الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعب في صلاته، ويقف على رجل واحدة، فأنزل الله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾.
قال مجاهد: هذا في الصلاة.
قال: هي مثل قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20].
قال قتادة: " أنزل الله كتابه، وبعث رسوله رحمة، رحم بها الله العباد، ليتذكروا، وينتفع رجل بما سمع منه.
ونصب تذكرة على البدل من " لتشقى ".
وقيل: هي مفعول من أجله.
وقيل " نصبها على المصدر.
وقال الكوفيون: هي تكرير.
وقيل: من حروف الهجاء.
وقيل: هي حروف مقطعة، يدل كل حرف منها على معنى، وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال الطبري: " طه " يا رجل، لغة معروفة في عك.
قال الشاعر:
هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلاَ
وقال آخر:
إنَّ السًَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقِكُمْ ... لا بارَكَ اللهُ في الْقَوْمِ الملاَعِينِ
والتقدير على هذا: يا رجل، ما أنزلن عليك القرآن لتشقى بإنزاله عليك.
ولا يوقف على " طه " على هذا القول، لأن النداء تنبيه على ما بعده.
ومن جعلها افتتاحاً وقف عليها، وهو مذهب أبي حاتم.
ثم ابتدأ فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ وكذلك لا يقف عليها على قول من جعلها قسماً، لأن القسم يحتاج إلى جواب، وجوابه: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا﴾.
وأجاز أبو حاتم الوقف على " طا " ويبتدئ ها.
وليس عليه عمل عند أهل النقل من المقرئين.
وقيل: تقدير الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، لا لتشقى.
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأرض والسماوات العلى﴾.
أي: نزلناه تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسموات العلى.
" والعلى " جمع " علياً ": كالفضلى.
والفضل.
ثم قال: ﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾.
أي: على عرشه، ارتفع وعلا.
قال أبو عبيدة: استوى: " علا.
وقال القتبي: استقر.
وقيل: معناها: استولى.
وأحسن الأقوال في هذه " علا " والذي يعتقده أهل السنة، ويقولونه في هذا: إن الله جلّ ذكره، سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل م كان بعلمه، وله تعالى ذكره كرسي وسع السماوات والأرض كما قال جل ذكره.
وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله.
وقد سأل رجل مالكاً عن هذا، فقال له: كيف استوى؟ فاحمرت وجنتا مالك، وطأطأ رأسه، ثم رفع رأسه فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيما به واجب والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن يكون ضالاً.
أخرجوه، فأخرج، فناداه الرجل، يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله غيره، لقد سألت عن هذه المسألة أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل العراق، إلى أن وردت عليك، فلم أجد أحداً وفق لما وفقت له.
وروي أن خباب بن الأرت قرأ " طه " على عمر بن الخطاب إلى قوله: " فتردى " فأسلم عمر عند ذلك.
و" العلى " تمام إن رفعت " الرحمن على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ، فإن جهلته بدلاً من الضمير في " خلق " لم تقف عليه.
و" أستوى " تمام إن جعلت " الرحمن " بدلاً من الضمير في " خلق " أو على إضمار مبتدأ، فإن جعلت " له ما في السموات " في موضع خبر الرحمن، لم تقف على استوى.
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
أي: هو يملك ذلك كله ويدبره/.
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾: الثرى: التراب المبتل الندي يعني: وما تحت الأرضين السبع.
وقال محمد بن كعب: الثرى: سبع أرضين.
وقال ابن عباس: الأرض على نون، ونون على البحر، والبحر على صخرة وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات﴾ [لقمان: 16] والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: على وجه الأرض سبعة أبحر والأرضين سبعة بين كل أرضين بحر، فالبحر الأسفل مطبق على شفير جهنم، ولولا عظم ذلك البحر، وكثرة مائة وبرده، لأحرقت جهنم كل شيء فوقها.
قال: وجهنم على متن الريح ومتن الريح على حجاب من ظلمة لا يعلم غلظه إلا الله، وذلك الحجاب على الثرى، وإلى الثرى انتهى علم الخلائق، لا يعلك ما تحت الثرى إلا الله.
وقال الضحاك: الأرض السابعة على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
وسئل كعب ما تحت الأرض؟ قال ماء، قيل: فما تحت الماء؟ قال أرض.
قيل فما تحت الأرض؟ قال: ماء، حتى بلغ سبع أرضين.
قيل: له: لما تحت الأرض السابعة.
قال: ماء.
قيل فما حت الماء.
قال صخرة، قيل فما تحت الصخرة؟ قال: هي على منكب ملك.
قيل: فما تحت الملك؟ قال: هو قائم على وسط حوت معلق طرفاه بالعرش.
قيل له: فما تحت الحوت قال: هواء وظلمات وانقطع العلم.
وروى ابن وهب عن رجاله أن كعب الأحبار قال: إن إبليس يقلقل للحوت الذي على ظهره الأرض كلها.
قال: فألقى في قلبه.
فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوبيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال، لو هضتهم فألقيتهم عن ظهرك كلهم.
قال: فهم لوبيا يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابة، فدخلت في منخره حتى دخلت في دماغه فعج إلى الله منها، فخرجت.
قال: وكان كعب يقول: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها، بين يديه وتنظر إليه، إن همَّ بشيء من ذلك عادت حيث كانت.
وروى عاصم عن زر عن ابن مسعود أنه قال: ما بين سماء الدنيا والتي تليها
مسيرة خمس مائة عام، وما بين سماء إلى سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسة مائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء مسيرة خمس مائة عام، والعرش فوق ذلك، والله جل ذكره فوق العرِِش.
وعن ابن عباس: أيضاً أنه قال: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام، وذكر أن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب.
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾.
أي: وإن تجهر بالقول يا محمد، فإن الله تعالى يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى منه.
قال الحسن ومجاهد وعكرمة: " السر ": ما أسررته إلى غيرك، " وأخفى " ما حدثت به نفسك.
وقال الضحاك: " السر " ما حدثت به نفسك، و " أخفى " ما لم تفعله وأنت فاعله "، وكذلك، روي عن ابن عباس.
قال ابن عباس: و " أخفى " ما تعمل غداً.
وقال ابن جبير: " السر ": ما أسره الإنسان في نفسه، " وأخفى ": ما لم يعلم الإنسان مما هو كائن.
وقيل: معنى: " وآخفى ": ما ليس في نفس الإنسان.
وسيكومن ذلك في نفسه، فهو لا إله إلا هو يعلم ما سيجري في نفس الإنسان قبل أن تجري.
وقال ابن زيد: " يعلم السر " أسرار العباد وأخفى سره.
وقاله أبوه زيد بن أسلم.
أي: يعلم سر عباده، وأخفى سره، فلا يعلمه أحد جلّ وعزّ، وهذا اختيار النحاس.
وأنكر هذا القول الطبري.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾، أتى على غير ظاهر، جواب قوله: " وإن تجهر بالقول، إنما هو جواب لمن قيل له وأن تستر بالقول، فإن الله يعلم السر وأخفى، ولكنه محمول على المعنى، كأنه قال: ما حاجتك إلى الجهر، والله يعلم السر وأخفى من السر.
ثم قال: ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسمآء الحسنى﴾.
من جعل الله بدلاً من الضمير في " يعلم " لم يقف على " أخفى "، ومن جعله مبتدأ، وقف على أخفى.
أي: معبودكم واحد، لا معبود غيره، ولا إله إلا هو ﴿لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ /. هي تسعة وتسعون أسماً على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ألفاضها اختلاف.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لله تسعة وتسعون اسماً: مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة " أي: من حفظها.
وقيل: من آمن بها.
وقيل: من قالها معتقداً لصحتها.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾.
معناه: أن الله يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما مضى من أخبار الأنبياء عليهم السلام قبله، وما مضى عليهم ليتعزى بذلك مما يناله من قريش.
ذكر: أن موسى عليه السلام أضل الطريق في شتاء ليلاً، فلما رأى ضوء النار، قال لأهله: امثكوا لعلي أتكيم بخبر نهتدي به على الطريق أو آتيكم بقبس توقدونه في هذا البرد.
قال ابن عباس: لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضل الطريق.
قال وهب بن منبه: لما قضى موسى الأجل.
خرج ومعه غنم له، ومعه زندله وعصاه في يده، يهش بها على غنمه نهاراً، وإذا أمسى اقتدح ناراً فبات عليها وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بغنمه وبأهله يتوكأ على عصاه، فلما كان الليلة التي أراد الله
جلّ وعزّ بموسى كرامته، وابتدأه فيها بنبوته، أخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها ويصبح ويعلم وجه سبيله، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها.
﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً﴾، أي أبصرتها، لعلي آتيكم منها.
. . الآية.
..
وقيل: معنى: " آنست " علمت ووجدت.
و" القبس " النار في طرف العود أو قصبة.
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾.
أي: دلالة تدلني على الطريق، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: " هدى " أي: هادياً يهدي إلى الطريق.
وقال وهب: " أو أجد على النار هدى " أي: علماً من أعلام الطريق يدلني عليه.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ياموسى * إني أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تسعى﴾.
أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك.
قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق.
(وبعض
أهل الكتاب يقول في عوسجه] فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما.
قال كعب: " كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة.
وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي ".
وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض.
وكان قد قدس الوادي مرتين.
وكذلك قال ابن جريج.
وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما من جلد حمار غير ذكي.
وقوله: ﴿إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾.
أي: المطهر.
وقال ابن عباس: " المقدس ": المبارك.
وقال مجاهد: ﴿المقدس طُوًى﴾: بورك فيه مرتين.
ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب ريد مصر أخطأ الطريق، وكان صلى الله عليه وسلم رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره.
فرأى ناراً.
فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى.
أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة.
فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار.
فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت.
وقال ابن عباس/: في معنى " طوى " أن موسى طواه الليل إذا مر به فارتفع إلى
أعلى الوادي.
فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه.
كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أين طهره وهو قول الحسن.
وقال مجاهد وابن أبي نجيج: " طوى " اسم الوادي.
وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
وقاله ابن زيد.
وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه.
فالمعنى: اخلع نعليك.
طأ الوادي.
وقال ابن جبير: معنه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً.
وكذلك روي أيضاً عن مجاهد.
ومن فتح الهمزة في " إني أنا " فعلى تقدير: " نودي بأني ". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت " إن بعده، فكسرت.
وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها.
معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل.
ومن صرف " طوى " جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً.
والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى.
ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة.
وقيل: هو معدول عن طاوي.
كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته.
وكان حقه ألا ينصرف.
ولكن سمع صرفه من العرب.
وعلقة صرفه قلة حروفه وخفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يوحى﴾.
أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به.
﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني﴾.
أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني.
﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني.
فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد.
وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها.
ورو ى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها "، قال الله عز وجل: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ وزاد فيه قتادة " لا كفارة لها إلا ذلك ".
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرها بالمدح.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني.
وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها.
وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ بلامين، مشددة الذال.
أي: لتذكرني فيها.
وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: " لِذِكْرَاً " أبدلوا من الياء ألفا.
كما
يقال: يا غلاماً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها.
وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري.
وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي.
وقاله قتادة والضحاك.
وقرأ ابن جبير بفتح همزة " أخفيها ". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها.
يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته.
ومنه قيل للنباس المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر.
هذا هو المشهور في كلام العرب.
وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب ما ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات.
وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر على إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي.
فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون.
وقيل: إن: " كاد " بمعنى أريد.
وذلك معروف اللغة.
فيكون المعنى أريد أخفيها.
أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى.
وقيل: إن تمام الكلام " أكاد " أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى.
وقيل: أكاد زائدة.
وهو قول الأخفش.
قال ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40] وإنما هو لم يرها.
وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي.
وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: " أكاد أخفيها " أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة.
فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه " كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى " أكاد أخفيها " أظهرها.
وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها.
واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد " تم الكلام أي: " أكاد آتي بها.
ودل " آتية " على " آتي بها ". ثم قال " أخفيها " على الابتداء.
فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها.
وقوله: ﴿لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ اللام متعلقة بـ " آتية ".
وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾.
أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر.
و" السعي " العمل.
وأجاز أبو حاتم الوقف على " أخفيها ". ويبتدئ بلام ﴿لتجزى﴾ بجعلها لام قسم.
وذلك غلط ظاهر.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿سِيَرتَهَا الأولى﴾.
أي: فلا يردنك عن العمل للساعة من لا يؤمن بها.
أي: من لا يؤمن بالبعث.
﴿واتبع هَوَاهُ﴾ أي: هوى نفسه، وخالف أمر الله.
﴿فتردى﴾ أي: فتهلك إن فعلت ذلك.
وقيل المعنى: فلا يصدنك يا موسى، عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها، وهذا خطاب لموسى عليه السلام، والمراد به الجميع.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾.
" ما " لفظها، لفظ الاستفهام، ومعناها [معنى] التنبيه والتثبيت والتقرير لما يريد الله منها من إحالتها عما هي عليه.
فإذا نبهه وقرره على حقيقتها، لم يقدر بعد استحالتها وكونها حية أن تقول: كذا كانت.
وقال الزجاج: " تلك هنا موصولة بمعنى التي.
أي: وما التي بيمينك.
وقال الفراء: " تلك " بمعنى هذه.
يوصلان كما يوصل الذي.
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾.
أي: اتكىء عليها في قيامي وقعودي.
﴿وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾.
أي: أضرب بها الشجر، فيسقط ورقها فترعاه الغنم.
فالمعنى: وأهش بها الورق.
يقال: هش الشجر.
إذا خبطه بالعصا.
قال ذلك قتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾.
أي: ولي في عصاي حاجات أخرى.
والمآرب جمع واحدة مأربة ومآربة ومارِبة.
بضم الراء وفتحها وكسرها.
وهي من قولهم: لا إرب لي في هذا.
أي: لا حاجة لي فيه.
وقال: " أخرى " ولم يقل " أخر ". لأن المآرب جماعة، فأتت على ذلك.
قال السدي: " حاجات أخر، أحمل عليها المزود والسقاء.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا ياموسى﴾.
أي: ألق عصاك.
﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾.
قال ابن عباس: ألقاها فصارت حية تسعة، ولم تكن قبل ذلك حية.
قال فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبراً.
فنودي يا موسى، خذها فلم يأخذها.
ثم نودي ثانية فلم يأخذها، ثم نودي ثالثة ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى﴾.
أي: هيئتها الأولى، عصا كما كانت، فأخذها.
وقال السدي: ألقاها فإذا هي حية تسعى، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبراً ولم يعقب، فنودي يا موسى، لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون.
وقيل: إنما أراد الله جلَّ ذكره أن يريه الآية الكبرى من العصا لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبراً منها كما فعل عند الشجرة.
وقيل: إنها عصا آدم، نزل بها من الجنة، طولها اثنى عشر ذراعاً بذراع موسى.
ويروى أن العصا كانت من ورقة آس الجنة، وهي من وسط الورقة الخط الثاني في وسط ورقة الآس " والآس " الريحان وكانت من ريحان الجنة من الخط لثاني في وسط الورقة المستطيل/، فما ظنك بحسن ريحان يكون الخط الثاني في وسط ورقه [منها] عصا في طولها اثنى عشر ذراعاً.
ويروى أن موسى صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يدخل يده في فيها فيقبض عليها، فأدخل يده في فيها وقبض عليها، فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا على ما كانت عليه قبل ذلك؟ وكان للعصا شعبتان في رأسها، فصارت الشعبتان فم الحية، ثم عادت إلى حالتها.
قوله تعالى: ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾.
المعنى: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك.
وقال مجاهد: " إلى جناحك " كفه في عضده.
يقال الآخر العضد، إلى مبتدأ الإبط جناح.
وقيل: أمر أن يدخل يده في ثيابه مما يلي صدره وعضده، ففعل، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع ونور.
وقال أبو عبيدة: " إلى جناحك " إلى ناحية جنبك.
والجناحان الناحيتان.
وقيل: " إلى جناحك " إلى صدرك، ففعل، فخرجت يده نوراً ساطعاً تضيء بالليل كضوء الشمس والقمر، فهي له آية أخرى مع العصا.
أي: علامة على قدرة الله وصحة نبوته.
ومعنى: ﴿مِنْ غَيْرِ سواء﴾ من غير برص.
وقال مجاهد: كان موسى رجلاً آدم، فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء من غير سور أي من غير برص مثل الثلج، ثم ردها فخرجت كما كانت على لونه.
وقوله: ﴿آيَةً أخرى﴾ أي: دلالة أخرى على العصا.
وقوله: " بيضاء " نصب على الحال.
" وآية " بدل من بيضاء عند الأخفش.
وقال الزجاج: هي نصب بإضمار فعل تقديره " آتيناك آية أخرى ".
وقيل: " آية " حال أيضاً، لأنه بمعنى مبينة.
ثم قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى﴾.
أي: لنريك من آياتنا العجائب.
ثم قال: ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾.
أي: تجاوز قدره، وتمرد على ربه.
وفي الكلام حذف.
والتقدير: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسل بني إسرائيل معك.
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لي أَمْرِي﴾.
أي: أفسح لي صدري لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون.
﴿وَيَسِّرْ لي أَمْرِي﴾.
أي: سهّل عليّ القيام بما كلفتني من الرسالة والطاعة.
﴿واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾.
أي: واطلق لساني للمنطق.
قيل: كانت في لسانه عجمة عن الكلام من أجل الجمرة التي كان ألقاها إلى فيه يوم همّ فرعون بقتله.
قال ابن جبير: " عقدة من لساني " عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل.
فقال فرعون: هذا عدو لي فقالت له امرأته: إنه لا يعقل.
وكذلك قال مجاهد.
وقال السدي: لما تحرك الغلام - يعني موسى صلى الله عليه وسلم - أرته أمه آسية.
فبينما هي ترضعه وتلعب به، إذ ناولته فرعون وقالت: خذه.
فلما أخذه، أخذ موسى بلحيته
فنتفها.
فقال فرعون: علي الذباحين.
فقالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً.
إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى مني.
أنا أضع له حلياً من الياقوت وأضع له جمراً.
فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمرة فإنما هو صبي فأخرجت له ياقوتاً ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يجه جمرة، فطرحها موسى صلى الله عليه وسلم في فيه فأحرقت لسانه.
فهو الذي يقول الله ﴿واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي يفهموا عني ما أقول لهم، وأبلغهم عنك.
ففعل الله به ما سأل.
وقيل: إنه إنما زال بعض ما كان في لسانه من الحبسة ولم يزل كله بدلالة قول فرعون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52] وقد يجوز أن يكون كان هذا قبل أن يزيل الله ما كان به، ثم أزاله كله بعد ذلك.
والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ [طه: 36].
يدل على أنه أزال عنه كل ما سأل، وأعطاه كل ما سأل.
ثم قالت تعالى: ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ /.
وكان هاون أكبر من موسى.
والوزير هو الذي يلجأ إليه في الأمور.
مشتق من الوزر، وهو الملجأ.
والجبل وَزَرْ.
وقيل: " الوزير " الذي يتقلد خزائن الملك وأمتعته.
فيكون مشتقاص من الوزار، وهي الأمتعة، ومن قوله: ﴿ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم﴾ أي: آنية الفضة والذهب.
وقيل: " الوزير ": الذي يتحمل أثقال الملك، ومنه قيل للذنب: وزره، فمعنى: ﴿واجعل لِّي وَزِيراً﴾ أي: صاحباً ألجأ إليه وأعتمد عليه.
وقوله: ﴿اشدد بِهِ أَزْرِي﴾.
أي: ظهري: وقيل للظهر أزر، لأنه محل الأوزار.
وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي﴾.
أي: اجعله نبياً مثلي، وارسله إلى فرعون معي.
هذا على قراءة من جعله كله طلباً بفتح همزة " وأشركه "، فأما من جعله جواباً للطلب، وضم الهمزة، فمعناه: أن يجعل لي وزيراً أشدد أنا به ظهري وأشركه أنا في أمري.
ثم قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾: نعظمك بالتسبيح.
﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، فنحمدك.
﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي: كنت بنا ذا بصر منا، لا يخفى عليك من أفعالنا شيء.
وقيل: المعنى: إنك كنت عالماً بما يصلحنا.
وروى زيد بن أسلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم موسى قال: " يا رب، قد أنعمت عليّ كثيراً، فدلني على أن أشكرك.
قال: اذكرني كثيراً فإنك إذا ذكرتني فقد شكرتني.
وإذا نسيتني فقد كفرتني.
قال: لي مواطن ينبغي أن أذكرك فيه.
قال: اذكرني كثيراً.
قال: فكان موسى عليه السلام إذا ادخل الغائط، قال: سبحانك ربي كما توقني الأذى " من رواية ابن وهب.
قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ إلى قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾.
أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى﴾.
أي: تطولنا عليكم قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك.
وقيل: كانت رؤيا رأتها.
وقيل: بل أوحى إليها ما شاء.
وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى صلى الله عليه وسلم، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمره الله تبارك وتعالى.
روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياي.
وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها.
فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النبيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه.
فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه.
فهو قوله: {أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ
اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ}.
يعني فرعون.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾.
أي: حببتك إلى عبادي.
وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة.
وقيل: معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه.
وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾.
قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك.
وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة.
وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك.
وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين.
ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك.
وقال ابن زيد.
معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك.
و" اللام " في " ولتصنع " متعلقة بـ " ألقيت " أي: ألقى المحبة لتصنع.
ثم قال: / ﴿إِذْ تمشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ﴾.
أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك.
وفي الكلام حذف.
والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟
قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحونن.
فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام،
فدلينا على أهله.
قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: للملك ناصحون.
ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه.
ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، عند ذلك، جاءت أخت موسى صلى الله عليه وسلم، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك.
قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من
أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره.
وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك.
وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو.
ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة.
ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم﴾.
يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك.
فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين.
روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ ".
ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً.
وعنه ابتليناك ابتلاء.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم.
ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحيه فرعون، ومن قتل حين قتل القبطي.
وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن
فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة.
وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن.
قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه.
فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين.
وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه/، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذابحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك.
وذلك
من الفتون.
وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك.
قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه.
فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته.
ولكن الله تعالى حرمه ذلك ".
وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن ".
فقالت: له: فهبه لي، لا تقتله.
فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا.
قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق ت طلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون.
فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإن لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم
موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزيل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه يصرعك ويعلوك فأراد ذبحه.
قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه.
قال: ألا ترينه يزعم أن يصرعني ويعلوني.
فقالت: اجعل بين وبينك أمراً تعرف به الحق.
ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم.
فبينما هو يمشي في ناحية/ من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيل على الفرعوني.
وقد ضرب الفرعوني
الإسرائيلي، فضعب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله.
ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى صلى الله عليه وسلم حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له.
وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به.
فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين.
ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين.
فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى.
وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون.
وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي بلاء على بلاء.
وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾.
في الكلام حذف واختصار.
والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم.
قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته.
وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾.
أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه.
هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
ثم قال: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾.
أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي.
وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي.
ثم قال: ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما.
قال ابن عباس: " لاتنيا ": لا تبطئا.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا.
وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط.
ثم قال: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾.
أي: تجاوز في الكفر.
﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾.
أي: كنياه.
قاله مجاهد والسدي.
وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وأذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن.
فهذا هو القول اللين.
فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان.
وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى.
فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا.
فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كُنتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً.
فخضب لحيته بالسواد.
فكان فرعون أول من خضب بالسواد.
ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل.
وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة.
فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان.
فقال له: لا ترض.
أبعد أن
كنت ملكاً تصير مملوكاً.
وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً.
فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء.
وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾.
قيل: معنى " لعل " هنا الاستفهام.
والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه.
قاله: ابن عباس.
وقيل: معنى: " لعل " هنا: كي.
أي قولا له قولاً ليناً كي يتذكر.
كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك.
أي: كي تأخذ أجرك.
وقال الحسن: " لعله يتذكر " هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً.
قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى.
وقيل: إن " لعل " على بابها، ترج وطمع من المرسلين.
والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما/ وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإنابة وخروج الفعل إلى الظاهر.
وقيل: إن " لعل " و " عسى " في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا.
فتذكر فرعون
وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾.
إلى قوله: ﴿خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾.
أي: قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا به أن يفرط علينا بالعقوبة.
أي يعجل علينا ويقدم علينا.
وأصله من التقدم.
ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم " أنا فرطكم على الحوض ".
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾.
أي: إنني أعينكما عليه وأبصركما.
أسمع ما يجري بينكما وبينه، فألهمكما ما تجاوباه وأرى ما تفعلان ويفعل، فلا أخلي بينكما وبينه.
قال ابن جريج: " أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما، فتجاوباه.
ثم قال: ﴿فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: أرسلنا ربك إليك، يأمرك أن ترسل معناه بني إسرائيل، ولا تعذيبهم بما تكلفهم من الأعمال الصعبة.
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾.
أي بمعجزة تدل على أنا أرسلنا إليك بذلك إن أنت لم تصدقنا فيما نقول