الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 3360-3399
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 3360-3399
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وقيل: المعنى: فإلم يستجب لكم يا محمد هؤلاء المشركون في أن يأتوا بذلك ﴿فاعلموا﴾: أيها المشركون أنه إنما أنزل بعلم الله.
وأتى بـ " لكم " لأن المراد النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون.
وقيل: خوطب النبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ الجماعة كما يخاطب العظيم، والشريف.
والنبي صلى الله عليه وسلم، أشرف مَنْ على وجه الأرض.
﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: أي: مذعنون بالطاعة، مُخْلصُون لله عز وجل، العبادة.
ثم قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾.
المعنى: من " كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم أجورهم فيها ". ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾: هذا للكافر، فأما المؤمن فيجازى بحسناته في

الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة.
وقيل: إن قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾: يعني: في الآخرة لا يظلمون.
قال مجاهد: هي في أهل الرياء.
وقيل: المعنى: لئن كان يريد بغزوه الغنيمة وفي ذلك، ولم ينقص منه شيئاً.
وقال ابن عباس: نسختها ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا (لَهُ) فِيهَا مَا نَشَآءُ / لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: 17].
وهذا مردود، لأنه خبرٌ، والأخبار لا ننسخ.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله جل ثناؤه، إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية.
فأول من يدعى به: رجل جمع القرآن،

ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال.
فيقول الله عز وجل، للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى، يا رب.
قال فما عَمِلتَ فما علِمْت؟ قال: كنت اقرأ آناء الليل، وآناء النهار (ابتغاء وجهك)، فيقول الله، جلَّ ثناؤه: " كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله عز وجل: أردتَ أن يُقالَ: فلان " قارئ.
فقد قيل ذلك.
ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله عز وجل، له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى، يا رب، قال: فماذا عملت فيما أتيتك؟ قال: كنت اصِل الرحم، وأتصدق " ابتغاء وجهك ". فيقول الله عز وجل له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان جواد.
فقد قيل ذلك.
ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله عز وجل، فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت.
فيقول الله، تعالى، له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت.
فيقول الله تعالى له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك.
ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ركبتيَّ، فقال: يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة ".

ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾: أي: في الدنيا، ومعنى حبط: ذهب، ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ إلى قوله ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
والهاء في " ربه " تعود عليه.
قال ذلك قتادة، وعكرمة، والنخعي.
وقوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾: أي: ويتلو محمداً شاهدا منه، أي: من الله، وهو القرآن.
وقيل: المعنى: ويتلو القرآن شاهداً منه، أي: من محمد.
وهو لسانه، أي: يقرأه: وهو قول الحسن، ومعمر.
ويجوز أن تكون الهاء في ويتلوه للبينة، لأنها بمعنى البيان.

وقال ابن عباس: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾: هو جبريل عليه السلام، يتلو القرآن من عند الله عز وجل، على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد: هو مَلَكٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم، يحفظه من عند الله، سبحانه.
وقيل: إن قوله ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾، يعني: به النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين.
ودلّ على ذلك قوله: ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
وقيل: المعنى: ويتلوه شاهد من الله، عز وجل، والشاهد: الإنجيل، ويتلوه القرآن بالتصديق.
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى﴾، أي ومن قبل الإنجيل التوراة.
وقال الزجاج: المعنى: ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، موصوف في التوراة، والإنجيل.

وحكى أبو حاتم: (ومن قبله كتابَ موسى) بالنصب، على العطف على الهاء في " يتلوه ". أي: ويتلو كتاب موسى جبريل، فهو من التلاوة التي هي القراءة، وكذلك قال ابن عباس، قال: (الشاهد): جبريل، و " منه " من الله عز وجل.
و " من قبله " تَلَى جبريل كتاب موسى على موسى صلى الله عليه وسلم.
ويجوز الرفع في ﴿كِتَابُ﴾ على هذا المعنى، كما تقول: رأيت أخاك، وأباك: أي: وأباك كذلك.
فيكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك: أي: تلاه جبريل على موسى، كما تلى على محمد عليهم السلام.
والمعنى: أفمن كان على هذه الحال، كمن هو في الضلالة، والعمى.
واختار قوم أن يكون المعنى: أن الشاهد القرآن، يتلوه محمد، أي: بعده شاهداً له.
ودل على ذلك قوله: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى﴾.
قال ابن عباس: الشاهد جبريل.

قال مجاهد: الشاهد حافظ من الله عز وجل، يحفظ محمداً: أي: ملك.
فالهاء في " منه " تعود على الله، في هذين القولين.
وقيل: (الشاهد): لسان محمد صلى الله عليه وسلم، والهاء تعود على محمدٍ.
قاله الحسن.
وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن.
والهاء في ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ للقرآن.
وقيل: الشاهد هو إعجاز القرآن، والهاء في " منه " للقرآن والهاء في ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ للقرآن، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: مَنْ هذه صفته، يؤمن بالقرآن، وإن كفر به هؤلاء الذين قالوا: إن محمداً افتراه.
ثم قال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ﴾ " يعني: من مشركي العرب، وغيرهم، ممن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، من كفر بِمُحَمَّدٍ، فالنار موعده يهودياً، كان أو نصرانياً، أو غير ذلك.

ثم قال: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد: أمته، ﴿إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾، أي: القرآن حق من عند الله عز وجل، فلا تكونوا أيها المؤمنون في شك من ذلك.
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: " لا يصدقون، بأن ذلك كذلك.
﴿شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾: وقف عند نافع على معنى: ويتلوالقرآن شاهد من الله، وهو جبريل.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: وقف، وكذلك: ﴿فالنار مَوْعِدُهُ﴾، وكذلك ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾.
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ إلى قوله ﴿هُمُ الأخسرون﴾ والمعنى: من أعظم جرماً ممن اختلق على الله سبحانه، الكذب، أي: كذب بآياته، وحججه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

﴿أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ﴾، يوم القيامة، فيسألهم عن أعمالهم في الدنيا.
قال ابن جريج: ذلك الكافر، والمنافق.
﴿وَيَقُولُ الأشهاد﴾: الذين شهدوا على أعمالهم، وحفظوها عليهم: ﴿هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ﴾ في الدنيا ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾: أي: غضبه، وإبعاده من رحمته.
قال مجاهد: الأشهاد هنا: الملائكة الحفظة، وكذلك قال قتادة.
وقال الضحاك: الأشهاد: الأنبياء، والرسل، صلوات الله عليهم، يقولون: هؤلاء الذين كذبوا بما جئنا به من عند ربنا.
ثم بين تعالى الظالمين مَنْ هُمْ فقال: ﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾: أي: يُزَيِّغون أن يدخلوا في الإيمان.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾: أي: يلتمسون لسبيل الله عز وجل، العوج والزيغ.
وسبيل الله هو الإيمان به، وبما جاء من عنده، وهم مع ذلك

" وَبِالآخِرَةِ هُمْ / كَافِرُونُ ": أي: جاحدون، لا يصدقون بالبعث، ﴿على رَبِّهِمْ﴾: وقف.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ والمعنى: أولئك الذين هذه صفتهم، لم يكونوا معجزين ربهم، سبحانه، في الأرض بهرب، أو باستخفاء، إذا أراد عقابهم.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾: أي: ليس لهم من يمنعهم من الله عز وجل، إذا أراد الانتقام منهم.
ثم قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ ولا يعقلون عن الله عز وجل.
﴿ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾.
ولا يهتدون إلى رشدهم.
وقيل: إن المعنى يضاعف لهم العذاب أبداً: أي: وقت استطاعتهم السمع والبصر.
وقيل: إن " ما " للنفي، فيحسن الابتداء بها على هذا، ولا يحسن على القولين الأولين.
ومعنى النفي هنا أن الضمير في " يستطيعون "، و " يبصرون ": الأصنام، والنفي

عنها: أي: لم تكن تسمع، ولا تبصر.
وهذا التأويل مروي عن ابن عباس.
وقيل: المعنى: إن الضمير " لهم "، والنفي " عنهم ": أي: لم يكونوا ليسمعوا شيئاً ينفعهم من الإيمان، ولا يبصرونه، لأن الله، عز وجل، حال بينهم وبين ذلك، لما سبق في علمه، فهو مثل قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]: بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكافر.
ومثله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13]، ومثله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: 99] بالله، عز وجل.
ختم على قلوبهم، وعلى أبصارهم بكفرهم.
قال ذلك قتادة، فقال: فهم صمٌّ عن الحق، فما يسمعونه، بُكْمٌ، فما ينطقون به.
عميٌ فلا يبصرون.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهـ، إن المعنى: لا يستطيعون أن يسمعوا سماع منتفع بما يسمع، ولا يبصرون إبصار مُهتَدٍ، لاشتغالهم بالكفر.

قال الزجاج: ذلك كان منهم لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يسمعون عنه، ويفهمون ما يقول.
قال الفراء: سبق لهم في اللوح المحفوظ أنه يضلهم.
قوله: ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ وقف عند نافع، ﴿العذاب﴾: وقف إن جعلت " ما " نَفياً خاصة.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: غبنوا أنفسهم حظها كم رحمة الله عز وجل.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾: أي: بَطُلَ كذبهم، وافراؤهم على الله، سبحانه.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾، و ﴿لاَ جَرَمَ﴾ عند سيبويه، والخليل بمعنى: حق.
وأن في موضع رفع، وجيء بـ " لا " عند

الخليل ليعلم أن المخاطل لم يُبتدأ به كلامه، وإنما خاطب غيره.
وقال الزجاج: لا هنا نفي لما ظنوا أنهم ينفعهم كأنه كان المعنى: لا ينفعهم ذلك.
﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة﴾، أي: كسب ذلك الفعل لم الخُسْرَان، ف " أن " عنده في موضع نصب.
وقال الكسائي: المعنى: " لا صَدَّ "، ولا مَنْعَ عن أنهم ". فإنَّ في موضع نصب أيضاً، فحذف الخافض.
وحُكِيَ: لاجَرَ " بغير ميم لغة ناسٍ من فُزَارة.
وحكى / الفراء: " لا ذَا جَرَمْ لغة لبني عامر.
وقال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل، والله أعلم، بمنزلة: لا بد أنك قائم،

ولا محالة أنك قائم، فكثرت حتى صارت منزلة " حقاً ". تقول العرب: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت إليك، وأصلها من جرمت، أي: كسبت الشيء.
وذكر ابن مجاهد عن بعض القراء، وهو حمزة: ولا جرم بالمد، وكان يأخذ به بمعنى الاية: حقٌّ أنَّ هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الأخسرون في الآخرة: باعوا منازلهم في الجنة، بمنازلهم في النار، وذلك هو الخسران المبين.
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ معنى: أخبتوا، أنابوا، وقيل: معناه: اطمأنوا وقيل: خشعوا،

وتواضعوا، وتضرعوا.
والمعاني في ذلك متقاربة.
وإلى: هنا بمعنى اللام، والمعنى: " لربهم " كما وقعت اللام بمعنى " إلى قوله ". أوحى لها: أي: إليها.
ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾ أي: مثل الكافر كالأعمى، والأصم، والمؤمن كالبصير، والسميع: فهذا مثل ضربه الله عز وجل، للكافر والمؤمن، فالكافر أصم عن الحق، أعمى عن الهدى، لا يبصره، والمؤمن يبصر الهدى، ويسمع الحق، فينتفع به.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ على اختلاف حاليهما.
ومثل نصبه مصدر في موضع الحال.
(مثلاً): وقف عند نافع.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ﴾ من كسر " إني "،

فالمعنى: فقال: إني: ومن فتح فَعَلَى تقدير حذف الجر.
والمعنى: أنذركم بأسه، وعقابه إن تماديتم على الكفر.
﴿مُّبِينٌ﴾: أي: أبين لم ما أرسلت به إليكم.
ثم بين تعالى: بأي شيء أرسل، فقال: ﴿أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ إن تماديتم على كفركم.
﴿إلى قَوْمِهِ﴾: وقف إن كسرت " إني "، وجعلت " ألا " تعبدوا متعلقاً بنذير.
قوله: ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾: المعنى: أنهم قالوا له: ما نواك إلا آدمياً مثلنا في الخلق، ثم قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ أي: السفلة، دون الأكابر.
وقيل: هم الفقراء، وقيل: هم الخسيسو

الصناعات.
وروي في الحديث أنهم كانوا حاكة، وحجامين.
ولا يقال رجل أرذل، ولا امرأة رذلاء حتى تدخل الألف واللام، أو يضاف.
وقوله: ﴿بَادِيَ الرأي﴾ مَنْ همزه جعله من الابتداء، أي: ابتعوك ابتداء، ولو فكروا لم يتبعوك.
ومن لم يهمز، جاز أن يكون على تخفيف الهمزة، وجاز أن يكون من بَدَا يَبْدو: إذا ظهر، أي: اتبعوك في ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك.
وقيل: المعنى: ابتعوك في ظاهر الرأي، ولو تدبروا لم يتبعوك.

وقيل: المعنى: اتبعوك في ظاهر الرأي الذي ترى، وليس تدري باطنهم.
ونصبه عند الزجاج على حذف " في " أو على مثل: ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: 155]. وقيل: المعنى: أنه نعت لمصدر محذوف، والمعنى " اتباعاً ظاهراً ". ثم حكى الله عز وجل، عنهم قالوا لمن آمن بنوح صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ إذ آمنتم بنوح ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: أي: في دعوتكم أن الله عز وجل، ابتعث نوحاً رسولاً.
وهذا خطاب لنوح، لأنهم به كذبوا، فخرج الخطاب له مخرج خطاب الجميع.
قال نوح لقومه: ﴿ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي﴾: أي: على معرفة به، وعلم.
/ ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ﴾: أي: رزقني التوفيق، والنبوءة، والحكمة، فآمنت، وأطعت.

﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: أي: عميت عليكم الرحمة، أي: خفيت، فلم تهتدوا لها.
والرحمة عند الفراء: الرسالة.
ومن شدد فمعناه: " فَعَمَّها " الله عليكم، أي: خفاها.
وفي قراءة عبد الله، وأُبَيّ: " فَعَمَّاهَا الله عليكم " وقد أجمع الجميع على التخفيف في " القصص "، ولا يجوز غيره.
ثم قال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ أي: أنآخِذُكُمْ بالدخول في الإسلام على كره منكم، فنلزمكم ما لا تريدون.
يقول صلى الله عليه وسلم: " لا تَفْعَل ذلك، بل نكل أمرهم إلى الله، سبحانه ".

قال النحاس: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: أنجبها عليكم.
وأنتم لها كارهون.
وقيل: معنى ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقيل: الهاء في ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ للرحمة.
وقيل: للبينة.
ثم حكى الله عنه أنه قال: ﴿وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾: أي: لا آخذ منكم على نصحي إياكم، ودعائيَ لكم إلى الإيمان ﴿مَالاً﴾: ما أجري في ذلك إلا على الله، هو يجازيني ويثيبني.
﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الذين آمنوا﴾: أي: لست أطردهم، ولا الذين آمنوا بي.
وذلك أنهم سألوه أن يطردهم.
قال ابن جريج: قالوا: " إن أحببت أن نتبعك فاطردهم.
فقال: لا أطردهم ملاقوا ربهم، فيجازي من طردهم وآذاهم، ويسألهم عن أعمالهم.
ثم قال لهم: ﴿ولكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾: أي: تجهلون ما يجب عليكم من

حق الله.
وقوله: ﴿وياقوم مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ - إلى قوله - وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: والمعنى: من يمنعني من الله، إن هو عاقبني على طردي إياهم، وهم مؤمنون، وموحدون.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ في قولكم، فتعلمون خطأه.
ثم قال لهم: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله﴾ هذا معطوف على قوله: (لا أسألكم)، والمعنى: لا أقول لكم: عندي خزائن الله التي لا يفنيها شيء، فتتبعوني عليها.
﴿وَلاَ أَعْلَمُ الغيب﴾: أي: ما خفي من سرائر الناس.
فإن الله يعلم ذلك وحده.
﴿وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾: فأكذب، ﴿وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تزدري أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْراً الله﴾،

أي: للذين اتبعوني وآمنوا بي، فاستحقرتموهم، وقلتم، إنهم أراذلنا.
" والخير هنا الإيمان بالله عز وجل.
﴿ الله أَعْلَمُ بِمَا في أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: في ضمائرهم، واعتقادهم، وإنما لي منهم ما ظهر.
﴿إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين﴾: أي: إني ظالم، إن قلت لن يؤتيكم الله خيراً، وقضيت / على سرائرهم: نفى نوح صلى الله عليه وسلم، جميع هذا عن نفسه لئلا يتبعوه على ذلك.
﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا﴾: أي: " قد خاصمتنا، فأكثرت خصامنا ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾: أي: بالعذاب، إن كنت صادقاً في قولك: إنك رسول (الله).
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهـ: فأكثرت جَدَلَنا ". " والجدل " والجدال: المبالغة في الخصومة.
قال لهم نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله عز وجل.
﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: لستم ممن يعجزالله، سبحانه، إذ جاءكم عذابه

هرباً، لأنكم في سلطانه حيثما كنتم.
قوله: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿يَفْعَلُونَ﴾ والمعنى: وليس ينفعكم تحذيري إياكم عقوبة على كفركم.
﴿إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ أي: يهلككم.
وقيل: معناه: يحييكم، وحكي عن بعض العرب أنها تقول: أصبح فلاناً غاوياً: أي: مريضاً.
وهذه الآية من أبْيَنِ آية في أن الأمر كله لله عز وجل، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا مُعْقِب لحكمه يفعل ما يشاء.
وقد نالت المعتزلة: إن معنى: " أن يغويكم: أن يهلككم، وكذبوا على الله، سبحانه، وعلى لغة العرب: ولو كان الأمر كما قالوا، لكات معنى قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ [البقرة: 256]: من الهلاك، وهذا لا معنى له.
إنما هو الضلال، الذي هو نقيض الرشد.
ولكان معنى قوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ [طه: 121]: فهلك، ولم يهلك إنما ضل.
ولكان معنى قوله: ﴿الذين أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ [القصص: 63] بمعنى الهلاك، ولا معنى لذلك، إنما هو

بمعنى الضلال كُله.
ولكان قوله: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: 39] بمعنى: لأهلِكَنَّهُم: وهذا لا يقوله أحد، ولا معنى له.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾ [مريم: 59] معناه: هلاكاً.
﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي: بعد الهلاك.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾: أي: أيقولون؟ وهذه " أم " المنقطعة بمعنى الألف، أي: اختلقَه.
وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
والمعنى أيقول قومك: اختلق هذا الخبر عن نوح عليه السلام، قل لهم: يا محمد! ﴿قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾: أي: إثم جرمي، لا تؤاخذون به، ﴿وَأَنَاْ برياء﴾ من إثم جرمكم، ولا آخذ به.
يقال: أجرم فلان: أي: كسب الإثم.

وأجاز أبو إسحاق " أجرامي " بفتح الهمزة جمع جرم.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ والمعنى: إنه لما حّقَّ عليهم العذاب، أعلم أنه لم يؤمن أحد ممن بقي، ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ﴾: أي: لا تحزَنْ على فعلهم، وكفرهم، وذلك حين قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26].
قوله: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ﴾.
والفلك: السفينة، يكون واحداً، وجمعاً.
قال ابن عباس: أوحي إليه: أن يصنع الفلك فلم يدر كيف يصنعها، فأوحي إليه أن يصنعها على مثال جُؤجؤ الطير.
ومعنى: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾: أي: كما نأمرك.

قال قتادة: / بعين الله، ووحيه.
(وقيل: بأعيننا: بحفظنا، وقيل: بعلمنا، وقيل: إن الملائكة كانت تريد ذلك).
وقيل: معنى: (بأعيننا ووحينا): أي: بتعليمنا كيف تصنعه.
وقوله: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا﴾: أي: لا تسألني في العفو عنهم.
قال ابن جريج: معناه: لا تراجعني.
ثم أعلمنا الله عز وجل، أنه أخذ يصنع السفينة، وأن ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ أي: جماعة، وكبراء ﴿سَخِرُواْ مِنْهُ﴾: أي: هزأوا به، يقولون له: أتحولت نجاراً بعد النبوءة؟ وتعمل السفينة في البر؟ فيقول لهم نوح: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾ اليوم،

﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ في الآخرة ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا عاينتم العذاب ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: من هو أحمد عاقبة منا، ومنكم.
و" من " تكون هنا خبراً، واستفهاماً، وتقريراً، إعرابها في الوجهين ظاهر.
(وروت عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لو رحم الله (أحداً من قوم نوح) لرحم أم الصبي، كان نوح قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله عز وجل، حتى كان آخر زمانه غارس شجرة، فعظمت، وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمي سفينته.
ويمرون، فيسألونه، فيقول: أعمل سفينة.
فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر، فكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون.
فلما فرغ منها، وفار التنور، وكثر الماء في السِّكَكِ، وخشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل، حتى بلغت ثلثي الجبل، فلما بلغها الماء، خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء

رقبتها، رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء ". قال قتادة: كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وبابها في عرضها.
وقال الحسن: كان طول السفينة ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع.
وقال عكرمة: إنما طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها ورفعها ثلاثون ذراعاً.
وعن الحسن، ( رحمه الله عليه، أيضاً)؛ أنه قال: كان طولها ألف ذراع، في

خمسمائة ذراع، وبابها في جنبها.
قال: أبو رجاء: كانت مطبقة.
وقيل: إنها كانت: ثلاث طبقات: طبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير.
فلما كثر أرْوَاتُ الدواب أوحى الله عز وجل، إلى نوح: أن أغْمزْ ذنبَ الفيل، فغمزه.
فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبل على الروث.
ثم إن الفأر وقع بحبل السفينة يقرضه، فأوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبل على الفأر.

قال ابن عباس: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة، فحدثنا عنها، قال: فانطلق بهم عيسى عليه السلام، حتى أتى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفيه، فقال: أتدرون ما هذا قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: هذا / كعب حام بن نوح.
قال: فضرب الكثيب بعصى، وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكتَ.
قال: لا، ولكن مت، وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة، فمن ثم: شبت.
قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع، ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع.
ثم حكى له طبقاتها، وما كان فيها، وقصة الأرواث، والفأر على ما تقدم ذكره.
ثم قال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيبفةً فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت.
قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقاريها، وطين برجليها.
فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوقها الخضرة في عنقها، ودعا أن تكون في أنس، وأمان، فمن ثم تألف البيوت.
وروى عبيد بن عمير الليثي: أنهم كانوا يخنقون نوحاً حتى يغشى عليه، فإذا فاق قال: اللهم أغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون.
حتى إذا تمادوا في المعصية، وتطاول عليه

منهم الشأن، وعظيم البلاء، ولا يأتي قرن منهم إلا كان أخبث من صاحبه.
يقولون: قد كان هذا مع آبائنا، وأجدادنا مجنوناً، ولا تقبل منه شيءاً.
فشكا ذلك إلى الله، وقال كما قص الله سبحانه علينا: ﴿رَبِّ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 5 - 6]- إلى آخر القصة - ثم قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26]- إلى آخر القصة -. فأوحى الله عز وجل، إليه: أن اصنع الفلك.
وزعم أهل التوراة أن الله، سبحانه، أمره أن يجعل عوده من الساج، وأن يطليه بالقار، من داخل، ومن خارج، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعاً، وعرضه خمسين ذراعاً، وطوله في السماء ثلاثين ذراعاً، وجعل الله عز وجل، له فور التنور آية.
فلما فار، حمل في الفلك من أمره الله، سبحانه، بنيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناس ممن كان آمن به.
فكان جميعهم عشرة رجال.
وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافراً.

قال ابن عباس: كان أول ما حمل نوح في الفلك الذرة، وآخر ما حمل الحمار.
فلما دخل، وأدخل صدره، تعلق إبليس بذنبه، فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح عليه السلام، يقول: ويحك! ادخل، فلا يستطيع الحمار الدخول.
فقال: ويحك! (ادخل) وإن كان الشيطان معك.
فزل لسانه بالكلمة، فدخل الحمار، والشيطان.
فقال له: نوح صلى الله عليه وسلم: ما أدخلك عليَّ يا عدوَّ الله؟ قال: ألم تقل ادخل، وإن كان الشيطان معك.
قال: اخرج عني يا عدو الله.
قال: مالَكَ بُدٌّ من أن تحملني، فكان إبليس في ظهر الفلك.
فكان بين إرسال الله عز وجل، الماء، وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوماً بلياليها، ودخل فيها لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل من كان معه / (انفتحت أبواب السماء بماء منهمر)، كما قال الله، وكانت السفينة مُسْمَرَّة بدُسُرٍ.
والدُّسُر: مسامير الحديد، وقيل: مسامير من عود، بها يسمر اليوم مراكبهم أهل الحجاز، وأهل الهند، وما يلي ذلك.
فلما جرت السفينة، قال نوح لابنه: ﴿اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾ [هود: 42]

وكان قد أضمر الكفر، وظن أن الجبال تمنع من الماء، فقال: ﴿سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء﴾ [هود: 43]: أي: يمنعني، فقال له نوح: ﴿لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله﴾ [هود: 43].
فعلا الماء على الجبال خمسين ذراعاً.
فهلك كل ما كات على وجه الأرض من الحيوان والأشجار ولم يبق إلا ما في السفينة.
وكان بين أن أرسل الله الطوفان، وبين أن غاض الماء ستة أشهر، وعشر ليال.
قال عكرمة: " ركب في السفينة لعشر خَلَوْن من رجب، ﴿واستوت عَلَى الجودي﴾ [هود: 44] لعشر خَلَون من المحرم.
فذلك ستة أشهر ". ومعنى: ﴿وَفَارَ التنور﴾: قيل: إنه انفجر الماء من وجه الأرض.
التنور: وجه الأرض قاله ابن عباس، وعكرمة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: هو تنوير الصبح، من قولهم: نور الصبح يُنَور، فكأنه قال: حتى جاء أمرنا، وطلع الفجر.
وقال قتادة: التنور أعلى الأرض، وأشرافها.

وقال الحسن: التنور هو الذي يخبز فيه، كان من حجارة لِحَوَّاء.
ثم صار إلى نوح، فقيل له: إذ رأيت الناء يفور من التنور، فاركب أنت وأصحابك.
وقال الشعبي.
فار الماء في ناحية الكوفة.
وعن علي رضي الله عنهـ، أنه قال: فار التنور من مسجد الكوفة، وقال زيد بن حبيش: فار التنور من هذه الزاوية، وأشار إلى زاوية مسجد الكوفة اليمني من القبلة، التي عن يمين المصلى.
وكان زيد يقصد إلى الصلاة في تلك الزاوية من مسجد الكوفة، وعن الحسن أيضاً أن التنور الموضع الذي يجتمع فيه الماء في السفينة.
وعنابن عباس: أن التنور فار بالهند.

ومعنى: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ أي: من كل ذكر، وأنثى، والواحد: زوج، والزوجان ذكر، وأنثى من كل صنف، فمعنى من كل زوجين: من كل صنفين.
وقيل الزوجان: الضربان الذكور، والإناث.
وقيل: الزوجان: اللونان.
وقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول﴾: أي: واحمل أهلك، إلا من سبق إهلاكه، وهو بعض نساء نوح، كانت من الباقين: من الهالكين.
وقيل: هو ابنهُ الذي غرق.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: واحمل من آمن.
قال قتادة: كانوا ثمانية أنفس، خمسة بنين، وثلاث نسوة، فأصاب حام امرأته في السفينة.
فدعا عليه نوح أن تغير نطفته.
فجاء بالسودان.

وقيل: كانوا عشرة سوى نسائهم: ستة ممن آمن، وثلاثة بنين، ونوح.
وعن ابن عباس: أنهم كانوا ثمانين رجلاً، غير النساء من غير أهله وروي أن الله جل ذكره، كان قد أعقم أرحام النساء، وأصلاب الرجال، قبل الغرق بأربعين سنة /، فلم يولد فيهم مولود، ولم يغرق إلا ابن أربعين، فما فوق ذلك.
قوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾: وقف عند أبي حاتم، وليس يوقف عند غيره، لأن بعده استثناء.
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾: وقف عند نافع وغيره، ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ﴾: وقف حسن.

قوله: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها﴾ - إلى قوله - ﴿فَكَانَ مِنَ المغرقين﴾ المعنى: فحملهم فيها، وقال: اركبوا فيها.
ومن قرأ بضم الميم، فمعناه: بسم الله إجراؤها، وإرساؤها: ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الظرف، على معنى بسم الله، وقتَ إجرائها، وعند إرسائها.
ويكون بسم الله كلاماً مكتفياً بنفسه كقول المبتدئ في عمل: بسم الله، فتكون الياء في موضع نصب على معنى ابتدأت بسم الله، أو في موضع رفع على معنى أبتدأ، أي: بسم الله.
﴿ومجراها﴾: ظرف كما تقول: زيد قائم خلفك.
ومن فتح الميم فعلى هذا التقدير، إلا

أنه يقدر في موضع الإجراء الجري.
والمعنى: بالله إجراؤها، وبالله جَرْيُهَا، وبالله إرْساؤها.
وقال مجاهد، والجحدري، والعطاردي: " مجريها ومرسيها بالياء، وجعلوه نعتاً لله عز وجل، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ.
وقال الضحاك وغيره: كان إذا قال: بسم الله جرت، وإذا قال: بسم الله رَسَت.
واختار " مجراها " بالفتح لقربه من قوله: وهي تجري بهم، ولم يقل تُجْري

وخرجت " مرساها " بالضم على الإجماع ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: أي: لساتر ذنوب من تاب إليه، رحيم به.
ثم أخبر تعالى أنها تجري بهم في موج مثل الجبال، ثم قال: ﴿ونادى نُوحٌ ابنه وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ (أي: في معزل) عن دين نوح.
وقيل: في معزل عن السفينة، وذلك أن نوحاً، صلوات الله عليه، لم يعلم بأنه كافر، لقوله ﴿وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾.
وقيل: إنه لم يكن ابنه، إنما كان ابن امرأته.
وحكى أبو حاتم أنه قرأ: " ونادى نوحَ ابنَه " بفتح الحاء، يريد " ابنها " ثم حذف الألف لخفتها، كما تحذف الواو من " ابنهُو ". وعن علي رضي الله عنهـ، أنه قرأ:

"ابنها" بألف، لم يكن ابنه، إنما كان ابن رجل تزوجَها قبل نوح.
وعن الحسن رضي الله عنهـ، أنه قال: خانت نوحاً في الولد.
والله تعالى يعيذ نبيه صلى الله عليه وسلم، من ذلك إنما خانته في الدين، لا في الفراش.
قال ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبي قطٌّ ". ومن قرأ ﴿يابني اركب مَّعَنَا﴾ بالفتح، فزعم أبو حاتم أنه أرادَ: يا بَنياهُ، فحذف الهاء، لأنه يصل، وحذف الألف لدلالة الفتحة.
ولا يجوز عند سيبويه حذف الألف لخفتها، وليس مثل الواو.
وقال الزجاج: كان أصله " يا بنيَّ " بياءين كما تقول: يا غلاميَّ بالياء، فأبدل من

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل