الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بالعشي.
وقيل: هم الذين يقرءون القرآن.
ثو قال: تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا﴾.
فمعنى تريد زينة الحياة الدنيا أي تريد مجالسة الأشراف ذوي الأموال، وهم كفار، وتترك مجالس المؤمنين الفقراء.
وروي أنهم كانوا لا يلبسون الأثياب الصوف من الفقر.
وقال: مجاهد: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ أي ضياعاً.
وقيل معناه: ندامة.
وقيل هلاكاً.
وقال: ابن زيد معناه: مخالفة للحق.
وهو من قولهم أفرط فلان في كذا، إذا أسرف فيه وجاوز قدره فيكون معناه وكان أمره سرفاً في كفره وافتخاره وتكبره.
قوله: ﴿وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾.
المعنى: أن الله جل ذكره أمر نبيّه عليه السلام أن يقول لمن تقدم ذكره في قوله
﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ﴾ [الكهف: 28] الحق من ربكم أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر، وليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من وفقه الله [ عز وجل] فآمن، فإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فآمنوا.
فإن كفرتم فقد أعد لكم [ربكم] ناراً أحاط [بهم] سرادقها.
وقوله ﴿فَلْيُؤْمِن﴾ و ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد والوعيد.
ومثله
﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ﴾ [هود: 65] وقوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾ [العنكبوت: 66] وشبهه كثير.
والأمر من الله [ عز وجل] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: 6] الآية، وشبهه.
فهذا لا بد من فعله ويأثم من تركه، ويكفر إن عاند في تركه.
ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ [النور: 32] وقوله: ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وفيه اختلاف.
فهذا لا
يخرج المأمور بتركه إلى إثم.
وإن تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ندبه الله [ عز وجل] إليه.
ومنه ما معناه الاباحة [والاطلاق نحو قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ [المائدة: 2] وقوله:] ﴿فانتشروا فِي الأرض﴾ [الجمعة: 10] ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ [البقرة: 222] فهذا إن شاء [فعله، وإن شاء] لم يفعله، ولا يشكر على فعله، ولا يندم على تركه.
ومنه / ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65] وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117 - يس: 82] فهذا تكوين وإحداث.
ويوجد المأمور فيه مع الأمر ولا يتقدم ولا يتأخر.
وكل أوامر النبي [ صلى الله عليه وسلم] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين والإحداث فليس
يكون إلا لله عز وجل، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي أنبيائه دلالة على صدقهم.
كقول نبينا صلى الله عليه وسلم لشجرة دعاها: " أقبلي " فأقبلت تجري عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها: " ارجعي " فرجعت إلى مكانها، وشبهه كثير.
وهذه الأوامر إنما يميز الواجب منها [من غيره] بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير.
وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.
قال: اين زيد: هو حائط من نار يحيط بهم كسرادق الفسطاط، وقاله ابن عباس.
وقال: معمر: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الذي قال: الله: [ عز وجل] ﴿ انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: 30].
وقيل هو البحر المحيط الذي في الدنيا، أي: أحاط بهم سرادق الدنيا أي: بحرها المحيط.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " البحر جهنم وتلا هذه الآية.
وقال: لا
أدخله أبداً وما دمت حياً، ولا تصيبني منه قطرة "
فيكون معناها أحاط بهم أي عمهم.
وروى [عنه] أبو سعيد الخدري أنه قال: " سرادق النار أربع جدر، كتف كل واحد منها مسيرة أربعين سنة ".
ثم قال: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾.
أي إن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل أي " كعكر الزيت.
فإذا قربه من فمه سقطت فروة وجهه فيه " كذا رواه الخدري عن النبي عليه السلام.
وعن ابن مسعود: أن المهل هو كفضة وذهب أذيبا واختلطا.
وقال: مجاهد:
" كالمهل " كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا.
وقال: ابن عباس: المهل ماء غليظ مثل دُرَدَيّ الزيت.
وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود.
وقال: ابن جبير: المهل الذي قد انتهى حرة.
وقيل: المهل عكر القطران.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: " المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه من حره ".
والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه.
ثم قال: ﴿يَشْوِي الوجوه﴾.
وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقزم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم.
فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم.
فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل.
فإذا أدنوه من أفواهه انشوى من حره لحوم / وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.
وقوله: ﴿بِئْسَ الشراب﴾.
أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم.
وقوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾.
أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظانين: ﴿مُرْتَفَقاً﴾ أي متكئاً.
والمرتفق في كلام العرب المتكا.
يقال: ارتفقت أي: اتكأت.
. وقال: مجاهد " مرتفقاً " مجتمعاً " وهو مفتعل من الرفق.
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ [مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً]﴾ إلى قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾.
أي [إن] الذين صدقوا محمداً [ صلى الله عليه وسلم] وما أتى به وعملوا بما جاءهم [به] لا نضيع ثواب من أحسن عملاً.
وخبر إن الأول قوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ على تقدير من أحسن عملاً منهم.
وحذفت " منهم " لأن الله قد أخبرنا أنه محبط عمل غير المؤمنين.
وقيل التقدير: إنا لا نضيع أجرهم.
وقيل: الخبر أولئك لهم جنات عدن.
وروي " أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات على ناقته الصهباء عن
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ الآية.
فقال: النبي [ صلى الله عليه وسلم] : " يا أعرابي: ما أنت منهم وما هم منك ببعيد.
هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف معي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
فاعلم قومك أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الأبعة " ".
ولا تقف على ﴿عَمَلاً﴾ إن جعلت الخبر ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وإن جعلت الخبر: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ وقفت عليه.
ثم قال: تعالى: ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
أي جنات إقامة لا زوال منها.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ أي من دونهم الأنهار.
كما يقال: داري تحت دارك، أي دونها.
وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ كعباً.
فقال: [له]: إني سمعت الله [ عز وجل] يذكر جنات عدن، فما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل.
فقال: عمر: أما النبوة
فقد جعلها [الله عز وجل] في أهلها، وأما الصديق فوالله إني لأرجو أن [أكون] قد صدقت بالله [ عز وجل] وبرسوله، وأما الحكم العدل فوالله إني لأرجو أن أكون ما فرقت في حكم أحداً، وأما الشهادة فأنّى لي بالشهادة؟ قال: الحسن فجمعهن الله [ عز وجل] والله له ثلاثتهن.
فجعله: صديقاً، حكماً عدلاً، شهيداً.
وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾.
أساور جمع [اسورة، وأسورة جمع] سِوار وسُوار يقال: بالضم والكسر.
وحكى قطرب إسوار.
وإن أساور جمع أسوار على حذف الياء لأن أصله أساوير على هذا.
والمعروف أن إسوار واحد أساورة الفرس.
وقوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.
قال: الكسائي: السندس جمع سندسة.
وقال: واحد العبقري عبقرية وواحد
الرفرف: رفرفة، وواحد الأرائك: / أريكة.
والسندس ما رقَّ من الديباج، والإستبرق ما ثخن منه وغلظ.
والأرائك السور في الحجال، وقيل: هي الفرش في الحجال.
ثم قال: ﴿نِعْمَ الثواب﴾ أي نعم الثواب [في] جنات عدن وما وصف فيها لمن ذكر.
﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي حسنت هذه الأرائك والجنات التي وصف الله [ عز وجل] في هذه الآية ﴿مُرْتَفَقاً﴾ أي متكئاً.
قوله: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾.
وروي عن [ابن] عباس: أنهما أخوان ورثا مالاً فصار لكل واحد أربعة آلاف دينار.
فأعطى أحدهما نصيبه للفقراء والمساكين واكتسب الآخر بنصيبه الأجنة والعبيد، فاحتاج المتصدق فتعرض لأخيه ليصله.
فقال: [له] أخوة: ما فعل مالك؟ قال: قدمته بين يدي.
قال: [له]: لكني اشتريت بمالي لنفسي ولولدي ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36] الآية.
وقيل: " كانا رجلين من بني إسرائيل اشتركا في تجترة فربحا ستة آلاف دينار.
فاقتسماها وتفرقا.
ثم اجتمعا فقال: أحدهما لصاحبه: ما فعلت؟ قال: نكحت امرأة أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار.
فانطلق الآخر فأخرج ألفاً فقال: اللهم إن صاحبي نكح من يموت ويبلى بألف دينار.
وأنا أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بهذه الألف، وتصدق بها.
. . القصة بطولها.
و [المعنى و] اضرب يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين سألوك أن تطرد الذين
يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين أي بستانين من كرم ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي أظللنا البتانين بنخل حولهما.
من قولهم حف القوم بفلان إذا حد قوابه.
وقيل: إن هذا مما سأل عنه اليهود مع قصة أهل الكهف وذي القرنين والروح، فأعلمنا الله [ عز وجل] به وجعله مثلاً للكفار ولجميع المؤمنين.
وروي أن الرجلين هما أبناء فطر سويسِ ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين أحدهما يسمى مليخا.
وكان: وكان زاهداً في الدنيا وراغباً في الآخرة، فأنفق ماله في ذات الله [ عز وجل] وكان الآخر يبني القصور، ويكسب الأجنة والعبيد، فزار الزاهد أخاه فوجد عليه حجاباً فلم يدخل إلا بعد إذن فسألأه عن ماله.
فقال: أنفقته في ذات الله، وقدمته بين يدي لأقدم عليه.
وجئتك زائراً.
فقال: له الغني ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي عبيداً.
ثم كان من شأنهما ما قص الله علينا.
وقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾.
أي جعلنا وسط هذين البستانين زرعاً ﴿كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي: أطعم ثمرها ﴿وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً﴾ أي: لم تنقص من الأكل شيئاً ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ أي: بين أشجارهما.
وفجرنا: سيلنا.
وأجاز النحويون في غير القرآن: آتتا أكلهما.
وأجاز الفراء كلتا الجنتين آتى أكله، رده على معنى كل.
وفي حرف عبد الله / " كلا الجنتين اتى أكله ".
ثم قال: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾.
أي: ذهب وفضة، قاله مجاهد وكذلك ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] وقال: قتادة: هو المال الكثير من أنواع شتى.
وقال: ابن عمر [وابن عباس]، ثمر: مال.
وقال: مجاهد: كل ما في القرآن من " ثُمر " بالضم فهو المال، وما كان " من ثَمر " بالفتح " فهي من الثمار.
وقال ابن زيد: الثمر هنا الأصل، وكذلك ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] أي: بأصله.
وهو جمع ثمار، كحمار وحمر، وثمار جمع ثمرة، فأما من أسكن الميم فإنما
أسكن استخفافاً.
ومعناه كمعنى قراءة من ضم.
فأما من فتح الميم والثاء، فإنه جعله جمع ثمرة كخشبة وخشب.
ثم قال: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ الآية.
أي قال: صاحب الجنتين لصاحبه، الذي لا مال له، وهو يخاطبه ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ أي: أعز عشيرة ورهطاً.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إلى قوله ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾.
أي دخل هذا الذي له جنتان جنته، وهو كافر بالله [سبحانه] وبالبعث شاكاً كما في قيام الساعة، وذلك ظلمه لنفسه، فقال: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ لما رأى جنته وحسن ما فيها من الثمار والأنهار شك في المعاد.
فقال: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أي لا تخرب ولا تفنى.
ثم قال: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة [قَائِمَةً]﴾ شك في قيام الساعة.
ثم قال: غير موقن بالبعث: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ يقول: إن كان ثَمَّ بعثٌ فلي عند ربي خير من جنتي.
لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منهما في المعاد إن كان ثم معاد.
وتحقيق المعنى، ولئن رددت إلى ربي، على قول صاحبي وقد أعطاني هذا في الدنيا فهو يعطيني في الآخرة أفضل من ذلك.
فدل هذا على أن صاحبه المؤمن أعلمه أن ثم بعث ومجازاة.
ومثله ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: 27] فأضافهما إلى نفسه، والمعنى أين شركائي على قولكم.
ثم قال: تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾.
أي قال: له صاحبه المؤمن وهو يخاطبه ﴿أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ يعني خلق آدم أباك من تراب ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أي: خلقك أنت من نطفة الرجل والمرأة.
﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي عدلك سوياً رجلاً لا امرأة، فكفرت به أن يعيدك خلقاً
جديداً بعد موتك.
[﴿لكنا هُوَ الله رَبِّي﴾ أي] لكن [أنا] أقول هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً.
وهذا يدل على أن صاحب المال كان مشركاً إذ نفى هذا المؤمن الإشراك عن نفسه.
ثم قال: ﴿ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ أي هلا إذ دخلت بستانك فأعجبك ما رأيت فيه قلت: ما شاء الله كان ولا قوة على ما نحاول من الطاعة إلآ بالله، قال: أبو عامر الباجي: من أكثر من قول ما شاء الله لم يصبه شيء إلا رضي به.
قال: أبو محمد [رضي الله عنهـ]: وقوله المسلمين بأجمعهم ما شاء الله كان، وقبولهم لهذا القول واستمالتهم له بأدمعهم يدل / على أن ما حدث في الدنيا وما
يحدث من خير وشر فبمشيئة الله [سبحانه]، وبقدرته [ عز وجل] وإرادته [تعالى] [كان] خلافاً لقول المعتزلة أن ثم أشياء كثيرة حدثت بغير مشيئة الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، بل كل بمشيئته وارادته يفعل ما يشاء.
كما قال ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: 18] ولو حدث شيء بغير مشيئته وإرادته لكان مقهوراً مغلوباً، جل وتعالى عن ذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" " ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
قال: [لا] قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال: الله: " أسلم عبدي واستسلم " ".
ثم قال: [له]: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ أي: في الدنيا {فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ
خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً [مِّنَ السمآء]} أي: عذاباً.
وواحد الحسبان حسبانة وهي المرامي، قال قتادة والضحاك وقال: ابن زيد الجسبان قضاء الله [ عز وجل يقضيه].
والحسبان في اللغة الحساب كما قال: تعالى: ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] أي: بحساب.
وتقدير الآية على هذا: أن يرسل عليها عذاب حسبان ما كسبت يداك مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
ثم قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾.
أي: فتصبح أرضاً ملساء لا شيء فيها من شجر ولا غرس، ﴿زَلَقاً﴾ لا ينبت في أرضها قدم لإملاسها ودروس ما كان ثابتاً فيها.
والصعيد وجه الأرض الذي لا نبات فيه قال: قتادة ﴿صَعِيداً زَلَقاً﴾ أي قد
حصد ما فيها ولم يترك شيء.
قال: ابن عباس: مثل الجرز.
ثم قال: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾.
أي غائراً.
وهو مصدر وضع موضع اسم الفاعل كما قال: رجل عدل أي عادل.
وهذا مما يبقى على لفظه في الواحد والاثنين والجماعة والمؤنث.
ومعنى غائر ذاهب في الأرض فلا يلحقه الرشاء.
ثم قال: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾.
أي: فلن تدرك الماء الذي كان في جنتك إذا غار.
قال: تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾.
المعنى: وأحاط الله [ عز وجل] بثمره أي أحاط عذاب الله [ عز وجل] بثمره.
والثمر أنواع المال.
ولو كان الثمر المأكول لوجب أن يكون لم يهلك من ماله إلا ثمر شجرة [و] ليس الأمر على ذلك.
بل هلك كل ماله في الجنتين وهلكت الجنتان مع ذلك.
وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾.
هذا مثل للنادم المتأسف على ما ذهب له أن يقلب كفيه ظهراً لبطن على ذهاب نفقته في جنته ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ أي حيطانها قائمة لا سقوف عليها.
قد تهدمت سقوفها [و] بقيت حيطانها، فصارت الحيطان كأنها على السقوف إذ صارت السقوف تحت الحيطان.
وقال: مجاهد ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أي يصفق كفيه.
أي يضرب كفاً على كف، وهذا يفعله صاحب المصيبة إذا نزلت به.
﴿يَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾.
هذا ندم منه على ما تقدم من شركه به لما عاين ذهاب ماله والانتقام منه في الدنيا.
والمعنى ويقول إذا عاين عذاب الآخرة ذلك.
لم يندم على الشرك في الدنيا، إذ لو ندم على شركه/ في الدنيا لكان مؤمناً.
قال: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾.
أي لم تكن له عشيرة ينصرونه من هلاك جنته.
وقيل من العذاب، قاله مجاهد.
وقال: قتادة: " فئة جنده.
﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾.
أي ما كان ممتنعاً من عذاب الله [ عز وجل] إذا عذبه [سبحانه].
قال: تعالى: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق﴾.
أي لم يكن ممتنعاً ﴿هُنَالِكَ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿الولاية لِلَّهِ الحق﴾ فلا يوقف على " منتصراً " على هذا التقدير.
ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفاً للولاية، فيحسن الوقف
على " منتصراً ".
و" الولاية " بفتح الواو، في الدين مصدر للولي، من قوله ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾ [الأعراف: 196] ومعناه يتولى المؤمنين [و] قال: الفراء والكسائي الولاية بفتح الواو يعني به النصرة، أي هنالك النصرة لله [ عز وجل] . ودل على هذا قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾.
والولاية بكسر الواو السلطان والقدرة.
وهو مصدر وليت الشيء ولاية، فهو مصدر الوالي، هذا قول الكسائي والفراء.
والمعنى ثم القدرة والنصرة والسلطان لله [ عز وجل] وثم إشارة إلى يوم القيامة.
وأجاز أبو إسحاق " الحق " بالنصب على المصدر.
أي أحق الحق.
ولم
يقرأ به أحد.
ثم قال: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾.
أي الله خير المثيبين في العاجل والآجل، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي عاقبة في الأجل إذا صار إليه المطيع له.
والعقب العاقبة وهي العقبا وذلك ما يصير إليه الأمر.
قال: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾.
أي واضرب للمشركين يا محمد الذين رغبوا [في الدنيا] واختاروها على الآخرة فسألوك أن نطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه للدنيا.
﴿مَّثَلَ﴾ أي شبهاً.
﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح﴾.
أي كمطر أنزله الله من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ فمثل الدنيا كمثل هذا النبات الذي حسن استواؤه بهذا المطر ثم انقطع عنه فعاد هشيما.
أي: يابساً فتاتاً ﴿تَذْرُوهُ الرياح﴾ لا فائدة فيه.
وكذلك الحياة الدنيا، بينما الإنسان في غضارتها مغتبطاً إذ أتاه الموت فيبطل كل ما كان فيه.
وقيل: معنى المثل المستحسن من الدنيا المشتهى المستحلى من نعمها، كله [يبطل] ويفسد بالفناء والزوال والانقلاب من الحال المستحسنة [إلى الحال المستقبحة] كما انتقل النبات عن الخضرة والطراء إلى الجفاف والاسوداد والهلاك.
فلا ينبغي لمن لطف نظره وصح تمييزه أن يعتد من الدنيا بما لا يبقى عليه ولا يحصل له نفعه.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾.
أي قادراً لا يفوته شيء.
ومعنى ﴿وَكَانَ الله﴾ فأتى بالخبر عن الماضي أنه على [معنى: أن] ما شاهدتموه من قوته ليس بحادث بل لم يزل على ذلك.
هذا مذهب
سيبويه.
وقال: الحسن معناه: وكان مقتدراً عليه قبل كونه.
وكذا الجواب عن كل ما أخبر الله [ عز وجل] به عن نفسه بالماضي.
قوله: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾.
والمعنى المال والبنون الذي يفخر به عظماء قريش على الفقراء المؤمنين إذ سألوك يا محمد / أن تبعد الفقراء المؤمنين عن نفسك وتقرب الأغنياء زينة الحياة الدنيا دون الآخرة.
﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ أي وما يعمل هؤلاء الفقراء من دعائهم ربهم [ عز وجل] بالغداة والعشي يريدون وجهه.
﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾.
أي ما يؤمل من عاقبه الدعاء إلى الله [ عز وجل] هؤلاء الفقراء خير مما يؤمل هؤلاء الأغنياء المشركون من أموالهم وأولادهم.
وقيل: عنى بهذه الآيات من قوله: ﴿واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 27] إلى هذا الموضع: عيينة والأقرع، سألا النبي [ صلى الله عليه وسلم] أن يطرد الضعفاء المؤمنين عن نفسه مثل سلمان وصهيب وخباب.
وقال ابن عباس: ﴿والباقيات الصالحات﴾ الصلوات الخمس، وهو قول ابن جبير.
وقال: عثمان [بن عفان] رضي الله عنهـ[هي] سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، رواه عنه الحارث مولاه.
وقال: ابن عباس أيضاً: هي سبحان الله والحمد لله ولا إلأه إلا الله والله أكبر، وهو قول ابن المسيب وعطاء ومجاهد.
وزاد ابن المسيب فيها: ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك قال: ابن عمر لما سئل عنها مثل قول ابن المسيب، وهو قول محمد بن كعب القرطبي، وهو قول ابن مسعود، وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وروي عن مجاهد أنه قال: هي التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: " عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم فقال: يا جبريل من هذا معك قال: محمد، قال: فرحب بي وسهل.
ثم قال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة.
فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ".
وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات ".
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: " استكثروا من الباقيات الصالحات، قليل وما هن يا رسول الله؟ قال: الملة.
فيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ".
وروى ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوا
جنتكم، قالوا: يا رسول الله من عدو و [قد] حصر.
[قال] لا، جنتكم من النار.
قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومنجيات من النار [هن] الباقيات الصالحات ".
وعن ابن عباس أنه قال: هي الأعمال الصالحات من الذكر وغيره.
تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض.
وقال: ابن زيد: هي الأعمال الصالحات.
وعن ابن عباس أيضاً: هي الكلام الطيب.
قال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾.
أي: واذكر يا محمد يوم تسير الجبال، أي يوم تبس الجبال بساً فتجعلها هباءً منبثاً ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾، أي: ظاهرة قد اجتنيت ثمارها وقلعت جبالها وهدم
بنيانها، قاله مجاهد / وقتادة.
وروى أن ذلك في يوم النفخة الأولى.
وقيل المعنى: قد أبرزت من فيها من الموتى الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها.
فيكون على هذا النسب: أي وترى الأرض ذات بروز.
ثم قال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾.
أي: وجمعناهم إلى موقف الحساب فلم نترك منهم أحداً تحت الأرض.
فهذا يدل على أن معنى ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ تبرز من في بطنها من الموتى على ظهرها.
وعن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يحشر الناس حفاة عراة كما بدؤوا، وقالت أم سلمة: يا سوءتاه يا رسول الله هل ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: شغل الناس، قالت: قلت: وما شغلهم يا رسول الله؟ قال: نشروا الصحف فيها متى قيل الدر ومتى قيل الخردل ".
قوله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ [47] إلى قوله: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [49].
أي وعرض الخلق صفاً أي ظاهرة ترى جماعتهم كما ترى كل واحد منهم، لا يسترهم شيء.
﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
أي أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة، يحشرون حفاة عراة غرلاً.
وغرل جمع أغرل وهو الأقلف.
والمعنى يقال: لهم يوم القيامة إذا عرضوا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة.
ثم قال: [تعالى]: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾.
هذا خصوص للمنكرين البعث يقال: لهم بل زعمتم أن لن تبعثوا.
قال: [تعالى]: ﴿وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.
في هذا الكلام اختصار وحذف.
والتقدير ووضع الكتاب فيه عمل [كل]
امرئ أي وضع الكتاب في يد كل امرئ في يمينه أو في شماله.
﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.
أي: ترى المشركين [بالله] خائفين وجلين مما فيه من أعمالهم السيئة ﴿وَيَقُولُونَ ياويلتنا﴾ أي قولون إذا قرءوا كتاب أعمالهم ورأوا ما كتب عليهم من كبائر ذنوبهم ومغائرها ﴿ياويلتنا﴾ دعوا بالويل لما أيقنوا بالعذاب.
وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ أنه قال: لكعب: ويحك يا كعب حدثنا من حديث يوم القيامة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ، فلا يبقى أحد إلا وهو ينظر إلى عمله فيه.
ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنشر حول العرش فذلك قوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ لما رأوا ما رأوا ولم يقدروا أن ينكروا منها شيئاً.
قال: قتادة: اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ولم يشتك أحد منهم ظلماً، فإياكم والمحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه.
وروى عن ابن عباس أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك.
وقيل: الصغيرة ما دون الشرك والكبيرة الشرك.
وقوله: ﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ أي إلاّ حفظها الكتاب وأثبتت فيه.
وقال: أحصاها على معنى أحصاهما، وعلى معنى / أحصى كل واحد منهما.
وقيل المعنى: لا يغادر صغيرة إلا أحصاها ولا كبيرة إلا أحصاها، لكن حذفت إحدى الجملتين لدلالة الأخرى عليها اختصاراً وإ [ي] جازاً.
ثم قال: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾.
أي: ما عملوا في الدنيا من عمل حاضراً في كتابهم مكتوباً مبيناً.
﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾.
أي: لا يجازي ربك يا محمد أحداً بغير ما هو أهله، أي لا يجازي بالإحسان
إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئات إلا أهل السيئة.
وتحقيقه: لا يضع ربك العقوبة إلا في موضعها لأن الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه.
قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ترك السجود حسداً لآدم.
وقوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ أي: من الملائكة الذين يقال: لهم الجن.
وقيل كان من خزان الجنة فنسب إليها.
وقيل: كان من الجن الذين استخفوا عن أعين الناس أي استتروا.
وقال: ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يركب المعصية عزازيل.
وكان من الملائكة من سكان الأرض من أشد الملائكة عبادة واجتهاداً فدعاه الكبر إلى ترك السجود وكان من حي يسمون جنا.
وعنه أيضاً أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال: لهم الجن
خلقوا من نار السموم من بين الملائكة.
وكان اسمه الحرث، وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من [نور] غير هذا الحي وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار السموم وهي لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
وقال: ابن المسيب: كان إبليس رئيس الملائكة، ملائكة سماء الدنيا.
وعن ابن عباس كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر سماء الدنيا.
وعنه كان إبليس من أشراف الملائكة و [أ] كرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض.
وكان فيما قضى الله عز وجل أنه رأى أن له بذلك شرفاً وعظمة على أهل السماء فوقع في قلبه من ذلك كبر لا يعلمه إلا الله [ عز وجل] فلما كان عند السجود، حين أمر أن يسجد لآدم [ صلى الله عليه وسلم] استخرج الله عز وجل كبره عند السجود فلعنه وأخره إلى يوم الدين.
وعن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فسخط الله [ عز وجل] عليه
فمسخه شيطاناً رجيماً لعنه الله ممسوخاً.
وقال: إذا كانت خطيئة الرجل في كِبْر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه.
وكانت خطيئة آدم [ صلى الله عليه وسلم] في معصية وخطيئة إبليس في كبر.
وقال: ابن عباس: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود.
وقال: قتادة إنما سمي من الجن لأنه جن عن طاعة ربه.
يريد أنه استتر عنها فلم يفعلها.
وقال: الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وأنه لأصل للجن، كما أن آدم [ صلى الله عليه وسلم] أصل للإنسان.
وقال: ابن / جبير: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنان فلذلك قال: ﴿[كَانَ] مِنَ الجن﴾.
فمن جعله ليس من الملائكة ينقض قوله قول الله [ عز وجل] ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ﴾ لم ير غير الملائكة.
وقال: من أجاز ذلك: إن معنى أن الله أمره مع الملائكة بالسجود فاستثني، فهو استثناء ليس من الأول.
ثم قال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
أي: فعدل عن أمر ربه وخرج عنه، والفسق العدول والخروج عن الاستقامة.
وقال: قطرب معناه ففسق عن [رده] أمر ربه [ عز وجل] .
والمعنى عند الخليل وسيبويه أتاه الفسق لما أمر فعصى.
وكان سبب فسقه الأمر بالسجود.
ثم قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
أي: فتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وأغواه حتى أخرده من الجنة فكان ذلك سبب خروجكم منها.
وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأسجد ملائكته لأبيكم آدم [ صلى الله عليه وسلم] . وذرية إبليس هم الشياطين الذين يغوون بني آدم.
ثم قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾.
أي: بيس ما استبدل الظالمون من طاعة الله [ عز وجل] طاعة ابليس.
قوله: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض﴾.
أي: ما أشهدت إبليس وذريته ﴿خَلْقَ السماوات والأرض﴾، أي ما أحضرتهم ذلك فاستعين بهم على خلقهما.
﴿وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أي: ولا أحضرت بعضاً منهم خلق بعض فأستعين به على ذلك.
بل هو منفرد بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير.
وقيل معنى: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض﴾: أي لم يكونوا موجودين إذ خلقهما.
ثم قال: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾.
أي: وما كنت متخذ من لا يهدي إلى الحق أعواناً وأنصاراً وهو من قولهم فلان يعضد [فلاناً] إذا نصره وأعانه وقواه.
وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري: " ومن كنتَ " بفتح التاء على المخاطبة للنبي عليه السلام.
أي لست يا محمد متخذاً المضلين أنصاراً.
وفي عضد ستة أوجه وعََضُد وعَضْد وعُضُد بضمتين وبه قرأ الحسن.
وحكى هارون القارى " عَضِدٌ ". ويجوز عند أبي إسحاق عُضْداً على قراءة الحسن بسكون الأوسط.
والسادس عُضْداً على لغة من قال: كِتْف في كتف.
قال: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ﴾ أي: نقول للمشركين نادوا الآلهة والأنداد التي عبدتموها، وجعلتموها شركاء لله ووعدتم أنفسكم بنصرتها لكم من عذاب الله.