الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
لا (تَبْتَئِسْ) (بشيء) من فعلهم، ولا تعلمهم بشيء مما أعلمتك به.
وقيل: [إنه] لم يعترف له أنه أخوه، يعني: من النسب.
وإنما قال له: أنا أخوك مكان أخيك الهالك.
قاله وهب ابن منبه.
وإنما أخبره أنه يوسف بعد انصرافه وتركه عند يوسف.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ والمعنى: أن يوسف لما حمَّل إبل إخوته الميَرَة، جعل السقاية في رحل أخيه: وهو المكيال الذي كانوا يكتالون به، وهي المشربة التي يشرب بها [الملك] وكانت من فضة،
وذهب تُشْبِهُ الملوك مُرَصَّعَةً بالجوهر.
وقيل: كانت شبه الكأس، فجعلها في رحل أخيه، والأخ لا يشعر.
فلما ارتحلوا ناجى مناد: يا ﴿أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: إنما قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، وهم لم يسرقوا: يريد إنهم سرقوه، وباعوه، لأنهم سبب بيعه.
وقيل: بل تركهم حتى مشوا، وخرجوا، ثم لحقوا، فقيل لهم: ﴿أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
قالوا: وما ذاك.
قالوا: ﴿صُوَاعَ الملك﴾ وإنما دعاهم بالسرقة كلهم لأن المنادي لم يعلم ما صنع يوسف.
وقيل: إنما فعله عن أمر يوسف فأعقبه الله عز وجل بقولهم له: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 77].
وقيل: إنما [جاز] أن يقال لهم ذلك، لأنهم باعوا يوسف، فاستجازوا أن يخاطبوا بذلك.
وقيل: المعنى: حالكم حال السراق.
وقرأ أبو هريرة " صَاعَ الملك ".
وقال أبو رجاء " صوع الملك ".
(قوله): ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أي: (وقِرُ بَعير) من الطعام.
(قوله): ﴿قَالُواْ تالله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض﴾ أي: لنعصي الله، ونسرق، وإنما ادعوا ذلك.
وقالوا: " قد علمتم " لأنهم ردوا البضاعة التي وجدوا في رحالهم، إذ رجعوا وراء أخيهم.
فالمعنى: " لو كنا سارقين ما رددنا البضاعة (التي وجدنا)
في رحالنا ".
وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم قد علموا اشتهار فضلهم بمصر، فنفوا عن أنفسهم ما قد رموا به.
قوله: ﴿(قَالُواْ) فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
المعنى: قال أصحاب يوسف / عليه السلام لإخوته: فما جزاء من وجد الصاع في رحله إن كنتم كاذبين في قولكم: ﴿مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: 73] ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾.
المعنى: قال إخوة يوسف لأصحابه: جزاؤه عندنا كجزائه عندكم، أي: أن يستعبد من سرق.
ويقال: إن هذا كان في شريعة يعقوب عليه السلام، نسخه الله عز وجلأ، بالقطع.
وقيل: المعنى جزاؤه الاستعباد من وُجِد في رحله، فهو جزاؤه.
فهو يعود على الاستعباد المحذوف.
وقال الطبري: المعنى: قال إخوة يوسف: جزاء السارق من وجد في متاعه السَّرقُ، فهو جزاؤه: أي: فتسليم السارق جزاء السرق.
وإنما سأل إخوة [يوسف] عن الجزاء، لأن أصحاب يوسف ردوا الحكم إليهم.
وذلك أنه كان في شريعة يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في حكم الملك: إذا سرق السارق غرم مثله.
فرد الحكم إليهم.
وقرأ الحسن: " من وعَاءِ أخيه " بضم الواو.
﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: أي: في أن حكموا على أنفسهم بالاسترقاق
على شريعتهم.
وأضاف الكيد إلى نفسه، لأن الذي فعل يوسف (جزاءاً عن) أمر الله كان، وعن مشيئته، وبوحيه ليوسف.
قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك﴾: أي: في حكمه، بل أخذه بحكم يعقوب.
﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾: ذلك بكيده.
وقيل: المعنى: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾: أن يطلق له مثل هذا الكيد.
وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ قال زيد بن أسلم: يعني: بالعلم.
وقيل: معنى الكيد: أنهم كانوا لا ينظرون في وعاء إلا استغفروا الله تأثماً، مما قُذفوا به.
فلما وصلوا إلى وعاء أخيهم، قالوا ما نرى (أن) هذا أخذ شيئاً.
قال إخوة يوسف: بلى فاستبروا ففتح الصواع فيه: فذلك الكيد.
قال ذلك
قتادة والسديّ، وغيرهما.
وقوله: ﴿ثُمَّ استخرجها مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ يعني الصواع.
وإنما أنثت، لأنه بمعنى السقاية، فهما لشيء واحد.
وقيل: إنه على معنى السرقة، وقيل: إن الصواع يذكر ويؤنث.
وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ (عَلِيمٌ)﴾: أي: فوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله عز وجل.
قوله: ﴿قالوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرُ الحاكمين﴾ يعنون بقولهم ﴿أَخٌ لَّهُ﴾: يوسف.
قال مجاهد: كان يوسف صلى الله عليه وسلم سرق صنماً لجده، أبي أمه، وألقاه في
الطريق.
فَعَابَهُ إخوته بذلك.
وإنما أراد يوسف بكسره، وأخذ الخير: فليس ذلك بسرق، بل هو مَحْضُ الدين والعبادة، وإنكار المنكر.
وقال ابن جريج: كانت أم يوسف مسلمة، فأمرته أن يسرق صنماً لخاله، كان يعبده.
وروي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب صارت إليها منطقة إسحاق لسنها: لأنهم / كانوا يتوارثونها حباً شديداً فلما ترعرع،
قال لها يعقوب: سلِّمي يوسف إليّ فلست أقدر أن يغيب عني ساعة، قالت له: (دعه عندي) أياماً أنظر إليه لعلي أتسلى عنه.
فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إٍحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق؟ فانظروا من أخذها، ومن أًابها فالتُمِسَت ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا، فوجت مع يوسف، فقالت: والله إني لم أصنع فيه ما شئت.
ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال (لها): أنت وذاك إن كان فعل (ذلك)، فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت.
فبذلك عَيَّره إخوته.
ومعنى الآية أنه على الحكاية، أي قالوا: إن يسرق فقد (قيل) سرق أخ لهم من قبل.
إنما ما قد كان قبل، لم يقطعوا بالسرقة عليه.
هذا أحسن ما تأوله العلماء، والله أعلم بذلك.
والضمير في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا﴾، إضمار، قبل الذكر (قد) فسره الله عز وجل لنا أن الذي أسره قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ - إلى قوله - ﴿تَصِفُونَ﴾ (أي) أضمر هذا في نفسه.
وقيل: أسر في نفسه المجازاة لهم على قولهم، ولم يرد أن يبين عذره في ذلك.
وقيل: أسرَّ في نفسه قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ولم يرد أن يدفعه ويراجعهم عليه.
بل كتم قولهم وله صبر.
قوله: ﴿الله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾: أي: (من) قولكم: هل هو حق أو كذب.
ثم قالوا ليوسف: ﴿يا أيها العزيز﴾ أي: الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾: يعنون كلفاً بحبه، فخذ واحداً منَّا مكان هذا الذي سرق وخل عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾: في أفعالك.
وقيل: المعنى: إنا نرى ذلك منك إحساناً إلينا إن فعلته.
قال يوسف ﴿مَعَاذَ الله﴾: أي: عياذاً بالله أن نأخذ غير من سرق.
﴿إِنَّآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ إن فعلنا ذلك.
قال السدي: ثم قال لهم يوسف: إذا أتيتم أباكم فأقرؤه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ابنك يوسف.
فلما أيس يوسف من أخيه أن يُدْفَع إليهم.
﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾: أي:
انفردوا وليس يوسف وأخوه معهم أي: خلوا يتناجون بينهم.
فقال كبيرهم في العقل وهو شمعون وقيل: بل (هو) كبيرهم ف السن (وهو) روبيل، وهو ابن خالة يوسف.
وهو الذي كان نهاهم عن قتله.
وقيل: كبيرهم يهوذا يعني به: كبيرهم في العقل، والفهم لا في السن، ولم يختلف في أن كبيرهم في السن روبيل.
فهو أولى الاية (قال لهم):
﴿أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله﴾ في أخيكم هذا، ومن قبل تفريطكم في يوسف، وفعلكم فيه.
والمعنى: [و] من قبل هذا: تفريطكم في يوسف.
و " ما " زائدة، والمعنى: ومن قبل فرطكم في بيوسف / ويجوز أن تكون في موضع نسب عطف على " أن ".
ويجوز أن يكون في موضع رفع على معنى: ومن قبل هذا تفريطكم ﴿فِي يُوسُفَ﴾، فتكون ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ في موضع الخبر.
قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾: أي: لن أبرح من أرض مصر.
﴿حتى يَأْذَنَ لي أبي﴾ بالقدوم عليه، ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ أي: بالمن مع أخي، فأمضي معه.
وقيل: المعنى: ﴿يَحْكُمَ الله لِي﴾ بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي.
قاله أبو صالح.
وقيل: المعنى: أو يقضي الله لي بالخروج من أرض مصر، وترك أخي.
وروي أن يهودا قال ليوسف: يا أيها الملك! إن لم تخلِّ سبيله معنا لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى في مدينتك حامل، إلا أسقطت ما في بطنها.
وكان ذلك في ولد يعقوب عند الغضب معروفاً.
فكلَّم يوسف ابناً له صغيراً بالقبطية فقال له: ضع يديك بين كتفي يهوذا، ولا يشعر بك أحد، وكان الناس مجتمعين، ف\خل الصبي بين الناس حتى وضع يده بين كتفي يهوذا، فذهب غضبه، فقال يهوذا: لقد مسني من ولد يعقوب، ولم ير أحداً.
قوله: ﴿ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ (يا أبانا)﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم﴾ هذا قول روبيل لإخوته، أمرهم بالرجوع إلى يعقوب، يعلموه
بالقصة على وجهها.
وقيل: أمر لهم بذلك يوسف: وقيل: هو كبيرهم الذي تأخر بمصر، ولم يرجع معهم.
وروي عن الكسائي أنه قرأ " سُرق " على ن لم يُسَمْ فاعله، على معنى اتهم بالسرق.
وقيل: معناه: علم منه السرق.
قوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾: أي: ما قلنا إلا بظاهر العلم، ولسنا نَعْلَمُ الغيب والباطن، إنما وجدت السرقة في رحله، ونحن ننظر.
وقيل المعنى: وما شهدنا عند يوسف أن السارق يؤخذ في سرقته، ﴿إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ (في الحكم عندك) قاله ابن زيد.
قال لهم يعقوب، ما يُدري، هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، إلا بقولكم فقالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ في الحكم عندك وعندنا.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: أي: ما كنا نظن أن ابنك يسرق، فيؤول أمره إلى هذا، وإنما قلنا لك نحفظ أخانا مما إلى حفظه السبيل.
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ إن اتهمنا: وهي مصر، يريدون أهلها.
﴿والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾: وهي القافلة عن خبر ابنك.
قال لهم يعقوب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: على ما نالني.
وقيل: المعنى: " فصبر جميل: أولى من جزع لا ينفع.
والصبر الجميل هو الذي لا شكو (ى) معه إلا إلى الله عز وجل.
﴿عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾: يعني: يوسف، وأخاه روبيل الذي تخلف: (إنه هو العليم): بما (أجد) عليهم، ﴿الحكيم﴾ في تدبيره.
قوله: ﴿وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ يا أسفى عَلَى يُوسُفَ﴾ - إلى قوله - ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
والمعنى: وأعرض يعقوب عن بنيه، وقال: يا حزناً على يوسف.
والأسف شدة الحزن.
ثم حكى الله تعالى ذكر [هـ] لنا أن / عَيْنَيْ يعقوب ابيضتا من الحزن، (ف) هو كظيم: أي: مكظوم، أي مَمْلُوءٌ من الحزن، ممسك عليه، لا يبثه.
قال ابن زيد: الكظيم الذي أسكته الحزن.
وقال مجاهد: كظم الحزن: إذا أمسكه عليه، لا يبثه.
وقال عطاء: كظ (ي) م: مكروب.
وقال السدي: كظيم من الغيظ.
والكاظم في اللغة: الذي حزن لا يشكو حزنه وقال الحسن: وجد يعقوب على يوسف وُجْدَ سبعين ثَكْلَى وما ساء ظنه بالله ساعة قط، من ليل، ولا نهار.
(وروى الحسن عن النبي) صلى الله عليه وسلم: " وإنما اشتد حزن يعقوب (على يوسف) لأنه علم بحياته، وخاف على دينه ".
وقيل: إنما حَزِنَ (نَدَ) ماً على تسليمه لإخوته، وهو صبي، والحزن
ليس بمحظور.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذ مات ولده إبراهيم: تدمع العين، ويحزن القلب، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ".
وقال له أولاده: ﴿تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تذكره.
ولا تفتر من حبه.
﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾: أي، ذا جهد، وهو المريض البال (ي).
وقال قتادة: حرضاً هَرِماً.
وقال ابن زيد: الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر، حتى لا يعقل.
وقال الفراء: الحرض: الفاسد الجسم، والعقل.
(و) قال أبو عبيدة: الحرض: الذ [ي] أذابه الحزن.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾: أي: من الموتى.
قال يعقوب لهم جواباً لقولهم: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي﴾ أي: همي وحزني:
وحقيقة البث في اللغة: هو ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي لا يمكنه إخفاؤها، وسميت المعصية بثاً مجازاً، وهو من بثثته، أي فرقته.
وروي أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة.
فقال (له) رجلٌ: ما بلغ بك ما أرى؟ فقال: طول الزمان، وكثرة الأحزان.
فأوحى الله عز وجل إليه: يا يعقوب تشكوني قال: خطيئة، فاغفرها،
فغفرها الله عز وجل له.
فما كان إذا سئل إلا قوله ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ - الآية
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾: قال قتادة: " ذكر لنا أن يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله ( عز وجل) من ورائه ".
قوله: ﴿يابني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾، المعنى، أن يعقوب، عليه السلام طمع في يوسف، فأمرهم بالرجوع إلى (ال) موضع الذي أتوا منه يلتمسون يوسف، وأخاه: يعني: بنيامين شقيق يوسف.
﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله﴾: أي: " لا تقنطوا من أن يُرَوّحَ الله عنا ما نحن فيه من الحزن.
﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله﴾: أي: لا يقنط من فرجه، و (لا) يقطع رجاءه منه إلا الكافرون.
قال السدي، وقتادة: روح الله فرج الله.
قيل: إنه أمرهم أن يرجعوا إلى الذي احتال عليهم في أخيهم، وأخذ منهم، فيسألوا عنه، وعن مذهبه.
وروى ابن لهيعة " يرفعه إلى " (عن) ابن عمر، أن يعقوب كتب معهم كتاباً إلى يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم / من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر (إلى) فرعون: سلام عليك.
فإني أحمد الله إليك، الذي لا إله إلا هو.
أما بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء: أما جدي إبراهيم
خليل الله، فألقي في النار، فصيرها (الله عليه برداً)، وسلاماً، وأمر أن يذبح ابنه إسحاق أبي، ففداه الله بما فداه له.
وأما أنا فكان لي ابن من أحب الناس إليّ، ففقدته فأذهب حزني عليه صبري، وحتى له ظهري.
وأخوه المحبوس عندك في السرقة.
وإني أخبرك: إني لم أَسْرِقْ، ولم أَلِدْ، سَارِقاص، فاحذر دعوتي فإنها مستجابة عليك.
وأعجب منك كيف حبست قرة عيني، وقد علمت موقعه من قلبي، فاردد علي ابني، وإلا فاحذر دعوتي والسلام.
قال فلما قرأ يوسف، عليه السلام كتاب أبيه يعقوب، بكى بكاءً شديداً، وصاح بأعلى صوته: ﴿اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: 93]: فكان البشير إليهم يهوذ [ا] ابن يعقوب.
وقيل: إن يوسف لما قرأ كتاب أبيه يعقوب
ارتعدت فرائصه، واقشعر جلده، ولأن قلبه، وبكى، ثم أعلمهم بنفسه.
قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾.
وفي الكلام حذف.
والمعنى: فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف، قالوا: ﴿يا أيها العزيز﴾ أي: الممتنع: ﴿وَأَهْلَنَا الضر﴾: من الشدة، والجدب.
فخضعوا له، وتواضعوا.
قال ابن إسحاق: خرجوا ببضاعة لا تبلغ ما يريدون من الميرة، إلا أن يتجاوز لهم فيها، فقالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: أي: بدراهم لا تجوز في ثمن الطعام إلا بالمسامحة.
قال ابن عباس: مزجاة: دراهم زيوف.
وقال ابن أبي مليكة: مزجاة، خلق الغرائر: والمتاع الحقير.
" مزجاة: يعني: قليلة، إما لأنه متاع البادية لا يصلح للملوك، وإما لأنه قال مزجاة تحتقر في كل مكان.
وقد فسرها بعضهم بأنها البطم والصنوبر.
والبطم: هو الحبة الخضراء.
﴿فَأَوْفِ لَنَا الكيل﴾: فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع.
وقيل: أتوا بالسمن، والصوف.
وقال أبو صالح: أتوا بالحبة الخضراء، والصنوبر.
وقال الضحاك: مزجاة: كاسدة، وأصله من التزجية، وهي الدفع، والسوق، فكأنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد.
يقال: فلان يزجي العيش: أي:
يدافع وعن مالك رضي الله عنهـ أن المزجاة هنا: الجائزة في كل موضع.
واحتج (مالك) في (أن) أجرة الكيال والوزان على البائع بقولهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الكيل﴾.
ثم قال: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي تفضل علينا، ما بن الجياد والرديئة.
وقيل: المعنى: لا تنقصنا من السعر من أجل رداءة دراهمنا.
﴿إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين﴾ أي: يثيب المتفضلين.
وقد اختلف الناس في الصدقة على الأنبياء.
فقيل: إنها كانت حلالاً، ثم حرمت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: ك (انت) حراماً على جميع الأنبياء.
(وقيل): إنما سأل هؤلاء المسامحة، لا الصدقة بعينها.
وقيل: إنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾: أي: تصدق علينا برد أخينا إلينا، قاله ابن جريج.
قال السدي، عن أبيه لما دخل إخوة يوسف / على يوسف.
وكان أكبرهم إذا
غضب قامت شعرةٌ (من عنده)، وانبعثت دماً فلا تزال كذلك حتى يمسه بعض ولد يعقوب.
قال: فكلمه يوسف، وعرف يوسف أنه أغضبه فانبعث الشعرة دماً، أمر يوسف أخاه أن يدنو منه فيمسه، ففعل فانقطع الدم، ثم فعل ذلك مرة أخرة، فعند ذلك تعارفوا.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما كلموه بهذا الكرم، فقالوا: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ غلبته نفسه، فارفضَّ دمعه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم، فقال (لهم): ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: أي جاهلون بعاقبة ما تفعلون.
وقيل: المعنى: إذ أنتم صغار، جهال قالوا له: ﴿أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ فقال: نعم ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَآ﴾ بأن جمعنا بعدما فرقتم بيننا.
{إِنَّهُ مَن يَتَّقِ
(الله) وَيَِصْبِرْ}: أي: يتقي معصية الله، ويصبر على السجن.
قال ابن إسحاق: لما قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
كشف لهم عن الخطأ فعرفوه.
﴿قَالُواْ تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا﴾: أي: فضلك بالعلم والحلم.
وما كنا في فعلنا إلا خاطئين.
يقال: خطئ يخطأ: إذا أتى الخطيئة عالماً [بها]، وأخطأ يخطئ إذا قصد شيئاً، فأصاب غيره، غير متعمد للخطأ.
قال لهم يوسف: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم﴾: أي: لا تغيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة، وحق الأخوة.
ولكن لكم عندي العفو والصفح.
﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، تمام عند الأخفش، ثم تبتدأ: ﴿اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ﴾ على
الدعاء، وعند نافع وغيره: ﴿عَلَيْكُمُ اليوم﴾: التمام.
وهو أحسن وأبين.
قوله: ﴿اذهبوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي﴾ إلى قوله ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾
المعنى: أن يوسف لما أعلم إخوته بنفسه سألهم عن حال أبيهم، فقالوا: ذهب بصره من الحزن، فعند ذلك أعطتهم قميصه، وأمرهم أن يلقوه على وجه أبيهم.
﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾: أي: يَعُدْ بصيراً.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: جيئوني بهم.
قيل: إن القميص كان من الجنة كساه الله عز وجل إبراهيم حين ألقي في النار.
وقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ العير﴾ أي خرجت من مصر، يعني: عير بني
يعقوب.
ذكر أن الريح استأذنت ربها في أي تأتي يعقوب بريح يوسف، قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها، فأتته [به] من مسيرة ثمان ليال، فقال: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
وقوله: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾، (أي): تسفهون، فتقولون: ذهب عقلك.
وقيل: معناه: لولا أن تكذبون، قاله السدي، والضحاك.
﴿قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم﴾، أي: في خطئك.
قال له ذلك من بقي من ولده.
ثم قال تعالى: مخبراً لنا عن حال يعقوب إذ جاءه البشير بأمر يوسف: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على / وَجْهِهِ فارتد بَصِيراً﴾: وكان البشير يهوذا أخا يوسف لأبيه صلى الله عليه وسلم.
قال السدي: لما قال يوسف ﴿اذهبوا بِقَمِيصِي هذا﴾.
قال يهوذا بن يعقوب: أنا ذهبت إلى يعقوب بالقميص، مُلَطَخاً بِالدَّم، وقلت له: إن يوسف أكله الذئب.
فالآن أذهب أنا بالقميص، فأخبره أنه حي، فأفرحه كما أَحْزَنْتُهُ.
قوله: ﴿أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ﴾: أي: (ألقى) القميص على وجه يعقوب، فعاد بصره، بعدما كان عمي.
فقال لمن حضره من ولده:
﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله (مَا لاَ تَعْلَمُونَ)﴾ إنه سيرد علي ولدي يوسف ويجمع بيني وبينه، وأنتم لا تعلمون من ذلك شيئاً.
وروي أن يعقوب قال للبشير: " هون الله عليك غصص الموت "، كأنه استقال له أن يكافأه بشيء من عرض الدنيا.
وروي أيضاً عن سفيان، أنه قال: لما جاء البشير إلى يعقوب، قال له يعقوب: على أيِّ دين تركته؟ قال: (على دين) الإسلام، قال يعقوب: ألآن تمت النعمة وروي أنه لما التقى يوسف ويعقوب بأرض مصر، قال له يوسف: يا
أبت بلغني (عنك) أنك بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، وحزنت حتى انحط ظهرك.
قال يعقوب: قد كان ذلك يا بني.
قال له يوسف: أفما كانت القيامة تجمعني وتجمعك؟ قال يعقوب: بلى، ولكن تخوفت أن تبدل دينك فلا تلقني.
قوله: ﴿قَالُواْ يا أبانا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَآ﴾ إلى قوله: ﴿العليم الحكيم﴾ المعنى: قال له ولده: يا أبانا! أستغفر لنا ذنوبنا، أي: اسأل الله يستر علينا (ذنوبنا).
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: أي: في فعلنا.
قال لهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾، قيل: إنما أخر الاستغفار (لهم) إلى السحر.
وقيل: أخره إلى صلاة الليل، (و) قيل: أخر ذلك إلى ليلة الجمعة.
روي ذلك عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعنى ﴿إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾: هو الستار ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها إليه.
روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنهـ، أنه قال: إن الله ( عز وجل) لأ لما جمع ليعقوب شمله، وأقر عينه، تذكر إخوة يوسف ما صنعوا بأخيهم، وبأبيهم (و) قالوا: إن كنا قد غفر لنا ما صنعنا، فكيف (لنا) بعفو ربنا؟ فاجتمعوا، وأتوا الشيخ.
ويوسف إلى جنب أبيه، وقالوا: يا أبانا! أتيناك في أمر لم نَأْتِكَ في مثله قط.
فرحمهم الشيخ، والأنبياء أرحم البرية، فقال: ما بكم يا بني؟ قالوا له: قد علمت ما كان
منا إليك، وإلى أخينا يوسف، وقد غفرت مالنا، وعفوكما لا يغني عنا شيئاً إن كان الله ( عز وجل) لم يعف عنا.
ونريد أن تَدْعُوَ الله (لنا).
فإذا جاءك الوحي بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا وإلا فلا قرت لنا عين في الدنيا.
فقام الشيخ، واستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين.
فدعا، وأمّنَ يوسف، فلم يُجَب فيهم إلى عشرين سنة.
فلما كان رأس / العشرين سنة نزل جبريل على يعقوب، فقال له: إن الله عز وجل، بعثني إليك، (أبشرك) بأنه قد (أ) جاب دعوتك في ولدك، وإنه عفا عما صنعوا.
وقوله: ﴿ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾ إنما قال لهم يوسف ذلك بعد أن دخلوا عليه، وآوى يوسف إلى أبويه.
فمعنى ذلك أن يوسف تلقى أباه، تكرمة له، قبل دخوله مصر، فآوى يوسف إلى أبويه: أي: ضمهما وقال لأبيه ومن معه: ﴿ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾.
" كما ورد (أنهم) قاموا عشرين سنة، لا يقبل ذلك منهم، حتى لقي جبريل يعقوب، عليهما السلام.
فعلّمه هذا الدعاء " يا رجاء المؤمنين! لا تخيب رجائي، يا غوث المؤمنين أغثني، يا حبيب التائبين عَلَيَّ، فاستجيب لهم.
قال لهم يوسف ذلك بعد أن
دخلوها عليهم، لأنهم (فيما) ذكر السدي: تحملوا إلى يوسف بأهليهم وعيالهم، لأنه قال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: 93] فلما قربوا من مصر كلهم يوسف الملك الذي فوقه، أن يخرج هو والمل (و) ك معه يتلقونهم.
فلما دنا يوسف من يعقوب، ويعقوب يتمشى، وهو يتكئ على يهوذا ولده.
بدأه يعقوب بالسلام، وقال: السلام عليك يا ذاهباً بالأحزان عني.
وقيل: إن قوله إن شاء الله إنما هو استثناء من قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي﴾ ﴿إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾، ففي التلاوة تقديم وتأخير.
وهو قول ابن جريج.
فأما قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش﴾ فإن السدي، قال: هما أبوه وخالته، وذلك أن أم يوسف ماتت، فتزوج يعقوب [بعدها] أختها، وهي خالة يوسف.
وقال ابن إسحاق: هما أبوه وأمه، ولم تكن أمه ماتت.
وهذا القول اختيار الطبري.
ومعنى: ﴿آمِنِينَ﴾: أي آمنين مما كنتم فيه في باديتكم من الجدب والقحط.
والعرش: السرير في قول السدي، ومجاهد، والضحاك وقتادة، وابن عباس.
وقال ابن زيد: هو مجلسه.
وقوله: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾: قيل: المعنى إن أبا يوسف وأمه (وإخوته) خروا سجّدا ليوسف.
وكان تحية القوم في ذلك الوقت السجود، قاله سفيان، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، وهو مثل: " السلام عليكم " في هذه الأمة.
جعل لهم عوضاً من السجود الذي كان تحته من قبلهم.
وقيل: كان ذلك انحناء، ولم يكن سقوطاً على الأرض.
جعل الله منه السلام، والمصافحة عوضاً، كرامة من الله عز وجل لهذه الأمة، وهي تحية أهل الجَنَّة.
وقال ابن سحاق: الهاء في " له " لله، والمعنى: خرُّوا لله سجداً.
وقوله: ﴿هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾: أي: قال يوسف لأبيه: يا أبت! هذا السجود الذي سجدتموه لي الساعة، (هو) تأويل ما رأيته، وأنا صبي: إذ رأيت أحد عشر
كوكباً، والشمس والقمر ساجدين لي: فالأحد عشر (كوكباً) إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾: وكان بين رؤيا يوسف، وتأويلها أربعون سنة.
وقيل: ثمانون سنة، قاله الحسن، قال: كان بين أن فارَقَ يعقوب يوسف (إلى أن اجتمعا ثمانون سنة)، لم يفارق الحزن قلب يعقوب، ولا الدمع خديه، ولم يكن على وجه الأرض يومئذ عبدٌ أحبَّ إلى الله عز وجل، من يعقوب.
وألقى يوسف في الجب، وهو ابن سبع / عشر [ة] سنة، ومات بعد التقائه بيعقوب بثلاثة وعشرين سنة.
ومات يوسف، وهو ابن مائة واثنتين وعشرين سنة.
وقال ابن إٍحاق: كان بين افتراق يوسف، إلى أن اجتمعا، ثماني