الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وفي هذه الآية، دليل على ترك اتباع الآراء مع النص.
قوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآية.
﴿كَم﴾ في موضع رفع بالابتداء.
ويجوز أن تكون في موضع نصب، بإضمار فعل يفسره: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ولا يقدر إلا بعدها، وهو بمنزلة: أيّهم ضربته.
ومعنى الآية: أنها تحذير للكافرين، أن ينزل بهم من البأس، ما نزل بمن كان قبلهم بتكذيبهم.
ومعنى الكلام: أنه إخبار عن إهلاك القرى، والمراد أهلها؛ لأن القرى إنّما هي/
بأهلها، فإذا هلكت هلك أهلها، ودل على ذلك قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾، فرجع إلى الإخبار عن الأهل.
وقيل المعنى: وكم من أهل قرية.
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، ثم قال: ﴿جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ﴾ [الأعراف: 5]، إنما معناه أردنا إهلاكها، فجاءها البأس.
وقيل المعنى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ بمنعنا إياها التوفيق إلى الطاعة، فجاءها البأس.
وقيل: إن الهلاك هو البأس بعينه، ففي كل واحد معنى الآخر، وسواء بدأ بالبأس أو بالهلاك، وهو كقولك: " زرتني فأكرمتني "، إذا كانت " الزيارة " هي " الكرامة "، فسواء عليك ما قدمت أو أخرت.
وقيل: الفاء هنا بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب.
و ﴿أَوْ﴾ هنا للإباحة.
وكان يجب أن يقول: أَوْ وهم قائلون، إلا أنه إذا كان في الجملة عائد لم يُحْتَج
إلى الواو.
وقد قال الفراء: " الواو " محذوفة.
وقال غيره: حذفت " الواو " لئلا تجمع بين حرفي العطف، وهي: " واو الوقت " عند بعض النحويين.
ولو جعل مكان ﴿أَوْ﴾ " الواو " لفسد المعنى؛ لأنه يصير المعنى: أن البأس جاءهم في الليل، وهم قائلون، وهذا لا يمكن؛ لأن القائلة إنما هي نصف النهار، والبيات فعل في الليل.
قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ [إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ]﴾، الآية.
المعنى: فما كان دعوى أهل القرية التي جاءها البأس إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا ظالمين.
و" الدَّعْوَى " في كلام العرب، على وجهين.
تكون: " الدُّعَاء "، تقول:
" اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوىَ مَنْ دعاك، قال الله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾، أي: دعاؤهم.
وقال: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: 15]، أي:
دعاؤهم.
والوجه الآخر: الإدعاء للحق.
و ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ هنا، إنما قالوه حين عاينوا البأس، لا قبله ولا بعده.
وذلك أن الرسل كانت تعدهم بالسطوة من الله وتخبرهم بأمارة ذلك وعلامته ليزدجروا، فلما عاينوا علامات ما أوعدوا به، أقروا بالظلم على أنفسهم.
قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية.
المعنى: فلنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما بلغتها الرسل من أمري ونهيي؟ [﴿وَلَنَسْأَلَنَّ المرسلين﴾، أي]: ولنسألن الرسل: هل
بلغت وأدت ما أرسلت به.
فسؤال الأمم سؤال توبيخ وتقرير، وهو عالم بما عملت، (وسؤال الرسل) سؤال تحقيق على الأمم؛ لأن الأمم قالت: ﴿مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ [المائدة: 19] فأخبرت الرسل عند السؤال أنها قد بلغت، وأن الأمم التي أنكرت كاذبة في قولها.
فسؤال الرسل، إنما هو على وجه الاستشهاد على الأمم.
وسؤال [الأُمَمِ] المرسل إليهم على وجه التقرير بما عملوا، لا أنه تعالى يسأل مسترشداً مستثبتاً؛ لأن هذا صفة من لا علم عنده، بل هو لا إله إلا الله، عالم بتبليغ الرسل، وبما أجابتهم به الأمم.
وهذا يدل على أن الكفار يحاسبون ويسألون.
قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾ الآية.
والمعنى: فلنخبرنَّ الرسل والمرسل إليهم بعلم يقين عما عملوا في الدنيا.
قال ابن عباس معنى ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾: أنه ينطق عليهم كتاب عملهم.
﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾.
أي: عن أعمالكم وأفعالكم.
قوله: ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق [فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ]﴾ الآية.
والمعنى: ووزن الأعمال يومئذ الحق.
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾.
أي: من كثرت حسناته.
قاله مجاهد.
وقيل المعنى: فمن ثقلت موازين حسناته.
وهو " ميزان " له لسان وكِفَّتَانِ، كالذي يعرفه الناس.
قال عبيد بن عمير: يجعل الرجل العظيم الطويل/ في الميزان، فلا يزن جناح بعوضة.
ووزن الأعمال في الميزان، هو نظير إثباتُ الله إياها في أُمِ الكتاب، واستنساخه ذلك في الكتب من غير حاجة إلى ذلك، وهو العالم بكل ذلك، وإنما فعل ذلك تعالى، ليكون
حجة على خلقه، فيحتج عليهم بما عاينوا وفهموا وعرفوا من ذنوبهم.
قال تعالى: ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]، فكذلك وزن أعمال العباد حجة عليهم، ليعلموا التضييع الذي فعلوا، أو يفهموه عن قرب على ما عملوا.
فأما وزن الأعمال وهي أعراض، فإنما يحدث الله خفة في جانب السيئات، وثقلاً في جانب الحسنات، على ما يشاء لمن أراد، كل ذلك احتجاج منه على خلقه، وتقريع لهم بما عملوا، وهذا مثل استنطاق أيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا، حجة منه عليهم، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعنى: ﴿[وَ] مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾.
أي: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بالتوحيد لله، والإيمان برسوله.
﴿فأولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُم﴾.
أي: غبنوا أنفسهم حظوظها من الثواب.
﴿بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾.
الظلم هنا: الجحود لآيات الله.
قال سلمان الفارسي: يوضع الميزان يوم القيامة، ولو وضع في كفَّته السموات والأرض لوسعتها، فتقول الملائكة: ربنا ما هذا؟ فيقول تعالى: أَزِنُ به لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: ربنا ما عبدناك حق عبادتك.
وقال مجاهد، " الميزان ": هنا: الحسنات والسيئات نفسها.
وقيل: " الميزان ": الكتاب الذي فيه أعمال الخلق.
والذي جاءت به الآثار أنه " الميزان " المعروف.
﴿يَوْمَئِذٍ الحق﴾، وقف حسن.
قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض﴾.
لام ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد.
روى خارجة عن نافع أنه قرأ: ﴿مَعَايِشَ﴾، بالمد والهمز،
وكذلك روي عن عبد الرحمن الأعرج - ولا يجوز ذلك عند جماعة النحويين، لأن الياء أصلية، وإنما تهمز الزائدة.
وروى الأصبهاني عن أصحابه عن ورش: ﴿مَعَايِشَ﴾ الياء ساكنة - وهو غلط؛ لأنها غير " مفاعل " والميم زائدة؛
لأنها من " العيش ".
ومعنى الآية: ولقد جعلنا لكم في الأرض قراراً ومهاداً، وجعلنا لكم فيها ﴿مَعَايِشَ﴾ أي: ما تعيشون به.
وقيل المعنى: وجعلنا (لكم) فيها ما تتوصلون به إلى المعيشة.
شكراً قليلاً تشكرون على هذه النعم.
و ﴿مَعَايِشَ﴾ وقف.
قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية.
قوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾.
قال الأخفش، وقطرب: ﴿ثُمَّ﴾ هنا بمعنى " الواو ".
ومنع ذلك سائر البصريين.
والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم
صورناه، ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا﴾ له بعد تمام خلقه.
ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ]﴾ [آل عمران: 59].
وقيل المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أيها الناس في ظهر آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، يعني ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم.
قاله ابن عباس وغيره.
وقال السدي المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾، أي: خلقنا آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ يعني: ذريته في الأرحام.
وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل/ للجميع، فكأن (خلقه)
خلق الجميع.
والعرب تجعل مخاطبة الرجل لأبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى عز وجل: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ [البقرة: 63]، فالخطاب لمن كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به من تقدم من آبائهم.
فكذلك هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه.
وكذلك قال قتادة.
وقال عكرمة المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أيها الناس نطفاً في أصلاب آبائكم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في الأرحام.
وكذلك روى سفيان عن الأعمش أنه فسره كذلك.
وقال مجاهد المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني: آدم، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في ظهر آدم.
وقيل المعنى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ في بطون أمهاتكم، يعنى: النطفة والعلقة، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ بعد ذلك في البطون.
واختار الطبري، قول من قال: (معناه): ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه.
قال: لأن بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾، ومعلوم أن الله (تعالى) قد أمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام)، قبل أن يصور أحداً من ذريته في بطون أمهاتهم.
و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي فيما بين ما بعدها وما قبلها.
وقال بعض أهل النظر: إن في الكلام تقديماً وتأخيراً؛ وإن ترتيبه: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم.
وهذا بعيد عن النحويين؛ لأن " ثم " لا يجوز أن يراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر.
فقد أنكر هذا القول النحاس، وغيره.
وقوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾.
فعل تعالى ذلك بعد خلق آدم (عليه السلام) ابتلاء منه لهم، واختباراً لِتَتِمَّ مشيئته التي تقدمت في إبليس، فيعلم ذلك طاهراً وظهوراً يجب عليه العقاب (لهم] والثواب، فسجد جميعهم إلا إبليس.
وقال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض، فعصى، فمسخه الله (سبحانه) شيطاناً رجيماً.
قال ابن جريح: ومن يقل من الملائكة إني إله من دونه، لم يقله إلا إبليس
دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية.
قال قتادة: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله [مِّن دُونِهِ]﴾ [الأنبياء: 29]، هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس (اللعين) لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيماً.
قال ابن عباس: لما قتل إبليس الجن الذين عصوا الله ( عز وجل) في الأرض، وشردهم، أعجبته نفسه، فلذلك [امتنع] من السجود واستكبر على ربه [سبحانه].
قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية.
هذا السؤال من الله (تعالى) سؤال تقرير وتوبيخ؛ لأنه، تعالى، قد علم ذلك منه.
و" لا " زائدة مُؤكَّدة.
والمعنى: ما منعك أن تسجد.
وقيل: إن " لا " غير زائدة وإن في الكلام حذفاً.
والمعنى: [ما منعك] من السجود وأحوجك ألا تسجد؟ فحذف " أحوجك " لدلالة الكلام عليه.
وهو اختيار الطبري.
وقيل المعنى: (إن) المنع هنا بمعنى " القول " و " لا " غير زائدة،
والتقدير: من قال لك ألا تسجد إذ أمرتك بالسجود: ودخلت " أن " كما تدخل في كلام هو بمعنى القول، ولفظه مخالف للفظ القول كقولهم/ " ناديت أن لا تقم "، و " حلفت ألا تجلس " فلما كان المنع بمعنى القول، وليس من لفظه دخلت " أن ".
وقيل: إن المنع لما كان معناه الحول بين المرء وبين ما يريده، فالممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه، فلما كان معنى المنع هذا، كان تقدير الكلام: ما اضطرك إلى أن لا تسجد.
وقوله: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾.
هذا خبر من الله ( عز وجل) عما قال إبليس، إذ قال له الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾، فقال إبليس: أنا أفضل منه؛ لأني من نار، وهو من طين، ففضل عليه كفضل النار على الطين.
فجهل عدو الله الحق، وأخطأ طريق النظر، إذ كان معلوماً أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب، والارتفاع والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الملعون بعد الشقاء الذي سبق له من الله ( عز وجل) على الاستكبار.
وكان معلوماً أن
من جوهر الطين الرزانة والأناة، وذلك الذي حمل (آدم [عليه السلام]) بعدما سبق له عند ربه ( عز وجل) على الندم على الذنب والتوبة منه.
ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: " أول من قاس إبليس "، يعنيان أنه أخطأ في قياسه في تفضيل النار على الطين؛ وأنها أقوى من الطين.
وقول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ ليس بجواب في الظاهر لمن قال: " ما منعك أن تفعل؟ "؛ وإنما هذا جواب من قال: " أيكما خير؟ "؛ ولكنه جواب محمول على المعنى
لا على ظاهر السؤال؛ كأنه لما قيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾، قال: فضلي عليه أني من نار؛ وأنه من طين، فأخبر الملعون عن نفسه بخبر فيه معنى الجواب.
قوله: ﴿قَالَ فاهبط [مِنْهَا]﴾ الآية.
المعنى: قال الله ( عز وجل) لإبليس عندما صنع: ﴿فاهبط مِنْهَا﴾، أي: من الجنة.
﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾.
أي: ليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي.
أي: لا يسكن في الجنة من يتكبر عن أمري.
فأما غير الجنة فالمستكبر يسكنها، وغيره.
﴿فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين﴾.
أي: أخرج من الجنة؛ إنك ممن نالهم الصغار، وهو: الذلة والمهانة.
قوله: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، الآيتان.
المعنى: إن إبليس علم ألا موت بعد قيام الساعة، فسأل النظرة إلى ذلك الوقت؛ ليصح له الخلود، وذلك لا سبيل لأحد إليه، فقال له [الله]: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ [الحجر: 37 - 38]، وذلك اليوم هو اليوم الذي كتب الله فيه الفناء على جميع الخلائق، فلا يبقى إلا الحي الذي لا يموت.
ولم يجبه الله إلى ما سأل؛ لأنه لم يقل له: ﴿إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ﴾ إلى ما سألت، أو إلى يوم البعث.
قال السدي: سأل إبليس الإنظار إلى يوم يبعثون، فلم ينظر إلى يوم البعث.
وأنظر إلى يوم الوقت المعلوم، [وهو] يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فيعصق من في السموات ومن في الأرض فيموت.
قوله: ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي [لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ]﴾، الآيتان.
المعنى: إن اللعين أقسم ليقعدن لهم، فجعل الإغواء قسماً له، كأنه قال: فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم، ثم لأفعلن كذا.
وقيل المعنى: إنه سأل ربه بأي شيء أغواه، قاله ابن عباس.
كأنه قال: فبأي شيء أضللتني.
وقيل المعنى: فبما دعوتني إلى شيء ضللت [به] من أجله.
وقيل المعنى: / فبما أهلكتني، من قولهم: " غَوِيَ الفَصيلُ " إذا هلك من فقد اللبن.
وقيل المعنى: إنه على معنى المجازاة، أي: كما أغويتني أفعل كذا وكذا، وأضلهم كما أضللتني.
قال النبي، صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الإِسْلاَمِ، فقال له: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم.
ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال له: أتهاجر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر.
ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ فعصاه وجاهد ".
وقيل: ﴿صِرَاطَكَ المستقيم﴾.
(أي): طريقك (القويم)، وهو دين الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه.
وسمي الدين " صراطاً "؛ لأنه الطريق إلى النجاة.
قوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، الآية.
المعنى: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، من قبل الآخرة فأخبرهم أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل الدنيا، فأزينها في أعينهم وأخبرهم أنه لا حساب عليهم فيما يعملون.
﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قبل الحق.
﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: من قبل الباطل.
قال ابن عباس: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، أشككهم في الآخرة، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أُرغِّبهم في الدينا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أشبه عليهم في أمر دينهم، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: أُشَهِّي لهم
المعاصي.
وقال السدي وغيره: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، أدعوهم إلى الدنيا وأرغبهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أشككهم في الآخرة، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أشككهم في الحق، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: أخفف البال عندهم.
وقيل: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: من قبل دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل آخرتهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قبل حسناتهم، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾: من قبل سيئاتهم، قاله: ابن جريج، وغيره.
وقال مجاهد المعنى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ من حيث يبصرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾ من حيث لا يبصرون.
وقيل: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، يخوفهم في تركاتهم، ومن يخلفون بعدهم.
وقيل: ﴿لآتِيَنَّهُمْ﴾، من كل جهة يعملون فيها.
﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
كان ذلك ظناً منه، فكان الأمر على ما ظن، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: 20].
وقيل المعنى: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، من قبل الدِّين فألبسه عليهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من قبل الشهوات، فأحببها إليهم في الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾، من قبل الحق، فأرده باطلاً، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾، من قبل الباطل، فأرده في أعينهم حقاً.
قوله: ﴿قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾، الآية.
﴿مَّدْحُوراً﴾: حال، مثل: ﴿مَذْءُوماً﴾، ويجوز أن يكون نعتاً ل: ﴿مَذْءُوماً﴾.
وروي عن عاصم أنه قرأ " لِمَنْ تَبِعَك " بكسر اللام، والمعنى على هذا: فعل بك ذلك من أجل من تبعك.
ومعنى الآية: أنها خبر من الله، بما قال لإبليس اللعين.
و ﴿مِنْهَا﴾: من الجنة.
ومعنى: ﴿مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾: معيباً.
و" الذَّأمُ ": العيب.
يقال: " ذَأَمَهُ ": إذا عابه، فهو مذءوم.
و" الذَّأْمُ " أبلغ في العيب من الذم، يقال: ذَمَمتُهُ وذِمْتُهُ/ بمعنى واحد.
قال أبو عبيدة: " ذَأَمْتُ الرجل " أشد مبالغة من: " ذَمَمْتهُ " و " المدحور ": المقصى المبعد.
وعن ابن عباس ﴿مَذْءُوماً﴾: ممقوتا.
و ﴿مَّدْحُوراً﴾: مطروداً.
وقاله السدي.
وقوله: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾.
هذا قسم، أقسم الله أن من اتبع إبليس، أن يملأ جهنم منهم، يعني من كفر فاتبعه وصدق ظنه.
قوله: ﴿وَيَآءَادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ [الجنة]﴾، الآية.
هذه الآية مذكور معناها في تفسير سورة البقرة، واختلاف الناس في الشجرة.
قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾، الآية.
قرأ ابن عباس: ويحيى بن أبي كثير: " مَلِكَيْن " بكسر " اللام ". أي: من الملوك الذين في الدنيا.
ومن فتح " اللام " فمعناه: من الملائكة.
والمعنى: فالقى إليهما قولاً حملهاً على ركوب النهي.
ومعنى ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا﴾،: ليظهر سوآتهما التي هي مستورة، وحلف لهما أني
ناصح لكما في أن ربكما إنما نهاكما عن أكل الشجرة، كراهة أن تكونا مَلَكَيْن، أو كراهة أن تخلدا في الجنة.
ومعنى ﴿[وَ] قَاسَمَهُمَآ﴾، حلف لهما، مثل طارقتُ النَّعْلَ وعاقَبْت اللص.
وقال قتادة: حلف لهما بالله، وقال: أنا خُلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما.
﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾.
أي: غرهما باليمين التي حلف لهما، وكان آدم، (صلوات الله [عليه])، يظن أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، فغره ذلك.
قال ابن عباس: كانت الشجرة التي نهيا عن أكلها، السنبلة، فلما أكلا بدت سوآتهما، أي: تقلص النور الذي كان يسترهما، فصار أظفاراً في الأيدي والأرجل، وظهرت سوآتهما لهما، فعمدا يلزقان ورق التين بعضها إلى بعض، فانطلق آدم موليّا في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله: آي آدم أمني تفر؟
فقالا: لا، ولكني استحييت منك يا رب! فقال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً.
قال ابن جبير: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله.
ومعنى " وسوس ": زين وألقى، وحسس المعصية حتى أكلا.
وقد تقدم ذكر دخول إبليس الجنة في فم الحية، وكانت إذ ذاك دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير كاسية، فأعراها الله، وأزال قوائمها عقوبة لها.
و " اللام " في ﴿لِيُبْدِيَ﴾: لام العاقبة، بمنزلة: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: 8].
ولما حملها على الأكل تقدمت حواء للأكل، وأبى آدم أن يأكل، فأكلت حواء، وقالت: يا آدم كل فإنه لم يضرني فأكل، ف: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا
وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة}.
قال مجاهد: يعنى: يرقعانه كهيئة الثوب.
ومعنى (طَفِقَا): جعلا.
وأتت الأخبار عن النبي، عليه السلام، أن الله تعالى خلق آدم يوم الجمعة، ويوم الجمعة خرج من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه قبضه.
وكان مقدار مكث آدم في الجنة خمس/ ساعات.
وقيل: ثلاث ساعات.
وقال ابن عباس: كان مكث آدم نصف يوم من أيام الآخرة، وخرج بين الصلاتين: الظهر والعصر.
قال علي بن أبي طالب، رضي الله عنهـ،: أطيب أرض بالأرض ريحاً الهند، هبط آدم بها،