الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أتاها إبليس ثانية فأعاد عليها، فقالت: نعم فلما وضعته سمته: " عبد الحارث ".
قال السدي: لما ولدت غلاماً أتاها إبليس فقال: سمّيه عبدي وإلا قتلته! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه، فسَّماه " عبد الرحمن " فَسُلِّط عليه إبليس فقتله.
فحملت بآخر فعاد بمثل ذلك، فلم يفعل (ذلك) آدم، وسماه: " صالحاً " فسلط الله عليه إبليس فقتله.
فلما كان الثالثة قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه: " عبد الحارث " وكان سامه في الملائكة " الحارث "، فسماه " عبد الحارث ".
ورُويَ عن الحسن أنه قال: هذا كان في بعض الملل ولم يكن بآدم.
يعني: " الشِّرْك "، إنما كان في بعض الأمم.
وقيل المعنى: جعل أولادهما لله شركاء، يعني: اليهود والنصارى.
وروى قتادة عن الحسن: أنه قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله الأولاد
فَهَوَّدُوا ونصَّرُوْا.
وَرُوِىَ عن عكرمة أنه قال: لم يخص بهذا آدم وحواء؛ وإنما المراد بذلك الجنس.
كأنه قال: خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، أي: من جنسها، ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾، يعني: الجنس لا يخصُّ به واحد دون آخر، ﴿دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا﴾، يراد به الجنسان الكافران.
ثُمَّ يُحْمَل قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، على الجمع؛ لأنهما جنسان.
(قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقيل: إن قوله: ﴿فِيمَآ آتَاهُمَا﴾، هو تَمَامُ الكَلاَمِ في قصة آدم وحواء، ثم ابتدأ إِخْبَاراً عن المشركين من بني آدم، فقال: ﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، الآية.
قال محمد بن عرفة نِفْطَوِيْه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعضما أُمرا بتركه، أَطَاعَاهُ طَاعَةَ مُغْتَرٍ مُكَادٍ، لاَ طَاعَةَ مُلْحِدٍ مُصِرٍّ.
قال: فأما قول: ﴿فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم وحواء، دليله (قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، إلى قوله: ﴿صامتون﴾، فلم يعبد آدم وحواء أصناماً
فيكون هذا خطاباً لهما، إنما عبد ذلك أولادهما.
فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعدبون ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني تسميتهما ولدهما: " عبد الحارث ".
رُوِيَ أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " خَدَعَهُما (إبليس) مرتين، في الجنة وفي الأرض ".
وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: " عبد الحارث " فمات، ثم ولد لهما أخرى فسمياه: " عبد الله " فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذبهن به كما ذهب/ بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فَسَمّيَاهُ: " عبد شمس " فذلك قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني: الشمس.
وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون عنها مث الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون.
وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عَبَدَةَ الأَوْثَانِ.
ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾.
أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، فكيف يُعْبَدُ من إذا دُعِي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشاداً من ضلال، وكان دعؤه وتركه سواء، فكيف يُعْبَدُ من هذه صفته، وكيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلاهاً؟
﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامتون﴾.
أي صَمَتُّم.
كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع للداعين والاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في الصُّمَاِ والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء والصُّمَات سواءٌ، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصُّمَاتُ، استوى على الداعي ذلك أيضاً، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصَّمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله:
﴿كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [البقرة: 171]. وقد مضى بيانه.
ثم قال: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
يعني: المعبودين.
قرأ ابن جبير: " إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ "، بتخفيف ﴿إِنَّ﴾، بجعلها بمعنى: " ما "، وبنصب " العبادَ " و " الأمثال " على النفي،
أي: ليست هي مثلكم؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبٌ وَحِجَارَةٌ.
والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) " إِنْ " إذا كانت بمعنى " ما "؛ لأن " ما " عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف.
وزعم الكسائي: إن العرب لا تأتي بـ " إنْ " بمعنى " ما " في الكلام، إلا أن يكون بَعْدَهَأ إِيجَابٌ، كقوله: ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: 20].
قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ﴾، الآية.
كل هذا خطاب للمشركين من عبدة الأوثان و (هو) توبيخ لهم وتقريع على عبادتهم من لا رِجْل له ولا يَدَ ولا عين، ولا يفهم، ولا يضر ولا ينفع.
فالمعنى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ﴾، فيسعون معكم في حوائجكم، {أَمْ
لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ}، فيدفعون عنكم الضر وتنتصرون بها عند قصد من يقصدكم بسوء، ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ﴾، فيعرفونكم ما عاينوا مما تغيبون عنه، ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، فيخبرونكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه.
فإن كانت هذه آلهتكم المُعَظَّمَةُ عِنْدَكُمْ، فما وجه عبادتكم لها، وهي خالية من هذه المنافع كلها؟.
ثم قال الله تعالى، لنبيه عليه السلام: ﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ﴾، أي: ادعوهم لمعونتكم عَلَيَّ، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وهم، " فلا تنظرون "، أي: لا تؤخرون بالكيد، ولكن عَجِّلُوا كلَّ هذا.
يُنَبِّئُهُمِ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ.
قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب﴾، إلى قوله: ﴿عَنِ الجاهلين﴾.
قرأ الجَحْدَري: " إِنَّ وَلِيَّ اللهِ "، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم.
يعني
به جبريل، عليه السلام.
ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله﴾، أي: (إنَّ) نصيري عليكم، ﴿الله الذي نَزَّلَ الكتاب﴾ عَلَيَّ بِالحَقَّ، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾، أي: يَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فِيهِ.
ثم قال: ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ/ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾.
[أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم.
فأي هذين أولى بالعبادة؟ من نَصَرَ نَفْسَهُ، وَنَصَرَ مَنْ عَبَدَهُ، أو من لا يستطيع نصر لنفسه ولا نصر من عبده؟
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ﴾.
أي: وإن تدعوا، أيُّها المشركون، آلهتكم ﴿إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ﴾ دعاءكم.
﴿وتراهم يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، يعني: آلهتكم، ﴿وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾، يعني: الآلهة.
﴿وتراهم﴾ في هذا بمعنى: الظن والحِسْبَان، لا من النَّظَر.
وقد تَأوَّلهُ بمعنى: " النَّظَرِ " المُعْتَزِلَةُ، وغَلِطُوا فيه.
وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى،
﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ما تدعوهم إليه.
وقيل معنى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هنا: يُوَاجِهُونَك ولا يَرَوْنَكَز
وحكى الكسائي: " الحَائِطُ يَنْظُرَ إِلَيْكَ ". أي: يواجهك، إذا كان قريباً منك.
وحكى: " دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلاَنَ "، أي تواجه وتحاذي وتقابل.
ودَلَّ قوله ﴿وتراهم﴾ على أن المراد المُشْرِكُونَ، إذ لو كان للآلهة لقال: " وتراها ".
وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مَثَّلُوها؛ ولأنهم يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فَخُطِبُوا كَذَلِكَ.
فمن جعله للمشركين، كان " ترى " على بابه، من رؤية العين.
ثم قال تعالى: ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾.
قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، صلى الله عليه وسلم: " أُوتيتُ جَوَامِعَ الكَلاَمِ ".
فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خُلُقٍ حسن؛ لأن في " أخذ العفو ": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي " الأمر بالمعروف ": تقوى الله ( عز وجل) ، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة الرجم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرُمات.
وسُمِّيَ ذلك وَنَحْوَهُ " عُرْفاً "؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه.
وفي الإعراض عن الجاهلين ": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة السفيه، ومنازعة اللَّجُوج، وغير ذلك من الأفعال المَرْضَيَّةِ.
وقال أهل التفسير في قوله ﴿خُذِ العفو﴾، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في المال نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ.
وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما.
وقيل: هو الزكاة.
وهو قول مجاهد.
وقيل: هو أمْرٌ بالاحتمال وترك الغِلْظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر بالقتال.
وهو قول ابن زيد.
وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة.
وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه ﴿خُذِ العفو﴾، أي: من أخلاق الناس، أي: السَّهْلَ مِنْهَا.
﴿وَأْمُرْ بالعرف﴾.
قال عروة، والسدي: " العُرْفُ ": المعروف.
وفي الحديث معنى الآية: " أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ".
قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي ( صلى الله عليه وسلم) ، فقال: يا محمد، جئتك بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك.
وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: " إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل بهذه الآية
على النبي عليه السلام، قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العَالمِ، ذهب فمكث شيئاً ثم رجع فقال: إن الله ( عز وجل) ، يأمرك أن تعفو/ عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ".
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾.
قال ابن زيد: هذا منسُوخٌ بالقتل.
وقيل: هي مُحْكَمةٌ، إنما أُمر بالاحتمال واللِّين.
وذكر سفيان بن عيينة أن
جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي ( صلى الله عليه وسلم) ، فقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، ( عز وجل) ، نبيه، (عليه السلام) (بها) وَدَلَّهُ عليها.
ورُويَ: أن جبريل عليه السلام، نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين﴾، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتَحْلُمَ عمن هو دونك.
ورُوِيَ أن " العُرْفَ "، قول: لا إله إلا الله، أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يأمر الناس بقولها.
قوله: ﴿وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ﴾، إلى قوله: ﴿يُقْصِرُونَ﴾.
والمعنى: وإما يغضبَنَّكَ من الشيطان، غَضَبٌ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجَاهلين، ويحملك على مجازاتهم ﴿فاستعذ بالله﴾، أي: اسْتَجِرْ بِهِ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لجل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يذهب عند نَزْغَ الشَّيْطَانِ، وبغير ذلك.
وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة.
وقيل " نَزْغُهُ ". وسوسته.
وقيل: " نَزْغُهُ ": فساده.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾.
و" الطَّائِفُ " و " الطَّيْفُ " عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما كان كالخيال، والشيء يُلِمُّ بِكَ.
وقيل: إن " طيفاً " مخفف من: " طيّفٍ "، مثل: " مَيْتٌ ومَيِّتٌ.
وقال بعض الكوفيين: " الطَّائِفُ ": ما طاف به من وسوسة الشيطان.
و " الطَّيْفُ ": من اللَّمم والمَسِّ.
وقال الكسائي: " الطَّيْفُ: " اللهو، و " الطَّائفُ ": كل ما طاف حول الإنسان.
وقرأ ابن جبير: " طيِّفٌ " مشدوداً.
و" الطَّيْفُ " عند أهل العربية: مصدر طاف.
وقال الكسائي: هو مخفف من " طَيِّفٍ ".
وقال الكسائي: " طَافَ " من: الواو.
وقال الأَحْمَرُ سمعت: طِفْتُ أطِيفُ ".
وحكى البصريون: " طَاف بطيف " و " طِفْتُ أطِيفُ ".
قال ابن جبير ومجاهد: " الطَّيْفُ ": الغضب.
وقال ابن عباس " طَائِفٌ ": لمَّةٌ من الشيطان.
وقال السدي: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾ أي: تذكروا عقاب الله، ( عز وجل) ، فتابوا، أي: تابوا إذا زَلُّوا.
قال ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، أي: منتهون عن المعصية.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾.
أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي.
﴿ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾.
أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾.
وهذا خبر من الله، ( عز وجل) عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا
أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن.
و" المَدُّ ": الزيادة، ف " الهاء " و " الميم " في: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ تعود على الشياطين.
ودَلَّ " الشيطان " في قوله ﴿طَائِفٌ مِّنَ الشيطان﴾، على الشياطين.
و " الإخوان " كناية عن الكفار.
والضمير المرفوع في: " يُمِدُّونَ " يعود على " الشياطين ".
و" الهاء " و " الميم " في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ تعود على " الكفار "، وهم الإخوان.
وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار.
قاله: قتادة.
وقال: ﴿لاَ يُقْصِرُونَ﴾ عنهم ولا يرحمونهم.
/ فالضمير في ﴿يُقْصِرُونَ﴾ للشياطين.
وعلى القول الأول للمشركين، وَهُوَ الأَكْثَرُ.
و" الغَيُّ ": الجهل والوقوع في الهلكة.
وهذا الكلام عند أبي إسحاق مُقَدَّمٌ مُتَّصِلٌ في النبية بقوله: ﴿ولا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: 197].
ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، يعنى: الكفار.
يقال: " قَصَّر " عن الشيء و " أَقْصَرَ ".
وقد أنكر أبو حاتم وأبو عُبَيْد قرأءه نافع، بـ: " ضَمَّ اليَاءِ " في: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ وهي مشهورة.
حكى المبرد: " مَدَدَتْ لَهُ في كَذَا ": " زينته له، واسْتَدْعَيْتُه أن يفعله، و " أَمْدَدْتُهُ في كذا " أي: أعنته برأيي وغير ذلك.
وحكى غير المبرد: " مَدَّهُ " و " أمَدَّهُ " بمعنىً.
وقيل ﴿فِي الغي﴾: متعلق بـ " الإخوان "، التقدير: " وَإِخْوَانُهُمْ فِي الغَيِّ يُمِدُّونَهُمُ، والأول أحسن، كما قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: 15].
قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها﴾، إلى قوله: ﴿تُرْحَمُونَ﴾.
المعنى: إنهم يقولون للنبي (عليه السلام)، إذا سألوه في آية فلم يأت بها: هلا افتلعتها من عند نفسك، فهذا قول كفار قريش للنبي، صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس: هلا أجتبيتها: تقبلتها من ربك.
﴿قُلْ﴾، يا محمد، ﴿إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾.
أي: هذ الذي دللتكم عليه ﴿بَصَآئِرُ﴾، أي: لِيُسْتَبْصَرَ بِهِ، وهذا إشارة إلى القرآن والوحي، فلذلك وُحِّدَ.
و ﴿بَصَآئِرُ﴾: حُجَجٌ وبيان لكم من ربكم.
﴿وَهُدًى﴾، أي: بيان، ﴿وَرَحْمَةً﴾ رحم الله بها عباده المؤمنين.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ﴾.
هذا أمر للمؤمنين أن يستمعوا القرآن ويتعظوا به، ويتدبروه، وينصتوا للقراءة ليرحمهم الله.
قال المسيب بن رافع عن ابن مسعود: ذَلِكَ في الصَّلاَةِ، وكان بعضنا يُسَلِّمُ على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
وقاله أبو هريرة.
وقال الزهري: نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كانوا يقرأون مع النبي، صلى الله عليه وسلم، كلما قرأ، فنهوا عن ذلك، وأُمروا بالإنصات.
وكذلك قال النخعي، وابن شهاب، والحسن: إنه أمر في الصلاة.
وهو قول: مجاهد وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، والشعبي وعطاء وغيرهم.
والخطبة من الصلاة: فَالإِنْصَاتُ لَهَا وَاجِبٌ.
قوله: ﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾، إلى آخرها.
قوله: ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾: مصدران.
﴿والآصال﴾: جمع " أُصُلِ "، ك: " طُنُبٍ " وأطنابٍ ". وقال الفراء: هو جمع " أصِيلٍ "، ك: " يَمِينٍ " و " أَيْمَانٍ ".
وقيل: [الأُصُلُ] جمع " أصيلٍ ".
﴿والآصال﴾: جمع " الأُصُل "، وقد تجعل العرب " الأُصُل " وَاحِداً، فيقولون: " قَدْ
دَنَا الأصُلُ ".
ومعنى ﴿واذكر رَّبَّكَ﴾: الدُّعَاءُ، وهو أمر للمستمع للقرآن بأن يذكر الله في نفسه بالدعاء، ويعتبر بما يسمع ويتعظ.
﴿تَضَرُّعاً﴾، أي: تخشعاً وتواضعاً.
﴿وَخِيفَةً﴾، أي: وخوفاً من الله.
﴿وَدُونَ الجهر﴾، أي: واذكره دون الجهر ذِكْراً خَفِيّاً باللِّسَانِ.
قال ذلك ابن زيد وغيره.
قال الحسن: كانوا يتكملون في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾.
أي: مخافة منه.
﴿وَدُونَ الجهر مِنَ القول (بالغدو) والآصال﴾.
ما بين المغرب إلى العصر.
وقيل: هي العَشِيُّ.
﴿وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين﴾.
أي: من اللاهني.
قال مجاهد: ﴿بالغدو﴾: آخر الفجر، صلاة الصبح، ﴿والآصال﴾: آخر العَشِيِّ، صلاة العصر.
وهذا إنما كما إذا كانت الفريضة ركعتين " غدوة "، وركعتين/ " عشية "، قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ﴾.
يعني: الملائكة.
﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾.
أي: لا يستكبرون عن التواضع له والتَخَشُّعِ.
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾.
أي: يُعَظِّمُونه ويُنَزِّهُونه عن السوء.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
أي: يُصَلُّون.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مدنية
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ إلى قوله: ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾.
قال أبو حاتم: الوقف على ﴿ذَاتَ﴾ بـ: " الهاء "، وكل العلماء قال: بـ: " التاء "؛ لأَنَّها مُضَافَةٌ، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ضرورة.
وقرأ سعد بن أبي وقاص: " يسئلونك الأنفال "، بغير ﴿عَنِ﴾.
والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي؟ فقيل للنبي، صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: هي لله والرسول.
و ﴿الأنفال﴾: الغنائم.
بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء.
فأكثر العلماء الذين جعلوها: الغنائم، على أنها منسوخة بقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]، الآية.
وقيل: ﴿الأنفال﴾ هي زِيَادَاتٌ تزيدها الأئمة لمن شاء، إذا كان في ذلك صلاح للمسلمين، فهي مُحْكَمَةٌ.
وروي ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس.
وقيل: ﴿الأنفال﴾: ما شذَّ من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن يُنْفِلَ ذلك من شاء إذا كان ذلك صلاحاً.
قاله الحسن.
﴿الأنفال﴾: جمع " نَفَلٍ "، و " النَّفَلُ ": الغنيمة، سميت بذلك، لأنها تَفَضُّلٌ من الله، عز وجل، على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها.
وقوله: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾، يَدُلُّ على أنهم سألوا لمن هي.
وقوله: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾، يَدُلُّ على أن سؤالهم كان بعد تَنَازُعٍ فيها.
وقيل: ﴿الأنفال﴾: السَّرايا.
قاله علي بن صالح.
وقال مجاهد ﴿الأنفال﴾: الخُمُسُ.
وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، زَادَ قَوْماً لِبَلاَءٍ أَبْلَوْا، فاختلفوا فيها، بعد تَقَضِّي الحرب، فنزلت الآية تعلمهم أنَّ ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ماضٍ جائز.
وروى ابن عباس (رضي الله عنهما)، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا "، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما فتح الله عليهم، طلب الشبان ما
جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: لا يذهبوا بذلك دوننا! فأنزل الله، عز وجل: ﴿ فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ الآية.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ شيئاً من الغنائم قبل أن تقسم فامتنع من ذلك فنزلت: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾، فرخّص الله، عز وجل، له أن يعطي مَنْ أَرَادَ.
و [قيل]: إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فَأُعْلِمُوا أن ذلك لله والرسول.
و ﴿عَنِ﴾ في موضع: " مِنْ ".
وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل: " يسئلونك الانفال ".
وذكر ابن وهب: " أنها نزلت في رجلين أصابا سيفاً من النَّفْلِ، فاختصما فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هُوَ لي وَلَيْسَ لَكُمَا "، فنزل: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾، وأمر الرجلين أن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله في ما أمرهما به النبي صلى الله عليه وسلم "
، / من دفع السيف إليه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
وَرُوِيَ أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم،: سعد بن مالك بن وُهَيْب الزُّهري، ورجل من الأنصار، فَأُمِرا في الآية أن يسلماه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأن يصلحا ذات بينهما، وأن يعطيا الله ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك.
وقيل: إن أَهْلَ القُوَّة يوم بدر غنموا أكثر مم اغنم أهْلُ الضُّعْفِ، فذكروا ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَتْ: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾.
وقيل: إنهم اختلفوا في الغنائم، فَنَزَلَتْ: ﴿فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾.
" والبَيْنُ " هنا: " الوَصْلُ ".
أُمِروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال: كونوا مُجْتَمِعي القُلُوب.
وأُنِثَتْ ﴿ذَاتَ﴾؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها.
وذكر إسماعيل القاضي: أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو: نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حَفَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم، نحن أولى، وقالت فرقة أحاطت بالغنائم، نحن أولى، فأنزل الله، تعالى، الآيات في ذلك.
قوله: ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، الآية.
فهذه الصفة صفة الكمال والتمام في الإيمان.
والمعنى: ليس المؤمن من الذي يخالف الله ورسوله، ويترك أمرهما، وإنما المؤمن الذي إذا سمع ذكر الله، عز وجل، وَجِلَ قَلْبُهُ، وَخَضَعَ، وانْقَادَ لأمْرِهِ، تبارك وتعالى، وإذا قرئت عليه آيات كتاب الله، سبحانه، صدق بها وأيقن أنها من عند الله، جلت عظمته، فازداد إيماناً إلى إيمانه.
قال ابن عباس: المنافق لا يدخل قَلْبَهُ شَيْءٌ من ذلك، ولا يؤمن بشيء من كتاب الله، أي: من آيات الله سبحانه، ولا يتوكل على الله، عز وجل، ولا يصلي إ ذا غاب عن عيون الناس، ولا يؤتي الزكاة فليس هذا بمؤمن، وإنما المؤمن من الذي وصفه الله عز وجل، بالخشية وازدياد الإيمان عند سماع آيات الله، عز وجل، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
قال مجاهد ﴿وَجِلَتْ﴾: فَرِقت.
وقال السدي: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيذكر الله، عز وجل، فَيْنَزعُ عنها خَوْفاً من الله، سبحانه.
﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾، أي يقيمونها في أوقاتها، وقيل: يقيمونها بحدودها.
﴿أولائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ الآية، المعنى: أولئك الذين هذه صفتهم هم المؤمنون حقاً.
قال ابن عباس: ﴿المؤمنون حَقّاً﴾، أي: بَرِئُوْا من الكفر.
وَهَذَا بَابٌ تُذْكَرُ فَيهَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَفْسِيرُهُ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، عز وجل.
وحقيقة الإيمان عند أَهْلِ السُّنَّة: أنه المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وكذلك رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقالت المُرجئة الإيمان: قول ومعرفة بالقلب بلا عمل.
وقال الجهمية الإيمان: المعرفة بلا قول ولا عمل.
وأهل السنة والطريقة القويمة على أنه: المَعْرِفَةُ وَالقَوْلُ وَالعَمَلُ، كما رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ إِجْمَاعِ الأُمَّةِ.
قد أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنه من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم أخبر أن قلبه غَيْرُ مُصَدِّقٍ بشيء من ذلك، أنَّهُ كَافِرٌ، فدل على أَنَّ الاعتقاد لا بد منه.
ثم أَجْمَعُوا على أَنَّ الكافل إذا قال: قد اعتقدت/ في قلبي الإيمان ولم يقله ويسمع منه، [أن حكمه الكافر] حتى يقوله ويسمع منه، فَإنَّ دمه لو قتل لا تلزم منه دية، فدل على أن القول مع الاعتقاد لا بد منه.
ثم أَجْمَعُوا على أن شهد الشهادتين، وقال: اعتقادي مثل قولي، ولكني لا أصوم ولا أصلي ولا أعمل شيئاً من الفروض أنه يستتاب، فإن تاب وعمل وإلا قتل كما يقتل
الكافر، فدل على وجوب العمل.
فصح من هذا الإجماع، أن الإيمان هو الاعتقاد والقول والعمل، وتمامه: موافقة السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله﴾، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ [البينة: 5]، أي: دين الملة القيمة.
ومن لم يقل: إن الله تعالى، أراد الإقرار والعمل من العباد فهو كافر.
فإن قيل: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أيكون مؤمناً بهذا الإقرار أم لا؟ قيل: له لا يطلق عليه اسم مؤمن إلا ونيته أنه لم يطلق عليه اسم مؤمن، ولو أنه أقرّ في الوقت وقال: لا أعمل إذا جاء وقت العمل، لم يطلق عليه اسم مؤمن.
والأعمال لا يقبل منها إلا ما أريد به وجه الله، (سبحانه)، فأما من أراد بعمله مَحْمَدَةَ الناس وَرَايَا به فليس مما يقبله الله، عز وجل، وصاحبه في مشيئة الله سبحانه.
روى أبو هريرة أن النبي ي صلى الله عليه وسلم قال: " أَوَّلُ مَا يُقْضَى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل