الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾،، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه.
قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية.
ثم قال تعالى: ﴿والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب.
وقيل: المعنى والله يعلم مقدار هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك.
أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة.
قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها.
﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾، أي من يسلك طرقه وسبله.
﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء والمنكر﴾، أي بالزنا والمنكر من القول.
ثم قال:
﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ / وَرَحْمَتُهُ مَا زكى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه.
قال ابن عباس: ﴿مَا زكى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه.
وقال ابن زيد: " ما زكى " ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام.
﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور.
وقال الكسائي: ﴿مَا زكى مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية.
قال تعالى:: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لايؤتوا أولي القربى.
ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنهـ حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه.
ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من
الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه.
وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.
وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً.
وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله.
وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة.
وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات﴾،
أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].
قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل الله في الزنا التوبة.
وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن خاصة.
وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك.
وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل
بعد ذلك: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، [النور: 4] إلى ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 5] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد.
فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق.
واختار النحاس أن يكون عاماً للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلاً فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل.
أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم.
وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض.
وقد روى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك.
فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك.
فيقول: كذبوا.
فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ".
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق﴾، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والذين: الجزاء والحساب.
ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين﴾، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق،
أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان.
قال تعالى ذكره: ﴿الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ﴾، الآية.
قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله:
﴿أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما
يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات.
وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبيّ خبيثاً فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة.
وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في
رحم أمها فقال له، هذه عائشة ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في الجنة.
وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: ﴿الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل
ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] فهم جميع الأيامى.
ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك.
قال قتادة: ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان / هذا قول ابن جبير.
وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها
المسافرون فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 29]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ذلك.
وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ.
ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة.
وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم.
وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعملوا، من قوله:
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: 6] أي إن علمتم.
فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟
ثم قال: ﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.
أي فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحداً يأذن لكم بالدخول فلا
تدخلوها، لأن دخولها لا يحل إلا بإذن أهلها، فإن قال لكم أهل البيوت: ارجعوا عنها فارجعوا ولا تدخلوها ﴿هُوَ أزكى لَكُمْ﴾، أي الرجوع أزكى لكم: أي أطهر لكم عند الله.
ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، أي بما تعملون من رجوعكم إذا قيل لكم ارجعوا، وطاعتكم لما أمركم به.
ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي ليس عليكم إثم أن تدخلوا بيوتاً لا يسكنها أحد بغير استذان.
قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق، والخانات: الفنادق.
وقال قتادة: هي الخانات وبيوت أهل الأسفار.
وقال الضحاك: هي البيوت التي تكون في الطرق والخربة.
وقوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي منفعة للمسافرين في الشتاء والصيف يأوي إليها،
وعن ابن الحنفية: أنها بيوت مكة.
وقال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: هي الخرب، ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، يعني الخلاء، والبول، والاستتار فيها.
وقال ابن زيد: هي البيوت التجار فيها أمتعة الناس يعني الحوانيت والتي في القياسير.
وتحقيق الآية: لا حرج على من دخل بيتاً لا ساكن له، ولا دافع عنه من غير أن يستأذن، فبيوت التجار مملوكة لهم لا يحسن دخولها إلا بإذنهم إلا أن يكون قد
علم منهم أنهم إنما فتحوها ليدخل عليهم فلا يستأذن، لأن فعلهم كالإذن.
ثم قال: ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾، أي ما تظهرون من الاستئذان على أهل البيوت المسكونة ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، أي ما تضمرون في صدوركم عند فعلكم ذلك؛ أطاعة الله تريدون أو غير ذلك.
قال تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، أي يكفوا عن نظر ما لا يحل لهم والنظر إليه ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾، أن يراها من لا يحل له أن يراها، أي يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم.
وقيل لا يستمتعون إلا لمن يحل لهم من زوجة أو ملك يمين.
ولما كان استعمال الفرج فيما لا يحل منهياً عنه، لم تدخل " من " فلم يقل ويحفظوا من فروجهم، ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فدخلت " من " للتبعيض.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن من خير عين تنشر يوم القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عوداً ففقأ به العين التي نظر بها إلى المرأة ".
ثم قال: ﴿ذلك أزكى لَهُمْ﴾، أي حفظها، وغض أبصارهم أطهر
لهم عند الله، ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، أي ذو خبر بما يصنعون مما أمركم به من غض البصر، وحفظ الفرج.
قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها.
قال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، يعني التستر.
قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم عن سوآتهم.
قال ابن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل
له، غض بصره، ولا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال: " يغضوا من أبصارهم "، يريد أن النظرة الأولى لا يقدر أحد أن يملكها، فالنهي إنما وقع على النظرة بعد النظرة الأولى، ولذلك قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يقل: يغضوا أبصارهم؛ لأن النظرة الأولى لا يقدر على الكف عنها، لأنها فجأة.
قال بعض العلماء: حرم الله على المسلمين نصاً أن يدخلوا الحمام بغير مئزر.
وأجمع المسلمون أن السوءتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلها عورة، إلا وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما.
وأكثر أهل العلم: على أن من سرة الرجل إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى.
و" سأل جرير بن عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فقال: اصرف
بصرك، لأنه لو لم يصرف بصره لكان تاركاً لما أمره الله به، ناظراً اختياراً ". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب يا علي: " إن لك كنزاً في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة ". وروي عن أم سلمة: زوج النبي عليه السلام: أنها قالت: " استأذن ابن أم مكثوم، وأنا وعائشة عند النبي عليه السلام، فقال لنا:
احتجبن فقلنا: أو ليس بأعمى لا يبصرنا، فقال: أفَعَمْيَاوَانِ أنتما ".
قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميراً بين مرفوع ومخفوض، كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في ﴿يَغْضُضْنَ﴾ وآخرها الضمير المخفوض في قوله تعالى: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ ولا أعلم لهذه الآية نظيراً في القرآن في كثرة ضمائرها فاعلمه.
ثم قال: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، أي ولا يظهرن لمن ليس بذي محرم زينتهن في بيوتهن، كالخلخال، والسوارين، والقُرْطِ، والقلادة.
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
قال ابن مسعود: هي زينة الثياب، وكذلك قال النخعي، والحسن.
وقال ابن عباس: هو الكحل، والخاتم.
وقال ابن جبير: هو الوجه والكف.
وقال عطاء: الكفان والوجه.
وقال قتادة: الكحل، والسوار، والخاتم.
وعن ابن عباس أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، قال: فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس.
وقالت عائشة رضي الله عنها: هو القُلْبُ والفَتْحَة، يعني السوار والخاتم.
وقيل: الفتحة حَلَقٌ من فضة، تجعلها النساء في أصابعهن.
وقول من قال: هو الوجه والكفان أحسنها، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة أن تكشف وجهها، وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها إلى قرب النصف "، فالكحل، والخاتم، والخضاب، والبنان داخل تحت هذا، فإذا كان لها ذلك مباحاً في الصلاة علم أنها ليس بعورة، وإذا لم يكن عورة جاز لها إظهاره، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره، فيكون هذا مما استثناه الله جل ذكره.
ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾، أي وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، وما بعد ذلك من القرابة، يعني الزينة التي هي غير ظاهرة كالخلخال والدملج والقرط، وما أمرت أن تغطيه بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة للأجنبيين من الناس، من الذراعين إلى ما فوق ذلك /.
وقال قتادة: يبدين لهؤلاء الرأس.
قال ابن عباس: الذي يبدين لهؤلاء هو قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها.
وقال ابن مسعود: أي هو الطوق والقرطان.
وقيل: معنى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾، أي ليغط شعرها وصدرها وتوائبها، وكلما زين وجهها، ومعنى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، ومن بعدهم أي لا يضعن جلابيبهن، وهي المقانع التي فوق الخمار، إلا لهؤلاء المذكورين.
وقوله: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ﴾ يعني بذلك نساء المسلمين، يعني المؤمنات منهن.
قاله ابن جريج، قال: ولا يحل لمسلمة أن تري مشركة عورتها، إلا أن تكون لها، فذلك قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة
ابن الجراح رضي الله عنهما " أما بعد فإنه بلغني، أن نساء يدخلن الحمامات/ معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه "، ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام متبتلاً، فقال: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة، ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه.
وقوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني الماليك، لها أن تبدي له من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو قول عائشة وأم سلمة جعلنا العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل له أن يتزوج سيدته، وهو في ملكها، لأنه ما دام مملوكاً فهو بمنزلة (ذوي المحارم)، وهذا هو قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ [النور: 58].
وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي.
قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف.
وقيل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، إنما هو للإماء خاصة.
قال ابن المسيب.
وقيل: للصغار خاصة.
وقوله: ﴿أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال﴾، أي والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من الرجال.
قال قتادة: " هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك ".
وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري.
قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا يخاف منه على النساء.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم
فحجبوه.
وقال عكرمة: " غير أولي الإربة "، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد العنين.
وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنثى، والمعتوه، والطفل، والعنّين.
والإربة والأرب: الحاجة.
ومن نصب غيراً نصبه على الحال.
وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتاً للتابعين.
وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء﴾، أي الذين لم يكشفوا عن هورات النساء لجماعهن فتطلعوا عليها.
قال مجاهد: الذين لم يدروأ ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه.
والطفل هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، أي لا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ذلك.
قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال / فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل الشيطان.
وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس
في رجليها الخلاخل، وتمر على المجلس، فتضرب برجليها ليسمع صوت خلاخلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال الخلخال فيظهر صوته.
ثم قال: ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون﴾، أي ارجعوا إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة والبقاء في النعيم.
روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الندم على الدنيا توبة ".
وروى ابن مسعود: أن النبي عليه السلام قال: " لله أفرح بتوبة عبده إذا
تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع رحلي، فجاء موضع رحله فوضع رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها طعامه، وشرابه عند رأسه ".
قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
وزوجوا أيها المؤمنون الأيامى منكم، أي من لا زوج لها من المسلمات الحرائر، ومن لا زوجة له من الرجال، وأهل الصلاح من عبيدكم، ومن مملوكاتكم.
والأيامى جمع أيم مشبهة بيتيمة ويتامى، يقال: أيم وأيامى، وأيايم، وأيام مثل: جيد وجياد.
والإيم عند أهل اللغة: من لا زوج لها كانت بكراً أو ثيباً.
حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما، وهو قول مالك وغيره.
يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيمة: إذا لم يكن لواحد منهما زوج.
وقرأ الحسن: ﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ وعبيد اسم للجمع.
وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: من كانت له جارية فلم يصبها، أو لم يزوجها، أو كان له عبد فلم يزوجه، فما صنعا من فاحشة فإثم ذلك على السيد.
وهذا يدل على أن الآية على الحتم والأمر للسادة بذلك.
ثم قال تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾، أي إن يكن هؤلاء الذين أمرتم بإنكاحهم ذوي فاقة، وفقر يغنهم الله من فضله، فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم.
وقال ابن عباس: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾.
وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله سبحانه:
﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾.
ويروى عن عمر أنه قال: عجبت لامرئ كيف لا يرغب في الباءة، والله يقول: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾.
وقيل: معنى الآية: يغنهم الله من فضله بالنكاح، وكذلك:
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] أي بالنكاح يعني بالتزويج، لأنه لم يجعل كل زوج مقصوراً على زوج أبداً.
وقوله تعالى: ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، أي واسع الفضل يغني من يشاء من فضله عليم بمصالح خلقه وأعمالهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾.
أي وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله
عليهم من فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، والنفقة فسمي ما ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به رداء، ولما يلبس لباس.
ثم قال: ﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، هذا ندب ندب الله عباده إليه ومعنى ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ إن علمتم فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من أمر نفسه، ومع إقامة / فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب لمن كاتبه.
وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيراً، إذا سأله العبد ذلك، وقال عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو
اختيار الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن يدل على أنه ندب إجماع أو سنة.
ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض.
وقال الثوري: لا يجير السيد على المكاتبة.
وكره ابن عمر أن يُكَاتَبَ العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ أيدي الناس.
قال ابن عباس: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، أي إن علمتم أن لهم حيلة لا يُلقون مؤنتهم على الناس.
وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد.
وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقاً، ووفاء وأداء الأمانة.
وقال مجاهد وطاوس: مالاً وأمانة.
وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة.
وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم خيراً لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه.
وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم
لهم مالاً.
ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك الحاطب بن أبي بلتعة، وكان صالحاً، ثم هي عامة لجميع المسلمين.
قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾، يعني هبوبهم من مال الكتابة.
قال علي بن أبي طالب: ربع الكتابة يحطها عنه.
وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعنموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قوله مالك.
وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب).
وقيل: إن قوله: " وآتوهم " ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم.
وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغّب الناس أن يعطوهم من زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى:
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232] هو خطاب للأولياء، وصدر الكلام خطاب
للأزواج.
وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة.
ثم قال: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء﴾، أي: الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: تعففاً ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾، أي: ليكسبن لكم من زنائهن.
وقيل قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ متعلق بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ * إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾.
ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجاً من زنائهما، قبل أن يسلما، فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى الله عن ذلك، وأعلم المكره إنه له غفور رحيم.