الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
لم يكن قصده لذلك.
وهي لام العاقبة ولام الصيرورة وهذا كما قال: " فللموت ما تلد الوالدة " لم تلد المولود ليموت ولا للموت، ولكن كانت العاقبة إلى الموت، تكون صارت كأنها ولدته لذلك والحُزن والحَزن لغتان، كالسُقم والسَقم.
وقيل: الحَزَن: الاسم، والحُزن المصدر.
وقوله تعالى: ﴿كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾، أي آثمين بفعلهم، يقال خطئ يخطأ: إذا تعمد الذنب.
ويروى: أن فرعون كان له رجال مخضبة أيديهم بالحناء قد شدوا أوساطهم بالمناطق وفيها السكاكين يذبحون الأطفال، فولدت أم موسى موسى، ولا علم عندهم به، فأوحى الله إليها أن ترضعه، فإن خافت عليه ألقته في اليم يعني النيل، فخافت عليه، فجعلته في تابوت وغلقت عليه، وعلقت المفاتيح في التابوت، وألقته في النيل، وكان لامرأة فرعون جوار يسقين لها الماء من موضع من النيل لا
تشرب من غيره، فلما أتى الجواري يستقين وجدن التابوت، فأردن فتحه، ثم قال بعضهم البعض: إن فتحناه قبل أن تراه سيدتنا اتهمنا.
وقالت: وجدتن فيه شيئاً غير هذا، ولكن دعنه على حاله حتى تكون هي التي تفتحه وهو أحصى لكن عندها، فذهبن بالتابوت إليها، فتحت التابوت فإذا موسى، فكان من قصته ما ذكره الله لنا، وقد تقدم من قصته في مريم نحو هذا أو أشبع منه.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾.
أي قالت آسية لفرعون: هذا الغلام قرة عين لي ولك، لا تقتلوه.
ومعنى: قرة عين: أي برد لعيني وعينك (لا تستحر) أعيننا بالبكاء،
فهو من القر، وهو البرد.
وقيل هو من قر بالمكان أي لم يبرحه.
وروي: أن امرأة فرعون لما قالت له هذا قال: أما لك فنعم، وأما لي فلا، فكان كما قال.
قال ابن عباس: لما أتت امرأة فرعون بموسى فرعون قالت: قرة عين لي ولك، قال فرعون: يكون لك /، وأما لي فلا حاجة لي فيه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي يحلف به لو أقر فرعون أنه يكون له قرة عين كما أقرت لهاده الله جل ذكره به كم هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك " وقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ﴾،
بلفظ الجماعة إنما ذلك لأنها خاطبته كما يخاطب الجبار، وكما يخبر الجبار عن نفسه بلفظ الجماعة.
ويروى: أنها إنما قالت لفرعون ذلك، يوم نتف موسى لحية فرعون، فأراد فرعون قتله.
وقيل: بل قالته له حين التقطه آل فرعون فأراد فرعون قتله.
وقوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي لايشعرون أن هلاكهم على يديه، وفي زمانه.
قال قتادة.
وقال مجاهد: أَنَّه عَدُوٌ لَهُمْ.
وقيل: هذا الضمير على بني إسلائيل يعود، والمعنى: وبنو إسرائيل لا يشعرون ذلك.
قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً﴾ أي أصبح فارغاً من كل شيء سوى ذكر موسى.
قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة والضحاك.
وقال ابن زيد معناه أصبح فارغاً من الوحي الذي قال لها الله فيه: ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: 7]،
فحزنت عليه وخافت.
قال: جاءها إبليس فقال: يا أم موسى: كرهت أن يقتل فرعون موسى، فيكون لك أجره، وثوابه، وتوليت قتله، وألقيته في البحر وغرقته.
قال الحسن: أصبح فارغاً من العهد الذي عهد إليها والوعد الذي وعدت أن يرد عليها ابنها، فنسيت ذلك كله، حتى كادت أن تبدي به لولا أن ربط الله على قلبها بالصبر لأبدت به.
قال ابن إسحاق: كانت أم موسى ترجع إليه حين ألقته في البحر، هل تسمع له بذكر حتى أتاها الخير بأن فرعون أصاب الغداة صبياً في النيل في التابوت، فعرفت القصة، ورأت أنه قد وقع في يدي عدوه الذي فرت به منه، فأصبح فؤادها فارغاً من عهد الله جل ثناؤه إليها فيه، قد أنساها عظيم البلاء، ما كان من العهد عندها من الله فيه.
قال ابن زيد: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، أي بالوحي.
وقال ابن عباس: كادت تقول: وابناه.
وكذلك قال قتادة.
قال أبو عبيدة: فارغاً من الحزن لما علمت أنه لم يغرق.
قال السدي: لما أخذ ثديها في الرضاع كادت تقول: هو ابني، فعصمها الله.
وعن ابن عباس: أن معناه: أصبح فؤاد أم موسى فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى، كادت أن تخبر به، فتقول: الذي وجدتموه في التابوت هو ابني، ونسيت ما وعدها الله به أنه يرده عليها، فثبتها الله، وربط على قلبها بالصبر، حتى رجع إليها كما وعدها الله.
وروى ابن وهب، وابن القاسم عن مالك: أنه قال: فارغاً هو ذهاب العقل في رأيي، يقول الله تعالى: ﴿لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾.
وعن ابن عباس: إن كادت لتبدي به، قال: إن كادت لتقول: يا بنياه.
وقال زيد بن أسلم: معناه: فارغاً من الوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر.
وقال الأخفش: لتبدي به بالوحي، كقول ابن زيد:
وقوله: ﴿لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا﴾، أي عصمناها من إظهار خبره.
وقال قتادة: ربطنا على قلبها بالإيمان لتكون من المؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي قصي أثره أي اتبعي أثره، فانظري أخرجه أحد من البحر، ومن التابوت أم لا؟ فإن أخرج فانظري ماذا يفعلون به ..
وقيل معناه: انظري أحي هو أم أكلته دواب البحر؟ ثم قال: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾ وفي الكلام حذف، والتقدير: فقصت أخت موسى أثره، فبصرت بموسى عن بعد، ولم تقربه لئلا يعلم أنها من قرابته، يقال: بصرت به وأبصرته، ويقال: عن جنب وعن جنابة، ومنه قولهم: فلان أجنبي.
قيل عن جنب: أي أبصرته عن شق عينها اليمنى.
﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، بها أنها أخته.
وعن ابن عباس: على جنب والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه/، لا يشعر به.
وحكى بعض المفسرين: عن جنب: عن شوق.
قال أبو عمرو: وهي لغة لجذام، يقولون: تجنبت إليك أي تشوقت.
وقوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي وآل فرعون لا يشعرون أنها أخته جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده.
وقيل معناه: وهم لا يشعرون ما يصير إليه أمر موسى، ولا يعلمون كرامته على الله.
قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ﴾.
أي ومنعنا موسى المراضع أن يرتضع منهن من قبل رده إلى أمه.
وقيل: من قبل أمه.
وقيل معناه: منعناه قبول ذلك.
وقيل: هو من المقلوب.
ومعناه: وحرمنا على المراضع رضاعه، والتحريم بمعنى المنع، معروف في اللغة، وواحد المراضع: مرضع، ومن قال: مراضع، فهو جمع: مرضاع، ومفعال، بناء للتكثير، ولا تدخل الهاء في مؤنثه إذ ليس بجار على الفعل، وقد قالوا: مرضاعة، فأدخلوا الهاء للمبالغة لا للتأنيث، كما قالوا: مطرابة.
ثم قال: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾.
قال السدي: أرادوا له المرضعات فلم يأخذ من ثدي أحد من النساء وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع.
ويروى: أن فرعون بلغ منه الغم بامتناعه من الرضاع كل مبلغ حتى كان أخذه فرعون على يديه وجعل يطلب له الرضاع بنفسه ويشفق عليه من البكاء، فلما قالت لهم أخته ما قالت استراح فرعون إلى قولها، وطمع أن يقبل موسى رضاعها فقال: جيئني بها، فذهبت
إلى أمها فجاءت بها، فأمرها فرعون برضاعه، فقبل ثديها، وسكت، فسر بذلك فرعون وهذا من عجيب لطف الله.
ومعنى: يكفلونه: يضمونه.
وقالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، روي: أنها لما قالت ذلك، قالوا لها: ومن هي؟ قالت: أمي، قالوا لها: أو لأمك لبن؟ قالت: نعم، لبن أخي هارون.
وكان هارون ولد في سنة لم يكن فيها ذبح.
روي: أن فرعون كان يذبح سنة ويترك سنة.
وروي: أنه كان ترك الذبح أربع سنين، فولد هارون في آخرها، فأرسلت امرأة فرعون إلى أم موسى، وقالت لها: هذا الصبي أرضعيه، ولك عندنا الكرامة، مع ما لك من القدر عندنا، ولزوجك، فأخذته وأتم الله وعده لها برده إليها، فلما صار موسى إليها لم يبق أحد من خاصة فرعون إلا أكرمها، وكان زوجها عمران قد احتبسه فرعون عنده، فرده عليها.
ويروى أن فرعون قال لأم موسى: كيف ارتضع هذا الصبي منك؟ ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: لأني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، فلا أكاد أوتى
بصبي إلا ارتضع مني.
وروي: أنها لما قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، أخذوها، فقيل لها: قد عرفته، فقالت: إنما عنيت أنهم للملك ناصحون، قال السدي وابن جريج.
قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾، أي رددنا موسى إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن عليه، وليتم الوعد الذي وعدها الله به في قوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني﴾ [القصص: 7]، وهو قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي أكثر المشركين لا يعلمون أن وعد الله حق، ولا يصدقون به.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى﴾، أي استكمل نهاية قوة الرجل.
قال مجاهد وقتادة: واستوى: بلغ أربعين سنة.
وقيل: الاستواء: ستون سنة.
وقال ابن عباس: الأشد: ثلاث وثلاثون سنة، وقاله مجاهد وقتادة.
وقيل: هو اثنان وعشرون سنة، فبها تبلغ الزيادة في الطول حدها في الاستواء.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾، أي فهماً في الدين ومعرفة به.
قال مجاهد: هو الفقه، والعقل، والعمل.
وذلك قبل النبوة.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾، أي كما جازينا موسى على طاعته، كذلك نجزي كل من أطاع، وإنما جعل الله إتيانه العبد الحمك والعلم جزاء على الإحسان، لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين.
واختلفت في الأشد: فقيل: هو جمع أشد.
وقيل: لا واحد له.
/ وقيل: هو جمع: شدة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَدَخَلَ المدينة على حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾، إلى قوله:
(مِنَ الْمُصْلِحِينَ) [18].
أي ودخل موسى مَنْفَا من مصر على حين غفلة من أهلها، وهو نصف النهار.
وقيل: بين المغرب والعشاء.
قال السدي: كان موسى حين كبر، يركب مراكب فرعون، ويلبس ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى بن فرعون، ثم إن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب موسى في إثره، فأدركه المقيل بمنف فدخلها نصف النهار، وليس بطرقها أحد.
وقال ابن إسحاق: كانت لموسى لما كبر وفيهم شيعة من بني إسرائيل، يسمعون منه، ويقتدون به، ويطيعونه، ويجتمعون إليه، فلما اشتد رأيه، وعرف ما هو
عليه من الحق، رأى فراق فرعون وقومه على ما هم عليه حقاً في دينه، فتكلم، وعادى، وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه، وخافهم، وحتى كان لا يدخل قرية فرعون إلا مستخفياً، فدخلها يوماً على حين غفلة من أهلها.
وقال ابن زيد: معناه: على حين غفلة من ذكر موسى، ليس غفلة ساعة، وذلك أن فرعون خاف موسى، فأخرجه عنه، فلم يدخل عليهم حتى كبر، فدخل وقد نسي ذكره، وغفل عن أمره.
قال ابن عباس: دخل نصف النهار وقت القائلة، وعنه: دخل بين المغرب والعشاء.
ثم قال: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾، أي أحدهما إسرائيلي من أهل دينه، والآخر قبطي من قوم فرعون وعلى دينه، وذكر أنهما اقتتلا في الدين الإسرائيلي على دين موسى والقبطي على دين فرعون، فعند ذلك حميت نفس موسى في الدين، فوكز القبطي، فأتى عليه ومات من وكزته.
وعدو عنا بمعنى أعداء، وكذلك يقال في المؤنث.
ومن العرب من يدخل
الهاء يجعله بمعنى: معادية.
ثم قال: ﴿فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.
قال ابن جبير: مر موسى برجل من القبط قد سخر رجلاً من المسلمين فلما رأى المسلم موسى استغاث به، فقال: يا موسى، يا موسى، فقال موسى: خل سبيله، فقال القبطي: قد هممت أن أحمله عليك، فوكزه موسى فمات، قال: حتى إذا كان الغد نصب النهار، خرج ينظر الخبر، فإذا ذاك الرجل قد أخذه آخر، فقال: يا موسى، فاشتد غضب موسى على القبطي فأهوى إليه، فخاف المسلم أن يكون إنما أتاه يريده، فقال له: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس﴾.
فقال القبطي: يا موسى أراك أنت الذي قتلت بالأمس.
قال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا بسخرة، حتى امتنعوا كا الامتناع.
فبينا هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان: أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى، فوكز الفرعوني فقتله، ولم يرهما أحد إلا الله جل ذكره، فقال موسى لما مات:
﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾، وفي هذا الحديث اختصار.
قال مجاهد: وكزه بجمع كفه.
وقال قتادة: وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله فقضى عليه أي ففزع منه.
وروى أنه دفنه لما مات في الرمل.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾.
أي قال موسى: يا رب إني أسأت إلى نفسي بقتلي القبطي، فاستر علي ذنبي فستره الله عليه.
قال ابن جريج: إنما قال: ظلمت نفسي بقتلي، من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر.
﴿إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾، أي الساتر الذنب من آمن به واستغفره.
﴿الرحيم﴾، للتائبين أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد أن تابوا منها.
أي قال موسى: يا رب بعفوك عني في قتل هذه النفس فلن أكون عويناً للمجرمين.
وتقدير الكلام عند الفراء أنه بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم فلن أكون عويناً للمجرمين.
وقيل: معنى الكلام الخبر، وتقديره /، لا أعصيك لأنك أنعمت علي، وهذا معنى قول ابن عباس.
قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ أي أصبح موسى خائفاً من قوم فرعون، يترقب الأخبار، أن يعرفوا القصة فيقتلوه بالقبطي.
﴿فَإِذَا الذي استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ﴾، أي فإذا الإسرائيلي الذي استنصر موسى بالأمس على الفرعوني، يستصرخ موسى، أي يصيح وهو من الصراخ.
ثم قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾، يوبخ الإسرائيلي، لأن موسى نادم على ما قد سلف منه من قتله القبطي بالأمس.
ومعنى: ﴿لَغَوِيٌّ﴾، أي لذو غواية ﴿مُّبِينٌ﴾، أي أبنت غوايتك بقتالك أمس رجلاً، واليوم آخر.
قال ابن عباس: أتي إلى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلاً
من آل فرعون فخذ لنا بحقنا، ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوا لي قاتله ومن شهد عليه، لا يستقيم أن نقضي بغير بينة، ولا ثبت فاطلبوا ذلك.
فبينما هم يطوفون لا يجدون شيئاً، إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي بقاتل فرعوني، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس، وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمد يده وهو يريد الفرعوني، فقال للإسرايئلي لما فعل بالأمس واليوم ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعدما قال هذا، فإذا هو غضبان كغضبه بالإمس، فخاف أن يريده موسى، ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً﴾ الآية.
فسمع كلامه فطلب موسى.
قال السدي: قال موسى للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾، ثم أقبل لينصره
فظن الإسرائيلي أنه إياه يريده فأشهره، هذا معنى كلام السدي.
وقال ابن أبي نجيح: أراد الإسرائيلي أن يبطش بالقبطي فنهاه موسى ففرق الإسرائيلي من موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي﴾، الآية.
فسعى بها القبطي.
وكذلك قال ابن عباس: إن القبطي هو الذي أفشى الخبر على موسى، ورفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المدينة يسعى﴾،
أي جاء مخبر لموسى يخبره أن فرعون قد أمر بقتله، وأنهم يطلبونه، وذلك أن قول الإسرائيلي سمعه سامع فأمشاه فأمر فرعون بطلب موسى وقتله.
قال ابن عباس: انطلق الفرعوني الذي كان يقاتل الإسرائيلي إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين قال لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس﴾ [القصص: 18].
فأرسل فرعون الذباحين لقتل موسى، فأخذوا الطريق الأعظم وهم لا
يخافون أن يفوتهم، فكان رجل من شيعة موسى في أقصى المدينة، فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر.
قال قتادة: كان الرجل مؤمناً من آل فرعون.
وقيل: كان اسمه شمعون.
وقيل: شمعان.
وقيل: هو حزقيل مؤمن آل فرعون أنذر موسى أن أشراف آل فرعون يطلبونه، فخرج موسى إلى مدين خائف يترقب، وإنما خرج إلى مدين للنسب الذي بينهم وبينه، لأن مدين ولد إبراهيم، وموسى من بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليهم.
ومعنى يسعى: تعجل ويسرع من أقصى مدينة فرعون.
وقوله: ﴿قَالَ ياموسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾، أي إن قوم فرعون يتآمرون بقتلك، أي يأمر بعضهم بعضاً بذلك.
قال أبو عبيدة: يأتمرون: يتشاورون في قتلك.
وقيل: معناه: يهمون بك وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6] أي هموا به وأعزموا عليه.
ثم قال: ﴿فاخرج إِنِّي لَكَ مِنَ الناصحين﴾، أي من الناصحين في مشورتي عليك بالخروج، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾، أي خائفاً منقتله النفس أن يقتل به، يترقب: أي ينتظر الطلب أن يدركه.
قال ابن إسحاق: خرج على وجهه خائفاً يترقب لا يدري أي وجه يسلك، وهو يقول: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين﴾.
وقال: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾، أي ولما جعل موسى وجهه قبل مدين قاصداً إليها ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ / السبيل﴾، أي قصد الطريق إلى مدين، ولم يكن يعرف الطريق إلى مدين.
قال: ويروى أنه لما دعا الله بذلك، قيض له ملكاً سدده للطريق
وعرفه إياها.
قال ابن عباس: خرج موسى متوجهاً نحو مدين وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بريه، فإنه قال: ﴿عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾.
قال ابن جبير: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثمان، فلم يكن له طعام إلا ورق الشجر.
قال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾، فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه وكان بمدين يومئذ قوم شعيب.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾، أي لما ورد موسى ماء مدين: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ﴾، أي جماعة يسقون غنمهم ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امرأتين تَذُودَانِ﴾، أي تحبسان غنمهما عن ورود الماء حتى يسقس الناس غنمهم إذ لم يتهيأ لهما مزاحمة الرجال على الماء.
يقال: ذاد فلان غنمه: إذا حبسها أن تتفرق وتذهب.
وكذلك ذاده إذا قاده.
ومعنى قاده: حبسه على ما يريد، فكانتا تحبسان غنمهما لأنهما لا طاقة لهما بالسقي، وكانت غنمهما تطرد عن الماء.
وقيل: المعنى كانت تذودان غنمهما عن الماء حتى يصدر الناس ثم تسقيان لضعفهما.
وقيل: المعنى: كانت تذودان الناس عن غنمهما.
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾، أي قال موسى للمرأتين: ما شأنكما وما أمركما في ذودكما غنمكما عن الماء.
قال ان عباس: قال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس.
قال ابن إسحاق: وجد لهما رحمة ودخلته فيهما خشية لما رأى من ضعفهما، وغلبة الناس على الماء دونهما، فقال لهما: ما خطبكما؟ أي ما شأنكما لا تسقيان غنمكما.
﴿قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم.
﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي لا يقدر يحضر فيسقس، فاحتجنا أن نخرج ونحن نساء.
ومن قرأ " يصدر " بفتح الاياء: فمعناه يصدر الرعاء عن الماء، ومن ضم فمعناه: حتى يصدر الرعاء مواشيهم عن الماء.
قال تعالى: ﴿فسقى لَهُمَا ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾، أي فسقى لهما موسى قبل الوقت الذي تسقيان فيه ثم تولى إلى الظل، وهو الموضع الذي لن يكن عليه شمس.
والفيء: الموضع الذي كانت عليه شمس، ثم زالت، والظل ها هنا: ظل الشجرة.
وقال السدي: الشجرة: سمرة.
روي أنه فتح لهما عن رأس بئر كان عليه حجر لا يطيق رفعه إلا جماعة من الناس ثم استقى ﴿فسقى لَهُمَا﴾، قال مجاهد والسدي.
قال السدي: أروى غنمهما فرجعتا سريعاً، وكانتا إنما تسقيان.
من فُضول الحياض.
قال عمر بن الخطاب: لما فرغ الناس من سقيهم أعادوا الصخرة على البئر، ولا يصير لرفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص: 23]، فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا دلوا واحداً حتى رويت الغنم، ورجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه و ﴿تولى إِلَى الظل فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].
﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء﴾ [القصص: 25]، واضعة ثوبها على وجهها ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25]، قال لها: امشي خلفي وصفي لي الطريق، فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك فيصف لي جسدك، فلما انتهى إلى أبيها ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ [القصص: 25].
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يا أبت استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: 26].
قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته: فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته، فقال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق، فإني
أكره أن يصيب الريح ثيابك، فيصف لي جسدك.
قال عبد الرحمن بن أبي نعيم: قال لها أبوها: ما رأيت من قوته؟ قالت: رأيته يملأ الحوض بسجل واحد، قال: فما رأيت من أمانته؟ قالت: لما دعوته: مشيت بين يديه، فجعلت الريح تضرب ثيابي فتلتصق إلى جسدي فقال لي: كوني خلفي فإذا بلغت الطريق فآذنيني.
وروى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن سئلت /، أي الجلين قضى موسى، فقل: خيرهما وأوفاهما، وإن شئت أي المرأتين تزوج، فقل الصغرى منهما: وهي التي جاءت إليه، وهي التي قالت: ﴿يا أبت استأجره﴾ ".
قال ابن عباس: سأل النبي جبريل صلى الله عليه وسلم: " أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما ".
وروى عتبة بن المنذر السهمي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما أراد
موسى فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها من نتاج غنمه، ما يعيشون به فأعطاهما ما وضعت غنمه من قالب لون ذلك العام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فلما وردت الحوض، وقف موسى بإزاء الحوض، فلم تمر به شاة إلا ضرب جنبها بعصاً، فوضعت قوالب ألوان كلها، ووضعت اثنين وثلاث كل شاة ووصفت النبي عليه السلام أنه لا عيب في شيء منها من عيوب الغنم، وقال: إذا فتحتم الشام وجدتم بقايا منها "
، وهي السامرية.
قال ابن عباس: فجعل يغرف لهما في الدلو ماءً كثيراً حتى كانتا أول الرعاء رياً فنصرفتا إلى أبيهما بغنمهما.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ: لما سقى الرعاء غطوا على البئر صخرة لا يقلعها إلا عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها، فسقى لهما دلواً واحداً لم يحتج إلى غيرها.
ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، أي محتاج، سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ولم يطلب أجراً على سقيه.
روي أنه كان صلى الله عليه وسلم بجهد شديد فأسمع ذلك المرأتين تعريضاً لهما أن يطعماه مما به من شدة الجوع.
والخير هنا شبعة من طعام، قاله ابن عباس وغيره.
قال ابن عباس: جاع موسى عليه السلام حتى كادت ترى أمعاؤه من ظاهر الصفاق.
وقال: ورد الماء وإن خضرة البقل لترى في بطنه من الهزال.
قال مجاهد: ما سأل ربه إلا الطعام.
قال ابن عباس: لقد قال موسى ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، وما أحد أكرم على الله جل ذكره منه، ولقد افتقر إلى شق ثمرة، ولقد لزق بطنه بظهره من الجوع، والفعل من فقير، فقر، وافتقر.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء﴾،
أي فجائته موسى إحدى المرأتين تمشي على استحياء.
قيل: أتته مستترة بكم ذرعها، واضعة يدها على وجهها.
وقيل: على استحياء منه، وفي الكلام حذف.
والتقدير: فذهبتا إلى أبيهما قبل وقتهما، فخبرتاه بخبر موسى وسقيه، فأرسل وراءه بإحداهما فجاءته تمشي على استحياء، فقالت له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾، أي ليثيبك أجر سقيك غنمنا.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾، أي فمضى موسى معها، فلما جاءه وأخبره خبره مع فرعون وقومه من القبط، قال له شعيب: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾، ولم يكن لفرعون يومئذ سلطان على مدين وناحيتها.
وقيل: إنه لم يكن شعيباً، إنما كان مؤمناً جد أهل ذلك الماء والأول أشهر،
وفيه اختلاف سنذكره.
قال ابن عباس: استنكر شعيب سرعة صدورهما بغنمهما، فقال: إن لكما اليوم لشأناً، فأخبرتاه الخبر، فأرسل إحداهما خلفه.
قال السدي: أتته تمشي على استحياء منه فقالت له:
﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، فقام معها، وقال لها: امشي فمشت بين يديه، فضربتها الريح، فنظر إلى عجيزتها، فقال لها موسى: امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت، فلما جاء الشيخ، وقص عليه خبره قال له.
﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾.
وروي: أنه قال لها: إنا لا ننظر في أدبار النساء، فأخبرت أباها بقوله.
قال مالك: مشى خلفها ثم قال لها: امشي خلفي، فإني عبراني لا أنظر في أدبار النساء، فإن أخطأت فصفي لي الطريق، فمشى بين يديها وتبعته، ثم قالت إحداهما لأبيهما ﴿يا أبت استأجره﴾، أي لرعي غنمك، والقيام عليها ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾.
وروي عن ابن عباس: أنه قال: لما قالت له ﴿القوي الأمين﴾ اختطفته الغيرة فقال لها أبوها: وما يدريك ما قوته، وأمانته؟ فقالت له: أما قوته فما رأيت منه حين سقى لنا لم أر رجلاً/، قط أقوى في ذلك السقاء منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقبلت إليه، وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب برأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلي حين بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فلم يفعل ذلك إلا وهو أمين، فسري عنه وصدقها، فمعناه القوي على حفظ ماشيتك وإصلاحها، الأمين عليها، فلا تخاف منه فيها خيانة.
وقيل: إنه رفع عن البئر حجراً لا يرفعه إلا فئام من الناس، فتلك قوته.
قاله مجاهد.
وقيل: استقى بدلو لم يكن يرفعه إلا جملة من الناس.
واسم إحدى المرأتين " ليا " والأخرى " صفور " وهي امرأة موسى، وهي الصغيرة.
وقيل: اسمها صوريا.
قال ابن إسحاق: اسم إحداهما صقورة والأخرى شرقا.
ويقال: ليا، واختلف في أبيهما.
فقال الحسن: يقولون هو شعيب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو عبيدة: هو بيرون بن أخي شعيب.
وهن ابن عباس: أن اسمه يثرى.
قال تعالى: ﴿قَالَ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾.
أي قال أبو المرأتين لموسى: إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين ﴿على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، أي على أن تثيبني من تزويجكها رعي ماشيتي ثماني سنين، فجعل صداقها خدمته ثمانية أعوام، وقد استشهد بعض العلماء على أن الاختيار أن يقال في الصدقات أنكحه إياها بقوله: ﴿أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي﴾، وهو عنده أولى من أنكحها إياه.
ومنه قوله تعالى: " زوجناكها " ولم يقل زوجناها إياك.
وقد قال مالك: إن من غيره نكاح البكر ما في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿ إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي﴾ ولم يذكر في هذا استشاراً.
ثم قال له: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾، أي أن زدتني في الخدمة عامين حتى تصير إلى عشر فبإحسان منك، وليس مما اشترطه عليك ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾، باشتراطي ذلك عليك ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، أي ستجدني في إتمام ما قلت لك والوفاء به، وفي حسن الصحبة من الصالحين.
وفي هذا النكاح أشياء هي عند أكثر العلماء خصوص لموسى ومن زوجه، من ذلك قوله ﴿إِحْدَى ابنتي﴾، ولم يعينها، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين.
ومن ذلك أن
الأجرة لم تعين في خدمة ثمانية أعوام أو عشرة فهذا خصوص لموسى ومن زوجه عند أهل المدينة.
وكذلك النكاح على عمل البدن لا يجوز لأنه غرر، وفيه أنه دخل ولم ينقد شيئاً وقد أجازه مالك إذا وقع، والأحسن أن ينقد شيئاً من جملة الصداق المعلوم المتفق عليه.
قال تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، ما من " أيما " زائدة أي مضافة إلى الأجلين، ومعناه أي قال موسى لأبي المرأتين ذلك واجب علي في تزويجي إحدى ابنتيك، فما قضيت من هذين الأجلين فليس لك علي مطالبة بأكثر منه: ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، هذا من قول أبي المرأة، والتقدير: والله على ما أوجبه كل واحد منا على نفسه شهيد وحفيظ.
قال ابن عباس: الجارية التي دعته هي التي تزوج.
قال السدي: أمر أبو المرأتين إحدى ابنتيه أن تعطي موسى عصاً، فأتته بعصاً كان قد استودعها عنده ملك في صورة رجل، فلما رآها الشيخ قال: لا، إيتيه
بغيرها، فألقتها تريد أن تأخذ غيرها، فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل يرددها فلا يخرج في يدها غيرها، فأعطاها له، فخرج موسى معه فرعى بها، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، وخرج يتلقى موسى، فلما لقيه قال: أعطيني العصا، فقال موسى: هي عصاي، فأبى أن يقضي بينهما، فقال: ضعوها في الأرض، فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ فرعاها له عشرة سنين.
قال ابن عباس: كان موسى أحق بالوفاء.
قال كعب: تزوج موسى التي تمشي على استحياء وقضى أوفى الأجلين.
وقال ابن زيد: قال أبو الجارية لموسى: ادخل ذلك البيت، فخذ عصاً تتوكأ عليها، فدخل موسى، فلما وقف على باب البيت، طارت إليه تلك العصا فأخذها، فقال /، الشيخ: أرددها وخذ أخرى مكانها، فردها ثم ذهب ليأخذ أخرى فطارت إليه كما هي، فقال: أرددها حتى فعل ذلك ثلاثاً، فقال: أرددها، فقال: لا آخذ
غيرها اليوم، فالتفت إلى ابنته، فقال: يا بنية إن زوجك لنبي.
قال عكرمة: كان آدم قد خرج بعصا موسى من الجنة، ثم قبضها بعد ذلك جبريل صلى الله عليه وسلم فلقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾، أي العشر سنين.
وروي: أنه زاد مع العشر عشراً.
قاله مجاهد، وابن جريج.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبريل عليه السلام: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما " ومعنى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي انصرف بامرأته شاخصاً إلى مصر ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾، أي أحس وأبصر من جانب الجبل الذي اسمه الطور ناراً ﴿قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا﴾، أي تمهلوا وانتظروا لعلي آتيكم من النار بخبر، أي أعلم لم أوقدت ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار﴾، أي قطعة غليظة من الحطب فيه نار لكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي تتسخنون من البرد الذي بكم.
وروي أن موسى عليه السلام كان رجلاً غيوراً لا يصحب الرفاق، فأخطأ الطريق بالليل للأمر الذي أراده الله، فرأى بالليل ناراً فقال لأهله: أقيموا لعلي آتيكم من عند هذه النار بخبر يدلنا على الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، كان بهم برد بالليل، ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ.
. . ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ [القصص: 30]، وأمر أن يلقي عصاه على ما أعلمنا الله به.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن﴾،
أي فلما أتى موسى النار، نودي من شاطئ الوادي أي من عدوته وجانبه الأيمن، أي مِن على يمين موسى ﴿فِي البقعة المباركة﴾، أي المطهرة، لأن الله كلم
موسى فيها وقوله ﴿مِنَ الشجرة﴾ سئل بعض العلماء عن هذا فقال: كلمة من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة.
قال قتادة: من عند الشجرة وهي عوسج.
وقال وهب بن منبه: هي العليق.
وقيل: هي سمرة.
وقيل: كانت عصا موسى من عوسج، والشجرة من عوسج.
وقوله: ﴿أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾، أي نودي بهذا ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ أي ونودي بأن إلق عصاك، فألقاها موسى، فصارت حية تسعى، فلما رآها موسى تهتز، أي تتحرك كأنها جان، الجان نوع معروف من الحيات،
وهي منها عظام ﴿ولى مُدْبِراً﴾، أي هارباً منها ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، أي لم يرجع على عقبيه.
قال قتادة: لم يلتفت من الفرق.
روي أنه ألقاها صارت ثعباناً، فلم تدع صخرة ولا شجرة إلا ابتلعتها حتى سمع موسى صريف أسنانها، فحينئذ ولى مدبراً خائفاً، فناداه ربه لا إله إلا هو: ﴿ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾، فذهب عنه الخوف، وكان سنة في ذلك الوقت أربعين سنة، ثم أمر بأن يدخل يده في جيبه، ففعل، فخرجت نوراً ساطعاً، وأمر بضم يده إلى صدره من الخوف، ففعل فذهب خوفه.
وروي: أنه ليس من خائف يضم يده إلى صدره إلا نقص خوفه، وقوله: ﴿ياموسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾، أي قال الله: يا موسى أقبل إلي ولا تخف
من الذي تهرب منه ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾، من أي تكون تضرك إنما هي عصاك.
قال وهي: قيل له: ارجع إلى حيث كنت، فرجع، فلف ذراعته على يده فقال له الملك: أرأيت إن أراد الله جل ثناؤه أن يصيبك بما تحذر، أينفعك لفك يدك؟ فقال: ولكني ضعيف خلقت من ضعف، فكشف يده، فأدخلها في فم اليحة، فعادت عصاً.
وقيل: إنه أدخل يده في فم الحية بأمر الله فعادت عصاً.
قال تعالى: ﴿اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾، أي أدخل يدك في جيب قميصك تخرج بيضاء من غير برص، قاله قتادة.
قال الحسن: فخرجت كأنها المصباح، فأيقن موسى أنه لقي ربه.
﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب﴾، قال ابن عباس ومجاهد: يعني يده.
وقال ابن زيد: الجناح: الذراع، والعضد والكف، واليد.