الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 1158-1197
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النحل

صفحات 1158-1197
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يكفر عنكم سيئاتكم إن كنتم على يقين من دينكم ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بما في صدوركم.
قوله: ﴿إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان﴾ الاية.
هذه الآية إعلام من الله تعالى أنه قد غفر لهم انهزان بوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرنا تعالى أنهم إنما دعاهم إلى الزلة الشيطان ببعض ما تقدم لهم من أمرهم فانهزموا.
قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله - عز وجل - على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم.
وقال السدي: عنى بذلك من دخل المدينة منهزماً خاصة دون أن يصعد الجبل.
وقيل: " نزلت في رجال لأعيانهم فروا، منهم: عثمان بن عفان وغيره، فروا وأقاموا على فرارهم ثلاثاً، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم في أرض عريضة، فاعلمنا الله عز وجل أنه عفا عنهم ". قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ﴾ الآية.
نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثل المنافقين ﴿كالذين كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض﴾ أي: إذا خرجوا إلى سفر في تجارة ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ أي: خرجوا لغزو، فهلكوا في سفرهم أو غزوهم، ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُو﴾ في سفرهم ﴿وَمَا قُتِلُواْ﴾ في غزوهم، جعل الله قولهم ذلك حسرة في قلوبهم.
روي أن المنافقين قالوا في من بعثه النبي صلى الله عليه وسلم من السرايا إلى بئر معونة، فقتلوا رحمة الله

عليهم ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه قالوا ذلك، وأصل الضرب في أرض الإبعاد.
وأصل الكلام أن يكون في موضع (إذا): (إذ) لأن في الكلام معنى الشرط، إذ فيه الذين، وإنما وقعت إذا موضع إذ كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل، فتقول إن تزرني زرتك.
أي: أزورك، فكذلك وقعت إذا وهي للمستقبل موضع إذ، ومثله ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج: 25] وقع [كفروا] موضع يكفرون لأن الذي فيه معنى الجزاء، فجاز فيه ما يجوز في الجزاء، ودل على يكفرون قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾.
ثم أخبر تعالى [أنه] يحيي من يشاء ويميت من يشاء ليس جلوسهم عندهم بمنجيهم من الموت، ولا مسيرهم لسفر أو غزاة بمقرب لما بعد من آجالهم ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بعمل هؤلاء المنفقين بصير، فهذا على قراءة من قرأ بالياء، فذكر المنافقين أقرب.
ومن قرأ بالتاء رده على أول الكلام في قوله ﴿لاَ تَكُونُواْ كالذين﴾ وكان الياء أقوى لأن الذين وضع عليهم الدم أولى بالتهديد من غيرهم، وكلا الأمرين حسن.

قوله ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ﴾ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين خاصة، لأنهم إن ماتوا في سبيل الله أوم قتلوا فإنهم يصيرون إلى مغفرة ورحمة، وذلك خير مما يجمع المنافقون هذا على قراءة من قرأ يجمعون بالياء.
ومن قرأ بالتاء، رده على المخاطبة، وأن المغفرة والرحمة خير مما تجمعون أيها المؤمنون من حطام الدنيا الذي يمنع من الجهاد.
وقال ابن اسحاق معناها: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله خير لو علموا وأيقنوا.
وتأويل الكلام: ليغفرن الله لكم وليرحمنكم.
ثم أعلمهم أن الرجوع إليه في كل حال من موت، أو قتل فقال: ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ وهذا الأمر خطاب للمؤمنين والمشركين أعلمهم أن مصير الجميع إليه، فيجازي كل صنف بعمله.
قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ الآية.
هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فبرحمة من الله لنت للمؤمنين حتى آمنوا بك فسهلت عليهم الأمر، وبينت لهم الحجج، وحسنت خلقك، وصبرت على الأذى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: لتركوك ﴿فاعف عَنْهُمْ﴾ أي: تجاوز عنهم، واصفح فيما نالك منهم، ثم قال: ﴿واستغفر لَهُمْ﴾ أي: ادع ربك لهم بالمغفرة.
وقوله ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ أَمَر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه عند الحرب ولقاء العدو،

وتطييباً لأنفسهم، وتأليفاً لهم على دينهم.
قال أبو اسحاق: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ معناه: ليريهم أنه يستعين بهم، ويسمع من آرائهم، فيكون أطيب لأنفسهم وقد كان عنهم غنياً لتوفيق الله عز وجل له بالوحي.
وقيل: إنما أمره بذلك لما فيه من الفضل وليتأسى أمته صلى الله عليه وسلم بذلك بعده.
روى ابن وهب أن مالكاً قال: ما تشاور قوم قط إلا هُدوا.
و " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزم فقال " تستشيروا الرجل ذا الرأي ثم تمضي إلى أمرك به " ويقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد رأي.
وقال النبي عليه السلام " المستشار بالخيار ما لم يتكلم، فإذا تكلم فحق عليه أن ينصح ". قال الحسن والله ما تشاور [قوم] قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم.
قال أبو هريرة رضي الله عنهـ: ما رأيت من الناس أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن شهاب: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: واستشر في أمرك الذين يخشون الله.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما شقي عبد بمشورة ولا سعد عبد باستغناء رأي ". وقال الشعبي: مكتوب في التوراة من لم يستشر يندم.
أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار ". وقال ابن عباس: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر﴾ أبو بكر وعمر رضي الله عنهـ. وقيل: إنما أمر أن يشاورهم فيما لم يكن عنده علم فيه وحي لأنه قد يكون عند بعضهم فيه علم، والناس قد يعرفون من أمور الدنيا ما لا تعرف الأنبياء صلوات الله عليهم.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ أي: إذا ثبت الرأي على أمر ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ فيه، وامض فيه، إن الله يحب من يتوكل عليه ويفوض الأمر إليه.
قوله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين أن الله تعالى إن نصرهم لم يغلبهم أحد، وإن خذلهم لم ينصرهم أحد، فجميع الأمور إليه ترجع، والهاء في ﴿مِّنْ بَعْدِهِ﴾ تعود على الله عز وجل ذكره.
وقيل: تعود على الخذلان لدلالة يخذلهم عليه.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية.

من قرأ بضم الياء فهو على معنى ما كان لنبي أن يوجد خائناً كما يقال أحمد الرجل وجدته محموداً، وأحمقته وجدته أحمق.
وروى الضحاك أنهم قالوا: بادروا الغنائم لئلا تؤخذ فقال الله عز وجل: ما كان لنبي أن يوجد خائناً أي: ما ينبغي ذلم ولا يكون.
وقيل: المعنى: ما ينبغي لنبي أن يغل منه أي: يخان منه.
وقد قيل: إن المعنى: أن يخون، وهذا لا يصلح لأنه يلزم أن يكون يغل.
وقد قيل: إنه لما اجتمعت ثلاث لامات حذفت الواحدة.
ومن قرأ بفتح الياء فمعناه أن يخون: أي: لا ينبغي أن يخون النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ولا يكون ذلك.
قال محمد بن كعب معناه: ما كان له أن يكتم شيئاً من كتاب الله عز وجل، وما أمر به.
وقيل: إن قوماً من المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من المغنم، فأنزل الله جل ذكره ذلك، وعليه أكثر المفسرين.
فالقراءة [على الفتح] بمعنى: لا ينبغي أن يخون هو، وبالضم: ما كان لنبي أن يوجد خائناً، ولا يمكن ذلك مثل أحمدته.
أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخون، فيتهم

بما لا يليق بالأنبياء صلوات الله عليهم، أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخان منه.
وقد قوى قراءة الضم بأن الآية نزلت في قوم غلوا فنفى الله أن يخان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينبغي أن يخان.
وقوى آخرون قراءة الفتح بأن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله أخذها، وأكثر في ذلك فأنزل الله عز وجل ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يخون أصحابه.
وقال سعيد بن جبير القراء [ة] ﴿يَغُلَّ﴾ بفتح الياء قال: وأما يُغل فقد كان، والله يغل ويغتل.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهـ وغيره أنه قال: نزلت الآية في طلائع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم في أمر فلم يقسم لهم، فأعلمه الله عز وجل في هذه الآية أنه ليس له أن يقسم لطائفة دون آخرين فيخون في أنفسهم.
وقال الضحاك: يغل بالفتح معناه أن يعطي بعضاً، ويترك بعضاً وبالفتح كان يقرأ.
وقال ابن اسحاق: نرى ذلك في النفي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي له أن يكتم من الوحي شيئاً فالفتح أولى به على هذا.
﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة﴾ أي: من يخن من غنائم المسلمين شيئا يأتي به يوم القيامة.
قال ابن عباس رضي الله عنهـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أعرف أحدكم يأتي يوم القيامة

يحمل شاة لها ثغاء فينادون: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً فقد بلغتك " ثم قال في الجمل مثل ذلك، وفي الفرس مثل ذلك غير أنه قال: جمل له رغاء، أو فرس له حمحمة.
قوله: ﴿أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله﴾ الآية.
معناها أفمن ترك الغلول، فاتبع رضوان الله بذلك كمن غل فرجع بسخط، من الله على غلوله قال معناه الضحاك، وقيل الآية عامة في كل من عمل خيراً، ومن عمل شراً.
قوله: ﴿هُمْ درجات عِندَ الله والله﴾ الآية.
قيل المعنى: أن الغال، وغير الغال، والصالح وغير الصالح، أصحاب درجات عند الله، رداً على ما قبله.
والدرجات: الجنة والنار.
وقيل المعنى: ﴿هُمْ درجات عِندَ الله﴾: يعني من اتبع رضوانه خاصة قاله مجاهد والسدي.
وقيل: المعنى هم طبقات عند الله أي: أهل الرضوان طبقات.
وقيل: المعنى: هم ذوو درجات، يعني المؤمنين، وذلك في الفضل بعضهم أرفع من بعض، كذلك قال القتيبي وغيره.
قوله: ﴿والله بَصِيرٌ﴾ أي: بما يعمل الجميع، فيوفي كلاً بقسطه.

قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً﴾ الآية.
﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ منهم، والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، قاله قتادة وغيره، وقيل: معنى ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: بشر مثلهم يظهر البراهين، فيعلم أنه نبي إذ هو بشر مثلهم يأتي بما لا يمكن أن يأتوا بمثله هم، وما كانوا من قبله إلا في ضلال مبين أي: في جهالة وحية ظاهرة.
فإن بمعنى: ما، واللام في ﴿لَفِي﴾ بمعنى: إلا هذا قول الكوفيين.
ومذهب سيبويه أن أن مخففة من الثقيلة، واسمها [مضمر] والتقدير على قوله: وأنهم كانوا من قبل محمد صلى الله عليه وسلم لفي ضلال مبين أي: أنهم لفي ضلال مبين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن على نحو هذا الاختلاف من تقدير أن وتقدير الكلام، فاعرف الأصل فيها إن تركنا ذكرها اكتفاء بما ذكرنا.
قوله: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾.
المعنى: أحين أصابكم أيها المؤمنون مصيبة، وهي ما قتل يوم أحد - وأنتم قد أصبتم مثليها أي: مثل المصيبة يعني يوم بدر إذ قتل المسلمون للمشركين سبعين،

وأسروا سبعين وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد سبعسن، فالذين ظفر بهم المسلمون مثلاً، ما ظفر به المشركون، فمن أين قلتم كيف هذا؟ ومن أي وجه هذا؟ أي: من أين أصابنا هذا؟ كل هذا توبيخ للمؤمنين لقولهم: كيف أصابنا هذا القتل يوم أحد " فقيل له: أتقولون هذا، وأنتم قد أصبتم يوم بدر مثلي ما أصابكم يوم أحد " ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: كل الذي أصابكم يوم أحد هو من عند أنفسكم.
أي: بذنوبكم، ومخالفتكم أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذ ترك الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومضوا في طلب النهب.
قال قتادة: " لما قدم أبو سفيان بالمشركين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا، رأى بقراً تنحر، فتأولها قتلى في أصحابه، ورأى سيفه ذا الفقار انقسم، فكان قتل عمه حمزة، كان يقال: أسد الله، ورأى أن كبشاً أغبر قتل، فكان قتل صاحب لواء المشركين: عثمان ابن أبي طلحة أصيب يومئذ وكان معه لواء المشركين وهو منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد هذه الرؤية: إنا في جُنَّة حصينة يعني المدينة فدعوهم يدخلون نقاتلهم، فقال أناس من الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع

من العرب في الجاهلية، والإسلام أحق نمتنع فيه فأبرز بنا إلى القوم، فمضى النبي عليه السلام ولبس لامته وندم القوم على ما كسروا به على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أشاروا به فاعتذروا إليه فقال: " إنه ليس للنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل ستكون فيكم مصيبة، قالوا: يا رسول الله خاصة أو عامة؟ قال سترونها " ". فقتادة يذهب إلى [أن] الذنب الذي عدده الله عليهم في قوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ هو ما أشاروا به من رأي أنفسهم على النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج وكان قد قتل من الأنصار يومئذ ستة وستون، ومن المهاجرين أربعة.
" وروى ابن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين في أسارى بدر: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء، وتقووا به على عدوكم، فإن قبلتموه قتل منكم سبعون، أو تقتلوهم، فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا سبعون، فأخذوا الفدية وقتل منهم يوم أحد سبعون.
فيكون المعنى على هذا: قل يا محمد ما أصابكم يوم أحد من القتل فمن عند أنفسكم أي باختياركم أخذ الفدية من السبعين الذين أسرتم ببدر، ورضاكم أن يقتل فيكم بعددهم وتركتم قتلهم ". وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنهـ: " إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن الله

قد كره ما فعل قومك في أخذه الأسارى، وقد أمرك أن تخبرهم بين أمرين: إما أن يقدموا، فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا منهم الفدية على أن يقتل من المؤمنين مثل عدة من أخذت الفدية منه من المشركين، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا، بل نأخذ منهم الفدية فتتقوى بها على عدونا، ويستشهدوا منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره فأخذوا الفدية وقتل منهم سبعون يوم أحد، فذلك قوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ " أي: باختياركم، ورضاكم، وفي ذلك نزلت.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ [الأنفال: 67] [أي]: ليس له إلا القتل حتى يتمكن في الأرض، ثمّ وبخ الله المؤمنين في أخذ الفدية فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة﴾.
قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان فَبِإِذْنِ الله﴾ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين والمعني: الذي أصابكم أيها المؤمنون من القتل والجرح يوم أحد فبإذن [الله] [أي]: بقدره وقضائه وقيل: بعلمه.
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ المؤمنين﴾.
أي: ليظهروا إيمان المؤمنين من نفاق المنافقين في قلة الصبر، وتحقيق معناها: أنه قد دار عليهم ما

أصابهم يوم أحد ليميز المؤمن من المنافق.
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا﴾ يعني به عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين رجعوا من خلف رسول الله عليه السلام حين خرج إلى أحد فقال لهم المسلمون حين رأوهم راجعين: تعالى قاتلوا المشركين معنا أو ادفعوا بتكثير سوادنا ﴿قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ﴾ إنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولكن لا نرى أن يكون بينكم وبين القوم قتال فأظهروا من كلامهم ما ليس يعتثدون، وكان عبد الله بن أبي بن سلول انخذل عن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد بنحو ثلث الناس، واتبعهم عبد الله بن عمرو ابن حزام وهو يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم، وقومكم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولك لا نرى أن يكون قتالاً فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله، وسيغني الله عنكم، ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم.
[ وقال السدي: رجع] عبد الله بن أبي " بن سلول " من وراء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه

ثلاثمائة.
﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ أي: يعلم ما يكتمون من النفاق، وأن قولهم خلاف ما يسرون.
قوله: ﴿الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ﴾ الآية.
أي: وليعلم الله الذين نافقوا، وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين ﴿وَقَعَدُواْ﴾ أي: قالوا ذلك وهم قعود عن الحرب مع النبي عليه السلام ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ (أي): لو تأخروا معنا ما قتلوا هناك، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ " في قولكم إن إخوانكم لو قعدوا عندكم ما قتلوا " أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت، وهذا أقرب لأن من قدر أن يدفع الموت عن غيره فهو إلى دفعه عن نفسه أقرب.
قال قتادة: نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول قال ذلك فيمن قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم بأحد من قرابته وأهل معرفته.
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾.
معناها: ولا تظنن أن من قتل بأحد من أصحابكم أمواتاً لا يلتذون، ولا يحسون شيئاً بل هم أحياء بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بثوابه وعطائه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهـ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش معلقة يجاوب بعضها بعضاً عملوا مثل الذي عملنا، فيسارعوا إلى مثل الذي سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا، فوعدهم الله عز وجل ليخبرن نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، فيخبرهم فأنزل الله ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ﴾ الآية وقيل: إنهم لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغكم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله رضي الله عنهـ وكان قد قتل أبوه عبد الله بأحد: " يا جابر ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله فقال: ما تحب يا عبد الله بن عمر أن أفعل بك؟ فقال: يا رب أحب أن تردني في الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى ". ولما أتى جابر بن عبد الله رضي الله عنهـ النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتحزن على رجل نظر الله إليه كفاحاً؟ ثم عاد فأقعده بين يديه فقال له: سلني ما شئت؟ فقال:

أسألك يا رب أن تعيدني إلى الدنيا حتى أقاتل في سبيلك فأقتل، قالها ثلاثاً، فقال له الله إني قضيت على نفسي ألا أرد خليقة قبضتها إلى الدنيا فقال أبو جابر: يا رب، فمن يبلغ قومي ما صنعت بي فقال الله عز وجل: أنا أبلغ قومك، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ﴾ الآية.
ودفن عبد الله بن جابر يوم أحد مع عمرو بن الجمح بقبر واحد، فروي أنهما أخرجا بعد خمسين سنة، فإذا هما وطاب لم ينثنوا ولم يتغيروا، ويد عبد الله على جرحه في وجهه إذا نزعت يده على وجهه يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت إلى الجرح، فحبست الدم، ووجد عمرو بن الجموح ويده على رأسه إذا نزعت يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت على الجرح.
قال ابن مسعود رضي الله عنهـ: " أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة في أيتها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش قال: بينما هم كذلك اطلع عليهم ربك اطلاعه فقال: سلوني ما شئتم؟ فقالوا: يا ربنا ماذا نسألك " ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من [غير] أن يسألوا

قالوا: نسألك " أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا حتى نقتل في سبيلك.
فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا، تركوا " ". وقال قتادة: قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ﴾ الآية.
قال الضحاك: [كان] المسلمون يسألون الله عز وجل يوماً كيوم بدر، فيبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء وهم الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ﴾ الآيات.
قيل معناه: ﴿أَمْوَاتاً﴾ أي: في دينهم بل هم أحياء كما قال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فأحييناه﴾ [الأنعام: 122]. وروي: أن عبد الله بن عمرو أبا جابر رضي الله عنهـ قال لابنه جابر يوم أحد: يا بني كن مع أخوتك، - وكن تسعاً - فلا ندري ما يكون، فإن رزقت الشهادة كنت أنت معهن وإن سلمت رجوت أن يثيبك الله عز وجل ثواب من حضر، واستشهد رحمه الله بأحد،

قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: يفرحون بهم وبكونهم على الجهاد في ذات الله عز وجل، وأنهم إن قتلوا نالوا من الكرامة مثلما نال هؤلاء.
وقال ابن اسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ أي: يفرحون بهم إذا لحقوهم على ما تركوهم عليه من جهاد عدوهم فهم شهداء مثلهم لا خوف عليهم ولا حزن.
وروي أنهم يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلاناً وفلاناً يقاتلون العدو، فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن ما لنا.
قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾ الآية أي: يفرحون لما عاينوه من وفاء الوعد، وعظيم [الثواب] ويستبشرون بأن الله تعالى لا يضيع أجر المؤمنين: أي لا يبطل جزاء أعمالهم.
وقال ابن مسعود رضي الله عنهـ: " أرواحهم كطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت

تأوي إلى قناديل تحت العرش، اطلع عليهم ربهم اطلاعه فقال: سلوني.
فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ثم اطلع عليهم ثانية فقالوا مثل ذلك ثم اطلع عليهم ثالثة فقال: سلوني: فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، فلما رأوا أن لا بد لهم من الجواب قالوا: يا ربنا رد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل ثانية ". قوله: ﴿الذين استجابوا للَّهِ والرسول﴾ الآية.
المعنى: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله من بعد ما أصابه الجرح والألم، وعنى بهذا من خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب أبي سفيان، وأصحابه بعد انصؤافه من أحد وبعدما نال من المسلمين من القتل والجرح.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من أحد، وقد قتل من أصحابه سبعون، وجرح خلق كثير، أمر بلالاً أن ينادي في الناس لينفروا في طلب عدوهم، فنفروا معه على ما بهم من ألم الجراح، والحزن على من قتل منهم، وكان أخوان من بني عبد الأشهل مثخنين بالجراح، فقال أحدهما للآخر: تفوتنا غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأخر: والله ما بي حراك! فقال له أخوه: غفر الله لك، توكأ علي، وأتوكأ عليك حتى نبلغ، فخرجا مجروحين.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الذين استجابوا للَّهِ والرسول﴾ الآية إذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طلب أبي سفيان وأصحابه حتى بلغ إلى خمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها [ثلاثاً]، ثم رجع إلى المدينة، وفعل ذلك عليه السلام ليرى الناس أن به وبأصحابه قوة على عدوهم.
وكان يوم أحد في قول عكرمة يوم السبت للنصف من شوال.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت أحد في شوال لإحدى وثلاثين شهراً من الهجرة.
فلما كان يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو فقال: لا يخرجن معنا إلا من حضر بالأمس فكلمه جلبر بن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فقال يا رسول الله: إن أبي كان خلفني على أخواتي لي تسع وقال لي: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أترك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على أخواتك، فتخلفت [معهن] فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في طلب المشركين، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليرهب المشركين، ويبلغهم أنه لم

يضعف وأنه خرج في طلبهم، وأن الذي أصاب أصحابه لم يُوهِنُهُم فالذين خرجوا هم الذين عُنوا في هذه الآية.
قال السدي: قال أبو سفيان لأصحابه حين انصرفوا [من أحد]: بئس ما صنعتم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله عز ذكره رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد رأس ثمانية أميال عن المدينة، فالذين خرجوا معه هم الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم الجراح بأحد.
ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ معناه: للذين أحسنوا، فداموا على الطاعة، وأداء الفرائض، واتقوا المحارم حتى لحقوا بالله عز وجل ﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ الآية.
المعنى: للذين أحسنوا أجر عظيم القائلين لهم الناس.
وقيل المعنى: وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس.
فالناس الأول قوم سألهم أبو سفيان أن يثبطوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ خرجوا في طلبه لما دخله من فزع، [والناس] الثاني أبو سفيان وأصحابه.

﴿قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ أي: قد أعدوا للقائكم فاحضروهم ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ أي: زاد التخويف تطريقاً لله عز وجل، ولوعده سبحانه، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي خرجوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صاروا إلى موضع ردهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا عند التخويف لصحة صدقهم: ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ أي: كافينا الله، ونعم القيم الحافظ والناصر الله.
يقال حسبه إذا كفاه.
وقيل: إن الناس الأول: نعيم بن مسعود، بعثه أبو سفيان، وأصحابه [أن يثبط النبي عليه السلام وأصحابه، ويخوفهم من المشركين ووعده بعشرة من الإبل إن هو ثبط النبي صلى الله عليه وسلم وخوفهم.
والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه].
﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ﴾ أي: فرجعوا سالمين مما خوفوا به، وهرب منهم عدوهم وأمِنُوا.
وقيل: إنهم اشتروا أدَماً وزبيباً، فربحوا فيه، وأقاموا ثلاثاً بحمراء الأسد " وهي

على ثمانية أميال من المدينة ". وقال السدي: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه عن أحد ندموا إذ لم يستأصلوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويقتلوهم، وأداروا الرأي في الرجوع، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا فلقوا أعرابياً، وجعلوا له جعلاً، وقالوا له: إذا لقيت محمداً وأًحابه، فأخبرهم أنا قد جمهنا لهم، فأخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج في طبلهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا أعرابياً هنالك فأخبرهم ما قال له أبو سفيان من الكذب والتخويف، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾، أي: كافينا الله ونعم الكافي.
قال ابن عباس رضي الله عنهـ: كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار: [حسبي الله ونعم الوكيل] " فالناس الأول هو الأعرابي، والثاني أبو سفيان وأصحابه.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وافى [أبو سـ]ـفيان عيراً واردة المدينة

ببضاعة لهم، فسألهم أبو سفيان ووعدهم، وقال لهم: إن لقيتم محمداً وأصحابه، فأخبروهم أني جمعت لهم جموعاً كثيرة خوفاً منه أن يتبعه النبي صلى الله عليه وسلم، ففعلت العير ذلك، فأنزل الله عز وجل الآية.
فالناس الأول [أهل] العير، والثاني أبو سفيان وأصحابه.
وقال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد واعد أبا سفيان، وأصحابه من عام قابل من عام أحد: اللقاء بدر الصغرى، قال أبو سفيان: موعدكم ببدر حيث قتلتم أصحابنا.
فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعده حتى أتوا بدراً الصغرى فوافقوا السوق فيها، ولم يأت المشركون فابتاعوا مما كان في السوق فذلك قوله: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله﴾ يعني الأجر ﴿وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ [سواء]﴾ وهي غزوة بدر الصغرى.

قال مجاهد: فالفضل ما أصابوا في التجارة.
قوله: ﴿إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ الآية.
[يقال] خوفت الرجل إذا صيرته خائفاً، وخوفته أيضاً إذا صيرته بحال يخافه الناس.
فالمعنى: يخوفوكموهم ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾.
وقيل المعنى: إنما خوفتم به من عند الشيطان يخوفكم بأوليائه، وأولياؤه أبو سفيان وأصحابه.
والمفعول الأول محذوف، والياء محذوفة كما قال: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب وقيل: أولياؤه هنا الشيطان.

وقيل المعنى: يخوفكم من أوليائه الكفار، أو الشياطين.
ومثله في القرآن ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾ [الكهف: 2] أي: لينذركم [ببأس] ومن بأس ثم حذف المفعول الأول وحذف حرف الجر.
وقال أبو إسحاق: أولياؤه: الرهط الذين أتوا بالرسالة والتخويف من عند أبي سفيان.
وقال السدي: إنما ذلكم أيها المؤمنون الشيطان يعظمكم أولياءه في أنفسكم فتخافوهم ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين حقاً.
قوله ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر﴾ الآية.
المعنى: ولا يحزنك يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً﴾ كما أن مسارعتهم إلى الإيمان لو سارعوا لم تكن نافعة لله تعالى، قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين.
وهذه الآية نزلت في قوم أسلموا ثم ارتدوا، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لذلك فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر﴾ الآية.

قوله ﴿أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخرة﴾ أي: يريد أن يحبط أعمالهم بالكفر.
قوله: ﴿إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً﴾.
هذا أيضاً في المنافقين الذين ذكرهم لما استبدلوا الكفر بعد الإيمان صاروا بمنزلة من باع شيئاً بشيء، ثم كرر نفي الضرر عن نفسه تعالى [بكفرهم للتأكيد] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قوله ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
من قرأ بالياء الذين هم الفاعلون و ﴿أَنَّمَا﴾ في موضع المفعولين وما مع نملي مصدر ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي، والهاء محذوفة من ﴿أَنَّمَا﴾، والمعنى: ولا يحسبن يا محمد الكافرون الإملاء خيراً لهم، فلما دخلت إن قامت مقام المفعولين فارتفع خير على خبر أن.
ومن قرأ بالتاء، فقد زعم أبو حاتم أنه لحن، وتابعه على ذلك غيره " لأن الذين كفروا " يكونون في موضع نصب، والمخاطب هو الفاعل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فلا

معنى لفتح " أن " على هذا.
وقال الزجاج: " إن " بدل من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ وهي تسد مسد المفعولين كأنه قال: ولا تحسبن يا محمد أن إملاءنا للذين كفروا [خير لهم.
والكسائي الفراء يقدران الكلام على حد كأنه: ولا تحسبن الذين كفروا] لا تحسبن أن ما نملي لهم، وحذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد فهو غلط منهما.
وقد قرأ يحيى بن وثاب بكسر إن والياء كأنه ليبطل عمل حسب مع أن كما أبطلها مع اللام وهو قبيح.
وتأويل قول النحاس فيها يدل على أن يحيى قرأه بالتاء وكسر إن وذلك قبيح

أيضاً أبعد مما قبله.
قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر: إن " يحتج به لأهل القدر لأنه كان منهم، ويجعلهم على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولا تحسبن الذين [كفروا] أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي خيراً لأنفسهم.
قال: ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار: إن ما نملي لهم ليزدادوا إيماناً، فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن، فحكه.
ومعنى: نملي لهم نؤخر لهم في الأجل.
قال ابن مسعود رضي الله عنهـ: الموت خير للكافر، ثم تلا ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾، وقال الموت خير للمؤمن ثم تلا: ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198]. وقيل: إن الآية مخصوصة أريد بها قوم بأعيانهم علم الله تعالى منهم أنهم لا يسلمون أبداً، وليست في كل كافر إذ قد يكون الإملاء له مما يدخله في الإيمان، فيكون

أحسن له وهو الصحيح في المعاني.
قوله ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
معناها: إن الله تعالى ذكره أخبرهم أنه لم يكن ليدع المؤمن ملتبساً بالمنافق وما يعرف بعضهم بعضاً ولكن ميزهم يوم أحد فعرف نفاق من رجع، وإيمان من ثبت فالخبيث المنافق والطيب المؤمن.
وقيل المعنى: يميز المؤمن [من] الكافر.
وقيل: يميزهم بالهجرة فيعلم المؤمن من الكافر.
قال السدي: قالوا إن كان محمد صادقاً، فليخبرنا بمن يؤمن [منا] ممَن يكفر به.
وقيل المعنى: حتى يميزهم بالفرائض [ولا] يدعهم على الإقرار فقط.
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب﴾ أي: وما كان الله ليطلع المؤمنين على الغيب فيما يريد أن يبتليكم به فتحذروا منه ﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ فيطلعه على ذلك.
وقيل:

المعنى ما كان الله أيها المؤمنون ليطلعكم على ضمائر عباده، فتعرفوا المؤمن من المنافق، ولكنه يميز بينكم بالمحن والابتلاء ﴿وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ فيطلعه على بعض ضمائر من يشاء بوحي.
ومعنى يجتبي: يستخلص ويختار.
وقيل المعنى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ﴾ من يصير كافراً بعد إيمانه، ومن يثبت على إيمانه، ولكن الله يطلع على ذلك من رسله من يشاء.
وقيل: إنهم قالوا ما بالنا نحن لا نكون أنبياء؟ أي: المنافقين، فأنزل الله ذلك.
قوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ الآية.
من قرأ بالياء فالذين فاعلون، والمفعول الأول محذوف دل عليه يبخلون و " خبراً " مفعول ثان، والتقدير ولا يحسبن الباخلون [البخل] هو خير لهم، وهو فاصلة عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، ودل يبخلون على البخل، لأنه منه أخذ.

ومن قرأ بالتاء ففي الكلام حذف مضاف دل عليه ما يتصل بالمضاف إليه، تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم، فخيراً مفعول ثان، وبخل مفعول أول، ومعنى الآية: ولا يحسبن الباخلون ولا ينفقون في سبيل الله: البخل خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة.
[ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: ولا تحسبن يا محمد بخل الباخلين عن الإنفاق في سبيل الله خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة].
وقيل: عنى بذلك الزكاة وهو إخبار عمن لم يؤد الزكاة: وقيل: إخبار عن اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما نزل عليهم من التوراة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهـ. ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة﴾ أي: سيجعل ما بخل به المانعون الزكاة طوقاً من نار في أعناقهم يوم القيامة أي: كهيأة الطير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من ذي رحم يأتي [ذا] رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه، فيبخل عليه إلا أُخرج [له] يوم

القيامة شجاع من النار يتلبط حتى يطوقه " وقرأ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ الآية " وقال ابن مسعود رضي الله عنهـ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مُثّل له شجاع أقرع يطوقه " ثم قرأ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ﴾ الآية.
قال الشعبي: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة﴾ قال: شجاع يلتوي على عنقه.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول له: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ﴾ ". وقيل: يجعل الذي بخلوا به طوقاً من نار في أعناقهم.

وقال أبو وائل: هو الرجل يرزقه الله مالاً فيمنع منه قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيُجعل حية يطوقها، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أنا مالك.
وقال مجاهد: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ سيكلفون أن يأتوا يوم القيامة بمثل الذي بخلوا به.
وقيل: المعنى سيطوقون جزاء ما بخلوا به وعقاب ما بخلوا به.
والتطوق: إلزام الله تعالى لهم ذلك، ومنعهم من التخلص منه.
وقيل: المعنى سيكلفون يوم القيامة إحضار الأموال التي بخلوا بها، وهم لذلك غير مستطيعين، قال ابن مجاهد وغيره.
وقيل: المعنى: سيطوق اليهود ثم الذين بخلوا [به]، هو صفة محمد صلى الله عليه وسلم، والنبوة فيه كتموا ذلك، وهو عندهم في كتابهم.
قوله ﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض﴾ أعلم الله الخلق في هذه الآية أنهم سيفنون كلهم، فصار ما بقي بعدهم بمنزلة الميراث الذي يبقى بعد الميت فسماه ميراثاً على ذلك، وإلا فكل شيء له، أولاً وآخراً، ولكن سماه هنا ميراثاً إعلاماً منه أنهم سيفنون، وأن

الأمور كلها ترجع إليه، والعرب تسمي كل ما بقي في يد الإنسان، فصار إلى غيره بعد موته: ميراثاً، فخوطبوا على ما يعقلون ولذلك قال (وهو خير الوارثين).
قوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله﴾ الآية.
" نزلت هذه الآية في بعض اليهود، قالوا لأبي بكر وقد عرض عليهم الإيمان وقال لهم: قد علمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم مكتوب عندكم في التوراة، فآمنوا به؟ فقالوا: ما بنا إلى الله من فقر، وإنه لفقير إلينا وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً ما استقرض من أموالنا، فغضب أبو بكر رضي الله عنهـ وضرب وجه رئيس لهم ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله.
فذهب المضروب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه بأبي بكر فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، قال: قولاً شديداً، زعم عدو الله كيت كيت، وحكى ما سمع، فجحد اليهودي ذلك وقال: ما قلت من ذلك شيئاً، فأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول أبي بكر وتكذيباً لهم وإنكاراً لكفرهم ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ﴾ الآية.
وقال لأبي بكر [حين] اشتد غضبه مما سمع، وللمؤمنين: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ الآية ". وقال الحسن لما نزلت ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: 245، الحديد: 11] الآية قالت اليهود: إن ربكم

يستقرض منكم، فنزلت ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا﴾ الآية وروي أن الذي قال ذلك من اليهود حيي بن أخطب، وقيل: فنحاص.
قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ أي: سنكتب قولهم، فنجازيهم عليه ونكتب قتلهم الأنبياء، فالقول كان ممن هو على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والقتل كان لآبائهم، وقد مضى مثله في سورة البقرة، وإنما أضيف إليهم لأنهم راضون بما فعل آباؤهم فكأنهم فعلوا ذلك [فأضيف إليهم] لرضاهم به واتباعهم لما كان عليه سلفهم الذين قتلوا الأنبياء مثل زكرياء ويحيى وغيرهم.
قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ أي: نقول لمن قال ذلك ورضي بقتل الأنبياء: ذق عذاب النار المحرقة أي: الملهية ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: ذلك العذاب بذنوبكم المتقدمة وبأن الله عدل لا يظلم عبيده.
قوله: ﴿الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الآية.
المعنى: لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء الذين قالوا

﴿إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾.
والمعنى: الذين قالوا: إن الله أوصانا، وتقدم في كتبه إلينا ألا نصدق رسولاً ﴿حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾ فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ﴾ أي: الآيات الظاهرات ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار﴾ كما قلتم ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم الآن ﴿إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ بذلك، والمخاطبة لهم في القتال، والمراد آباؤهم وأسلافهم.
روي أن بني إسرائيل كانوا يذبحون لله إذا أرادوا أن يفعلوا شيئاً، ثم يأخذون الثوب، وأطايب اللحم فيضعه على موضع لهم في بيت كبير والسقف في ذلك الموضع مكشوف ثم يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك الموضع يناجي ربه، وبنو إسرائيل دارجون حول البيت فلا يزال كذلك حتى تنزل نار فتأخذ ذلك الثوب، واللحم فهو القربان فيخر النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً ثم يوحى إليه بأمر قومه يفعلوا ما سألوا.
قوله: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية.
هذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم أنه إن كذبه من أرسل إليه فقد كذب رسل من قبله جاؤوا إلى أممِهِم بالآيات والزبر - وهو جمع زبور وهو الكتاب وكل كتاب زبور

يمعنى مزبور أي: مكتوب يقال زبرت: إذا كتبت ﴿والكتاب المنير﴾ التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾.
المعنى أن الآية: تهديد ووعيد لهؤلاء المفترين.
قوله ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار﴾ أي: نجا ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ أي: نجا وظفر ﴿وَما الحياة الدنيا﴾ أي: لذتها وشهوتها إلا متعة متعتكموها، و ﴿الغرور﴾: الخداع المضمحل.
وقال ابن سابط: الدنيا كزاد الراعي تزوده الكف من التمر أو شيء من الدقيق.
والغرور مصدر: غره، فإن فتحت العين فهو صفة الشيطان، لأنه يغر ابن آدم حتى يوقعه في المعصية.
روى أبو هريرة رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " واقرؤوا إن شئتم ﴿وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور﴾.
قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
المعنى: لتختبرن بالمصائب في أموالكم،

وأنفكسم وهو موت الأقارب والعشائر ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً﴾، الذين أوتوا الكتاب هنا: هم اليهود والمشركون هم النصارى، وأما اليهود فسمعوا منهم ﴿إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: 181] وقولهم ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64]، وقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: 30] في أشباه لهذا، وأما النصارى فقولهم: ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: 30].
وقيل: إنها نزلت في كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبب بنساء المسلمين، ذكر ذلك الزهري.
﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ على أذاهم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الله ﴿فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور﴾.
وقيل: المعنى أنه أخبرهم بأنه قد فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وفرض عليهم الزكاة فذلك ابتداؤه إياهم.
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الآية.
من قرأه بالياء رده على ما قبله من اللفظ وهو قوله: ﴿الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ ورده أيضاً على ما بعده وهو قوله: فنبذوه وراء دبورهم واشتروا فالذي قبله والذي بعده يدل على الخبر عن غائب فكانت الياء أولى به.

ومن قرأ بالتاء أجراه على الحكاية عن الميثاق، وما هو كان المعنى قلنا لهم لتبيننه، واختار الطبري وغيره الياء لقوله ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ ولم يقل فنبذتموه.
والمعنى اذكر يا محمد إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب من اليهود وغيرهم ليبينن أمرك الذي في كتابهم للناس ولا يكتمونه، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ إن كتموا أمر الله عز وجل وضيعوه، ونقضوا ميثاقه ﴿واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي: عرضاً رخيصاً من عرض الدنيا: قبلوا [الرشا] على تركه وكتمانه، ورضوا بالرياسة في الدنيا، [وكتبوا ما كتبوا بأيديهم، وقالوا هذا من عند الله، وحرفوها بثمن قليل أخذوه عليها، وكل ما في الدنيا] قليل ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ به والذي عنى به في هذه الآية: اليهود.
وقيل: عنى بها كل من اوتي علماً بأمر الدين.
قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله عز وجل على أهل العلم فمن علم شيئاً، فليعلمه، وإياكم كتمان العلم فإن كتمانه هلكة.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل