الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7723-7763
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7723-7763
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

والمغارب} أنه قال: " هو مطلب الشمس ومغربها ومطلع القمر ومغربه ".

  • ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ (يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ) حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ﴾.
    هذا تهديد ووعيد لكفار قريش ومن كان على دينهم.
    أي: دع يا محمد هؤلاء المشركين - المهطعين/ عن اليمين وعن الشمال عزين - يخوضوا في [باطلهم] ويلعبوا في هذه الدنيا حتى يلاقوا يوم القيامة الذي وعدوا به.
    ثم بَيَّنَ [يومهم] الذي يوعدون فقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً.
    . .﴾، فهو يم بدلٌ من " يوم " الأول.
    فالمعنى [فَذَرْهُمْ] يا محمد حتى يلاقوا يوم يخرجون من القبور مسرعين إلى الداعي.
  • ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.
    أي: كأنهم إلى عَلَم قد نصب لهم يستبقون، [و " نَصْب " مصدر: نَصَبتُ الشيء] نَصْباً فتأويله كأنهم إلى صنم منصوب (لهم) يسرعون ذليلين.
    وروي

عن عاصم أنه [قرأ: ﴿نُصُبٍ﴾] بضم النون والصاد، جعله [واحداً لأنصاب]، وَهي آلهتهم التي كانوا يعبدون، كطُنُب وأطناب.
وقيل: هو جمع نَصْبٍ، والنَّصْبُ: الصنم الذي ينصب لهم فيكون كرَهْن ورُهُن، وهو قول أبي عبيدة.
وقيلأ: هو جمع نصاب، والنصاب الحجر أو الضم ينصب فيذبح عنده.
وقرأ قتادة: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون وإسكان الصاد فهو مخفف من " نُصُب ". وقد قيل: إن نَصْباً ونُصْباً ثلاث لغات بمعنىً، كما يقال عَمْرٌو وعُمْرٌو وعُمُرٌو.
فأما قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ [المائدة: 3] فهو جمع نصاب عند كل العلماء، وهو

الذي ينصب ليذبحوا الآلهتهم عنده وقد مضى ذكره.
قال: أبو العالية ﴿إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: كأنهم إلى غايات يستبقون.
وقال ابن عباس: إلى غايات يسعون.
وقال الضحاك: إلى (" علم ينطلقون ").
وقال ابن زيد: [﴿إلى نُصُبٍ﴾]: النَّصْبُ حجارة طوال يعبدونها يسمونها نَصْباً، قال: و ﴿يُوفِضُونَ﴾: يسرعون إليه.
وقال الحسن: ﴿(كَأَنَّهُمْ) إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يبْتَدِرون نصبهم أيهم يسْتلمه أول، قال: وذلك إذا طلعت الشمس لا يلوي أولهم على آخرهم.

  • وقوله: ﴿خاشعة أبصارهم.
    . .﴾. أي: خاضعة ذليلة لما نزل بهم من الخزي والهوان.
  • ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ.
    . .﴾. أي: تغشاهم ذلة.
    والعامل في " خاشعةً " " يخرجون " أو " ترهقهم "،
  • ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ اليوم (الذي) كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾.
    أي: هذا اليوم الذي تقدمت صفته هو اليوم الذين كانوا يوعدون به في الدنيا فلا يصدقون به.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

  • عليه السلام - مكية
  • قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً (إلى قَوْمِهِ)﴾، إلى قوله: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
    أي: أرسلنا نوحاً منذراً قومه عذاب الله الأليم.
    قيل: هو الطوفان.
    وقيل: هو عذاب جهنم.
    ويروى أن نوحاً عليه السلام أرسل إلى قومه وهو ابن مائتي سنة وخمسين سنة، فلبث فيهم يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ألف سنة إلا خمسين سنة كما أعملنا الله عنه، ثم دعا

قومه فبلغه الله أمله (فيهم) فغرق بهم كما أعلنما عنه.
ثم عاش بعد الغرق مائتي سنة وخمسين سنة فكان عمره ألف سنة وأربع مائة سنة وخمسين سنة، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمراً وأكثرهم عملاً، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كَبيْتٍ له بابان، دخلت من باب وخرجت من باب.

  • ثم قال تعالى ﴿[قَالَ] ياقوم إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
    أي: " نَذِيرٌ " أنذركم عقاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم، " مبِينٌ ": أي قد بينت لكم إنذاري إياكم.
  • ثم قال: ﴿أَنِ اعبدوا الله واتقوه.
    . .﴾. (أي: مبين بأن اعبدوا الله، لا تعبدوا غيره،) واتقوه فيما أمركم به.
  • ﴿وَأَطِيعُونِ﴾.
    أي: انتهوا إلى ما أمركم به، واقبلوا نصيحتي لكم.
    قال قتادة: " أرسل الله عز وجل المرسلين بأن [يعبد] الله وحده وأن [تتقى]

محارمه، وأن يطاع أمره ".

  • ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾.
    أي: يسترها عليكم، فلا يعاقبكم بها إن أطعتموني.
    و" مِنْ " بمعنى " عَنْ " أي: يغفر لكم (عن) ذنوبكم، كما تقول: وجع بطني من الطعام، أي: عن الطعامم.
    وإذا كانت [" مِنْ "] بمعنى " عن " لم تدل على [على] التبعيض، وقيل: " من " للتبعيض والمعنى: يغفر لكم منها ما وعدكم العقوبة عليه وهو معظمها، وهو الشرك به، ولا يحسن أن تكون " من " زائدة؛ لأنها لا تزاد في الإيجاب.
    ولا يجوز أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم جنس فتبينه بما بعده.
  • ثم قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى.
    . .﴾.

أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم المكتوبة لكم في أم الكتاب.
قال مجاهد: ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى.
. .﴾. أي: ويؤخركم فلا يعذبكم في الدنيا إلى أن تبلغوا آجالكم} إلى ما قد خط من الأجل، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر عن ميقاته، وهو قوله.

  • ﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
    (أي): لو كنتم تعلمون لأَنَبْتُم.
    وقال الفراء: إلى أجل مسمى [عندكم] فلا يلحقكم فيه غرق ولا عذاب.
    وقيل: إنهم كان لهم أجلان: أجل للعذاب إن تمادوا على كفرهم/ وأجل لقبض أرواحهم (إن آمنوا)، فقال لهم نوح: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو الآخر من الأجلين إن آمنوا.
    ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ﴾ أي: إن الأجل الأول إذا جاء وأنتم كفار لا يؤخر، وهو الغرق، وإن حضر الثاني وأنتم مؤمنون لم يؤخر.
  • قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي (لَيْلاً وَنَهَاراً).
    . .﴾، إلى قوله: ﴿إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
    أي: قال نوح لما بلغ رسالكة ربه قومه فعصوه: يا رب إني دعوت قومي إلى توحيدك ليلاً ونهاراً وحذرتهم عقابك على كفرهم بك فلم يزدهم دعائي (لهم) إلا إدباراً عن قبول ما جئتهم به.
    قال قتادة: بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل منهم بابنه إلى نوح فيقول لابنه: احذر هذا [لا يغويك] فإن أبي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك فحذرني كما حذرتك.
    من رواية ابن شعبان عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث أن

النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يَجمَع اللهُ الأوَّلين، والآخِرين، ويَنزِل اللهُ في ظُلَلٍ منَ الغَمَام فَيَكون أَوَّلَ من يَقْضي لَه نوحٌ وَقَومُه، يَقولُ اللهُ لِقومِ نوحٍ: ماذا أجبتم المُرْسَلين؟ قال: فَيقولُ نوحٌ: أيْ رَبِّ، بَلَّغتُهم رسالتَك ودَعَوتُهم لَيلاً ونَهاراً فكذَّبوني واتَّهَموني، فَيقولُ اللهُ لِقَوْم نوحٍ: ماذا تقولون؟ فيقولون: ربَّنا ما بَلَّغَنا الرّسالة، وقَد كان فينا حتى خَلَت قرونٌ (بعد قرون)، وَقَد كَتَمَ الرِّسالةَ فلم يَدْعُنا وَلَمْ يُنذِرْنا، فيقول الله لنوحٍ: مذا تقول؟ فيقول: رَبِّ، لي بَيِّنَة، فيقول الله: إِيتِ بِبَيِّنَتِكَ.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيأتي نوح فيقول: يا مُحمدُ، أَسأَلُكَ الشَّهادةَ، فإِنَّ قَومي قَدْ كذَّبوني عِندَ رَبّي وَجَحَدوا، قال النبي عليه السلام: فَأَبْعَثُ معه رهطاً مِن أمتي يَشْهدَون له.
قال: فيَنطلِق الرَّهط حتى يَقِفوا على الرّب، فيقول الله لهم: بِمَ تَشْهَدون؟ فيقولون: نَشهَدُ أن نوحاً قد بَلَّغَ قَومَه وَدَعاهُم لَيْلاً وَنَهَاراً وسِرّاً وعَلانِية فَكذبُّوه واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم وأَصَرّوا وَاسْتَكْبَروا.
فيقول اللهُ لقوم نوح: ما تقولون؟ (فيقولون): رَبّنا، كيف يقبلون علينا وَنَحْن أولُ الأُمَمِ وهُمْ آخِر الأُمَمِ؟ فيقول الله للرَّهطِ: أجيبوهم، فيقول

(الرهط): ربَّنا، بَعَثْتَ إِليْنا رسولاً من أَنفسِنا فآمَنّا به وصَدّقنا ما أَنْزَلتَ عَليْه مِنَ الكِتابِ، فَكان فيما أَنزَلتَ عَلَيْه أَنَّك أَرْسَلتَ نوحاً إِلى قَومهِ فَبلَّغهم الرسالةَ وَدَعاهم لَيلاً ونَهاراً وسِرّاً وعلانيةً فكذَّبوه، قال: فيقرأون سورة " نوح "، فيقول قوم نوح: خصمنا فقوموا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فما من نبيٍّ يُكذِّبه قومُهم إِلاَّ يَأْتينا، فَأَبْعَثُ مَعهُ رَهطاً مِن أُمَّتي يَشْهَدون لَه وَانا عَلَيهم [شيهدٌ] ".

  • ثم قال: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جعلوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ واستغشوا ثِيَابَهُمْ.
    . .﴾. أي: وإني كلما دعوتهم إلى طاعتك والعمل بمرضاتك لتغفر لهم إذا فعلوا ذلك، أدخلوا أصابعهم في آذانهم لِئَلاَّ يسمعوا دعائي (أياهم إلى ذلك، واستغشوا، أي تغطَّوا بها لِئَلاَّ يُسْمَعَ دعائي).
  • ثم قال ﴿وَأَصَرُّواْ واستكبروا (استكبارا)﴾: أي: أَصروا على كفرهم، أي: تمادوا عليه، واستكبروا عن قبول ما جتئهم به من الحق وقبول الإيمان.
  • ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾.
    أي: ثم إن دعوتهم إلى ما أمرتني به من عبادتك دعاءً ظاهراً غيرَ خَفِيّ.
    قال مجاهد: الجِهار: الكلام المعلن (به) ". ﴿ثُمَّ إني أَعْلَنْتُ﴾ أي صرخت وصِحْتُ بالذي أمرتني به من الإنذار.
    قال مجاهد: أَعْلَنْتُ: " صِحْتُ بِهِم "، وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ (اي): قلت لهم ذلك فيما بيني وبينهم.
  • ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ.
    . .﴾.

أي: سلوا ربكم المغفرة عن ذنوبكم وتوبوا إليه من كفركم يغفر لكم ذنوبكم.

  • ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾.
    أي: لم يزل عفاراً لمن تاب إليه واستغفروه.
  • ثم قال: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾.
    أي: إن تبتم واستغفرتم من ذنوبكم أرسل السماء عليكم المطر متتابعاً.
    وكان عمر رضي الله عنهـ إذا [استسقى] ما يزيد على الاستغفار، وسئل عن ذلك فقرأ هذه الآية، وقرأ الآية في هود في قصة هود: ﴿وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 52] الآية.
  • ثم قال: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾.
    (أي: ما لكم لا ترون لله عظمة، ذكر ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد.
    وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: " ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته ". وقال قتادة: معناه: " ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ﴾ عاقبة ".

وقال ابن زيد: معناه: ما لكم لا ترون لله طاعة.
وقال الحسن: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة.
و " ترجون " هنا - في أكثر الأقوال -/ بمعنى: تخافون.

  • ثم قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
    أي: خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك، إلا أنهم اختلفوا في الترتيب، فمنهم من بدأ بالتراب ثم النطفة حتى بلغ (تمام الخلق.
    منهم من بدأ بالنطفة حتى بلغ) نبات الشعر حتى بلغ اللحم.
    وقيل: معنه: وقد خلقكم مختلفين المناظر والألوان والكلام والصور

[والعمر] والهمم وغير ذلك.
وقيل: هو الصحة والسقم، من قولهم: جاز فلان طوره، أي: خالف ما يجب أن يستعمله.
والطور في اللغة: المرة.
فالمعنى: وقد خلقكم مراراً، أي خلقكم تراباً، ثم نقلكم إلى النطفة [ثم إلى العلقة] ثم إلى المضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام اللحم، ثم أنبت الشعر، ثم أخرجه طفلاً، ثم صبياً، ثم بالغاً، ثم حدثاً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيخاً.

  • ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سماوات طِبَاقاً﴾.
    أي: وقال نوح لقومه: ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طباً فوق طبق، فيدلكم ذلك من قدرته على وحدانيته وتعتبروا وتزدجروا عن كفركم.
    والطباق مصدر من قولهم: [طابقه] (مطابقة) وطباقاً.

فالمعنى: ألم تروا كيف خلق الله سماء فوق سماء مطابقة؟!.
ويجوز أن يكون " طباقاً " [نعتاً] ل " سبع "، جمع طبق.
ومعنى ألم ترو كيف [خَلَقَ اللهُ]: [اعملوا] أن الله خلق ذلك.
ولو كان على غير الأمر، معناه لقالوا ما نرى إلا واحدة، ولكن معناه الأمر كما تقول: غفر الله لك، اللهم اغفر له، لأنك لست تخبره عن أمره [علمته]، إنما هو دعاء يتمنى كونه له.
ومن هذا قول الرجل [للرجل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي لقيت زيداً فقلت له كذا وقال لي كذا؟.
معناه: اعلم أني لقيت زيداً فكان من أمره وأمري كذا وكذا.
ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾ [الفيل: 1].
وقيل: معناه: ألم يبلغكم كيف خلق الله سبع (سماوات) طباقاً فتتعظوا وتزدرجوا؟ وكذلك معنى الآية الأخرى: ألم يبلغك يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولم أُوحِ إليك كيف فعلت بهم؟

  • ثم قال ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً.
    . .﴾. أي: في السماوات، قال المفسرون: بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام.
    فقال السائل: نحن نرى الغيم يكون دون القمر فلا نرى نوراً، فكيف تضيء السماوات كلها بالقمر على تفاوت ما بينها، وستر بعضها بعضاً؟، فقيل في ذلك: إن هذا الكلام [مجاز]، إنما قال: " فيهن "، [يريد]: في بعضهن، كما تقول العرب: أتيت بن يميم، وإنما أتى بعضهم، [وتقول]: في هذه الدور وليمة، وإنما هي في واحدة منهن.
    وتقول: قدم فلان في شهر كذا، وإنما قدم في يوم منه.
    فلذلك أخبر بالقمر أنه في سبع سماوات وأنما هو في واحدة.
    وقيل: معناه: وجعل القمر معهن نوراً، أي: خلقه نوراً مع خلقه للسماوات فيكون مثل: ﴿ادخلوا في أُمَمٍ﴾ [الأعراف: 38].
    وقال ابن كيسان: إذا جعله في إحداهن فقد جعله فيهن، كما تقول: أَعطِني

من الثياب [المعلمة]، وإن كنت إنما أعلمت أحدها.
وقد قال ابن عمر: إن الشمس والقمر وجوههما في السماء وأقفاؤها في الأرض.
وقال عبد الله بن عرمون بن العص: إن ضوء الشمس والقمر ونورهما في السماء، وقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ.
. .﴾ الآية.
وقيل: التقدير: وجعل القمر نوراً، ثم قال: " فيهن " بعدما مضى الكلام.
وسأل عبد الله بن عمرو رجل فقال له: ما بال الشمس تَصْلاَنا أحياناً وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء، قال: لو كان ذلك ما قام لها شيء إلا أحرقته.

  • ثم قال: ﴿والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾.
    أي: أنبتكم من تراب فخلقكم منه فنبتم نباتاً، يعني آدمَ أَبَا الخلقِ خَلَقَهُ من تراب الأرض.
  • ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا.
    . .﴾. أي: في الأرض فتصيرون تراباً.
  • ﴿[وَيُخْرِجُكُمْ [. . .﴾. منها إلى البعث.
  • ثم قال: ﴿والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً﴾.
    [هذا] كله [أخبار] من الله جل ذكره لنا عن قول نوح لقومه ووعظه لهم وتنبيهه لهم لى آيات الله ونعمه عندهم.
    فالمعنى: جعل لكم الأرض بساطاً لتستقروا عليها، ﴿لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾.
    أي: طرقاً واسعة.
    وقال ابن عباس: ﴿سُبُلاً فِجَاجاً﴾، أي: " طرقاً مختلفة ".
  • ثم (قال تعالى): ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً﴾.
    أي: قال نوح لمّا عصاه قومه: يا رب، إنهم عصوني فيما بَلَّغتُهم عنك فلم يقبلوه واتبعوا أمر من لم يزد ماله وولده إلا خساراً، أي: ابتعوا في معصيتهم إياي من كثير ماله وولده فلم يزده ذلك إلا بعداً منك - يا رب -[وذهاباً] عن سبيلك.
    ومن قرأ " وُلده " بالضم احتمل أن يكون/ جمع " وَلَد "، ك " وُثُن " جمع " وَثَنْ "، ويجوز أن يكون واحداً يراد به (غير) الولد: (وقد قال مجاهد: وُلده: زوجه وأهله)، وقال أبو عمرو: وُلده: عشيرته وقومه.
    وقال أكثر (أهل) اللغة: الوَلد الوُلد بمعنى واحد.
  • ثم قال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾.
    أي: كبيراً، يقال كُبَّارٌ وكُبَّارٌ بمعنى كبير، كما يقال: " أمر عجيب "، وعُجاب بمعنى واحد.
    ورجل حُسَانٌ وحُسَّان بمعنى.
    وجَمَأل وجُمَّال بمعنى جميل.
    قال مجاهد: ﴿كُبَّاراً﴾ " عظيماً ".
  • ثم قال: ﴿وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ.
    .﴾.

أي: وقال بعضهم لبعض: لا تذرن عبادة آلهتكم [لقول] نوح ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
[" هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها: أما وُدّ، فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف (بالجرف) عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع "].

قال محمد بن قيس: [هذه الأسماء] أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح وكان لهم تباع يقتدون بهم، فماتوا، فقال تباعهم: لو صورناهم كان أشرف لنا نتذكرهم [فنفعل] مثل ما كانوا يفعلون، فصوروهم ثم ماتوا، وجاء آخرون فدب فيهم الشيطان، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، فكان قوم نوح يحض بعضهم بعضاً على عبادتهم وترك قبول [قول] نوح.
وقيل: بل [كانوا أصناماً] يعبدونها (من دون الله) قاله ابن

عباس وغيره.

  • ثم قال ﴿وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً.
    . .﴾. هذا إخبار عن قول نوح، أي وقد أضلت هذه الأصنام كثيراً من الخلق، أي ضل بعبادتها كثير.
  • ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً﴾.
    أي: لا توفقهم حتى يموتوا على ضلالتهم فكلما عاشوا ازدادوا إثماً وضلالاً.
  • قوله: ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ﴾.
    أي: من عقوبة خطيئاتهم أَغرقَهُم الله ثم أَدخَلهم النار، يعني قوم نوح.
  • ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً﴾.
    أي: فلم يجدوا لأنفسهم ناصرين ينصرونهم من عذاب الله إذ جاءهم.
    و " ما " زائدة للتوكيد.
    وقال الفراء: ﴿مِّمَّا خطيائاتهم﴾ معناه: من أجل خطيئاتهم، ف " ما " أفادت

هذا المعنى، قال: و " ما " تدل على المجازاة، ومنه قوله: حيث ما تكن أكن.
وقد قرأ أبو عمرو: " خطاياهم "، جعله جمعاً مكسراً، واختاره لأنه مبني للتكثير، والمسلم الذي بالتاء: الأغلب في كلام العرب أن يكون للقليل، وليس خطايا قوم كفروا وألفَ سنةٍ بقليلة.
وعلة من قرأ بالجمع المسلم بالتاء أنه يقع للكثير كمَا يقع للقليل، وتختص الكثرة إذا عُلم المعنى.
وقد قال الله: ﴿وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37] وقال ﴿لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: 109]، فهل هذ جمع قليل في قول أحد؟ بل هو كثير، إذ قد علم المعنى،

فكان ذاك، وقد قيل: إن الخطيئات جمع [خطايا] أيضاً، فهو جمع الجمع، وجمع الجمع بابه الكثير.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾: أي: لا تدع على الأ ﴿ض من يدور فيها ويحيى منهم فيها، والمعنى: من الكافرين أحداً، يعني قومه وغيرهم، دعا عليهم لما أوحى الله إليه {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن﴾ [هود: 36]، قاله قتادة وغيره.
  • ثم قال: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ.
    . .﴾.

أي: إنك يا رب إن تَدَع الكافرين على الأرض ولا تهلكهم/ بعذاب من عندك يضلوا المؤمنين من عبادك فيصدونهم عن سبيلك.
ثم قال: ﴿وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾.
أي: وليس يلدون إلا فاجراً في دينك، كفاراً لنعمتك.
والفاجر في اللغة: المائل عن الحق.

  • ثم قال: ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً.
    .﴾. أي: اعف عن واستر علي ذنوبي وعلى والدي وعلى من دخل بيتي.
  • أي: مسجدي - ﴿مُؤْمِناً﴾: أي: مصدقاً بك.
    قال الضحاك: ﴿بَيْتِيَ﴾ " مسجدي ". [وقرأ] ابن جبير: (والدي): يعني أباه.

وقرأ يحيى بن يعمر (ولوالدي) يعني ابنيه.
وقوله (وللمؤمنين والمؤمنات) أي: وللمصدقين بتوحيدك ورسلك وكتبك المصدقات.
روى عكرمة أن ابن عباس قال: إني لأرجو أن يكون من استجاب لنوح فأغرق بدعوته أهل الأرض جميعاً أن يستجيب له في كل مؤمن ومؤمننة إلى يوم القيامة، يعني بدعائه هذا الذي حكاه الله لنا عنه في هذه السورة.

  • ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾.
    أي: ولا تزد الظالين أنفسهم بكفرهم بك إلا تباراً.
    قال مجاهد: تباراً: خساراً.
    وقال الفراء: تباراً: ضلالاً.
    وقيل: هلاكاً.

ويروي عن سفيان بن عيينة أنه قال لرجل: طب نفساً فقد دعت لك الملائكة نوح وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم [ ثم قرأ] ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ [الشورى: 5] يعني نم المؤمنين.
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنهـ]، وقد فسر الله هذا في آية أخرى، فأخبر عن الملائكة أنهم يقولون: ﴿فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم﴾ [غافر: 7].
قال سفيان: وقال ابراهيم: ﴿رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب﴾ [إبراهيم: 41] وقال الله جل ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19].
قال أبو محمد: ولا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما أمره الله به من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، فهذا دعاء لا منشك إن شاء الله - أن الله قد أجابه لنوح وإبراهيم ومحمد والملائكة، فمن مات على الإيمان فهو داخل تحت الدعوات المذكورات (إن شاء الله)، أماتنا الله على الإيمان وختم لنا بخير.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية

  • قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع﴾، إلى قوله: ﴿شَطَطاً﴾.
    أي: قل يا محمد (لأمتك) أوحى الله إليّ أنه استمع نفر من الجن القرآن ومضوا إلى قومهم.
  • ﴿فقالوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يهدي إِلَى الرشد﴾.
    أي: إلي ما فيه الرشد لمن قبله ﴿فَآمَنَّا بِهِ.
    .﴾ أي: فصدقنا به.
    ﴿وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً﴾.
    أي: ولا نجعل لربنا شريكاً في عبادتنا إياه بل نعبده وحده.
    قال ابن عباس: كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِحَرَاء يتلو القُرآن فَمَرّ بِهِ نَفَرٌ منَ الجِنِّ فاستمعوا إلى قِراءَته وآمَنوا بِهِ وَمَضوا إلى قومِهم مُنذرين، فَقَالوا ما حَكى الله عنهم.

وروى جابر بن عبد الله، وابن عمر " أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم سُورة الرّحمن، [فَكُلّما] قَرَأ عليهم ﴿فَبِأَيِّ [آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ]﴾ قالت الجِنّ: لا بِشيءٍ من إنعامك نكذب ربّنا.
ولمّا قرأها النبيّ على أصحابه، قالَ: ما لي أراكم سُكُوتاً، [للجن] كانوا أحْسَنَ مِنكُم رَدًا ". ومن فتح " أن " في ﴿وَأَنَّهُ﴾ وما بعدها عَطَفَه على الهاء في " به " فصدقنا به وصدقنا أنه تعالى وكذلك ما بعده.
وما لم يحسن فيه " صدقنا " " وآمنا " اضْمر له فعل يليق بالمعنى نحو قوله:

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ (رِجَالٌ)﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ﴾ وشبهه، كأنه أضمر " شهدنا "، لأن التصديق شهادة، وأضمر [أُلهِمنا] ونحوه، فإن في جميع ذلك في موضع نصب لأنه عطف على المعنى في: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ فأما من كسر، فإنه ابتداء " إن " بعد القول في قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ثم عطف (ما) بعدها عليها لأنه كله من قول الجن.
ومما يدل على قراءة الفتح دخول " أنّ " في قوله ﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾، لأن " أنّ " لا [تدخل] مع " لو " في الحكاية فلما دخلت أن مع " لو " عُلِم أن ما قبلها وما بعدها لم يجعل على الحكاية أيضاً، وإذا لم يحمل على الحكاية لم يجب فيه الكسر، وإذا لم يُكسر وجب فتحه.

ولا يحسن أن يَعطِف من فتح على ﴿أَنَّهُ (استمع﴾ لأنه ليس كلّه يحسن فيه ذلك المعنى.
لو قلت " وأوحى إليّ أنا ظننا " وأوحي إلي) أنه كان (يقول سفيهنا) لم يحسن شيء من ذلك لأنه مما حكى الله جل ذكره لنا من قول الجن، لا يجوز أن يعطف كلام الجن على ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لي منه.
وعلة من كسر الجميع وفتح ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ﴾ وهو [أبو عمرو] وابن كثير، لأ، هـ ليس من قول الجن فيحمل على الحكاية، فَحَمَلَهُ على العطف على قوله: ﴿أَنَّهُ استمع﴾، فهو في موضع رفع عَطْفٌ على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ﴿أَنَّهُ استمع﴾.
فأما علة (من) فتح " أن " في قوله ﴿وَأَلَّوِ استقاموا﴾ وأجماعهم على ذلك فلأنها بعد يمين مقدرة فانقطعت عن النسق، والتقدير: والله أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً.
وكان سبب استماع الجن للقرآن (ما) قال ابن عباس، قال: " اِنْطَلَقَ

رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ (سُوقَ) عُكَاضٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَأُرْسِلَتْ عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجِعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَّاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، فَقَالُوا: مَا حالَ بَيْنكُمْ وَبَيْنَ خَيبَرِ السَّمَاءِ إِلاَّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا تَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ.
(فَانْصَرَفَ) أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ [تهَامَةَ] إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِنَخْلَةٍ عَامِداً إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهَ صَلاَةَ الفَجْرِ، / فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا وَالله الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ.
فَهُنَاكَ حِينَ رَجِعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً

عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا (أَحَداً)، فأنزل الله جل ذكره ذلك على نبيه ". قال زِرُّ ": قدم رهط [زوبعة] وأصحابه إلى مكة على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءته ثم انصرفوا فهو قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ [القرآن﴾.
قال]: وكانوا تسعةً، مِنْهُمْ [زوبعةُ].
قال الضحاك: قوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن﴾ (هو قوله:

﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ ثم ذكر من الخبر (نحو) ما تقدم.
والنَّفَرُ في اللغة ثلاثة فأكثر.

  • ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا (مَا اتخذ).
    . .﴾. أي: (وآمنا أنه تعالى، على قراءة من فتح.
    وعلى قراءة من كسر، فتقديره: وقالوا إنه ﴿تعالى جَدُّ رَبِّنَا﴾: أي) أَمْرُ ربنا وسلطانُه وقدرتُه.
    قال ابن عباس: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾: " فعله وأمره وقدرته ". وهو قول قتادة والسدي وابن زيد.
    وقال عكرمة ومجاهد: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ جلاله وعظمته.
    وقال الحسن ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ " غنى ربنا ".

وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: جَهِلَ الجِنُّ فيما قالو: والجَدّ [أبو] الأَبِ.
وعن مجاهد أيضاً ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ " ذكره ". وعنه وعن عكرمة وقتادة: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ عظمته.
والجد في اللغة على وجوه، منها: الجَدّ أبو الأب وأبو الأم والجَدّ: الحظّ، وهو [البَخْتُ] بالفارسية والجَدّ: العَظَمَةُ.
(والجَدّ مصدر [جَدَدْتُ] الشيء جَدّا، ولا يليق بهذا الموضع من كتاب الله من هذه الوجوه إلا العظمة.

  • ثم قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى الله شَطَطاً﴾.
    أي: وشهدنا أنه (كان على قراءة من فتح " أن "، ومن كسر كان تقديره:

" وقالوا إنه كان يقول ". وكذلك التقدير في جميعها في الفتح أو الكسر.
تقدر بالفتح: صدقنا أو آمنا أو شهدنا أو أُلْهِمنا ونحوه.
وتقدر في الكسر " القول " لأنه معطوف على ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾.
والمعنى أن الله أخبرنا عن [قول] النَّفَرِ واعترافهم الخطأ الذي كانوا عليه.
من قبول قول إبليس اللعين فالمعنى: وإن إبليس كان يقول على الله شططاً والشطط: الغلو في الكذب.
قال قتادة ومجاهد وابن جريج: السفيه هنا إبليس ورواه أبو بُرْدَة عن

النبي صلى الله عليه وسلم.
قال سفيان: سمعت أن الرجل إذا سجد جلس (إبليس) يبكي يا ويله، أمرت بالسجود فعصيت [فلي] النار وأمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة.
والسفه [رقة] الحلم.
قال ابن زيد: ﴿شَطَطاً﴾ ظلماً كبيراً.
وقيل: الشطط: البعد [ومنه]: شط المِزار أي: بعد.

  • قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿لِبَداً﴾.

أي: وإنّا حسبنا وتوهمنا أن أحداً لا يقول على الله الكذب.
وذلك أنهم كانوا يحسبون أَ (نّ) إبليس كان صادقاً فيما [يدعوهم] إليه من صنوف الكفر.
فما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في كل ذلك وسَمّوه سفيها.
[ثم قال]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾.
هذا أيضاً من قول النفر من الجن.
ذكروا أن رجالاً من الإنس [كانوا] [يستجيرون] برجال من الجن في أسفارهم إذا نزلوا، فزاد الجنّ باستجارتهم (لهم) جرأة عليهم وأزداد الإنس إِثْماً.
قال ابن عباس: " فزادهم] إثماً وهو قول قتادة.
فازداد الإنس بفعلهم ذلك إثماً، وازداد الجن على الإنس جرأة.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل