الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أريناكها ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾.
أي: والسلامة لمن ابتع الهدى.
وليس السلام هنا تحية.
ثم قال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى﴾.
هذا متصل بما قبله.
أي: فقولا لفرعون: إنا رسولا ربك، وقولا له: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى.
أي: إن عذاب الله الذي لا انقطاع له على من كذب برسله وكتبه، وتولى عن طاعته.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾.
هذا كلام فيه حذف واختصار.
والتقدير: فأتياه [فقالا] له ما أمرهما به ربهما.
فقال لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ اكتفى بخطاب موسى من خطاب أخيه من آخر الكلام.
وقد خاطبهما جمعياً قبل ذلك في قوله: " ربكما " وإنما جاز ذلك لأن الخطاب إنما يكون من واحد، فردّ الخطاب إلى واحد مثله.
وقريب منه " نسيا حوتهما " ولم ينسه إلا فتى موسى وحده.
دل على ذلك قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت﴾.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾.
أي: قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه.
أي: جعل لك ذكر نظير خلقه من الإناث.
ثم هداهم لموضع الوطء الذي فيه النماء والزيادة من الخلق.
فهدى كل حي كيف يأتي الوطء
فيكون التقدير: أعطى كل شيء مثل خلقه.
ثم حذف المضاف.
قال ابن عباس.
معناه: خلق لكل شيء زوجه ثم هداه لمنكحه ومطمعه ومشربه ومسكونه ومولده.
وكذلك قال السدي.
وقال الحسن: معناه: تمم لكل شيء خلقه، ثم هداه لما يصلحه.
القرون الماضية وكيف تبعث، فأجابه موسى/ بعلمها فقال: علمها عند ربي.
ثم قال: ﴿فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي علمها في أم الكتاب و ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾.
نعتان لكتاب.
أي: في كتاب غير ضال الله، أي: غير ذهب عن الله وغير ناس الله له.
وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: " في كتاب " ثم ابتدأ فقال: " لا يضل ربي " أي: لا يهلك.
وقيل: معنى الآية: لا يضل عن ربي علم شيء، ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال ابن عباس وقتادة: لا يخطئ ربي ولا ينسى شيئاً.
وقال قتادة: قوله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ أي فما أعمار القرون الأولى.
فوكلها
موسى إلى الله فقال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾.
وقرأ الحسن وقتادة وعيسى وعاصم الجحدري: ﴿لاَّ يَضِلُّ﴾ بضم الياء وكسر الضاد.
أي: لا يضيعه.
قال: ضل فلان منزله يضله إذا أخطأه.
وكذلك يقال في كل شيء ثابت، لا يبرح فيخطئه.
فإذا ضاع ما يزول بنفسه مثل: دابة، وناقة، وفرس مما ينفلت فيذهب بنفسه، فإنه يقال: أضل فلان بعيره يضله.
ثم قال تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾.
أي: فراشاً يتمهدها الناس، ولم يجعلها خربة خشنة.
ومن قرأ " مهداً " فهو: مصدر وصفت الأرض به.
أي: ذات مهد.
وقيل: " مهداً " اسم وصفت الأرض به، لأن الناس يتمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يعرف.
وقيل: هما لغتان، كاللبس واللباس، والريش والرياش.
ثم قال تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي: طرقاً.
ثم قال: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ أي: مطراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ خرج إلى الإخبار عن الله جلّ ذكره، لأن كلام موسى مع فرعون انتهى إلى قوله: " السماء ماء.
ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بجميل صنعه لخلقه في معاشهم ومعاش أنعامهم فقال: " فأخرجنا به ".
وقيل: كله من كلام موسى، أخبر موسى عن نفسه، ومن معه بالزراعة والمعالجة في الحرث.
فالماء هو سبب خروج النبات وبه تم وكمل.
والمعالجة في الحرث غيره لبني آدم بعون الله لهم وأقادره إياهم على ذلك.
فلذلك أخبر عن نفسه فقال: فأخرجنا به أزواجاً.
وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: 63] فأضاف الحرث إلى الخلق، وهو الزارع المنبث للحرث لا إله إلا هو.
أي: أخرجنا بالمطر من الأرض أشابهاً وضروباً من نبات شتى.
" وتشى ": نعت للنبات أو للأزواج.
ومعناه: مختلفة الأطعمة والرائحة والمنظر.
قوله تعالى: ﴿كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾.
أي: كلوا من طيبات ما أخرجنا لكم بالغيث وارعوا أنعامكم فيه.
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى﴾ أي: إن في قدرة الله وسلطانه لعلامات لأولي العقول.
أي: لأصحاب العقول.
قال قتادة: " لأولي النهي " لأولي الورع.
" والنهي " جمع نهية.
يقال: فلان ذو نهية.
أي ذو عقل.
وخص أهل النهى بذلك، لأنهم أهل التفكير والاعتبار والتدبر والاتعاظ.
ثم قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
أي: من الأرض خلقنا أصلكم.
وهو آدم، وفي الأرض نعيدكم بعد الموت، ومن الأرض نخرجكم عند البعث في القيامة أحياء كما كنتم " تارة أخرى " أي: مرة أخرى.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: " إذا قبض الملك روح المؤمن عرج به إلى السماء فقال: قد قبضت روح فلان.
فيقول الله عز وجل: " ردّ بها.
أي: قد وعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾.
قال: فإنه ليسمع صوت نعالهم (إذا ولوا مدبرين).
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي: أرينا فرعون أدلتنا وحججنا الي أعطينا موسى وهارون كلها عياناً فكذب بها وأبى أن يؤمن، استكباراً وعتواً.
ثم قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى﴾ أي: قال فرعون لموسى لما رأى الآيات: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي: مكاناً عدلاً نصفاً لنا/ ولك، قاله قتادة.
وقال مجاهد: " مكانا منصفاً بينهم ".
وقال ابن زيد: مكاناً مستوياً يتبين للناس ما فيه لا صيب ولا نشز، فيغيب بعض ذلك عن بعض.
وقيل: معناه: مكاناً سوى ذلك المكان الذي كانوا فيه، فيكون الأحسن على هذا المعنى كسر السين.
وعلى المعاني المتقدمة الضم.
والكسر في السين لغتان بمعنى، وفي العدل لغة أخرى، وهي فتح السين والمد، ومنه قوله: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: 64 أي: عدل.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾.
أي: ال موسى لفرعون - حين سأله فرعون الاجتماع - موعدكم يوم الزينة.
يعني يوم اعيد كان لهم.
وقيل: يوم سوق كان لهم يتزينون فيه.
﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ أي: يساق الناس ويجمعنن من كل فج وناحية.
والتقدير: وقت موعدكم يوم الزينة.
وقد قرأ الحسن " يوم " بالنصب على الظرف على غير حذف.
أي: موعدكم في هذا اليوم.
أي: موعدكم يقع يوم الزينة " وأن يحشر الناس ".
وإن في موضع رفع عطف على يوم على قراءة من رفع.
أي: وقت موعدكم يوم الزينة، ووقت حشر الناس.
واختار النحاس أن تكون " وإن " في موضع خفض عطفاً على الزينة.
قال السدي: " يوم الزينة يوم عيد لهم.
وقال ابن جبير: " هو يوم سوق لهم ".
وقوله: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ أي يجتمعون في ذلك الوقت الموضع.
وعن ابن عباس أنه قال: " يوم الزينة، كان يوم عاشوراء.
كذلك روى الأعمش.
والضحى، مؤنثة.
وتصغيرها بغير هاء، لئلا تشبه تصغير ضحوة.
وقرأ الحسن: ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ بفتح الياء وضم الشين، ونصب الناس، على تقدير: وأن يحشر فرعون الناس ضحى.
وقوله تعالى ذكره: ﴿فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾.
إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾.
أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد.
قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً﴾.
﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر.
وقيل: على إضمار فعل.
أي: ألزمكم الله ويلاً.
وقيل: نصبه على النداء المضاف.
﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله.
أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾.
قال ابن عباس: معناه: " فيهلككم ".
وقال ابن زيد: معنا: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية).
وقال قتادة: " فيستأصلكم بالهلاك ". وفيه لغتان: سحته واستحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً.
ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى﴾.
أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب.
ثم قال تعالى: ﴿فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النجوى﴾.
أي: تنازع السحرة فيما بينهم.
قال قتادة: " قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر " وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾.
قال وهب: " جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر.
وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ أي أسر السحرة والمناجاة بينهم.
وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ استعلى﴾.
وكذلك قال السدي.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾.
أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسرحهما.
وفي حرف ابن مسعود " إن هذان/ إلا ساحران ": أي: ما هذان يخفف " إن " يجعلها بمعنى ما.
ومن شدد " إن " ورفع " هذان "، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم.
حكى سيبويه أن " إن " تأتي بمعنى أجل.
واختبار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان.
واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو " إن هذين " لمخالفتها للمصحف.
وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل " إن " بمعنى " أجل ". ومعنى: أجل: نعم.
ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن
إبان بن العاصي.
وكذكل كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ " نعم "، وكذلك وقعت في أشعارها.
قال الشاعر:
قالت غدرت، فقلت: إن وربما ... نال العُلي وشقى الخليل الغادر
وقال بان قيس الرقيات:
بكرت على عواذ لي ... يلحينني وألومهنه
ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت أنه
وأنشد ثعلب:
ليس شعري هل للمحب شفاء ... من جوى حبهن إن اللقاء.
أي: نعم.
فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر.
وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بيعد، إنما يجوز التقديم في اللام
وهي مؤخرة في الشعر.
لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران.
فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة.
وقيل: إن اللام يراد بها التقديم.
وقيل: هي في موضعها، و " لعجوز " مبتدأ، وشهرية الخبر، والجملة خبر عن اللام.
والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا.
- فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغاً باه الشجاع لصماً وأنشدوا أيضاً:
- تزود منا بين أذناه طعنة على ... رأسه تلقى العظام من الفم.
وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة.
وحكى غيره أنها لغة خثعم.
وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني.
ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمه لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء " استحوذ " على الأصل.
والقول الثالث: قاله الفراء.
قال: الألف في " هذان " دعامة، ليست بلام
الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت " الذي " ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت " الذين " في الرفع والنصب والجر.
والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان.
والقول الخامس: حكاه الزجاج.
قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر.
والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد.
فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به.
فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم.
والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب.
روي أن عثمان وعائشة/ رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها.
وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها.
وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط.
فأما من خفف " إن " فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، وإلا أنه أتى بـ " هذان "، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب.
فأما من شدد نون " هذان "، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية.
وعن الكسائي والفراء في: " إن هذان " قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾.
أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم.
يقال للسيد: هو طريقة قومه.
ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء.
وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم.
ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾.
والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد.
كما قال: ﴿هُوَ لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ [طه: 8].
ويجوز أن تكون " المثلى " أنثت لتأنيث الطريقة.
قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل.
وقال مجاهد: " أولي العقول والشرف الأنساب ".
وقال قتادة: " كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً ".
وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها.
وقل ابن وهب: " يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون
﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: 26] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما.
ويكون التقدير: ويذهبان بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾.
أي: اعزموا على أمركم واحكموه.
هذا على قراءة من همزة وكسر الميم.
فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه.
ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.
وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي
أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجميع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمن بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد.
ويحن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾.
أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد.
فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ائتوا﴾.
ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً.
ووحد لأنه مصدر.
فهو مصدر في موضع الحال.
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾.
أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره.
قال وهب: " جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة قال: ﴿ائتوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة ".
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾ إلى قوله: ﴿هَارُونَ وموسى﴾.
أي: قال السحرة: ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾.
وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجمعت السحرة كيدهم ثم أتوا صفاً، فقالوا: ﴿ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ﴾.
وكان السحرة يومئذ فيما ذكر ابن أبي بزة سبعين ألفاً، مع كل ساحر منهم حبل وعصاً.
فألقوا سبعين ألف/ عصاً، وسبعين ألف حبل.
وقيل: كانت حبالهم وعصيهم حمل ثلاث مائة بعير، فصار جميع ذلك في بطن الحية، ثم رجعت عصاً كما كانت في يد موسى فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك سجداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات.
وقال السدي: " كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً، مع كل واحد حبل وعصاً ".
وقال وهب بن منبه: " كانوا خمسة عشراً ألفاً مع كل ساحر حباله وعصيه ".
وقال ابن جريج: كانوا تسعة مائة: ثلاث مائة من العريش، وثلاث مائة من الفيوم، وثلاث مائة من الاسكندرية.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾.
أي: قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم أولاً: ما معكم إن كنتم على حق.
وفي الكلام حذف.
أي: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قيل: " إن السحرة سحروا أعين الناس، وعين موسى قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، ثم ألقوها، فخيل إلى موسى صلى الله عليه وسلم حينئذ أنها تسعى " قاله وهب بن منبه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾.
أي: أحس ووجد موسى خوفاً في نفسه.
قيل: إنه خاف أن يفتن الناس بما صنعوا قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه.
وكان السحرة في ناحية بالبعد من الناس، وكان فرعون وجنوده في ناحية، وموسى وهارون صلى الله عليهما وسلم في ناحية.
وقيل: إنما خاف لما أبطأ عليه الوحي بالأمر بإلقاء العصا، فخاف أن ينصرف الناس قبل أن يؤمر بإلقاء عصاه فيفتتنون، فأوحى الله تعالى إليه: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾ أي: لا تخف على انصراف الناس وافتتانهم قبل أن تلقي عصاك فأنت الغالب.
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صنعوا﴾، فألقاها فتلقفت
حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مامئة بعير، ثم عادت عصا لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصي، إلا الله.
وهذه آية تشتمل على آيات، منها: انقلاب العصا ثعباناً، ومنها: ابتلاعها الحمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي.
وأعظمها: أنها عادت عصا يحملها موسى في يده كما كانت أولاً، وتلاشى وقر ثلاث مائة بعير بقدرة الله، فلا أثر لذلك، فسبحان من لا يقدر على هذه القدرة أحد سواه، لا إله غيره.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما " بمعنى الذي مع ﴿صَنَعُواْ﴾ " ها " محذوفة.
و ﴿كَيْدُ﴾ خبر " إن " و " الذي " اسمها.
فإن جعلت " ما " كافة ل " إن " عن العمل، نصبت كيداً بـ ﴿صَنَعُواْ﴾ و " الكيد ": المكره أي: مكر الساحر وخدعه لا على حقيقة.
ثم قال: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى﴾ أي: لا يظفر بسحره أين كان.
وقيل: المعنى: يقتل الساحر حيث وجد.
وفي حرف ابن مسعود: أين أتى.
ثم قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً﴾.
في الكلام حذف والتقدير، فألقى موسى ما في يده فتلقفت ما صنعوا فألقيَ السحرة سجداً.
قال ابن جبير: لما ألقى [موسى] ما في يده، صار ثعباناً مبيناً، قال: ففتحت فما لها مثل الرحى ثم وضعت مشفرها على الأرض ورفعت الآخرة، فاستوعبت كل شيء ألقوا من السحر ثم جاء موسى إليها، فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخرت السحرة سجداً، وقالوا: آمنا برب هارون وموسى.
ورويَ أن رئيس السحرة قال لهم: إن كان هذا سحراً من موسى فأين مضى حمل ثلاث مائة بعير من حبال وعصي، وأين ذهب ذلك، هذا أمر من فعل الله، وليس هو سحراً، فاخلصوا التوحيد لله جل ذكره وآمنوا وخرّوا سجّداً.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿خَيْرٌ وأبقى﴾.
المعنى: قال فرعون للسحرة الذين خرّوا سجّداً: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ يهددهم ويوعدهم أي: أصدقتم بموسى: إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ فكان فرعون أول مَن قطع الأيدي والأرجل من خلاف.
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾.
أي: عليها.
وكان أول مَن صلب في جذوع النخل.
ويقال: إن فرعون شبه على الناس بما قال.
وذلك أنه لما رأى ما نزل به، قال للسحرة: إن موسى لكبيركم الذي علملكم السحر فواطتموه على ما صنعتم وعاملتموه على ذلك ليشكك الناس في الآيات التي ظهرت، فقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم حتى ماتوا، ومعنى " خلاف " أن يقطع يمين اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾.
أي: أنا أشد عذاباً أو موسى.
يخاطب بذلك السحرة.
ومعنى: ﴿وأبقى﴾ وأدوم.
ثم قال: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات﴾.
أي: قال السحرة لفرعون لما توعدهم: لن نفضلك على ما رأينا من الحجج والبراهين فنتبعك ونكذب موسى.
ثم قال: ﴿والذي فَطَرَنَا﴾.
أي: لن نفضلك على الذي جاءنا وعلى الذي فطرنا.
وقيل: الواو، واو قسم.
و ﴿فَطَرَنَا﴾ خلقنا.
﴿فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾.
أي: افعل ما أنت فاعل.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ﴾.
أي: قال له السحرة ذلك.
والمعنى: إنما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا.
و" ما " كافة ل " إن " عن العمل.
ولو جعلت " ما " بمعنى " الذي " رفعت " هذه الحياة الدنيا " أي: إن الذي تقتضيه هذه الحياة الدنيا.
وقيل: معنى الكلام إنما يجوز أمرك في هذه الحياة الدنيا.
ثم قال: ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾.
أي: ليغفر لنا خطايانا من السحر.
﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾.
ف: " ما " نافيه.
أي: لم تكرهنا على السحر، نحن جئنا به طائعين، فهو ذنب عظيم، نطمع أن يغفره الله لنا إذا متنا، فتكون ﴿مِنَ﴾ لإبانة الجنسِ.
وقيل: المعنى: ليغفر لنا ربنا خطايانا، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من السحر.
فتكومن ﴿مِنَ﴾ للتبيين، موضعها نصب، ولا موضع لها في القول الأول.
وهذا القول رويَ عن ابن عباس، قال: " ذلك غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة يعلمهم السحر ".
وقال ابن زيد: " أمرهم بتعلم السحر "
وقال الحسن: " كانوا إذا نشأ المولود فيهم، أكرهه على تعلم السحر.
ثم قال تعالى: ﴿والله خَيْرٌ وأبقى﴾ أي: خير ثواباً وأبقى عذاباً.
قال محمد بن كعب: معناه: " خير منك ثواباً أن أطيع، وأبقى منك عذاباً إن عصى " وهذا جواب منهم لوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تخشى﴾.
والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ أي مكتسباً الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره.
﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلاَ يحيى﴾ فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر.
وعلق الإتيان بالله مجازاً في هذا.
والمعنى: من يأت موعد ربه " كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99] أي: إلى موعد ربي.
وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديماً قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها
محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان.
فالإتيان إلى الله إنماهو إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله.
ثم قال: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾.
أي: ومن يأت ربه موحداً له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ﴿فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى﴾ أي: لهم درجات الجنة العلى.
ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: حنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي: / تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار.
خالدين فيها.
أي: ماكثين فيها أبداً.
ثم قال: ﴿وذلك جَزَآءُ مَن تزكى﴾.
هذه الإشارة بـ " ذلك " هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك.
أي: ذلك جزاء مَن تظهر من الذنوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني إسرائيل.
﴿فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً﴾.
أي: اتخذ لهم طريقاً في البحر يبساً.
أي: يابساً.
وهو مصدر نعت به الطريق.
والمعنى: ذا يبس.
ثم قال: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾.
أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقاً من بين يديك.
قال ابن جريج: " قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد غشينا.
فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من أحصاب فرعون، ﴿وَلاَ تخشى﴾ من البحر وحلاً.
وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركاً فيه.
ثم حذف " فيه ".
ومن قرأ ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ بالرفع جعله في موضع الحال من موسى.
وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه.
وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة.
ومن قرا: لا تخف بالجزم، جعله جوباً للأمر في قوله: ﴿فاضرب﴾.
وقيل: هو جزم على النهي.
نهى أن يخاف فرعون.
ويكون ﴿وَلاَ تخشى﴾ مقطوعاً من الأول.
وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة.
والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة.
وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياؤ والواو إلا الشعر.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ اهتدى﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده.
والسرى، سير الليل.
وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم.
فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً.
وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته.
فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.
وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر فلما أمنعوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر،
فرأوه منفلقاً.
فيه طريق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليه، فهلكوا أجمعين.
وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾.
أي: ما غرقهم.
وفيه معنى العظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم.
قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري ما قد عرفتموه.
فكنى عنه ليعظمه.
ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾.
أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل.
﴿وَمَا هدى﴾ أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم.
يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه.
ثم قال: ﴿يابني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾.
يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر.
ثم قال: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾.
يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة.
﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي: من شهية وحلاله.
﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾.
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً.
والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب/ على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي.
أي: ينزل بكم ويجب.
﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى﴾.
أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿لِّمَن تَابَ﴾ من الشرك و ﴿وَآمَنَ﴾ وحّد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾: أدّى الفرائض.
والتقدير: وإني لستار لذنوب مَن تاب من الشرك.
وقل قتادة: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل صالحاً فيما بينه وبين الله جل ذكره.
وقوله: ثم اهتدى.
معناه عند أبن عباس: لم يشكك.
وقال قتادة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.
وقال أنس بن مالك: ﴿ثُمَّ اهتدى﴾: أي: أخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن زيد: ﴿ثُمَّ اهتدى﴾ ثم أصاب العمل.
وقال الفراء: " ثم اهتدى " ثم علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري﴾.
أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل
أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في أثر موسى.
وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم.
فلما كلم الله موسى.
قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى.
قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى.
وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون.
فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه.
فلذلك قال له تعالى ذكره
﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى﴾ أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد.
قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولاً على أثري أي: قريب، مني سائرون إلي.
وإنماتقدمتهم لترضى عن].
ثم قال تعالى ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾.
أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه إياهم إلى عبادة العجل.
قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيان فهو قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل.
وأنه ابن خالة موسى، ويكون قوله: " فنسي " يريد أنه من قول السامري.
قال لهم: إن موسى نسي إلهكم عندي ومضى يطلبه.
يريد العجل.
وأراد بقوله: " قومك من بعدك " الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا موسى ومضوا معه للميقات.
وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون.
فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾ [الأعراف: 155]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل.
ثم قال: ﴿فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفاً﴾.
أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان على قومه لاتخاذهم العجل من بعده.
﴿أَسِفاً﴾ أي: حزيناً لما أحدثوا من الكفر.
والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب.
ومن الغضب، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: 55] أي: أغضبونا.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾.
أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضباناً حزيناً: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً.
وذلك الوعد، قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾.
وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهمز
وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة.
وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه/.
ثم قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد﴾.
أي: طال عليكم إنجاز الوعد.
وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾.
كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾.
ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾.
من ضم الميم في " بملكنا ": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا.
أي: لم نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا.
ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب.
ومن فتح الميم فمعناه: بقوتنا.
وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد.
وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا.
ثم قال: ﴿ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم فَقَذَفْنَاهَا﴾.
قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من زينة القوم، أي قوم فرعون.
ويقال: إن بني إسرائيل لما أرادوا موسى أن يسير بهم ليلاً من مصر بأمر الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حمِّلوا من زينة القوم.
وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾.
أي: في النار لتذوب.
وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري﴾.
أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل صلى الله عليه وسلم فكاف في موضع نصب لمصدر محذوف.
قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾.
إلى قوله: ﴿وأطيعوا أَمْرِي﴾.
أي: أخرج لهم السامري من الحلي الذي قذفوه في النار، وألقى هو عليه التربة التي كانت معه، عجلاً محسداً، أي: له جسد لا روح فيه.
وقيل: كان لا رأس له، فلذلك قيل جسداً.
وقوله: " له خوار "، أي: له صوت مثل البقر.
قال قتادة: " كان الله جل ذكره وقّت لموسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون، قال عدو الله السامري: إنما أصابكم بالحلي الذي كان معكم، (يعني إنما أبطأ عليكم موسى عقوبة من أجلي الحلي، ثم قال لهم): فهلموا وكانت حلياً تعوروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فدفعوها إليه، فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في عمامته أو ثوبه قبضة من أثر فرس جبريل صلى الله عليه وسلم فقذفها في الحلي والصورة فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار، فجعل يخور خوار البقرة، فقال: هذ ألهكم وإله موسى.
وقال السدي: إن هارون قال لهم: يا بني إسرائيل، إن الغيمة لا تحل لكم، وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعاً واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئاً لم تأكلوه.
فجمعوا ذلك الحلي في حفرة، فجاء السامري بتلك القبضة التي من حافر فرس جبريل عليه السلام، فقذفها فأخرج الله
من الحلي عجلاً جسداً له خوار، وعدّت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدّوا الليلة يوماً واليوم يوماً، فلما كان العشرون خرج لهم العجل، فلما رأوه، قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، ﴿فَنَسِيَ﴾، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي.
وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ يعني فنسي السامري دينه، أي تركه حين أمرهم بعبادة العجل.
قال ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾: أي: ترك السامري ما كان عليه من الإيمان، فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول الله جل ذكره، إخباراً عن السامري.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فنسي موسى إلاهه عندكم وذهب يطلبه، فأضله ولم يهتد إليه.
فيكون ﴿فَنَسِيَ﴾ من قول السامري لبني إسرائيل، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد.
وقيل: معناه: فنسي موسى الطريق وضل عنه.
وقيل: فنسي السامري العهد الذي عهد إليه في الإيمان، فيكون/ ﴿فَنَسِيَ﴾ على هذا القول من الترك.
وعلى القولين الأولين من النيسان.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾.
أي: أفلا يرى هؤلاء
الذين عبدوا العجل أنه لا يكلمهم ولا يرد عليهم جواباً.
وهذا توبيخ لهم.
﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾.
أي: لا يقدر لهم على ضر ولا نفع، فكيف يكون من هذه حاله إلهاً يُعبد؟!.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي قال لهم هارون من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم، ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ أي: إنما أخبركم الله به لينظر محافظتكم على الإيمان بهذا العجل الذي أحدث فيه الخوار، فيعلم صحيح الإيمان من مريض القلب الشاك في دينه.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أَمْرِي﴾ أي: إن معبودكم الذي يستحق العبادة هو الرحمن، فاتبعوني ولا تعبدوا غيره.
وأطيعوا أمري في ترك عبادة العجل.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾.
أي: قال بنو إسرائيل لهارون لما نهاهم عن عبادة العجل: لن نفارق عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى.
ثم قال: ﴿قَالَ ياهرون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ في الكلام حذف.
والتقدير: لما رجع موسى، قال: يا هارون: ما منعك أن تتبعني بمن لم يعبد العجل على ما كان بين وبينهم.
قال ابن عباس: لما قال القوم: ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى﴾، أقام هارون بمن معه من المسلمين ممن لن يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل،