الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 1293-1332
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الكهف

صفحات 1293-1332
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

يحرمون الزنا ما ظهر منه، ويسمحون فيما أسر، يقولون: ما ظهر منه لؤم، وما خفي منه فلا بأس به، فأنزل الله ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 152]. وقال السدي وغيره: ولا مسافحات معلنات بالزنا.
قوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ أي: صرن ممنوعات الفروج بالأزواج وهذا المعنى يدل على الضم في الهمزة.
وقيل: أحصن: أسلمن قاله السدي وهذا المعى يدل على القراءة بفتح الهمزة.
وقال سالم والقاسم: إحصانها عفافها، وإسلامها.
وأكثر الناس على أن المعنى فإذا تزوجن.
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ معنى ذلك: إذا أتت الأمة بزنى بعدما أحصنت بالزوج فعليها ﴿نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ أي الحرائر الأبكار.
وقيل: ذوات الإسلام التي أحصنهن دينهن غير محصنات بأزواج.
وقوله

﴿مِنَ العذاب﴾ أي: من الحد إذا زنيت.
وسميت البكر محصنة لأنه يكون بها فيما يستقبل كما يقال: ضحته قبل أن يضحي بها، وقيل: المحصنات هنا المتزوجات، فعلى الإماء المتزوجات نصف حد الحرة وهو خمسون، والرجم لا يتبعض لأن المرجوم قد يموت بحجر واحد، وربما لم يمت بألف حجر، فنصف الرجم متعذر حده، فلا بد من الرجوع إلى نصف الجلد.
وق قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا زنت الأمة فاجلدوها " وإحصان الأمة إسلامها، وقد يجوز أن يكون معنى قوله ﴿نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ يعني من الأبكار لأن إحصان الحرة قد يكون العفاف، وقد يكون الإسلام، وقد يكون التزويج، ولا يحصن الأمة لا تزويج ولا غيره إلا: الإسلام.
و ﴿العذاب﴾ الحد غير الرجم، قال ابن عباس: على الأمة إذا زنت وهي مع حر نصف حد الحرة، وهو خمسون والمعنى فلازم لهن نصف حد الحرة.
قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ﴾ معناه ذلك الذي أبيح من نكاح الأمة لمن خشي العنت، وهو الزنا.
وقيل: هو الإثم.
وقيل: العقوبة.

وقيل: الهلاك.
وأصل العنت في اللغة المشقة يقال: أكمة عنوت إذا كانت شاقة، فهذا يدل على جواز نكاح الإماء إنما يكون باجتماع الشرطين المذكورين، وهما: عدم الطول، وخوف العنت وروي عن علي رضي الله عنهـ أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد الطول إلى الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر.
قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: عن نكاح الإماء خير لكم ﴿والله غَفُورٌ﴾ أي: غفور لكم عن نكاحهن على ما نصه لكم، وأذن لكم فيه قال ذلك السدي وابن عباس وطاوس وغيرهم.
قوله: ﴿رَّحِيمٌ﴾ أي: رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الاقتدار وعدم الطول للحرة.
قوله ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية.
المعنى يريد الله أن يبين لكم حلاله من حرامه، ويبين لكم طرق الإيمان من قبلكم لتتبعوه، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرجع بكم إلى طاعته ﴿والله عَلِيمٌ﴾ عليم بمصلحة عباده حكيم في تدبيره فيهم.
والمعنى عند النحويين يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ومثله

﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 13] أي: أمرت بهذا لأعدل بينكم، وفي هذه الآية عند أهل النظر دليل على أن ما حرم علينا قد حرم على من قبلنا لقوله ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾، وقيل: المعنى سنن من قبلكم من المؤمنين خاصة.
قوله ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
والمعنى والله يريد أن يرجع بكم إلى طاعته ليغفر لكم ما سلف لكم من ذنوبكم في جاهليتكم من نكاحكم حلائل آبائكم وأبنائكم، وغير ذلك مما ركبتموه ﴿وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ﴾ أي: ترجعوا عن الحق وهو الزنا.
قال مجاهد: يريدون أن تزنوا مثلهم.
ومعنى الشهوات: شهوات الدنيا ولذاتها.
وقيل: هم اليهود والنصارى قاله السدي، وقيل: هم اليهود خاصة يريدون أن تنكحوا الأخوات من الأب مثلهم لأنهم يحلون ذلك.

وقال ابن زيد: هم طلاب الباطل، وأهل الزنا.
قوله ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الآية.
أي: يريد أن يوسع عليكم في نكاح الفتيات المؤمنات عند عدم الطول، وخوف العنت: ﴿وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ أي لا يستطيع الصبر عن شهوة النساء.
وقرأ ابن عباس: وخلَق الإنسانَ بالفتح أي: وخلق الله الإنسان شعيفاً، يعني ضعيفاً في أمر النساء لا يقدر على الصبر عن الجماع.
قال أبو محمد رضي الله عنهـ: وتخفيف الله (تعالى) عن عباده أعظم من أن يحصى، لم يكلفهم ما ليس في وسعهم ولا ما يطيقون، وضاعف حسناتهم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة مثل " وإذا همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه شيء وتكتب له حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فإن استغفر منها محيت عنه " وفضل الله

ورأفته بخلقه أكثر من أن يحصى.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ﴾ الآية.
﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة﴾ الأكثر في كلام العرب أن تستعمل إلا أن يكون في الاستثناء لغير ضمير فيها على معنى إلا يحدث أو يقع وإن في موضع نصب استثناء ليس من الأول واختار أبو عبيدة النصب على إضمار الأموال في تكون، وغير مختار عند أهل اللغة لأن أكثر كلام العرب في هذا لا يضمرون فيها شيئاً.
ومعنى الآية إنهم نهوا عن أكل الأموال بالربا، والقمار والظلم والبخس ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة﴾ فليربح ما شاء فيها قال ذلك السدي، وغيره وهو اختيار الطبري فهي محكمة.
وقيل: نزلت في ألا يأكل أحد متاع أحد إلا بشراء، أو بقيود، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ [النور: 61] الآية.

قال ذلك الحسن وعكرمة وغيرهما.
قال الطبري: في هذه الآية دليل على فساد قوله من ينكر طلب الأقوات والتجارات، والصناعات من المتصوفة الجهلة لأنه حرم أكل الأموال بالباطل، وأباح أكلها بالتجارات عن تراض من البائع والمشتري، ومعنى ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ هو الخيار فيما تبايعا فيه ما لم يفترقا من مجلسهما الذي تبايعا فيه، وهو قول الشافعي.
وقيل: التراضي هو الرضى بعقد البيع والشراء، فإذا تراضيا فقد تم البيع افترقا أو لم يفترقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
وقال القتبي ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ [عن] موافقة منكم لما أحله الله تعالى وتورع عما

حرمه من القمار والربا والبيوع الفاسدة.
وقيل: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ عن رضى من البائع والمشتري.
قوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ". وقيل معناه: لا تتجروا في بلاد العدو فتغدروا بأنفسكم.
وقرأ الحسن " ولا تقتّلوا " بالتشديد على التكثير.
﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾، أي: رحمكم الله بأن حرم دماءكم، بعضكم على بعض.
قوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً﴾ الآية.
المعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن اعتداء وظلماً ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾.
وقيل: المعنى ومن يفعل ما قد حرم الله عليه مما ذكر في أول السورة إلى ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾.

وقيل: المعنى من يأكل مال أخيه بالباطل ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾.
والعدوان المجاوزة للشيء ﴿نُصْلِيهِ﴾ نورده ناراً فيصلاها.
قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.
الكبائر هي: من أول السورة إلى ثلاثين آية منها في قول جماعة من العلماء.
وقال علي رضي الله عنهـ على المنبر في الكوفة: والكبائر سبع فسئل عنها، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يريد أن يرجع الرجل أعرابياً بعدما هاجر إلى الله (تعالى) ورسوله.
وقيل: الكبائر منصوصة في كتاب الله عز وجل على ما روي عن علي رضي الله عنهـ وهي سبع قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾ [الحج: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: 10] وقوله: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الرباوا لاَ يَقُومُونَ﴾ [البقرة: 275].

وقوله: ﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ [النور: 23].
وقوله: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾ قال فيمن ولي ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ [الأنفال: 16] وقوله: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً﴾ [النساء: 92].
وقوله: ﴿إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: 25].
وقال عطاء: الكبائر سبع وهي: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنات، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وروي أن ابن عمر قال: تسع زاد على ما قال عطاء: السحر، والإلحاد في البيت الحرام.
وقال ابن مسعود: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾ [الحج: 31].
وقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ [الحجر: 56] وقال: ﴿لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ [يوسف: 87] وقال ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: 99].

وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو (كبيرة)، وروي عنه أنه قيل له: أسبع هي، قال: هي إلى السبعين أقرب.
وأنه قال هي إلى سبع مائة أقرب.
وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وقاله عمر رضي الله عنهـ وروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو عذاب وهذا قوله جامع.
وقال الحسن: الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار في كتابه: كالشرك، وهو أكبر الكبائر، وقتل النفس، وأكل الربا، والزنا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والإدمان على الخمخر وشبهه.
وقد يكون الذنب صغيراً فإذا أصر عليه صار كبيراً بالإصرار عليه، وترك التوبة، والإقلاع عنه، فالإصرار على الذنب ذنب عظيم.
(وقيل: الكبائر كل ما لا يقبل معه عمل، نحو الشرك بالله سبحانه، وقيل الأولاد، والسحر، والكفر برسول الله عليه السلام وبآبائه، وشبهه).
وقال زيد بن أسلم: كل ذنب يصلح معه عمل فليس بكبيرة والله يغفر

السيئات والحسنات.
وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور عند الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى.
ومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر.
" والندم توبة " والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات.
وقال أبو بكر رضي الله عنهـ: إن الله يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا.
وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.
و " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قوله الزور (أو) قال وشهادة الزور " وروي أنه قال: " اليمين الغموس ". وروي عنه أنه قال: " من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب

الكبائر، فله الجنة، قيل: وما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف ". وقال ابن مسعود " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر؟ فقال: " أن تدعو لله نداً وقد خلقك، (وأن تقتل ولدك) من أجل أن يأكل معك، أو تزني بحليلة جارك، وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68] ". وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هو الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف وقذف المحصنة، وقل الزور، والغلول، والسحر وأكل الربا واليمين الغموس ". ومعنى قوله ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أنه تعالى وعد أن يكفر الصغائر باجتناب الكبائر وقال النبي عليه السلام: " اجتنبوا الكبائر وسددوا وابشروا ". وقال ابن مسعود: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾

وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: 40] وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48 - 116] وقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: 110] وقوله: ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 151] الآية.
قال (ابن عباس): ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة لما طلعت عليه الشمس وغربت أولها ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 26].
الآية، والثانية ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 27] الآية، والثالثة ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: 28] الآية ثم ذكر الخمس التي ذكرها ابن مسعود.
وقيل: إن السيئات تكفرها الصلوات الخمس ما اجتنبت الكبائر.
ومن فتح الميم من (مَدخلاً) احتمل أن يكون مصدر دخل، وأن يكون

اسماً للمكان من أدخل، والمدخل الكريم هو المكان الحسن في الجنة.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ الآية.
نهى المؤمنين أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض وأمرهم أن يسألوه من فضله، وروي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: لا نعطى الميراث؟ ولا نغزو في سبيل الله تعالى فنقتل؟ فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هو الرجل يقول: وددت لو أن لي مال فلان، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يسألوه من فضله لأن التمني يورث الحسد والبغي.
وقال السدي: نزلت في الرجال والنساء.
وقال الرجال: لو كان لنا من الأجر مثلا ما للنساء كما لنا من الميراث مثلا ما لهن، وقال النساء: لو كان لنا أجر مثل الرجال الشهداء، فلو كتب علينا القتال لقاتلنا، فقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ وقال ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾.
وقال ابن جبير: ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ العبادة.
وقيل: اسألوه التوفيق، والعمل بما يرضيه.

﴿إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾.
أي: لم يزل عالماً بما يصلح عباده، فلا يحسد بعضهم بعضاً.
قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن﴾ المعنى: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الأبواب على الطاعة، والعقاب على المعصية وللنساء مثل (ذلك).
وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء شيئاً، فلما أنزل الله ميراثهم، قال النساء: لو جعل أنصباءنا (في الميراث كالرجال، وقال الرجال: إنَّا لنرجو أن نفضل النساء في الحسنات في الآخرة كما فُضِّلنا) في الدنيا عليهن بالميراث فأنزل الله تعالى ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن﴾ يقول: المرأة تجزى بحسنتها ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
وقيل: إنه لما نزل ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث فأنزل الله عز وجل ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا﴾ أي: من الذنوب وللنساء مثل ذلك ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾.

وقيل: المعنى: للجميع نصيب من موتاهم.
وقيل: المعنى: للرجال نصيب من موتاهم.
وقيل: المعنى: للرجال نصيب من الأجر وهو الجهاد، وخصوا به وبأجره، وللنساء نصيب من الأجر خصصن به، وهو حفظها لزوجها في السر والعلانية، ونظرها لزوجها، وطاعتها له وإصلاحها عليه كل لها فيه أجر خصت به.
قوله ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا موالي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ الآية.
الموالي: الورثة، يعني العصبة، كذلك قال ابن جبير عن ابن عباس، وقال مجاهد وقتادة: فالمعنى ولكلكم جعلنا عصبة يرثون ما تركتم، ولفظ الآية عام يراد به الخصوص إذ ليس [كل إنسان له عصبة معلومة ترثه، وكل إنسان له عصبة غير معلومة.
وقد قال مالك: كل] من هلك من العرب فلا يخلوا أن يكون له وارث بهذه الآية وإن لم تعرف عينه.
قوله: ﴿والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجل يحالف الرجل وليس بينه

وبينه نسب يرث أحدهما الآخر، فأمروا أن يعطوهم نصيبهم.
ثم نسخ الله ذلك بالميراث بقوله ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: 75، والأحزاب: 6] وقال ابن عباس: " كانت الأنصار ترث المهاجرين للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم حين نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا موالي مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ فنسخت ما كانوا عليه.
قوله ﴿والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ يعني من النصر والنصيحة والرفد ويوصى لهم.
وقال ابن عباس وغيره: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأحزاب: 6] ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ﴾ [الأحزاب: 6] أي: إلا أن ترضوا للذين عاقدتم وصية، فهي لهم جائزة من الثلث.
والمعاقدة التي كانت بينهم هو أن يقول: دمي ودمك، وتطلب بي وأطلب بك، وتورثني وأرث بك، فجعل في أول الإسلام السدس من المال، ويقسمُ الباقي في الورثة ثم نسخ ذلك في الأنفال.

وقيل: نزلت في الذين كانوا يتبنون في الجاهلية، فأمروا أن يوصوا لهم ونسخ فرضهم.
وقال ابن إسحاق: كان الرجل الذليل يأتي العزيز فيعاقده باليمين ويقول له: أنا ابنك، ترثني وأرثك، وحرمتي وحرمتك، ودمي ودمك، وثأري ثأرك، فأمر الله عز وجل بالوفاء لهم قبل تسمية الميراث، ثم نسخ بالميراث في الأنفال.
قوله: ﴿الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾ الآية.
قال ابن عباس: الرجل أمين على المرأة تطيعه فيما أمرها به، فهو قائم عليها يقوم بنفقتها، ومؤنتها ويسوق مهرها، فهو فضله (الذي فضله) الله عز وجل عليها.
وقال السدي: معنى قوله: " قوامون يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن.
وهذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، لطم امرأته فخوصم، إلى النبي عليه السلام فقضى لها بالقصاص فأنزل الله عز وجل ﴿ الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾ الآية: فلم يقتص منه، قاله الحسن وقتادة.

وقيل: إن قوله ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114] نزل في أمر الرجال حين جعل عليه القصاص، وعلى ذلك أهل التفسير.
كان الزهري يقول: ليس بين الرجل، وامرأته قصاص فيما دون النفس.
وروي أن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما بال النساء لهن نصيب وللرجال نصيبان؟ ما بال شهادة امرأتين مثل شهادة رجل؟ وذكرت أشياء في فضل الرجال، فأنزل الله عز وجل ﴿ الرجال قوامون عَلَى النسآء﴾.
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنهـ: " قدمتُ الشام، فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوقع في نفسي أَنَّا أحق أن نفعل هذا بالنبي فلما قدمت المدينة سجدت له، فقال ما هذا فأخبر (ته) بما رأيت فقال: " لو كنت آمراً أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي امرأة حق الله عليها حتى تؤدي حق زوجها " ". ومعنى: ﴿بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ الآية.

أي: بفضل الرجل على النساء، كانوا قوامين عليهن بما فضل، هو جودة العقل والتمييز والإنفاق، وسَوْق المهر والجهاد وجواز الشهادة وغير ذلك، كله فضل به الرجل على المرأة.
قوله: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أموالهم﴾: " فضل الرجال على النساء بما ذكرنا، ﴿وَبِمَآ﴾ ساققوا من أموالهم إلى النساء من مهور ونفقة ﴿فالصالحات﴾ هن المستقيمات لأزواجهن " ﴿قانتات﴾ أي: طائعات لله ولأزواجهن ﴿حافظات لِّلْغَيْبِ﴾ أي يحفظن أنفسهن عند غيبة أزواجهن [في فروجهن وأموال أزواجهن.
وقيل: المعنى: طائعات لأزواجهن] ما غاب عنهم من سرهن وشأنهن.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " " خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك.
وإذا أمرتها أطاهتك وإذا غبت عنها حفظتك، في مالك ونفسها " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فالصالحات قانتات﴾ الآية ". ومعنى ﴿بِمَا حَفِظَ الله﴾ أي: يحفظ الله إياهن: أي صيرهن كذلك قال سفيان:

لحفظ الله إياها إذ جعلها كذلك.
ومن نصب " الله " وهي قراءة جعفر، فالمعنى: فيهن يحفظهن الله في طاعته، وأداء حقه فيما لزمهن به في حفظ غيبة أزواجهن، كقولك للرجل: ما حفظت الله في كذا وكذا والمعنى: بمراقبتهن في حفظ أزواجهن.
وفي قراءة ابن مسعود: بما حفظ الله فأحسنوا إليهن وأجملوا.
والرجل له الحجر على المرأة بنفسها، ومالها إذا تجاوزت الثلث ولا تفعل شيئاً إلا بإذنه إلا في الفرائض التي فرض الله عليها، فلا طاعة له غليها في ذلك من الصلوات وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، هذا مذهب مالك، وله أن

يؤدبها تأديباً غير مبرح.
قوله: ﴿والاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ الآية.
" واللاتي " في موضع رفع بالابتداء، وتقديره عند سيبويه: وفيما يتلى عليكم الألاتي، والمحذوف: الخبر، وعند غيره: الخبر: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، ويجوز أن تكون " اللاتي " في موضع نصب على قول من قرأ: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: 38] بالنصب.
و ﴿تَخَافُونَ﴾ عند الفراء وأبو عبيدة بمعنى توقنون وتعلمون، (وهو) على بابه عند غيرهما.
والنشوز هو: امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من طاعته.
وأصل النشوز الارتفاع والانزعاج، فكأنهن ارتفعن عن أداء حق الأزواج، وطاعتهم يقال: نشزت ونشصت.
وقيل: النشوز البعض قاله السدي.
وقال ابن زيد: النشوز المعصية والخلاف.
وقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه.

وقال ابن عباس: هو أن تستخف بحقه، ولا تطيع أمره " فعظوهن " أي: خوفوهن، وذكروهن الله.
وقال ابن عباس: فعظوهن بكتاب الله وبطاعته، وهو قول الجماعة.
﴿واهجروهن فِي المضاجع﴾ إذا لم يرجعن مع الوعظ فاهجروهن بترك جماعهن ومضاجعتهن.
وقال السدي: وغيره: " يرقد عندها ويوليها ظهره، ويطؤها ولا يكلمها ". روي عن ابن عباس أنه قال: يهجرها في المضجع من غير أن يذكر نكاحاً، وذلك عليها شديد.
(وقيل: المعنى [اهجروهن في الكلام حتى يرجعن إلى مضاجعتكم كأنه قال]: اهجروهن من أجل المضاجع.
وقال ابن عباس الهجران إنما هو في أمر المضجع، وأنها لو تركت لم تضاجع، وقال ابن جبير اهجروهن يأتين مضاجعكم).
وقال عكرمة وغيره: إنما الهجران بالمنطق، ويلزم من قال هذا أن يقطع الألف لأنه إنما يقال في هذا المعنى الإهجار، يقال: أهجر فلان في منطقه إذا تكلم بالقبيح.
وروى أبو هريرة رضي الله عنهـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا باتت المرأة مهاجرة لزوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع ".

وقوله ﴿واضربوهن﴾ أي: إن لم يرجعن بالهجران في المضاجع، فيضربن ضرباً غير مبرح، كذلك قال المفسرون: وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة له " ضرباً غير مبرح " وعنه " غير مؤثر ". واختار الطبري في الآية أن يكون المعنى: واضربوهن من أجل المضاجع.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ إلى ما يجب عليهن ﴿فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي: فلا تلتمسوا عليهن طريقاً في الظلم، وهو التعالي عليهن ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً﴾ المعنى لا تبغوا عليهن العلل فتٌعلوا أيديكم عليهن، فإن الله ذو علم فوقكم وفوق كل شيء، فأيديكم وإن كانت عالية، فليس من أجلها علوا تبغوا عليهن، وتطلبوا العلل فإن الله أعلى يداً وأكبر من كل شيء.
وقيل: المعنى: لا تبغوا عليهن سبيلاً لا تكلفوهن الحب لكم إنما لكم عليهن المساعدة في الجماع أما القلب فليس بيدها منه شيء.
قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية.
خفتم عند أبي عبيدة بمعنى أيقنتم، ورد ذلك الزجاج وقال: لو أيقنا لم نحتج إلى الحكمين، وخفتم على بابه.
والمعنى: وإن خفتم أيها الناس مشاقة أحد الزوجين لصاحبه، وهو إتيان كل واحد منهما ما يشق على الآخر فالمرأة تقصر عن أداء حقه،

والزوج أن يمسك بغير معروف ﴿فابعثوا حَكَماً﴾ هذا مخاطبة للسلطان الذي يرفع إليه أمرهما قال: وإذا نشزت المرأة يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا وكذا، ويشتكي بما تشتكي منه، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فيشتكي أيضاً بما يشتكي الزوج منه، فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ عليه.
وقال السدي: " المرأة تبعث حكماً من أهلها، والرجل نفسه يبعث حكماً من أهله بتوكيل كل واحد منهما، لكنها بالنظر لهما، فيعملان ما وكل به، وروي ذلك عن علي رضي الله عنهـ. وروي عنه أنه قال لحكمين وَجَّه بهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.
وقال ابن عباس: (بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما) فإن عثمان قد بعثهما.
قال مالك: أحسن ما سمعت من أهل العلم أن الحكمين يجوز قولهما بين الرجل والمرأة في الفرقة والاجتماع.
وقال قتادة: يبعث السلطان الحكمين ليعرفا الظالم من المظلوم، فيحملاهما على الواجب فلا يفرقان بينهما.
وقال الشافعي: لا يفرقان إلا بأمر الزوج.
وقال جماعة: حكم الحكمين ماذ في التفرقة وغيره، وإنما يأتي الحكمان فيخلو حَكَم الرجل به ويسأله عما يشتكي.
ويخلو حَكَم المرأة بها، ويسألها عما تشتكي؟ ثم يجتمعان، فيجتهدان، فإن رأيا التفريق فرقا، وإن رأيا الترك تركا، وأصلحا.
وقيل: إنهما ينظران الظالم منهما، فإن كانت المرأة وعظها، وجبرها على طاعة زوجها، وإن كان الرجل وعظاه وجبراه أن يتقي الله تعالى فيها، فيمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، والحكم هنا الناظر بالعدل، قاله الضحاك وغيره.

وقيل: هما القاضيان بينهما يقضيان بما فوض إليهما الزوجان.
وقوله: ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ قيل: الضمير للحكمين إن يريدا أن يصلحا بين الرجل والمرأة ﴿يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ﴾ أي " بين الرجل والمرأة، قال ابن عباس وابن جبير ومجاهد.
وقيل الضمير للزوجين لأنه لا يقال حكم إلا لمن يريد الإصلاح فغير جائز أن يقال: إن يرد الحكمان إصلاحاً وهما لا يسميان بهذا الاسم إلا وهما يريدان الإصلاح ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ بما يريد الزوجان أو الحكمان من إصلاح خبيراً بذلك.
قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ الآية.
قوله: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ أي: وأحسنوا بهم إحساناً كقولك ضرباً زيداً، بمعنى اضرب زيداً، وأجاز الفراء رفع إحساناً بالابتداء، والمخفوض الخبر كأنه قال: وعليكم بالوالدين إحسان.
ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر عباده بالتذلل له والطاعة ولا

يشركوا به، وأمرهم بالإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين وإلى الجار ذي القربى، وهو ذو القرابة، والرحم منك، قاله ابن عباس وغيره.
وقيل: هو الذي جمع الجوار والقرابة فله حقان، قاله الضحاك وقتادة وابن زيد.
وقيل: هو الذي تقرب منك بالإسلام والجوار، لا بالرحم.
﴿والجار الجنب﴾ هو الذي يبعد منك لا قرابة بينك وبينه، [قاله ابن عباس، وقال قتادة ومجاهد: هو جارك الذي ليس بينك وبينه] قرابة فله حق الجوار.
وقال السدي: هو الغريب يكون بين القوم، وقال: الجار الجنب: الزوجة، ذكره ابن وهب عن بعض رجاله.
وقيل: هو اليهودي والنصراني.
﴿الجنب﴾ البعد، ومنه اجتنب فلان فلاناً إذا بعد منه، ومنه قيل للجنب: جنب لبعده من الطهر، والصلاة حتى يغتسل، ومن قيل: رجل أجنبي أي بعيد غريب، فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة أي: البعيد منها.

وسئل أعرابي عن الجار الجنب فقال: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عليه عينك.
وقال القتبي: الجيران على أربعة أقسام أحدهم: من ساكنك في الدار ولهذا سمت العرب الزوجة جارة، وقال الأعشى لامرأته: أي جارتنا بيني فإنك طالقة كذاك أمور الناس غاد وطارقة.
والثاني: الملاصق منزلك، والثالث: الذي معك في المحلة، وإن لم يلاصقك وعلى هؤلاء الثلاثة وقعت الوصية من الله عز وجل والرابع: هو الذي جمعك وإياه بلد واحد يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 60] يعني المدينة.
وكان الأوزاعي يقول: الجوار أربعون دار من كل ناحية.
وقيل من سمع الإقامة فهو جار.
قال علي رضي الله عنهـ: من سمع النداء فهو جار المسجد.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الجيران ثلاثة: جار (له) عليك حق وهو

(غير) المسلم، له عليك حق الجوار، وجار له عليك حقان هو المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له عليك ثلاثة حقوق، وهو المسلم ذو القرابة له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة ". قوله: ﴿والصاحب بالجنب﴾ الآية.
قال ابن عباس وغيره: هو رفيق الرجل في سفره، وكذلك قال قتادة ومجاهد وعكرمة.
وعن ابن عباس: هو الرجل الصالح.
وكذلك روي عن علي رضي الله عنهـ، والحسن بن علي: أنه امرأة الرجل.
وعن ابن عباس مثله، وهو قول النخعي وابن أبي ليلى.
وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك ورفقك.
﴿وابن السبيل﴾ المسافر يجتاز بك ماراً، قاله مجاهد وقال الضحاك: هو الضعيف.
والسبيل: الطريق، وابنه صاحبه الماشي فيه فله حق على من يمر به إذا كان مستقره في غير معصية، وأضيف إلى الطريق لأنه إليها يأوي وفيها يبيت.

قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ يعني حض الله تعالى [خلقه] بجميع ما ذكر أن يحسنوا إليهم، قوله: ﴿مُخْتَالاً﴾ أي: ذو خيلاء وهو المفتعل من خال الرجل يخول: " والخال ثوب من.
. . . . . . . . . . " والفخور المفتخر على عباد الله عز وجل بما أنعم الله تعالى عليه من رزقه، وهو مع ذلك كفور لربه عز وجل لا يشكره، فهو مستكبر على ربه سبحانه، مستطيل مفتخر على عباد الله جلت عظمته، وقال مجاهد المختال: المتكبر.
قوله: ﴿الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ الآية.
﴿الذين﴾ " بدل مِن " مَن وقيل: هم في موضع رفع بالابتداء، والخبر ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] أي لا يظلم.
وقال الأخفش: الذين في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف دل عليه ما بعده، وتقديره الذين يبخلون قرناء الشيطان ودل

على هذا قوله: ﴿وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾ [النساء: 38] وقد أغفل النحاس في الإعراب هذا القول فلم يذكره وهو في كتاب الأخفش.
وقيل: الذين في موضع (رفع) بدل من الضمير في فخور، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني.
والبخل لغتان، وفيه [لغتان] غير هاتين، ويقال: البُخُل والبَخْل، ومعنى الآية: إن الله لا يحب المختال الفخور الذي يبخل بماله ويأمر الناس بالبخل.
وقد روي أن البخل هنا: كتمان أمر محمد عليه السلام، وعنى به اليهود والنصارى وهم يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.

ومعنى ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ هم اليهود كتموا و ﴿مَآ آتَاهُمُ الله﴾ من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما عندهم من علمه.
وقال ابن زيد: هم اليهود بخلوا بما آتاهم الله من الرزق، وكتموا ما آتاهم من العلم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
وقال ابن عباس: كان الرجل من أشراف يهود يأتون رجالاً من الأنصار، ويخالطوهم، ويستنصحون لهم، لا تنفقوا أموالكم فإنا نخاف عليكم الفقر في ذهابها، فأنزل الله عز وجل ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يكتمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمره وذلك كله في التوراة.
وروي أن فيها: خاتم النبيين، وسيد العاملين، وأمته الحمادون، ويشدون أوساطهم، ويفترسون جبالهم، تسيل دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم.
قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ أي للجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ أي مذلاً.

قوله: ﴿والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
﴿والذين﴾ في موضع جر عطف على الكافرين، ويجوز أن يعطف على ﴿الذين يَبْخَلُونَ﴾ و ﴿رِئَآءَ الناس﴾ مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال: ﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ حال كأنه: مرائين غير مؤمنين.
ويجوز أن يكون مؤمنون مرفوعاً على القطع أي: وهم لا يؤمنون.
ومعنى الآية: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ هذا من صفة المنافقين.
وقيل: هو صفة اليهود أيضاً، وهو بصفة المنافقين أليق وأحسن، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، واليهود يؤمنون بالبعث، وقد وصفهم الله تعالى أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر فهو إلى المنافقين أقرب.
قوله: ﴿وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً﴾ أي: خليلاً يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ويترك أمر الله تعالى، فبئس الخليل خليله.
قوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ﴾ المعنى: أي الشيئين على الذين يبخلون إذا أنفقوا

رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لو آمنوا وصدقوا وأنفقوا مما رزقهم الله لوجه الله، ولم يبخلوا مما رزقهم الله ﴿وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً﴾ أي هو ذو علم بما يعملون لم يزل كذلك ولا يزال.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية.
قوله: ﴿يضاعفها﴾ يدل على أضعاف كثيرة إذ لو أراد مرة لقال: يضاعفها، ومعنى الآية: إن الله تعالى لا يبخس واحداً فعل خيراً مثقال ذرة أي: قدر وزن الذرة فما فوق ذلك، والذرة في قول ابن عباس: رأس النملة الحمراء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيعظم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة " وقال صلى الله عليه وسلم: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان "، وقال الخدري: حين حدث بهذا الحديث عن النبي عليه السلام فإن شككتم (فَاقْرَءُوا) ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.

وأتى رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنهـ فقال له: بلغني أنك تقول الحسنة تضاعف ألف ألف ضعف، وقال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت تضاعف الحسنة ألفي ألف ضعف.
والذرة هنا عند أهل العلم النملة الصغيرة وقال يزيد بن هارون: زعموا أنه لا وزن لها.
وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد من عند الله تعالى: ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فيأخذه " قال فيفرح والله المرء أن له الحق على ولده وولده أو زوجته وأخته فيأخذه منه، وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101]. فيقال له: إيت هؤلاء حقوقاً؟ فيقول: يا رب من أين يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا [في] أعمله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة: يا ربنا - وهو أعلم بذلك منها - أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة، فيقول الله عز وجل لملائكته: ضعفوها لعبدي وأدخلوه برحمتي الجنة " ومصداق ذلك في كتابه {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ

حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ} أي: من عنده ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: الجنة يعطيها تفضلاً منه لا إله إلا هو، وإن فنيت الحسنات، وبقيت السيئات وبقي طالبون قال الله تعالى: ضعوا عليهم من أوزانهم واكتبوا له كتاباً إلى النار.
قوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها﴾ هذا لأهل الإيمان كلهم، وروي عن ابن عمر: أنها في المهاجرين خاصة، قال: " نزلت الآية في الأعراب ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قال: فقال رجل: ما للمهاجرين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو أعظم من ذلك وقرأ ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ الآية ". واختار الطبري أن تكون المضاعفة أكثر من عشرة للمهاجرين خاصة، وقال: هو في معنى حديث أبي هريرة، تضاعف بألفي ضعف أي للمهاجرين، واحتج بأن الله عز وجل قد اخبرنا أن الله يجزي بالحسنة عشر أمثالها، فلا يجوز أن يكون في خبره اختلاف، ولكن ذلك للمهاجرين وهذا لغيرهم.
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية.
العامل في " كيف " " جئنا " المعنى: فكيف يكون حالهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد على أعمالهم، وجئنا بك يا محمد على أمتك شهيداً، وكان النبي عليه السلام إذا أتى على هذه الآية فاضت

عيناه، وقال ابن مسعود: أمرني رسول الله عليه السلام أن أقرأ عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدموع فسكت.
قال السدي يأتي النبي يوم القيامة منهم من أسلم معه من قومه واحد والاثنان، والعشرة، وأقل وأكثر من ذلك حتى ياتي لوط صلوات الله عليه وسلم لم يؤمن معه إلا بنتاه فيقال للنبيين: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم فيقال له: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد عليه السلام.
فتدعى أمة محمد عليه السلام فيقال لهم: إن الرسل ادعوا عندكم شهادة فبم تشهدون؟ فيقولون: يا ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا في التبليغ، فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم، فيشهد محمد صلى الله عليه وسلم أن أمته قد صدقت، وأن الرسل قد بلغوا فذلك قوله ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.
ومن رواية يونس عن ابن وهب عن إبراهيم عن حيان بن أبي جيلة بسنده إلى النبي عليه السلام أنه قال: " إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل فيقول الله عز وجل: ماذا فعلت في.
. . هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم، أي رب، قد بلغت جبريل، فيدعى جبريل فيقول له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم يا رب، قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، فيقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغته الرسل، فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم، فيخلى عن جبريل ثم، يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا، فيدعى الأمم، فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب، ومنهم المصدق، فيقول الرسل: إن

لكم علينا شهداء يشهدون أنا قد بلغنا مع شهادة، فيقول الله عز وجل: من يشهد لكم؟ فيقول الرسل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول الله عز وجل: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليهم؟ فيقولون: نعم، رب شهدنا أنهم قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: (لا).
كيف يشهدون علينا ولم يدركنا؟ فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، فقصصت علينا قصصهم، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب تعالى ذكره: صدقوا، فكذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ الآية ". وقد مضى في هذه الآية ما فيه كفاية وهذه زيادة إن لم يتقدم لفظها وإن كان قد تقدم معناها.
وفي رواية أخرى عن الأوزاعي قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أول من يسأل يوم القيامة عن البلاغ: اللوح المحفوظ.
يقال: هل بلغت إسرافيل ما أمرت به؟ فيقول: نعم، قيل لإسرافيل: هل بلغك اللوح المحفوظ ما أمر به؟ فيقول: نعم، فما أرى شيئاً أشد فرحاً يوم القيامة من اللوح المحفوظ حين صدقه إسرافيل، ثم كذلك إسرافيل وجبريل والأنبياء ".

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل