الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4046-4085
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4046-4085
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً﴾: المعنى: ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله [سبحانه]، أوثاناً لا يملكون لهم رزقاً " من السماوات " أي: لا تنزل مطراً لإحياء الأرض.
" والأرض " أي: ولا تملك لهم أيضاً رزقاً من الأرض، لأنها لا تقدر على إخراج نباتها وثمارها لهم.
﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾.
أي: لا تملك أوثانهم شيئاً من السماوات والأرض.
و ﴿رِزْقاً﴾ نصب بيملك.
و ﴿شَيْئاً﴾ نصب برزق.
وكان أصله: رزق شيء كما يقول: ضرب زيد فلما فرق بينهما انتصب شيء لأنه مفعول به برزق.
وهو مثل قول الشاعر:

فلم أنكل عن الضرب مسمعاً.
... كان أصله: عن ضرب مسمع، فلما [أ] دخل الألف واللام امتنعت الإضافة فانتصب المفعول به ومثله في التنوين: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً * أَحْيَآءً وأمواتا﴾ [المرسلات: 25 - 26] كان أصله كفاتاً إحياء وأموات [أي جمع أحياء وأموات].
والكفت الجمع والضم، أي: تجمعهم وتضمهم على ظهرها أحياءً وفي بطنها أمواتاً فلما نون ﴿كِفَاتاً﴾ انتصب ﴿أحْيَآء وأموات﴾ على المفعول به، والعطف عليه، وله نظائر، وهو أصل من أصول العربية.
وقد منع بعض البصريين أن يعمل " رزق " في " شيء " لأنه اسم، وليس بمصدر، وقال ينتصب " شيء " على البدل من " رزق ". قال [تعالى] ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال﴾.
قال الضحاك، معناه: لا تعبدوا من دون الله ما لا ينفعكم، ولا يضركم، ولا يرزقكم.
وقال ابن عباس: هو اتخاذكم الأصنام.
يقول تعالى ذكره: لا تجعلوا معي

إلهاً غيري.
وقيل معناه: لا تمثلوا الله [سبحانه] بخلقه فتقولوا: هو يحتاج إلى شريك ومشاور فإن هذا إنما يكون لمن لا يعلم ودل على هذا المعنى قوله [ عز وجل] : ﴿ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقيل معناه: لا تمثلوا خلق الله به، فتجعلوا له من العبادة مثل ما لله [سبحانه].
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ الآية.
هذا مثل ضربه الله [ عز وجل] للكافر والمؤمن، قال قتادة: قوله: ﴿عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾، هذا مثل ضربه الله [ عز وجل] للكافر رزقه الله مالاً، فلم يقدر فيه على [خير]، ولم يعمل فيه بطاعة الله [ عز وجل] ثم قال [تعالى]: ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً﴾

فهذا للمؤمن أعطاه الله مالاً يعمل فيه بطاعته فأخذ فيه بالشكر ومعرفة الله [ عز وجل] ، فأثابه الله [سبحانه] على / ما رزقه [في] الجنة.
ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾.
أي: هل يستوي هذان وهما بشران؟ فكيف سويتم أيها المشركون بين الله وبين الحجارة التي لا تعقل ولا تنفع ولا تضر.
وقيل: " العبد المملوك " أبو جهل بن هشام، و ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً﴾ أبو بكر الصديق رضي الله عنهـ لا يستويان.
وقيل: " العبد المملوك " الصبي لأنه عاجز مربوب ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً﴾ مثل لله رب العالمين، لأنه يرزق المخلوقين ويلطف بهم من حيث [يعلمون ومن حيث] لا يعلمون، وهذا قول: مجاهد، قال مجاهد: هو مثل لله الخالق ومن يدعى

من دونه من الباطل.
ثم ضرب لهم مثلاً آخر فقال: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ﴾ وهو المطبق الذي لا ينطق ولا يسمع.
﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ أي: على وليه ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: هل يستوي القادر التام التمييز، والعاجز الذي لا يسمع ولا يتكلم ولا يأتي بخير؟ فهما لا يستويان عندكم لاختلاف أحوالهما، وهما بشران، فكيف سويتهم بين الله [سبحانه] والأحجار؟.
وقال مجاهد والضحاك: هذا مثل لله [ عز وجل] ومن عبد من دونه.
وقال

قتادة: هو للمؤمن والكافر.
وقال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ في هشام بن عمر، وهو الذي لا ينفق، ومولاه أبو الجوزاء الذي كان ينهاه.
وقوله: ﴿[وَ] ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ﴾ الأبكم منهما: الكل على مولاه أسيد بن أبي العاصي، والذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم عثمان بن عفان.
وقيل: الأبكم يعني به أبي بن خلف هو كالأبكم إذ لا ينطق بخير، وهو كل على قومه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون.
﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل﴾ يعني: حمزة بن عبد المطلب.

وقيل: هو مثل ضربه الله [ عز وجل] لنفسه والصنم المعبود من دونه وهو الأبكم والفاض هو مثل لله.
وقيل الفاضل من الرجلين عثمان بن عفان رضي الله [عنه] والأبكم مولى له كافر، قال: ابن عباس.
وقال مجاهد: الذي يأمر بالعدل، هو الله [ عز وجل] والأبكم ما يدعون / من دونه من الأصنام.
قوله: ﴿الحمد لِلَّهِ﴾.
أي: الحمد الكامل لله دون من يدعا من دونه من الأوثان.
قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: فعلهم فعل من لا يعلم، وإن كانوا يعلمون.
وقيل معناه: أنهم لا يعلمون وعليهم أن يعلموا.
وقيل إن قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ﴾ إنما هو مثل للصنم لا يسمع ولا ينطق.

﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ أي: كَلُّ على من يعبده ويلي أمره، يحتاج أن يخدمه ويحمله ويضعه.
﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾.
أي: لا يفهم ما يقال له فيأتمر لمن أمره، ولا يأمر ولا ينهى.
﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل﴾.
أي: هل يستوي هذا الصنم، والله الواحد القهار الذي يدعو إلى التوحيد وهو على صراط مستقيم.
قاله: قتادة.
وقيل: هذا المثل أيضاً إنما هو للمؤمن والكافر.
واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية أن العبد لا يملك.
ومن جعل الآية مثلاً

لله [سبحانه] والصنم لم يكن فيها حجة [له] في العبد.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض﴾.
المعنى: [لله] ما غاب عن أبصاركم في السماوات والأرض دون ما سواه.
﴿وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ [كَلَمْحِ] البصر﴾.
أي: وما قيام الساعة، التي ينشر فيها الخلائق للبعث، إلا كنظرة من البصر، أو أقرب من نظرة.
لأن ذلك إنما هو، أن يقال له: كن، فيكون.
وهذا إنما هوصفة لسرعة القدرة على بعث الخلق وإحيائهم، كما يقال في تمثيل السرعة ما بين الشيء والشيء: ما بين الحر والقر إلا نومة، وما بين السنة والسنة إلا لحظة.
فهذا يراد به السرعة.
والمعنى: أن الساعة في مجيئها للوقت الذي لا مدفع له بمنزلة لمح البصر.
ومثله

في القرب على التمثيل ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ [القمر: 26] فسمي يوم القيامة [غداً] على تمثيل القرب إذ لا مدفع له عن وقته.
فالقيامة كغد لوقوعها لا محالة كوقوع غد.
وقيل: إنها تقوم على الحقيقة في أقرب من لمح البصر، ودلأل] على ذلك قوله: ﴿لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ [الأعراف: 187]. وقيل معناه: وما أمر الساعة عندنا إلا كلمح البصر لا عندكم، كقوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5] أي: عجب عندكم وعند من سمعه لا عندي ويدل على هذا التأويل قوله: ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج: 6 - 7]. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: [إن] الله قدير على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر، وعلى ما يشاء لا يمتنع عليه شيء من الأشياء كلها.

قال [تعالى]: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾.
معناه: والله علمكم ما لم تكونوا تعلمون وأنتم في بطون أمهاتكم، ورزقكم عقولاً تفهمون بها الأشياء، وتميزون بين الخير والشر، وجعل لكم السمع لتسمعوا به أوامر الله، ونواهيه، ومواعظه، فتعلمون وتتعظون.
وهذا يدل على أن الواو لا توجب رتبة لأنه ذكر جعله للسمع والبصر والفؤاد / بعد الخروج من البطن، وذلك لم يكن إلا في البطن.
فالواو لا توجب رتبة، بل ما بعدها يكون قبل ما قبلها.
لا يجوز إلا هذا بهذه الآية، ونظيرها كثير في القرآن يدل على أنها لا ترتب ما بعدها بعدما قبلها، بل قد يكون بعده وقبله.
ويجوز أن يكون الباقي مبتدأ غير معطوف.
والأبصار لتبصروا بها آياته ونعمه فتشكروا وتعلموا أن الله الخالق وحده لا إله إلا هو، والأفئدة ليفهموا بها، وهي القلوب.

﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: فعل ذلك بكم لعلكم تشكرون نعمه عليكم.
قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء﴾.
أي: ألم يَرَ هؤلاء المشركون إلى الطير، تطير في جو السماء أي: في هواء السماء وهو ما بَعُدَ من الأرض وأبعد منه من الأرض السكاك واحدها سكاكة.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله﴾.
أي: [ما طيرانهن إلا بالله] وبما أعطاهن من القدرة على ذلك ولو سلبهن القدرة لم يطرن.
﴿إِنَّ فِي ذلك لأيات﴾.
أي: إن في تسخير الله الطير في الهواء لعلامات على توحيد الله [ عز وجل] لقوم يؤمنون بالله [سبحانه]، قال قتادة: في جو السماء في كبد السماء.

قوله: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ [سَكَناً]﴾.
[أي]: جعل لكم موضعاً تسكنون فيه أيام مقامكم.
وقيل: معناه جعل لكم من بيوتكم ما تسكن إليه أنفسكم من ستر العورة والحرم فتهدأ فيه جوارحكم.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام﴾ يعني: من جلود الإبل والبقر والغنم ﴿بُيُوتاً﴾ خفافاً عليكم تحملونها معكم في أسفاركم وهو: الظعن.
وتنتفعون بها في إقامتكم، وهي: البيوت من الأنطاع والشعر والوبر والصوف.
ثم قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً﴾.
أي: جعل لكم من هذه الأشياء متاعاً.

وواحد الأثاث أثَاثَة، والأثاث متاع البيت.
وقيل: لا واحد له.
وعن ابن عباس: الأثاث: المال.
وكذلك قال قتادة.
وقيل الأثاث: الثياب.
وهو متاع البيت عند أهل اللغة، كالأكسية والفرش، وهو مأخوذ من قولهم: شعر أثيث، إذا كان كثيراً ملتفاً.
ويقال أث الشعر يئث أثاً إذا كثر والتف.
وقد أث البيت يئث أثاً إذا صار ذا أثاث.
فسمي متاع البيت أثاثاً لكثرته واجتماعه.
والأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز.
وقوله: ﴿وَمَتَاعاً إلى حِينٍ﴾.
أي: تتمتعون به وتنتفعون إلى آجالكم.

قال تعالى: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً﴾.
يعني: الأشجار والجبال تستظلون بها من الحر والبرد والمطر وقيل: هو السحاب والغمام يظل الناس.
﴿مِّنَ الجبال أَكْنَاناً﴾.
أي: جعل لكم من الجبال والسهل، ولكن حذف السهل لدلالة الكلام عليه.
﴿أَكْنَاناً﴾ جمع: كن يعني غيرانا يسكن فيها.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ والبرد وحذف / البرد لدلالة الحر عليه.
[كما قال أريد الخير أيهما يليني فحذف الشر لدلالة الخير] [عليه].

والسرابيل جمع سربال.
والسربال كل ما لبسته من قميص ودرع وغيره، يعني: من القطن، والكتان والصوف.
﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾.
يعني: الدروع من الحديد.
والبأس هنا الحرب.
والمعنى في هذا: خلق لكم ما تتخذون منه هذه السرابيل وأقدركم على عمله وألهمكم ذلك.
فهذه كلها نعم من الله ينبه خلقه عليها ليشكروا الله على ذلك ويعلموا أنه المنفرد بخلق ذلك المدبر لمصالح عباده، فلا تجب العبادة إلا له.
وإنما خص الجبال بالذكر لأنهم كانوا أصحاب [جبال] في بلدهم فخوطبوا بما يعرفون.
وترك السهولَ وما فيها أيضاً من الأكنان لدلالة الكلام عليه.
وخص ذكر الحر: لأن أكثر زمان العرب في أرض الحجاز وما يليها الحر.
فخص ذلك لما

يعلمون من ضرره عندهم وترك ذكر البرد لدلالة الحر عليه.
وخص ذكر الأصواف والأوبار والأشعار لأنهم كانا أصحاب إبل وغنم ومعز فخوطبوا بما بعقلون.
وترك ذكر القطن، والكتان، وغيره، مما يستعمل منه اللباس لدلالة الكلام عليه.
ومن هذا قوله ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [النور: 43] فذكر البَرَد لأنهم كانوا يعرفونه فخوطبوا بما يعرفون وترك ذكر الثلج وهو أكثر نزولاً من البَرَد لأنهم كانوا يعرفونه في بلادهم.
ثم قال [تعالى] ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
أي: أتم نعمته عليكم في هذه النعم المذكورة لتخضعوا لله بالطاعة.
وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " تَسْلَمون " بفتح التاء واللام، أي لتسلموا من الحر والجرحات وغيرها.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عما أرسلناك [له] يا محمد من الحق فإنما عليك

أن تبلغ الرسالة وتبين ما أرسلت له لمن سمعه حتى يفهمه.
قال [تعالى]: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾.
قال السدي: النعمة هنا: محمد [ صلى الله عليه وسلم] [ يعرفون أنه نبي مرسل وينكرون ذلك.
ودل على أنها محمد].
قوله: قبل ذلك: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين﴾ [النحل: 82] يخاطب محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقيل: هي ما عدده الله [ عز وجل] في هذه السورة من النعم يعرفون أن الكل من عند الله وهم ينكرون ذلك ويزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم، قال: مجاهد.
وقيل:

إنكارهم هنا للنعمة، قولهم: لولا فلان ما كان كذا.
وقيل معناه: أن الكفار إذا قيل لهم من رزقكم؟ أقروا بأنه الله [ عز وجل] ، ثم ينكرون ذلك بقولهم: إنما رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا.
ثم قال /: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾.
أي: أكثر قومك يا محمد الجاحدون للنعم ولنبوتك.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيد﴾.
المعنى: ثم ينكرونها وسينكرونها يوم نبعث من كل أمة شهيداً، أي: شهد عليهما بما أجابت به داعي الله [ عز وجل] وهو رسولهم الذي أرسل إليهم

﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني: لا يؤذن لهم في الاعتذار، ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.
أي: ولا يتركون الرجوع إلى الدنيا فيتوبوا ومثله قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: 35] أي: بعذر ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36].
قال: ﴿وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: إذا عاين الذين كذبوا محمداً [ صلى الله عليه وسلم] عذاب الله [ عز وجل] فلا ينجيهم منه شيء ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾.
أي: إذا رأى المشركون يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله سبحانه من الآلهة والأوثان ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هؤلاء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ﴾.
أي: هؤلاء آلهتنا الذين

عبدنا من دونك حشر الله [ عز وجل] معهم أصنامهم وأوثانهم ليوبخهم ويعذبهم بها في النار وسموا شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم وزروعهم وأنعامهم.
وقيل: سموا بذلك على معنى: هؤلاء شركاؤنا في الكفر [بك]، وقيل: إنما سموا بذلك لأنهم أحدثوا عبادتهم، أشركوهم في عبادة الله [سبحانه] فأضيفوا إليهم، إذ هم اخترعوا ذلك، [وقد] قال في موضع آخر: ﴿شُرَكَآئِيَ﴾ [الكهف: 52، القصص: 62و74، فصلت: 47].
فأضافهم إلى نفسه تعالى عن ذلك على طريق ما فعلوا: أي: شركائي عندكم وفيما زعمتم.
قوله تعالى: ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول﴾.
أي: ألقت الآلهة إليهم القول، أي: انطلقوا فقالوا: إنكم لكاذبون، ما كنا

ندعوكم إلى عبادتنا ولا كنا آلهة.
قال مجاهد ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول﴾: قالوا بهم، ونظير هذا قوله: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: 82].
وقيل: هم الملائكة الذين عبدوا من دون الله [سبحانه] قالوا للكفار إنكم لكاذبون في عبادتكم إيانا.
قال تعالى: ﴿وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾.
أي: استسلموا له وذلوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئاً ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يأملون من الشفاعة عند الله [ عز وجل] .

قال تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب﴾.
أي: الذين كفروا بالله [سبحانه] وبرسوله [ صلى الله عليه وسلم] وصدوا عن الإسلام من أراده، زدناهم في جهنم عذاباً فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن يزادوا.
وقال ابن مسعود: الزيادة عقارب لها أنياب كالنخل الطوال تنهشهم.
وَرَوَى عنه مُرة أنه قال / أفاعي.
وعن ابن عمر أنه قال: لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب أعناقها كأعناق البخت.
وقيل: إنهم يخرجون من حر النار [إلى] برد الزمهرير فيتبادرون من شدة برد [هـ إلى النار] أعاذنا الله من ذلك.
وقال السدي: الزيادة عقارب في النار أمثال: البغال، وحيات أمثال: الفيلة.

وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " زيدوا عقارب أمثال النخل تنهشهم في جهنم ". قال مجاهد إن لجنهم جناباً، يعني: جانباً كالساحل، فيها حيات كأمثال أعناق [البخت]، وأنياباً لها كأنياب البغال فيهرب أهل النار من النار إلى جنابها فتشد عليهم العقارب فتأخذ شفاههم فتسقط ما بين الشفر إلى الظفر فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار.
قال ابن مسعود: إنه ليسمع للهوام بين أطباق جلد الكافر في النار جلبة كما تسمع جلبة الوحش في البر.
وإن غلظ جلده أربعون ذراعاً بذراع الجبار يعني: الملك.

وروى مجاهد عن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: " إنهم ليعظمون في النار حتى يصير ما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة كذا وكذا، وإن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وضرسه أعظم من جبل أحد ". وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾.
أي: يفسدون في الدنيا بصدهم الناس عن الإسلام.
قال [تعالى]: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾.
أي: [واذكر يا محمد يوم نبعث من كل أمة شهيداً، أي]: نبعث إليهم نبيهم الذي أرسل إليها.
ومعنى ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من قبيلتهم لأنه تعالى أكثر ما أرسل الرسل إلى الأمم من قبيلتها.

ثم قال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاء﴾.
أي: على أمتك يا محمد الذين أرسلت إليهم ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب﴾ أي: القرآن.
﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: بياناً للناس لما بهم إليه من الحاجة [من معرفة] الحلال والحرام والثواب والعقاب ﴿وَهُدًى﴾ أي: هدى من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه ﴿وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، أي: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد.
قوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾.
المعنى: أن الله [ عز وجل] يأمر في الكتاب الذي أنزل على محمد [ صلى الله عليه وسلم] بالعدل وهو الفرض والإحسان النافلة، وقيل: العدل الإنصاف.
ومن الإنصاف الإقرار لمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله وإخلاص العبادة له.
وكذلك قال

بعض المفسرين: العدل هنا شهادة أن لا إله إلا الله.
وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال ابن عيينة: العدل هنا استواء السريرة والعلانية من كل من عمل لله [ عز وجل] عملاً.
وقوله: ﴿والإحسان﴾ قال ابن عباس هو أداء الفرائض.
وقال ابن عينية الإحسان أن تكون سريرته أفضل من علانيته.
وقوله: ﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾.
أي: إعطاؤهم الحق الذي أوجبه اله لهم في الفرائض وصلة الرحم.
﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾.
أي: عن كل قول وفعل قيبح.
وعن ابن عباس الفحشاء هنا الزنى.
وقال

ابن عيينة الفحشاء والمنكر هنا / أن تكون علانيته أحسن من سريرته.
والمنكر في اللغة: كل ما ينكر من قول أو فعل.
وقوله: ﴿والبغي﴾ قال ابن عباس: البغي: الكبر والظلم.
والبغي في اللغة: أشد الفساد.
وقيل: البغي التعدي ومجاوزة القدر والحد.
ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي: يوصيكم لعلكم تذكرون فتنتهوا إلى أمره ونهيه.
قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن لخيرٍ وشرٍ آية في النحل ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ الآية.
وقال قتادة: ليس من خلق حسن، كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه

إلا أمر الله [ عز وجل] به وليس من خلق سيىء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله [ عز وجل] عنه.
وقيل في قوله: ﴿بالعدل﴾ بألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فهذا هو العدل الحق: ﴿والإحسان﴾ هو أن تعبده كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك.
ومن الإحسان أن تحب لولد آدم كلهم ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك، إن كان مؤمناً أحببت له أن يزداد إيماناً، وإن كان كافراً أحببت له أن يؤمن فيكون أخاك في الإسلام.
﴿وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾ صلة الرحم والقرابة بمالك أو بنفسك أو بدعائك له وبشرك في وجهه، ﴿وينهى عَنِ الفحشاء﴾ أي: عن ركوب المعاصي.
﴿والمنكر﴾ هو الشرك بالله ﴿والبغي﴾ هو أن تبغي على أخيك فتظلمه أو تغتابه فتبهته.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾.
المعنى: وأوفوا أيها الناس بميثاق الله [ عز وجل] إذا أوثقتموه وبعقده إذا عاقدتموه

فأوجبتم على أنفسكم حقاً لمن عاقدتمه.
﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾.
أي: لا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه بالإيمان بالله [ عز وجل] ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، أي: بعدما شددتم الإيمان فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها وتنقضوها.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ أي: جعلتموه كفيلاً عليكم في أيمانكم، [فلا تكذبوا فيها ولا تنقصوها].
وقد قيل: إنها عامة في كل عقد ويمين، وإن الأيمان منسوخة بإجازة الكفارة في المائدة عن اليمين.
وهذه الآية: نزلت فيمن بايع النبي [عليه السلام] على الإسلام لئلا تحملهم قلة من مع محمد [ صلى الله عليه وسلم] ، وكثرة المشركين على نقض ما عاهدوه عليه من البيعة.

وقال مجاهد: نزلت في الحلف الذي كان بينهم في الجاهلية أمرهم الله [ عز وجل] في [الإسلام] أن يوفوا به ولا ينقضوه.
وقال ابن زيد: هؤلاء قوم كانو حلف [اء] لقوم، وقد تحالفوا وأعطى بعضهم بعضاً الميثاق، فجاءهم قوم فقالوا: نحن أكثر وأعز وأمنع فانقضوا عهد هؤلاء، فارجعوا إلينا وح [ا] لفونا، ففعلوا، فنهى الله [ عز وجل] عن ذلك بهذه الآية وهو قوله: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92].
ففي الكلم تقديم وتأخير وتقديره: وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً أن تكون أمة هي أربى من أمة، أي هي أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر عدداً نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء /.

وكذلك قال مجاهد أيضاً في رواية أخرى عنه.
والكفيل الوكيل.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
[أي: ما تفعلون] في عقودكم وعهودك [م].
قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾.
والمعنى: أن الله [ عز وجل] نهى عباده عن نقض الأيمان بعد توكيدها فيكونون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أي من بعد إحكامه وإبرامه.
روي أن امرأة حمقاء كانت تفعل ذلك بمكة فكانت إذا أبرمت غزلها نقضته.
وقيل: هي امرأة يقال لها ريطة بنت سعد كانت تغزل بمغزل كبير فإذا أبرمته وأحكمته أمرت جاريتها فنقضته.
وقيل: هي امرأة اسمها حطية كانت بمكة

وكان بها وسوسة، وكانت تغزل عند الحجر يومها ثم تغدو فتنقضه، أي: تغزله جوانيا [ثم تنقضه برانيا].
وقيل: [هو] مثل، ولم يرد امرأة بعينها.
والمعنى: لا تفعلوا هذا الفعل فتكونوا كامرأة نقضت غزلها بعد أن أحكمته.
فلو بلغكم أن امرأة فعلت هذا لقلتم [ما] في الأرض أحمق من هذه.
[هذا] معنى قول قتادة.
وقال قتادة: هو مثل ضربه الله [ عز وجل] لمن نقض العهد.
ومعنى: ﴿دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ خديعة وغروراً.
أي: لا تجعلوا أيمانكم خديعة وغروراً بينكم ليطمئن إليكم وأنتم مصرون على الغدر، وترك الوفاء فتنقضونها ولا توفون بها.
وقال الزجاج: ﴿دَخَلاً﴾ أي: غشاً و [غلاً].
وهو منصوب لأنه مفعول له.

أي: تتخذون الأيمان للدخل، أي: للغش والخديعة.
والدخل في اللغة [كل] عيب.
يقال: هو مدخول أي معيب، وفيه دخل [أي] عيب.
ثم قال: ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أربى مِنْ أُمَّةٍ﴾.
أي: تفعلون الغدر في أيمانكم لأجل كون أمة أكثر من أمة فتنقضون عهد الأ [ول] لقلتهم وتحالفون ألكثر لكثرتهم.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ﴾.
أي: إنما يختبركم [الله] بأمره إياكم بالوفاء والعهد بالأيمان ليتبين منكم

المطيع المنتهي إلى أمر الله [ عز وجل] من العاصي المخالف أمره ونهيه.
ثم قال: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
أي: وليبين الله لكم يوم القيامة مجازاة كل فريق منكم على عمله في الدنيا.
واختلافهم هنا كون هؤلاء مؤمنين وهؤلاء كافرين.
فهذا الذي اختلفوا فيه، فيوم القيامة يتبين لهم المصيب من المخطئ.
فهو وعيد [لهم] من الله [ عز وجل] . قال [تعالى]: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي ولو شاء الله للطف بكم بتوفيق من عنده فتصيرون أهل ملة واحدة.
ولكنه خالف بينكم فجعلكم أهل ملل شتى، فوفق من يشاء لما يرضيه من الإيمان به وبرسله وكتبه، وخذل من شاء عن ذلك فكفر [به].

ثم قال: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: تسألون عما عملتم في الدنيا في [ما] أمركم به ونهاكم / عنه.
قال: ﴿وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾.
أي: لا تتخذوا أيمانكم دخلاً وخديعة بينكم فت [غرون] بها الناس.
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾.
فتهلكون بعد أن كنتم من الهلاك آمنين، وهذا [مثل] لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة.
يقولون زلت به قدمه.
ثم قال: ﴿وَتَذُوقُواْ السوء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله﴾.
أي: وتذوقوا عذاب الله [ عز وجل] بصكم عن سبيل الله، أي: بمنعكم من أراد

[عن] الإيمان ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: في الآخرة.
قال: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
أي: لا تنقضوا عهودكم بعرض من عرض الدنيا وهو قليل: أنه لا بقاء له، إن الذي عند الله من الثواب في الآخرة لمن وفى بعهده ﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضل ما بين العوضين.
قوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾.
والمعنى: ما عندكم أيها الناس مما تأخذونه على نقض الأيمان والعهود يفنى، وما عند الله باق لمن أوفى بعهده.
ثم قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا﴾.
أي: وليثيبن الذين صبروا على الطاعة في السراء والضراء بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها.

قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.
[أي]: من عمل بطاعة الله [ عز وجل] وهو مصدق بثواب الله [ عز وجل] وعقابه [جلت عظمته] فلنحيينه حياة طيبة: قال ابن عباس: الحياة الطيبة، الرزق الحلال في الدنيا، وكذلك قال الضحاك.
وقال علي بن أبي طالب [رضي الله عنهـ]: هي القناعة في الدنيا.
وعن الضحاك أنها أن يحيي مؤمناً عاملاً بطاعة الله.
وعن ابن عباس أيضاً: أنها السعادة.
وقال الحسن: هي الجنة ولا تطيب لأحد حياة دون الجنة، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقوله بعد ذلك: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ يدل على [أن]

الحياة الطيبة في الدنيا هي، لأنه أخبر بما يفعل بهم في الدنيا ثم أعقبه بما يفعل بهم [في] الآخرة.
ومعناه: لنجزينهم أجرهم في الآخرة بأحسن عملهم في الدنيا لا بأسوئه.
وروي: أن هذه الآية: نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى تفاخروا، فقال أهل كل ملة نحن أفضل، فبين الله [ عز وجل] فضل هذه الملل بهذه الآية، وروى ذلك أبو صالح.
معناه: إذا أردت يا محمد قراءة القرآن فاستعذ بالله.
ومثله: إذا أكلت فقل بسم الله.
أي إذا أردت الأكل.
فحذف هذا لعلم السامع بمعناه.
ومثله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية.
أي: إذا أردتم القيام إليها.
لأن الوضوء إنما يكون قبل الصلاة لا بعدها.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ﴾.

أي: ليس له حجة على المؤمنين المتوكلين على الله [ عز وجل] في مهم أمورهم المتعوذين به من الشيطان.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ﴾.
أي إنما حجته على الذين يعبدونه ويطيعونه ﴿والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، أي: [هم] بالله مشركون قاله مجاهد.
وقيل: الهاء للشيطان أي: ﴿والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي: [أ] شركوه في أعمالهم.
وقيل معناه: والذين هم من أجله مشركون.
قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحمل المؤمن على ذنب لا يغفر.
وقيل: الاستعاذة بالله تمنع الشيطان من أذى المؤمن.
وقيل: إن قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ﴾ هو قوله:

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل