غيره.
﴿فاستقيموا إِلَيْهِ﴾، أي استقيموا على عبادته ولا تعبدوا غيره.
﴿واستغفروه﴾ على ما سلف من فعلكم في عبادتكم الأصنام من دونه وتوبوا إليه من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾، أي: (وقيوح) وصديد أهل النار لمن ادعى أن لله شريكاً لا إله إلا هو.
وقوله: ﴿الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾، (معناه: الذين لا يعطون لله طاعة تطهرهم من الذنوب وتزكي أعمالهم، وهذا معنى قول ابن عباس وروي عنه أنه قال: الذين لا يؤتون الزكاة، أي): لا يشهدون ألا إله إلا الله.
وقال عكرمة: معناه: الذين لا يقولون لا إله إلا الله.
وقال قتادة: معناه: الذين لا يقون بفرض زكاة أموالهم ولا يؤمنون بفرض ذلك عليهم، وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك، وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنهـ أهل الردة على منعهم الزكاة مع إقرارهم بالصلاة.
وقال رضي الله عنهـ: والله لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه.
قال السدي: لو زكوا وهم مشركون لم تنفعهم.
وروى نافع عن ابن عمر: الذين لا يؤتون الزكاة: التوحيد.
وقال الربيع بن أنس: معناه، الذين لا يزكون أعمالهم فينتفعون بها.
قال الحسن: " عظم الله عز وجل شأن الزكاة فذكرها.
فالمسلمون يزكون والكفار لا يزكون، والمسلمون يصلون والكفار لا يصلون ".
وقال الزجاج: معناه: لا يؤمنون بأن الزكاة حق واجب عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾، أي: وهم مع تركهم لإخراج زكاة أموالهم وكفرهم بأن الزكاة واجبة لا يصدقون بالبعث والجزاء.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالم﴾، أي: إن الذين صدقوا، الله ورسوله وعلملوا بما أمرهم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وانتهوا عما نهوا عنه لهم الجنة.
قال ابن عباس: غير ممنون: غير منقوص، وقال مجاهد: " غير محسوب ".
وقيل: غير مقطوع، بل نعيمهم أبداً لا ينقطع.
يقال: (مننت الحبل) إذا قطعته، (وقد منه السفر إذا) قطعه.
وقيل معناه: لهم أجر لا يمن عليهم به من أعطاهم إياه، لأنه قد وعدهم به، ووعده تعالى ذكره حق عليه إتمامه.
فلا منة تلحقهم في إتمام ما وعدهم به.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للمشركين.
والمعنى: أتكفرون (بالله الذي) ابتدع خلق الأرضين السبع في يومين.
﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً﴾، أي: أمثالاً تعبدونهم (من دون الله) ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالمين﴾، أي: الذي ابتدع خلق الأرضين السبع في يومين مع غلظها وعظمها، وطولها وعرضها، وثبتها تحت أقدام الخلق حتى تصرفوا عليها، فهو خالق جميع الخلق ومالكهم، وله تصلح العبادة لا لغيره، واليومان هما: يوم الأحد والإثنين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود حين سألوه عن ذلك:
" خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين) وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب.
فهذه أربعة أيام " وهو قوله " ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ [فصلت: 10] "، أي: لمن سأل عن ذلك.
" وسواء " مصدر عند سيبويه، أي: استوت استواء.
وقد (قرئ " سواء ") بالخفض على النعت لأربعة أيام، ورويت عن الحسن على معنى مستويات ومثله: رجل عدل، أي عادل.
وقرأ أبو جعفر بالرفع على معنى: هي سواء.
قوله تعالى: ﴿" وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا﴾ - إلى قوله - ﴿طَآئِعِينَ "﴾.
أي: وجعل في الأرض جبالاً تثقلها أن تميل) بمن فوقها، وذلك يوم الثلاث على ما تقدم ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لليهود حين سألوه: " وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات (بقين) منه،
(فخلق في أول ساعة من الثلاث: الآجال حين يموت من مات)، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وخلق في الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة ". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن اليهود قالت له بعدما أجابهم بهذه الجوابات، ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى (على) العرش قالوا (قد أصبت) لو أتممت فقلت: ثم استراح! فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم غضباً شديداً وأنزل الله عز وجل عليه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: 38 - 39]. وقال ابن عباس: خلق الله يوماً واحداً سماه الأحد، ثم خلق ثانياً سماه الأثنين، ثم خلق ثالثاً سماه الثلاثاء، ثم رابعاً (سماه الأربعاء)، ثم خامساً سماه
الخميس.
قال: فخلق الله عز وجل الأرض في يومين الأحد والأثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء - فلذلك يقول الناس: هو يوم ثقيل - وخلق الأنهار والأشجار يوم الأربعاء، وخلق الطيور والوحوش والهوام والسباع يوم الخميس، وخلق الإنسان - وهو آدم - يوم الجمعة ففرغ من خلق كل شيء يوم الجمعة.
وقال أبو هريرة: " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه، يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء، وبث الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة "، وعن ابن عباس
وعبد الله بن سلام أنهما قالا: ابتدأ الله جل ذكره خلق الأرض يوم الأحد، فخلق سبع أرضين في يوم الأحد ويوم الإثنين، ثم جعل في الأرض رواسي، وشق الأنهار، وخلق الشجار، وجعل المنافع في يومين: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ثم استوى إلى السماء فجعلها سبع سماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة
. قال ابن عباس: ولذلك سميت يوم الجمعة لأنها اجتمع فيها الخلق.
قال ابن سلام: فقضاهن سبع سماوات وفي آخر ساعة من يوم الجمعة، ثم خلق آدم فيها على عجل وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
قال مجاهد: كل يوم كألف سنة مما تعدون.
قال بعض العلماء: لو أراد الله تعالى ذكره لخلقها كلها في وقت واحد، ولكنه أراد ما فيه الصلاح، وذلك لتتبين ملائكته أثر الصنعة شيئاً بعد شيء فتزداد في
بصائرها.
وقوله تعالى / ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾، معناه: جعلها دائمة الخير لأهلها.
وقال السدي: بارك فيها، أي أنبت شجرها.
وقيل: معناه: زاد فيها من صنوف ما خلق من الأرزاق وثبته فيها.
والبركة: الخير الثابت.
وقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾، أي قدر فيها أرزاق أهلها ومعايشهم قاله الحسن وابن زيد.
وقال قتادة: أقواتها: صلاحها.
وعن قتادة أيضاً: وقدر فيها أقواتها، أي: خلق فيها جبالها وبحارها وشجرها وساكنها من الدواب كلها.
وقال مجاحد: وقدر فيها أقواتها، يعني: من المطر (الذي به تنبت) الأقوات
لجميع الخلق.
وقال عكرمة: " وقدَّر فيها أقواتها "، معناه: قدر في كل بلد منها ما لم يجعله في الآخر منها ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد، ينقل من بلد إلى بلد ما ليس في أحدهما من المتاع والطعام وغيره.
وروي مثل هذا عن مجاهد أيضاً، وهو قول الضحاك.
وقوله: ﴿في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾، أي: خلق (ذا وذلك) في أربعة أيام؛ أي: خلق الأرض والجبال، وبارك في الأرض وقدر فيها أقواتها، كل ذلك خلقه في أربعة أياك، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الأربعاء.
وقد غلط قوم فأضافوا أربعة أيام كاملة إلى اليومين المتقدمين.
وهذا
كقولك: بنيت الدار في يومين وأتمتها وفرغت من جميع إصلاحها في ثمانية أيام، فاليومان داخلان في الثمانية وبهما تمت الثمانية (لأنها) (كلها كشيء) واحد كما كانت الأرض وما فيها من مصالحا شيئاً واحداً.
فدخلت العدة الأولى في الثمانية.
ولو قلت: اشتريت الدار في يومين، والعبيد والثياب في أربعة أيام، لم تدخل اليومان في الأربعة لاختلاف أنواع المشترى، ولا يكون ذلك إلا ستة أيام.
فاعرف الفرق.
وقوله: ﴿سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ "، أي: سواء لمن سأل عن مبلغ الأجل الذي خلق الله فيه الأرض والجبال والشجر والأنهار والبحار وقدر الأقوات وغير ذلك من المنافع، قاله قتادة والسدي، وهو معنى قول ابن عباس.
وقيل: معناه: سواه لمن سأل ربه شيئاً مما به الحاجة إليه من الأرزاق، فإن الله
قدر له الأقوات في الأرض على ما قدر مسألته، وكذلك قدر لكل سائل؛ قاله ابن زيد.
وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين.
وإليه نزع ابن زيد في قوله.
وهو اختيار الطبري.
فالمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء لسائليها على ما بهم الحاجة إليه وما يصلحهم، وقد تقدم الكلام في إعراب " سواء " وقراءته.
ولو شاء رجل جل ذكره لخلق جميع ذلك وأضعافه في وقت واحد، وهو الوقت الذي لا وقت أسرع منه، ولا أقل تقضياً منه، فهو على ذلك قادر، وإنما خلق جميع ذلك شيئاً بعد شيء لتستدل ملائكته استدلالاً بعد استدلال على قدرته.
والله أعلم بذلك.
ثم قال تعالى: ﴿" ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ﴾، أي: ثم ارتفع إلى السماء ارتفاع قدرة لا ارتفاع نقلة.
" وهي دخان "، روي أن الدخان كان من تنفس السماء.
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾، أي: قال لهما جيئا بما خلقت فيكما.
أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرضي فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات وتشقق عن الأنهار، فقالتا: أتينا طائعين بما أحدث فينا من خلقك، هذا معنى ما روى مجاهد عن ابن عباس.
ومعنى إخباره تعالى عن السماء والأرض بالقول أنه جعل تبارك وتعالى فيهما ما يمزان به ويجيبان عما قيل لهما وذلك لا يعجزه تعالى إذا أراده.
وقال المبرد: هذا إخبار عن الهيئة، أي: صارتا في هيئة من قال ذلك بتكوينه تعالى لما أراد فيهما، كقول الشاعر: امتلأ الحوض، وقال: قطى، أي: صار في هيئة من يقول ذلك.
وقيل: معناه أنه أخبرنا الله ( عز وجل) بما نعرف من سرعة الإجابة طائعين فخبر عن السماوات والأرض بسرعة التكوين على ما أراد وأما قوله: ﴿طَآئِعِينَ﴾، فقال الكسائي معناه: أتينا بمن فينا طائعين.
وقيل: إنما جاء ذلك بالياء والنون لأنه أخبر عنهما كما يخبر عمن يعقل من الذكور فجاء على لفظ الإخبار عمن يعقل.
قال ابن عباس: خلق الله الأرض أولاً، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، فلذلك قال: ﴿والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30].
قال وهب بن منبه: خلق الله تعالى الريح فسلطها على الماء فضربت الماء حتى صار أمواجاً وزبداً، فجعل يفور من الماء دخان ويصعد في الهواء، فأمر الله تبارك وتعالى الزبد فجمد فمنه الأرض، وأمر الأمواج فجمدت فجعلها جبالاً رواسي، {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ /
فقضاهن سَبْعَ سماوات فِي يَوْمَيْنِ} ". وكانت السماء ملتصقة بالأرض فأرمها فارتفعت من الأرض على الهواء.
﴿وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12].
وقال للسماء الدنيا: كوني زمردة خضراء، وللثانية كوني فضة بيضاء، والثالثة كوني ذرة حمراء، وللرابعة كوني ذرة بيضاء وللخامسة: كوني ذهبة حمراء، وللسادسة: كوني ياقوتة صفراء، وللسابعة: كوني نوراً على نور يتلألأ، وفي كل سماء ملائكة قد طبقها بهم بين راكع وباك ومسبح قائم.
قوله تعالى: ﴿فقضاهن سَبْعَ سماوات فِي يَوْمَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾، أي: فأحكمهن، وفرغ من خلقهن سبع سماوات في يومين، وذلك: يوم الخميس ويوم الجمعة.
قال السدي: ثم استوى إلى السماء وهي دخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيها خلق السماوات والأرض.
وقوله: ﴿وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾، معناه: وألقى.
في كل سماء ما أراد.
من الخلق.
قال مجاهد، معناه: وألقى في كل سماء ما أمر به وأراده.
وقال السدي: معناه: وخلق كل سماء من الملائكة والبحار والجبال ما أراد مما لا يعلم.
وقال قتادة: معناه: وخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها.
وقيل: المعنى: وأوحى في كل سماء من الملائكة بما أراد من أمرها.
ثم قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بمصابيح﴾، يعني: بالكواكب.
قال السدي: جعل النجوم زينة وحفظاً من الشياطين.
وانتصب " حفظاً " على المصدر.
قال الأخفش: معناه: وحفظناه حفظاً.
لأن جعله فيها الكواكب يدل على أنه حفظها، لأنه اسم عطف على فعل فلا بد من إضمار فعل لتعطفه على الفعل الذي قبله وتنصب به حفظاً.
وقيل: التقدير: وجعلنا المصابيح حفظاً من استراق السمع.
وهذا كله مردود على أول الكلام في المعنى.
والتقدير: قل ائنكم لتكفرون بمن هذه قدرته، وتجعلون له
أمثالاً وأشكالاً تعبدونها من دونه.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾، أي: جميع ما ذكر من الخلق والآيات من تدبير العزيز في نقمته من إعدائه العليم بسرائر خلقه وبكل شيء، لا إله إلا هو.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، أي: فإن أعرض قومك من قريش يا محمد عنك وعما جئتهم به، فلم يؤمنوا به، فقل لهم: أنذرتكم أيها الناس صاعقة تهلككم مثل صاعقة عاد (وثمود.
وقرأ أبو عبد الرحمن والنهعي: صعقة مثل صعقة عاد).
والصعقة: كل ما أفسد الشيء وغيره عن هيئته.
وكذلك الصاعقة.
قال قتادة: معناه: فقل (لهم يا محمد): أنذركم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود.
وقال السدي: معناه: أنذركم عذاباً مثل عذاب عاد وثمود.
﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
العامل في " إذ: " الصاعقة.
والمعنى: حين جاءتهم الرسل من بين أيدي الرسل ومن خلف الرسل (يعني: جاءت الرسل أبناء الذين أهلكوا بالصاعقة ومن خلف الرسل) الذين بعثوا إلى آبائهم.
وذلك أن الله جل ذكره بعث إلى عاد: هوداً، فكذبوه من بعد رسل قد كانت تقدمت إلى آبائهم أيضاً فكذبوها فأهلكوا.
قال ابن عباس: معناه: أنه يريد الرسل التي كانت قبل هود، (والرسل التي كانت بعد هود)، بعث الله عز وجل قبله رسلاً، (وبعده رسلاً) بأن لا يعبدوا إلا الله فقالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة يدعوننا إلى الإيمان به ولم يرسلكم وأنت بشر مثلنا، ولكنه رضي بعبادتنا، فنحن بما أرسلتم به كافرون.
وقال الضحاك: الرسل الذين من بين أيديهم: من قبلهم، والذين من خلفهم، يعني: الذين بحضرتهم.
فيكون الضمير الذي في " خلفهم " يعود على الرسل، وهو مذهب الفراء.
وقيل: الذين بين أيديهم، يعني: الذين بحضرتهم، (والذين من خلفهم، يعني:) الذي من قبلهم.
وقيل: هذا على التكثير، والمعنى: جاءتهم الرسل من كل مكان بأن لا يعبدوا إلا الله.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات / الله عز وجل وكفروا بها.
فقوله: ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ معطوف على " فاستكبروا " " وقالوا " وما بينهما اعتراض.
قال الله جل ذكره: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾.
قال مجاهد: أرسل ريحاً شديدة (السموم) عليهم.
وقال قتادة والسدي: ريحاً صرصراً: باردة)، وزاد السدي: ذات صوت.
وقال أبو عبيدة: ريحاً شديدة الصوت عاصفة.
وأصل الصر في كلام العرب: البرد.
قال ابن القاسم: قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها: هرطة: أي عذاب الله أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، وسلامته ورحمته: ليلة لا ريح فيها، ولقد رأيت العير تحملها الريح فيما بين السماء والأرض.
ويقال: ما فتح عليهم إلا مثل حلقة الخاتم، ولو فتح عليهم مثل منخر الثور لأكسبت الأرض.
وقوله: ﴿في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾.
قال ابن عباس: نحسات: متتابعات.
وقال مجاهد: نحسات: مشائم.
وقال قتادة: نحسات: (مشائم نكدات).
وقال ابن زيد: نحسات/ ذات شر، ليس فيها من الخير شيء.
وقال الضحاك: نحسات: شداد.
﴿لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا﴾، أي: عذاب الهوان في الدنيا.
﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى﴾، أي: أشد (هواناً).
﴿وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصرهم ناصر من عذاب الله فينقذهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾، أي: وأما ثمود) فبينا لهم سبيل الحق وطريق الرشاد.
قال ابن عباس: فهديناهم: بينا لهم ".
(وقال قتادة: فهديناهم: بينا لهم سبيل الخير) والشر.
وقال ابن زيد: فهديناهم: أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يتبعوا الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى فاستحبوا الضلالة على الهدى واختاروها.
وقال الضحاك: فهديناهم: أخرجنا لهم الناقة تصديقاً لما دعاهم إليه صالح، فاستحبوا الكفر على الإيمان.
وقال السدي: فاختاروا الضلالة والعمى على الهدى، وهو قول ابن زيد وغيره.
والرفع في " ثمود " عند سيبويه مثل: زيد ضربته.
وقيل: إن النصب الإختيار، لأن " أما " فيها معنى الشرط.
والشرط بالفعل أولى، وبه يكون، فلا بد من إضماره، فيعمل في ثمود
فينصبه.
وقرأ ابن أبي إسحاق بالنصب.
ورويت أيضاً عن الأعمش وعاصم وذلك على إضمار فعل مثل: زيداً ضربته.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون﴾، أي: فأخذهم العذاب (المذل المهين)، فأهلكهم بما كانوا يكسبون من الكفر.
ثم قال: ﴿وَنَجَّيْنَا الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾، أي: ونجينا المؤمنين من العذاب الذي نزل بالكفار من عاد وثمود.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار﴾ - إلى قوله - ﴿مِّنَ المعتبين﴾، أي: واذكر يا محمد نحشر هؤلاء المشركين وغيرهم من أعداء الله إلى نار جهنم.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، أي: يحبس أولهم على آخرهم قاله السدي وقتادة وغيرهما.
قال أبو الأحوص: " فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر جرماً ".
قال أبو عبيدة: يوزعون: يدفعون.
يقال: وزعه يزعه، ويزعه، إذا كفه وحبسه.
ثم قال تعالى: ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾.
هذا الكلام فيه حذف مفهوم، واختصار بليغ، (وهذا أمر معجز) القرآن.
والتقدير: حتى إذا جاءوا النار سئلوا عن كفرهم وجحودهم، فأنكروا بعد أن شهد عليهم النبيئون والمؤمنون، فعند ذلك تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا.
وأكثر المفسرين على أن الجلود هنا: الفروج.
كنى عنها كما كنى عن
النكاح بالمس.
وقيل عنى بها الجلود بعينها، وهو اختيار الطبري لأنه الأشهر المستعمل في كلام العرب، ولا يحسن نقل المعروف في كلامها إلى غيره إلا بحجة ودليل يجب له التسليم.
قال ابن مسعود (رضي الله عنهـ) يجادل المنافق عند الميزان ويدفع الحق ويدعي الباطل فيختم على فيه، ثم تستنطق جوارحه فتشهد عليه، ثم يطلق عنه فيقول: بعداً لكن وسحقاً، إنما كنت أجادل عنكن.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾، (أي: وقال المشركون للجلود لما أنطقها الله بالشهادة عليهم لم شهدتم علينا) فأجابتهم.
﴿أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فنطقنا.
" روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك ذات يوم يا رسول الله؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربه سبحانه يوم القيامة: قال: يقول: أي رب، أليس وعدتني ألا تظلمني؟! قال: (ذلك لك) قال: فإني لا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي.
قال: أو ليس كفي بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين! قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل.
قال: فيقول لهم بعداً وسحقاً، عنكم، كنت أجادل ".
" وروى حكيم بن معاوية عن أبيه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم) قال: وأشار بيده إلى
الشام فقال: " من " ها هنا " يحشرون / ركباناً ومشاتاً وعلى وجوههم يوم القيامة، على أفواههم الفدام.
توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله، وإن أول (ما يعترف من أحدهم) فخذه ".
وعن عقبة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أول عظم يتكلم من الإنسان (يوم يختم على الأفواه " فخذه من رجل الشمال "، وفي حديث آخر) " فخذه وكفه ".