الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بمعنى، تراه، وتدركه في الآخرة أي: تراه، بدلالة قوله: ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وبدلالة قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15].
وهذا من أدل ما يكون من النص على جواز الرؤية، لأن المؤمنين لا بد أن يكونوا في الآخرة إما محجوبين [عن الرؤية] أو غير محجوبين، [فإن كانوا محجوبين] فلا فرق بينهم وبين الكفار الذين حكى الله عنهم أنهم محجوبون في الآخرة، ولا فائدة في إعلام الله لنا أن الكفار محجوبون عنه، إذ الكل محجوبون، فلا بد أن يكون المؤمنون غير محجوبين عن رؤيته، بخلاف حال الكفار.
وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ أي: بالنهاية والإحاطة.
فأما الرؤية فنعم.
وقيل: معنى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ كإداركه خلقه، لأن أبصارهم ضعيفة.
وقيل: المعنى:
لا تدركه في الدنيا ولا في الآخرة، أي: أبصار الخلق التي خلقها الله [فيهم] لا يرونه بها، ولكن يحدث لهم تعالى في الآخر [حاسة] سادسة يرونه بها.
وهذه دعوى لا دليل يصحبها من أثر ولا نظر، والله قادر على كل شيء.
وقد روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَأ تَرَوْنَ هَذَا - يَعْنِي القَمَرَ - لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ " وفي بعض الرواية: " لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤيَتِهِ " وفي بعضها: " كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ فِي غَيْرِ
سَحَابٍ "، وفي بعضها: " كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ نِصْفَ النَّهَارِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ "، وفي بعضها: " كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابَةٌ ".
وقد ذكر النحاس في " تضارون " و " تضامون " واختلاف ألفاظهما ومعانيهما ثمانية أوجه.
" تُضَارَونَ " / و " تُضَامُّون " مضموم الأول مخففاً، قال: ويجوز " تُضَارُّونَ " (و) " تُضَامُّونَ " مضموم الأول مشدداً، قال: ويجوز " تَضَامُّونَ " مفتوح الأول مشدداً، وأصله: " تَتَضامُّونَ "، (ثم حذفت إحدى التاءين ك
﴿تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: 103] و ﴿تَسَآءَلُونَ﴾ [النساء: 1] قال: ويجوز " تَضَّامُّونَ " مفتوح الأول مشدد) الضاد والميم على أن
تدغم التاء الثانية [في الضاد]، كما قال: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ [البقرة: 85]، وكذلكك يجوز " تُضَّامُّونَ " و " تُضَّارُّونَ " على ذلك، التقدير في الحذف والإدغام.
والرواية فيها بالتخفيف، ومعناه: لا ينالكم عند رؤيتكم ضير ولا ضيم.
ومن رواه مشدداً مضموم الأول فمعناه: لا يُضَّارَّ بعضكم بعضاً في الرؤية، ولا يُضَّامَّ بعضكم بعضاً كما تفعلون في رؤية الهلال في الدنيا إذا [أزدحمتم] لرؤيته.
- ثم قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾.
أي: متغيرة الألوان كالحة مسودة.
وقال مجاهد: ﴿بَاسِرَةٌ﴾ " كاشرة ". وقال قتادة: " كالحة عابسة ". - ثم قال تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾.
أي: تعلم وتوقن أنه يفعل بها داهية.
قال مجاهد: ﴿فَاقِرَةٌ﴾: " داهية ". وقال قتادة: " تيقن أنها ستدخل النار "، كأن الفاقرة هي التي إذا حلت بالإنسان كسرت فقاره، أي: ظهره. - ثم قال: ﴿كَلاَّ.
. .﴾. أي: ليس الأمر على ما يظن هؤلاء المشركون ألا يعاقبوا على شركهم.
فيوقف عليها هذا التأويل، ويجوز أن تكون بمعنى " حقاً "، أو بمعنى " إلا ".
فيبتدأ (بها).
- ومعنى ﴿إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾.
يعني النفس عند الموت وحشرج بها. - ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾.
أي: وقال أهله ومن حوله: (من) يرقيه فيشفيه [لِمَا بِهِ]، وطلبوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من أمر الله شيئاً.
هذا معنى قول عكرمة وابن زيد.
وقال أبو قلابة: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾: " من طبيب وشاف "، وهو قول الضحاك
وقتادة.
وعن ابن عباس أن معناه: وقالت الملائكة - يعني أعوان ملك الموت -: من يرقى بنفسه فيصعدها؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟
يقال: رَقَى يَرْقِي من الرُّقْيَةِ.
وَرَقَى يَرْقَى من الصُّعُودِ.
واسم الفاعل فيهما رَاقٍ.
- ثم قال تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾.
أي: أيقن: بالموت فليس أحد يدفعه عنه. - ثم قال تعالى: ﴿والتفت الساق بالساق﴾.
أي: اختلطت شدة كرب الدنيا وكرب الآخرة، هذا معنى قول ابن عباس.
وعنه أيضاً أنه يقول: " آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة ". وقال الضحاك: معناه: " أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة
يجهزون الروح ". وقال قتادة: ﴿والتفت الساق بالساق﴾: " [الشدة] بالشدة، ساق الدنيا بساق الآخرة ". وقيل: " عمل الدنيا بعمل الآخرة ".
وذكر ابن زيد قولين في ذلك، أحدهما: " ساق الآخرة بساق الدنيا "، والآخر أنه حكي عن بعض العلماء أنهم قالوا: " قل ميت يموت إلا التفت إحدى ساقيه بالأخرى.
و (هو) قول مروي عن قتادة وأبي مالك والسدي.
واختار
القول (الأول) لقوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾.
وقال الحسن: هو لف ساقيك في الكفن.
وعن مجاهد في معناه: [التف] " بلاء ببلاء ".
- ثم قال تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾.
أي: إلى ربك مساقه إذا اشتد كربه وحَشرَجَتْ نفسه. - ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾.
أي: لم يصدق ولم يصل، ف " لا " نفي وليست بعاطفة، لأنها لو كانت عاطفة لأشبه [الثاني] الدعاء، والمعنى: فلم يصدق بكتاب الله، ولم يصل لله صلاة.
ولكنه ﴿كَذَّبَ وتولى﴾.
أي: كذب بكتاب الله وبنبيه، وأعرض عن القبول والطاعة.
- ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى﴾.
أي: [مضى] [منصرفاً] [متبختراً] في مشيته.
قال قتادة: ﴿يتمطى﴾: " يتبختر ". قال زيد بن أسلم: ﴿يتمطى﴾: يتبختر، وهي مشية بني مخزوم.
وهو مشتق ن المطا، وهوالظهر.
كأنه يلوي ظهره متبختراً.
ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطَاءَ " ويجوز أن يكون من مططت، ثم
[أبدل] من إحدى الطاءين ياء، كما قالوا: " تَظَنَّيْتُ " في " تَظَنَّنْتُ "، فيكون المعنى: يمد يديه ورجليه في الخطا [متبختراً].
قال مجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في أبي جهل.
- ثم قال تعالى: ﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾.
هذا وعيد وتهدد لأبي جهل.
قال قتادة: " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ الله عليه السلام أَخَذَ بِمَجَامِعِ [ثِيِابِ] أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: ﴿أولى لَكَ فأولى * (ثُمَّ أولى لَكَ فأولى)﴾، فَقَالَ عَدُوُّ الله: [أَيُوعِدُنِي] مُحَمَّدٌ؟! وَالله، مَا تَسْتَطِيعَ لِي أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ شَيْئاً، وَالله، لأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَشْرَفَ عَدُوُّ الله عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: لاَ يُعْبَدُ/ اللهُ
بَعْدَ اليَوْمِ أَبَداً، فَضَرَبَ اللهُ عُنُقُهُ وَقَتَلَهُ شَرَّ قَتْلَةٍ " والعرب تقول: " أولى (لك: كدت تهلك ثم (أفلت) ". وتقديره، أولى لك فأولى لك الهلكة، (ثم أولى لك فأولى لك الهلكة)، فهو وعيد بعد وعيد.
وقال بعض أهل المعاني: ﴿أولى لَكَ﴾ هو " أفعل " الذي للتفضيل بمنزلة " أخرى لك " و " أقبح لوجهك "، وهو مشتق من الويل.
وفيه قلب، قدمت [اللام] وهي لام الفعل قبل الياء، وهي عين الفعل، قال: وإنما فعلوا ذلك لئلا يلزمهمه من الإدغام ما [تتغير] به الكلمة.
فلو أتوا به على الأصل للزمهم أن يوقولوا: " أيل "، لأن الواو تدغم فيها [الياء] إذا تقدمت
ساكنة، بمنزلة: [ميت] وهين.
- ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾.
أي: مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، يعني بذلك الكافر.
قال ابن عباس: ﴿سُدًى﴾ مهملاً.
قال ابن زيد: " لا يفترض عليه عمل ولا يعمل ". يقال: " أسديت الشيء " بمعنى: أعلمته. - ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى﴾.
أي: (ألم) يك - هذا المنكر قُدرةَ الله على أحيائه بعد موته - ماءً قليلاً في صلب الرجال (مِن مَنِيٍّ)؟!
- ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾.
ثم دماً. - ﴿فَخَلَقَ فسوى﴾.
أي: فخلقه الله إنساناً من بعدما كان نطفة وعلقة ثم [سواه] بشراً ناطقاً سميعاً بصيراً. - ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾.
أي: فجعل من هذا الإنسان بعد ما سوّاه بشراً أولاداً، ذكرواً وإناثاً. - ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى﴾.
أي: [أليس] الذي قدر على ذلك واخترعه من غير مثال [قادراً على أن يحيي الموتى بعد مماتهمه؟! وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر (هذه) السورة يقول: بلى.
قال قتادة: " كان يقول: سبحانك، وبلى ". وأجاز الفراء الإدغام في ﴿يُحْيِيَ﴾، وهو غلط عن الخليل وسيبويه، لئلا يلتقي ساكنان.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
- قوله تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعاً بَصِيراً﴾.
" هل " [في هذا] الموضع خبر لا جحد.
وفي الكلام معنى [التقرير]، كأنه قال: قد أتى على الإنسان [ز] من طويل لم يكن شيئاً مذكوراً.
وهذا كما تقول للرجل -[تقرير -]: هل أكرمتك؟ قد [أكرمه]، هل أحسنت إليك؟ وقد أحسن إليه.
وتكون " هل " جحوداً في غير هذا الموضع، نحو قول الرجل الآخر: هل يفعل هذا أحد؟! بمعنى: لا يفعل هذا أحد، وتكون استفهاماً، وهو بابها.
وقد أجاز ابن كيسان أن تكون " هل " في الآية استفهاما على بابها، كما تقول: هل بقيت في أمرك؟.
والإنسان في الآية: آدم عليه السلام، قاله قتادة وغيره.
قال قتادة: إنما [خلق] الإنسان حديثاً، وما نعلم من خليقة الله عز وجل كانت بعد الإنسان، يقول: خَلْقُ الإنسان آخر سائر ما خلق الله من الخلق.
والحين (هاهنا) يراد به طول مكث آدم وهو طينة.
وذلك أربعون سنة في ما روي.
فكان في ذلك الوقت شيئاً غير مذكور.
وقيل: الجن هنا غير معلوم، [الله يعمله].
وقيل: الإنسان هنا يراد به الجنس فأما الإنسان الثاني فهو للجنس [بلا خلاف]، وقال مالك: الحسن هنا: ما مضى قبل ذلك من أمر الدهر كله ومن قبل أن يخلق آدم.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾.
أي: خلقنا ذرية آدم من نطفة، أي: من ماء الرجل وماء المرأة.
والنطفة كل ماء قليل في وعاء.
و (أمشاج): أخلاط.
يقال: مَشَجْتُ هذا بهذا، أي: خلطته.
وواحد الأمشاج: مشيج، مثل شريف وأشراف.
وقيل: مَشْجٌ مثل عدل وأعدال.
وقال ابن عباس: المشجان: ماء الرجل وماء المرأة.
وهو معنى قول مجاهد والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين.
وعن ابن عباس أيضاً أن معنى (أمشاج) هو انتقاله من تراب ثم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى غير ذلك.
وقاله أيضاً عكرمة وقتادة.
وقيل: (أمشاج) هي العروق التي تكون في النطفة.
روي ذلك عن ابن مسعود.
وقاله أسامة بن زيد عن أبيه.
وقيل: الأمشاج هي ألوان النطفة، (نطفة الرجل تكون بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة تكون خضراء وحمراء) /، [روي ذلك عن] مجاهد وقاله ابن أبي نُجَيْح.
فمن قال: إن الأمشاج انتقال النطفة إلى علقة، ثم مضغة، ثم غير ذلك، فتقديره: من نطفة ذات أمشاج.
ومعنى ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ نختبره.
﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾.
أي: ذا سمع وذا بصر لِتَقُوم عليه الحجة.
وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير عنده: إنا خلقنا الإنسان سميعاً بصيراً من نطفة أمشاج لنختبره.
وقد رُدَّ [عليه] هذا التقدير، لأن الفاء لا يقع معها التقديم والتأخير.
ولأن الكلام تام بغير تقديم وتأخير، فلا يخرج عن ظاهر لغير علة.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾، إلى قوله: ﴿وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾.
أي: إنا بينا له طريق لاحق وعرَّفناه.
قال مجاهد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾: الشقاوة والسعادة.
وقال قتادة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً﴾ لنعم الله ﴿وَإِمَّا كَفُوراً﴾ لها.
وقال ابن زيد: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل﴾ قال: [ننتظر] أي شيء يصنع وأي الطريقين يسلك.
ومعنى " إما " في هذا الموضع كمعنى: [" أو " إلا أنها] تدل على
المعنى في أول الكلام.
ودليل ذلك قول المفسرين: إن معناه: إما شقياً وإما سعيداً.
والشقاوة والسعادة يفرغ منهما وهو في بطن أمه.
وقيل: ﴿شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾: حالان مقدران.
وأجاز الفراء أن [تكون] " ما " زائدة [و " إن "] للشرط.
والمعنى على هذا: " إنا هديناه السبيل إن شكر وإن كفر ". وفيه بعد لأن " إن " التي للشرط لا تقع على الأسماء إلا بإضمار فعل، ولا يحسن ذلك هنا.
وقيل: تقديره على قول الفراء: " إن كان شاكراً أو كان كفوراً ".
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً﴾.
أي: إنا أعتدنا لمن كفر (وأعرض عن الإيمان) وجحد النعم [﴿سَلاَسِلاَ﴾] يوثقون بها في الجحيم ﴿وَأَغْلاَلاً﴾ تغل بها أيديهم إلى أعناقهم
﴿وَسَعِيراً﴾ أي: وناراً تسعر عليهم فتوقد.
فمن لم ينون [﴿سَلاَسِلاَ﴾] أتى به على منع الصرف لأنه جمع لا نظير له في الواحد، وهو نهاية الجمع، فثقل فمنع الصرف.
ومن وقف عليه بألف مع منعه لصرفه فعلى لغة مسموعة عن العرب.
حكى الرؤاسي والكسائي أن العرب تقف على ما لا يتصرف في حال الفتح بألف [لبيان] الفتحة.
وله حجة أخرى: وذلك أنه في بعض المصاحف
بألف.
فاتَّبَعَ السَّوَادَ في الوقف، واتبع أصل الإعراب في الوصل.
فأما من نونه، فعلى لغة مسموعة من بعض العرب.
حكى الكسائي وغيره من الكوفيين أن بعض [العرب يصرف كل ما] لا ينصرف إلا " أفعل منك ". وقال بعض أهل النظر: كل ما يجوز في الشعر يجوز في القرآن، لأن الشعر أصل كلام العرب، والعرب تصرف هذا ونحوه في الشعر.
وقيل: إنما صرف لأن أُتْبِعَ بما بعده، وهو [﴿وَأَغْلاَلاً﴾].
وكذلك الحجة في ﴿قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ﴾ [الإنسان: 15 - 16]، عند من منع صرفه ووقف بالألف.
أو بغير ألف أو صرفه.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾.
أي: إن الذين بروا ربهم بطاعتهم في أداء فرائضه واجتناب
محارمه يشربون في الآخرة ﴿مِن كَأْسٍ﴾، وهو كل إناء فيه شراب كان مزاج ما فيها من الشراب ﴿كَافُوراً﴾ يعني أن [طيب] رائحة الشراب كالكافور.
وقيل: الكافور هنا اسم لعين ماء في الجنة.
فعلى هذا، تكون ﴿عَيْناً﴾ بدلاً من " كافور ". ومن جعل الكافور صفة للشرب بنصب ﴿عَيْناً﴾ على الحال من المضمر في ﴿مِزَاجُهَا﴾.
وقيل: انتصب عين على إضمار أعني، [وقيل: هي مفعول بها بمعنى: يشربون عيناً يشرب بها عباد الله.
وقيل: هي نصب
على المدح] وقيل: التقدير: " من عين "، قلما حذف الحرف نصب.
وقال الحسن: " الأبرار: الذين لا يؤذون الذر [ولا يرضون الشر] ".
وقال محارب بن دثار: إنما سمو أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء.
فكما أن لوالديك [عليك] حقاً، كذلك لولدك عليك حق.
وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنْ أَبَرَّ الْبِرِ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أبيه ".
قال مجاهد: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ تمزج (به).
قال قتادة: " قوم تمزج لهم بالكافور وتختم (لهم) بالمسك ".
- (وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله.
. .﴾. أي: يشربها.
وقل: التقدير: يروي بها عباد الله الذين يدخلهم جنته.
وقيل: يعني بعباد الله: الأبرار خاصة الذين تقدم ذكرهم.
دليله قوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون﴾ [المطفيين: 28]، وهو الأبرار تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك). - ثم قال: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾.
أي: [يفجرون] تلك العين كيف شاؤوا حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم.
والتفجير: الإسالة للماء والإجراء له.
قال مجاهد: يعدلون بها/ حيث شاءوا ويعيدونها حيث شاءوا.
ويروى أن أحدهم إذا أراد أ، يتفجر [له] الماء شق ذلك الوضع بعود فجرى فيه الماء.
- قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾.
أي: يوفون بكل ما يجب عليهم، نذروه أو لم ينذروه.
وقال الفراء: التقدير كانوا يوفون بالنذر في الدنيا.
وكانوا ﴿وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾، أي: فاشياً ظاهراً منتشراً ممتداً.
قال قتادة: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾: " بطاعة الله وبالصلاة وبالحج والعمرة ".
وقال سفيان: ﴿يُوفُونَ بالنذر﴾: " في غير معصية "، ويخافون عذاب الله في تركهم الوفاء في يوم كان شره ممتداً.
(قال قتادة) " استصار والله شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض ".
وقال الفراء: ﴿مُسْتَطِيراً﴾ أي: [مستطيلاً].
يقال: استطار الشيء إذا انتشر.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ.
. .﴾. أي: على حبهم إياه وشهوتهم له، ﴿مِسْكِيناً.
. . ً﴾ أي: ذا حاجة، ﴿وَيَتِيماً﴾، وقوله ﴿وَأَسِيرا﴾ قال قتادة: هو المَأْسُورُ عندك المُشْرِك، قال:
وأخوك المسلم أحق منه.
وقال عكرمة: الأسير - في ذلك الزمان - المشرك.
قال الحسن: " ما كان أسراؤهم [إلا] المشركين ". وقال مالك: يعني أسرى المشركين.
وقال مجاهد: الأسير - هنا - المسجون من المسلمين.
وهو قول ابن جبير وعطاء.
وهذا كله من صفة الأبرار.
- ثم قال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله.
. .﴾. أي: يقولون إذا هم أطعموهم: إنما نطعمكم طلب رضاء الله والتقرب إليه. - ﴿لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ.
. .﴾ منكم أيها الناس على إطعامنا لكم.
- ﴿جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً﴾.
و ﴿شُكُوراً﴾ يحتمل أن يكون جمع " شُكْرٍ " وأن يكون مصدراً.
قال مجاهد: " أَمَا إنَّهُمْ (ما) تكلموا به، ولكنّ الله عَلِمَه من قلوبهم فأثنى به عليهم لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ ". ومثلَ ذلك قال ابن جبير.
وكذلك روى [الفِرْيَابِي] عن سالم الأفطس عن ابن عمر. - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً﴾.
أي: إنما نطعمكم رجاء أن [يؤمننا] الله عقوبته في يوم شديد تعيس فيه الوجوه من شدة هوله وطول بلائه، فهو نعت لليوم بمعنى النسب، كما قال: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] والقمطرير: الشديد، ومثله [القماطر]، وقد اقمطر اليوم [يقمطر اقمطراراً]: إذا اشتد بلاؤه، ومثله يوم عصيب وعصبصب.
قال ابن عباس في قوله: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال: " يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من [بين] عينيه عرق مثل القطران ". وقال قتادة: " عبست فيه الوجوه وقبضت ما بين أعينها كراهية لذلك اليوم "، وهو قول مجاهد.
وعن ابن
عباس أن العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل.
وقال ابن زيد: " العبوس: الشر ".
- ثم قال تعالى: ﴿فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم﴾.
أي: وقاهم ما كانوا يحذرون في الدنيا من شر ذلك اليوم بما كانوا يعملون في الدنيا. - ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾.
قال الحسنن: " [نضرة] في الوجوه وسروراً في القلوب " وكذلك قال قتادة.
وقال ابن زيد: نعمة وفرحاً.
وروي أن هذا كله نزل في علي بن أبي طالب.
رضي الله عنهـ.
ثم هو عام في من كان على [منهاجه في فعله].
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً﴾.
أي: وأثابهم بصبرهم في الدنيا على طاعة الله واجتناب محارمه دخول جنته.
واستعمال الحرير في اللباس والفرش. - ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك﴾.
نصب ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ على الحال من الهاء والميم في ﴿وَجَزَاهُمْ﴾.
" وجزى " هو العامل في الحال.
ولا [يحسن] أن يعمل فيه ﴿صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة.
ويجوز أن ينتصب على النعب للجنَّة " لأنه
قد عاد [عليها] من نعتها عائد (وهو) ﴿فِيهَا﴾.
وقوله: ﴿على الأرائك﴾، واحد الأرائك: أريكة وهي [السرر] في الحجال.
- وقوله ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾.
" شمساً] في موضع الحال من الهاء والميم، (أو) في موضع النعت لجنةً، أي: غير رائين في الجنة شمساً تؤذيهم بحرها، ولا برداً شديداً يؤذيهم [بشدته].
قال مجاهد: الزمهرير: البرد المُقَطِّعُ.
وقال قتادة: " علم الله جل ذكره أن شدة البرد [مؤذ].
وشدة الحر مؤذ.
فوقاهم إياهما ".
والزمهرير: لون من عذاب جهنم.
-[قوله تعالى]: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَّشْكُوراً﴾.
أي: وقربت منهم ظلالها.
وانتصب ﴿دَانِيَةً﴾ على العطف على ﴿جَنَّةً﴾.
والتقدير: وجزاهم جنة دانية.
ويجوز أن يكون [حالاً عطفاً] على ﴿مُّتَّكِئِينَ﴾ أو على ﴿(لاَ) يَرَوْنَ﴾، ويجوز أن يكون صفة للجنة.
ويجوز أن يكون على المدح مثل: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ [الحج: 35] فهو -[م] إن كان نكرة - فإه يشبه المعرفة، إذ قال طال الكلام به.
وقرأ ابن مسعود: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ﴾، حَمَلَهُ على تذكير الجمع وهو ظلالها.
وفير قراءة أُبَيّ (ودانٍ)، على أنه [في] موضع رفع مثل: قَاضٍ المرفوع.
حمله [على] أنه خبر ﴿ظِلاَلُهَا﴾ مقدم.
- ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾.
قال مجاهد: معناه: إن قام ارتفعت بقدرة (الله)، (فإن) قعد تذللت
حتى ينالها، وإن [اضطجع] تذللت حتى ينالها.
وقال قتادة: معناه " لا يَرُدُّ أيديهم عنها [بعد] ولا شوك ".
قال سفيان: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾ قال: " يتناوله كيف شاء، جالساً ومتكئاً ". قال مجاهد: أرض الجنة وَرِقً، وتُرْبُهَا مسك، وأصول شجرها ذهب، ووَرَق أفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والثمر تحته.
- ثم قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾.
" ويقال: " المذلل الذي قد ذلله الماء أي أوراه ".
" ويقال: المذلل الذي [يُفَيِّئُهُ] [أدنى] ريح ".
" يقال: المذلل: المسوى ". وأهل الحجاز يقولون: [ذللل] نَخْلَكَ.
أي: سوه.
ويقال: المُذَلَّلُ: القريب المُتَنَاوَل.
من قولهم: [دابة] ذليلُ
" أي: قصيرة.
هذه أقول أهل اللغة.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ﴾.
أي: ويطاف على هؤلاء الأبرار في الجنة بآنية في بياض الفضة وصفاء القوارير.
قال مجاهد: فيها رقة القوارير في بياض الفضة.
وهو قول قتادة. - وقوله: ﴿وَأَكْوابٍ﴾.
أي: " ويطاف عليهم مع الأواني بجرار ضخام فيه الشراب.
وكل جرة ضخمة لا عروة لها [فهي] كوب ". وقال مجاهد: الكوب: [الكوز] الذي لا عورة له.
وهو قول أكثر