الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
دعاكم إليه من خلع الآلهة، وإفراد العبادة له، كفراً منكم بنعمته.
﴿وَكَانَ الإنسان كَفُوراً﴾ أي: كفوراً ربه [ عز وجل] .
فالإنسان يراد به الكافرين خاصة.
قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر﴾.
المعنى: أفأمنتم أيها الكفار نقم الله [سبحانه] بعد إذ أنجاكم من كربكم أن يخسف الله [ عز وجل] بكم في جانب البر كما فعل بقارون وبداره ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ أي: فيما يقوم لكم بالمدافعة عنكم من عذاب الله [ عز وجل] " ولا ناصراً ".
وقال أبو عبيدة: " حاصباً " هنا: ريح عاصفة تحصب، أي: ترمي بالحصباء
من قوتها، وقيل: الحاصب: التراب فيه حصى.
والحصباء الحصى الصغار.
قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾.
[أي: في البحر] " تارة أخرى " أي: مرة أخرى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الريح﴾ وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه.
من قولهم: قصف فلان ظهر فلان إذا كسره.
﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ أي: تابعاً يتبعنا بما فعلنا بكم.
قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ﴾.
أي: فضلناهم بتسليطنا إياهم على سائر الخلق فيسخرونهم كالفلك والدواب،
يدل عليه قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾.
ثم قال: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾.
[أي: من طيبات] المطاعم والمشارب.
وقيل: هي [الحلال.
وقيل: ذلك] السمن والعسل.
وهو قول شاذ.
ثم قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾.
فقوله: " على كثير " ولم يقل: " على كل من خلقنا " يدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم.
وقيل: وأن ابن آدم يتناول الطعام بيده والحيوان آكل بفيه.
وفضل
بما أعطي من التمييز وبصر من الهدى.
وقال ابن عباس: فضلوا بأنهم يأكلون بأيديهم والبهائم تأكل بأفواهها.
قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.
أي: واذكر يا محمد يوم ندعو.
ومعنى " [ب] إمامهم: نبيئهم الذي أرسل إليهم.
قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وعن ابن عباس أيضاً: [أن] الإمام هنا، كتاب عمل الإنسان مثل قوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: 79] " وكذلك قال الحسن وأبو صالح وأبو العالية.
وقال ابن زيد: " بإمامهم " بكتابهم الذي أنزل إليهم.
وعن ابن عباس: " بإمامهم " بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة.
[و] قال أبو العالية: " بإمامهم " بأعمالهم.
ثم قال: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾.
أي: من أعطي كتاب عمله بيمينه لم يظلم من جزاء عمله الصالح مقدار فتيل.
وهو الخيط الذي في وسط النواة.
/.
واختار الطبري أن يكون الإمام هنا: الذي كانوا يعبدونه في الدنيا.
وقال النحاس: الناس يدعون في الآخرة بهذا كله، يدعون بنبيهم، فيقال: أين أمة محمد؟ وبكتابهم، فيقال: أين أمة القرآن؟ وبعملهم، فيقال: أين أصحاب الورع؟ وكذا الكفار يدعون بضد هذا: أين أمة فرعون؟ وأين أصحاب الربا؟ وفي هذا مدح للمؤمنين على رؤوس الناس وذم للكافرين.
وروي أن المؤمن يمد يمينه سهلاً، ويتناول كتابه بالسهولة، وأن المشرك يمد يمينه ليأخذ كتابه فيجتدبه ملك فيخلع يمينه فيتناول كتابه بشماله.
قال [تعالى]: ﴿وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى﴾.
أي: في الدنيا يريد عمى العين عن الهدى فهو في الآخرة أعمى منه في الدنيا [يريد] أنه يكون في الآخرة أعمى العين والقلب.
وعلله أبو عمرو في إمالته الأول دون الثاني: أنه أراد أن يفرق بين المعنين: فأمال عمى العين وفتح عمى القلب للفرق.
وكان عمى القلب بالفتح أولى، لأن الألف فيه [في] حكم المتوسط [ة] إذ تقديره: أعمى: منه في الدنيا.
وافعل الذي معه من هي من تمامه ولذلك صرف بعض العرب كل ما لا ينصرف إلا افعل منك لأن منك من تمامه، وهو مذهب الكوفيين، فلما كانت منك
من تمامه صارت بمنزلة المضاف إليه، والمضاف إليه لا يدخله التنوين فامتنع [افعل] منك من الصرف لذلك.
ويدل على أن الثاني من عمى القلب.
أنه لو كان من عمى العين لم يقل فيه إلا: هو أشد أعمى من كذا لأن فيه معنى التعجب.
ومذهب المبرد: أنه لا إضمار مع أعمى الثاني من ولا غيرها ولا معنى للتعجب فيه والثاني عنده من عمى العين كالأول.
قال سيبويه والخليل: لم يقولوا: ما أعماه، من عمى العين، لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل، فكما لا يقال: ما إيداه، لا يقال: ما أعماه.
وقال الأخفش: لم يقل ذلك، لأن فعله على أكثر من ثلاثة.
والأصل فيه " اعماي.
ولا يتعجب مما جاوز الثلاثة على لفظه.
لا بد من: " أشد " و " أبين " ونحوه.
لأن الهمزة لا تدخل على الهمزة فلا يكن بد من فعل ثلاثي تدخل عليه الهمزة.
فأتى بأبين وأشد وأكثر ونحوه مما فيه المعنى المطلوب.
وقيل: إنما لم يقل: " ما أعماه " من عمى العين، ليفرق ما بينه وبين " ما أعماه " من
عمى القلب.
وكذلك لم يقولوا: ما أسوده.
من اللون، للفرق بينه وبين ما اسوده من السؤدد، ثم اتبع سائر الباب على ذلك، لئلا يختلف.
وأجاز الفراء في الكلام والشعر ما أبيضه، وحكي عن قوم جواز ما أعماه و [ما] أعشاه من عمى العين، قال لأن فعله [من] عمي وعشي فهو ثلاثي.
وتحقيق معنى الآية: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن الهدى والإسلام.
فهو في الآخرة أشد عمى عن الرشد، وما يكسبه رضى ربه [ عز وجل] والوصول إلى جنته [تبارك وتعالى].
وقيل المعن: / من كان في هذه الدنيا أعمى عن هذه النعم التي تقدم ذكرها: من تفضيل بني آدم وغير ذلك، فهو في نعم الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.
لأنه إذا عمي عما يعانيه في الدنيا من النعم، فهو مما يعاينه من نعم الآخرة أعمى أيضاً،
وأضل سبيلاً.
وقال ابن عباس: معناها: من عمي عن قدرة الله في هذه الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى.
وكذلك قال: مجاهد.
وقال قتادة: معناها من كان في هذه الدنيا أعمى عن الإيمان بالله [ عز وجل] وتوحيده [سبحانه] مع ما عاين فيها من نعم الله وخلقه [ عز وجل] وعجائبه وما أراه الله [ عز وجل] من خلق السماوات والأرض والجبال [والنجوم]، فهو في الإيمان بالآخرة الغائبة عنه - التي لم يرها - أشد عمى وأضل سبيلاً.
وهو قول ابن زيد.
ومعنى: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ وأضل طريقاً منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورءاها.
وهذا القول حسن مختار.
لأن من لم يؤمن في الدنيا [بالله عز وجل] مع ما يرى من الآيات الظارهة الدالات على توحيد الله [سبحانه] فهو أحرى ألا يؤمن بالآخرة
التي لم يعاين أمرها وإنما هو خبر غائب عنه دعي [إلى] التصديق به.
قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾.
هذه الفتنة، التي ذكرها الله [ عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا.
فحدث نفسه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال [ عز وجل] يعلم أني لها كاره فأنزل الله [ عز وجل] : ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية.
وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [ عز وجل] فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾.
وقال مجاهد: قالوا له إتيِ آلهتنا فامسسها
فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾.
وقيل: إنما ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن ينظر قوماً بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها.
قاله: ابن عباس.
وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي.
قالوا له: فإذا قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ] سلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [ عز وجل] الآية.
وقيل: إنما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموال [ى] الذين آمنوا بك حتى نج [ل] س معك ونستمع منك.
فهم النبي [ صلى الله عليه وسلم] . بذلك طمعاً منه أن يؤمنوا فأنزل الله [ عز وجل] الآية.
وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ [خَلِيلاً]﴾.
أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلاً وكانوا لك أولياء.
والقوف على " إذا " بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن.
وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل / موضع كما تقف على النون الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها.
وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئاً وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾.
أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم شيئاً قليلاً.
ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ".
حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله صلى الله عليه وسلم إجابتهم ولا ركن إليهم قط.
وقالوا: " كدت تركن إليهم " ظاهره خطاب للرسول
صلى الله عليه وسلم وباطنه خبر عن ثقيف.
وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك.
أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار.
كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت.
فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره.
ومنه قولهم لأريتك ها هنا.
فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه.
وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه.
ومثله ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] دخل النهي على الموت والموت لا يملك ولا يدفع.
وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين.
قال [تعالى] ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾.
أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة.
قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك.
ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾.
أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك.
فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف.
وقد قال في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] وقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30].
قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾.
أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك منها، ولو أخروجك منك لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلاً.
قيل: إنهم [هم] اليهود.
أرادوا أن يحتالوا على النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج من المدينة.
وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام.
وإن هذه ليست بأرض نبيء فأنزل الله [ عز وجل] الآية.
قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه.
وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ صلى الله عليه وسلم] من مكة قاله قتادة.
و [قال]: قد فعلوا / ذلك بعد، فأهلكهم الله [ عز وجل] يوم بدر: وكانت سنة الله [ عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك.
وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فأراد الله [ عز وجل] نفي قريش فأمره الله [ عز وجل] أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة فخرج بأمر الله [ عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز.
وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين.
وقيل: المدينة، وفيه بعد.
لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى.
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: [إلا] وقتاً قليلاً.
وهو ما أقاموا بمكة بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر.
قاله: ابن عباس والضحاك.
و" خلفك ": معناه: بعدك.
ومن قرأ " خلافك " فهي لغة فيه.
وقيل معناه: مخالفتك، قاله الفراء.
وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن.
فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل.
ولقوة الفعل جاز عمله متوسطاً ومتأخراً وإلغاؤه.
وإذا كانت إذن مبتدأة عملت.
فإن كانت بين كلامين لم تعمل.
فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في " لبثوا ". وفي مصحف عبد الله " وإذا: لا يلبثون خلفك " اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف.
ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد
يأتيك، فتقول: إذن أكرمه.
أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني.
فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير.
هذا مذهب حكي عن الخليل وسيبويه.
ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير.
قوله: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا﴾.
سنة منصوب على المصدر، أي: سن الله [ عز وجل] أن من أخرج نبياً من مكان لا يلبث فيه خلفه إلا قليلاً سنة.
قال قتادة: معناه: سُنَّةَ أمم الرسل قبلك، كذلك إذا كذبوا رسلهم وأخرجوهم لم يمهلوا حتى بعث الله [ عز وجل] عليهم عذابه.
وقال الفراء: معناه: لا يلبثون خلفك إلا قليلاً كسنة من قد أرسلنا.
فلما
حذف الكاف نصب، فعلى القول الأول: يجوز الابتداء بها، وعلى قول الفراء: لا يحسن الابتداء بها.
قال: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾.
قال ابن مسعود: هي صلاة المغرب، ودلوك الشمس وقت غروبها.
وكذلك روي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
وكذلك روى ابن زيد عن أبي.
وروى الشعبي عن ابن عباس: [أن] دلوك الشمس ميلها للزوال والصلاة.
صلاة الظهر.
وكذلك روى نافع عن ابن عمر.
وهو قول: الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد: وروي ذلك عن أبي هريرة.
والدلوك في اللغة الميل.
وقال أبو عبيدة: دلوكها / من حين تزول إلى أن تغيب.
وقال القتبي: العرب تقول دلك النجم إذا غاب.
فاختياره [هو] قول من قال: هو غروب الشمس.
واختيار الطبري قول من قال: دلوكها ميلها للزوال.
وقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت: فصلى بي الظهر ".
وقيل معنى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ عني بذلك: الظهر والعصر.
وقوله: ﴿إلى غَسَقِ اليل﴾.
غسق الليل إقباله ودنوه بظلامه.
قال [هـ] ابن عباس وعكرمة ومجاهد.
وقال قتادة: غسق الليل صلاة المغرب.
وقال الضحاك غسق الليل إظلامه؟ فيدخل تحت دلوك الشمس صلاة [الظهر] والعصر وتحت غسق الليل صلاة العشاء.
ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾.
أي: وألزم قرآن الفجر.
فهو منصوب على الإغراء، وهو مذهب الأخفش.
وقيل معناه: وأقم قرآن الفجر.
فمن نصب بإلزام حسن الابتداء به.
ومن نصب بأقم جعله معطوفاً على ما قبله وهو أقم الصلاة.
فلا يحسن الابتداء به لأنه معطوف على ما قبله.
" وقرآن الفجر " صلاة الصبح، " كان مشهوداً " أي تشهده ملائكة الليل والنهار.
وسميت الصلاة قرآناً لأنها لا تكون إلا بقرآن.
وهذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقرآن.
وأنه فرض في الصلاة لأنه كله مأمور به في هذه الآية.
والنهار عند الخليل: ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
قوله: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾.
معناه: ومن الليل يا محمد فاسهر بالقرآن ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: خاصة لك دون أمتك.
والتهجد: التيقظ، والسهر بعد نومة من الليل، والهجود: النوم.
يقال: تهجد زيد إذا سهر، وهجد إذا نام.
قال علقمة والأسود: التهجد بعد نومة.
وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء الآخرة.
قال ابن عباس معنى: " نافلة لك ": فرضاً عليك.
فرض الله ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إنما قيل له: " نافلة لك " لأنه لم يكن فعله ذلك ليكفر عنه شيئاً من الذنوب.
فهو نافلة للنبي [عليه السلام] لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو نافلة له لأنه لا ذنب له، يكفر بنوافله، وهو لأمته كفارة لذنوبهم، قال ذلك مجاهد.
وقول ابن عباس: أولى.
لأن هذه السورة نزلت بمكة وسورة الفتح إنما نزلت بعد منصرفه من الحديبية، فنزل عليه الأمر بالنافلة قبل معرفته بأن الله [ عز وجل] قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فواجب أن يكون ذلك فرضاً عليه خاصة.
خصّه الله [ عز وجل] به، لأن الصلاة بالليل أفضل أعمال الخير / فَخَضَّ الله [سبحانه] نبيه صلى الله عليه وسلم على أفضل الأعمال.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة الصلاة بالليل ".
وقال عليه السلام: " عليكم بالصلاة بالليل فإنها دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى الله [ عز وجل] ، وكفارة للسيئات ".
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ".
وقال: " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً ".
وقال [النبي] عليه السلام: " صلوا بالليل ولو ركعتين.
ما من أهل بيت تعرف لهم صلاة إلا ناداهم مناديا أهل الدار: قومواإلى صلاتكم ".
وفضل الصلاة بالليل عظيم جسيم إليه انتهت العبادة وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله خيراً وهو يصلي إلا أعطاه وهي في كل ليلة ".
ثم قال [تعالى]: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾.
وعسى من الله واجبة، لأن الله [ عز وجل] لا يدع أن يفعل بعباده ما أطعمهم به من الجزاء على أعمالهم لأنه ليس من عادته الغرور ولا من صفته.
والمقام المحمود: هو الشفاعة.
قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج والحسن.
وقال حذيفة: يجمع الله [ عز وجل] الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي
وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادي محمداً صلى الله عليه وسلم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت ".
قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله جل ذكره.
وعن ابن عباس أنه قال: بلغنا أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بقيت آخر زمرة من زمرة الجنة وآخر زمرة من زمر النار، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: أما نحن فحسبنا ما علم الله [ عز وجل] في قلوبنا من الشك والتكذيب فما ينفعكم إيمانكم فإذا قالوا لهم ذلك دعوا ربهم [ عز وجل] وصاحوا بأعلى أصواتهم، فيسمع أهل الجنة أصواتهم فيسألون آدم الشفاعة لهم.
فيأبى عليهم.
ثم يمضون من نبي إلى نبي فكلهم يعتذر حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم [ فيشفع لهم] فذلك المقام المحمود وحديث الشفاعة مختلف الألفاظ طويل ذكرنا منه ما يليق بالكتاب.
وعن مجاهد من رواية ليث، عنه أنه قال: المقام المحمود يجلسه معه على عرشه.
و [عن] النبي عليه السلام في قوله: " مقاماً محموداً " أنه قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " رواه أبو هريرة عنه.
وروى كعب بن مالك أن النبي عليه السلام قال: " يحشر الناس يوم القيامة [فأكون أنا وأمتي] على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ".
قال عبد الله بن عمر: أن النبي عليه السلام قال: " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست / بصاحب ذلك.
ثم بموسى فيقول: كذلك.
ثم بمحمد فيمشي بين الخلق حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ
يبعثه الله المقام المحمود ".
وروي: عن عبد الله بن سلام أنه قال: " إن محمداً عليه السلام يوم القيامة على كرسي للرب بين [يدي] الرب جل وعز.
فهذا قول مجاهد.
وقيل المقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون يشرف فيه على جميع الخلائق: يسأل فيعطى ويشفع، ليس أحد يوم القيامة إلا تحت لواء محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ]﴾.
يعني: مدخله المدينة حين هاجر إليها وخروجه من مكة.
قال ذلك: ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد.
ودل على هذا ما تقدم من قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: 76].
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ أمتني إماتة صدق وأخرجني بعد
الممات مخرج صدق.
وقال مجاهد: يعني به: أدخلني فيما أرسلتني به مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق من الدنيا.
وعن الحسن أيضاً: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الجنة، وأخرجني مخرج صدق مكة.
وقال الضحاك: معناه أخرجني من مكة آمناً، وأدخلني إياها آمناً وهو يوم الفتح.
وقال أبو صالح: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الإسلام.
وقيل معناه: أدخلني مكة بالعز والقوة والقدرة والحجة على جميع من خلقت وأخرجني من مكة إلى المدينة لا ألقى إلا مؤمناً ومجيباً.
ومعنى ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: [مدخل] سلامة وحسن عاقبة.
فجعل الصدق موضع الأشياء الجميلة.
ثم قال تعالى: ﴿واجعل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾.
أي: حجة تنصرني بها على من ناوأني، وعزاً أقيم به دينك، وملكاً تقوى به
أمتي.
قاله: الحسن، قال: يوعده الله [ عز وجل] لننزعن ملك فارس عن فارس ولنجعله لك، وعن الروم ولنجعلنه لك، أي لأمتك.
وقيل معناه: حجة بينة، قاله مجاهد.
قال ابن زيد: نصيراً ينصرني.
قوله: ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين.
جاء الحق وهو القرآن، وزهق الباطل وهو الشيطان.
قاله قتادة.
وقال ابن جريج: جاء الحق: هو قتال المشركين، وزهق الباطل.
أي: الشرك الذي هم عليه.
وقيل معناه: أن الله جل ذكره أمر نبيه عليه السلام أن يقول هذا إذا دخل مكة على الأصنام.
فقال ذلك حين دخل مكة فخرت الأصنام كلها وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخرقها.
وقال ابن مسعود: دخل النبي عليه السلام مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون
صنماً.
فجعل يطعنها ويقول: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾.
ومعنى زهق ذهب.
قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي ما يستشفي به المؤمنون ورحمة لهم دون الكافرين.
وهو شفاء في الدين لما فيه من الدلائل الواضحة والحجج الظاهرة / لا يلحق المؤمن ريب في التوحيد معه.
و (من): هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيض.
فإذا كانت لبيان الجنس كان القرآن كله شفاء للمؤمنين لأنهم يهتدون به.
ولو كانت [من] للتبعيض لكان بعض القرآن شفاء وبعضه غير شفاء وهذا لا يحسن.
وقيل: المعنى وننزل من جهة القرآن الشيء الذي فيه شفاء.
فمن غير مبعضة، إذ القرآن كله شفاء للمؤمن في دينه ليس بعضه شفاء وبعضه غير شفاء.
وقوله: ﴿وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً﴾.
أي: إلا هلاكاً لأنهم يكفرون به فيزدادون خساراً.
قال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
معناه: وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من غم ومن كرب أعرض عن ذكر الله وتباعد بناحيته.
ومعنى " نأى ": بعد، قال مجاهد: " نأى بجانبه ": تباعد منا.
ثم قال [تعالى] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر [كَانَ يَئُوساً]﴾.
أي: إذا مسه الشر والشدة قنط.
قال قتادة: " إذا مسه الشر " يئس وقنط، يعني بذلك: المشرك ينعم عليه وهو يبعد من الإيمان بمن أنعم عليه، وإذا أصابه ضر وفقر يئس من رحمة الله [سبحانه].
وقيل: إنها نزلت في الوليد بن المغيرة ثم في كل من هو مثله من الكفار.
قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾.
أي: قل للناس يا محمد، كلكم يعمل على طريقته ومذهبه.
وقال ابن عباس: على ناحيته.
وقال مجاهد: على حدته.
وقال [ابن] زيد: على دينه.
ثم قال: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾.
أي: أهدى طريقاً إلى الحق من غيره.
وقيل: معنى الآية كل يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب.
فربكم أعلم بمن هو أهدى طريقاً إلى الصواب من غيره.
وقيل: يعمل على شاكلته اي على النحو الذي جرت به عادته وطبعه.
قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.
المعنى: ويسألك يا محمد، كفار أهل الكتاب عن الروح، قل لهم يا محمد
الروح من أمر ربي.
قال ابن مسعود: كنت مع النبي في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه.
فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح.
وقال بعضهم: لا تسألوه.
فسألوه عن الروح، فقام متوكئاً على عسيبه فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه.
فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
فقال بعضهم: ألم أقل لا تسألوه.
وقال عكرمة: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ الآية.
فقالوا: أتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ [والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ]﴾ [لقمان: 27] الآية.
وقال قتادة: لقيت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فعنتوه وقالوا: إن كنت نبيأً فستعلم ذلك.
فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله [ عز وجل] في ذلك كله.
وعن ابن عباس: " أن اليهود قالوا: / للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا ما الروح؟ وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإنما الروح من الله عز وجل؟ ولم يكن نزل إليه في شيء.
فلم يجد إليهم فيه شيئاً.
وأتاه جبريل عليه السلام فقال له: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.
الآية فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالوا من جاءك بهذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم جاء به جبريل من عند الله [ عز وجل] . فقالوا والله ما قاله لك إلا عدونا فأنزل الله [ عز وجل] ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ ".
وقال بعض أهل العلم: علم الله [ عز وجل] أن الأصلح ألا يخبرهم ما هو لأن اليهود قالت لقريش في كتابها أنه إن فسر لكم ما الروح فليس بنبي.
وإن لم يفسره فهو نبي.
وهذا القول: أولى بالآية لأن السورة مكية.
وقد روى أن قريشاً اجتمعت بمكة
فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد كذاباً، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة فابعثوا منكم جماعة إلى يهود يثرب يسألونهم عنه.
فخرجت طائفة حتى لقوا أحبار يهود، وكانوا يومئذ ينتظرونه ويرجون نصرته.
فسألهم قريش عنه: فقالت: لهم اليهود: اسألوه عن ثلاث: فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي: تسألوه عن أهل الكفه وعن ذي القرنين وعن الروح.
فقدموا مكة وسألوه عن ذلك.
وقيل: أنهم سألوه عن عيسى عليه السلام.
فقيل: لهم الروح من أمر الله، أي: هو شيء أمر الله [ عز وجل] به وخلقه لا كما تقول النصارى.
وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح.
وقال قتادة: هو جبريل عليه السلام.
وعن ابن عباس: أنه ملك.
وعن علي بن أبي طالب [رضي الله عنهـ] إنه ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله [ عز وجل] يتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى
يوم القيامة.
وقيل الروح القرآن، لقوله: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52].
وإنما سمي القرآن روحاً لأنه حياة للقلوب والنفوس لما تصير إليه من الخير بالقرآن.
وقيل إن اليهود وصوا قريشاً يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليمتحنوا علمه وهذا أحسن ما قيل لآن السورة مكية.
وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا بني آدم، لهم أيد وأرجل.
ومعنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من الأمر الذي يعلمه دونكم.
وقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
يعني الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وقيل عني به الخلق كلهم ولكنه
غلب المخاطب على الغائب.
قال عطاء: نزلت بمكة ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فلما هاجر، " أتى أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أفعنيتنا أم قومك؟ فقال: كلا قد عنيت.
قالوا فإنك تتلو / إنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله قليل.
وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم وأنزل الله [ عز وجل] : ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ الآية ".
قال: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
أي لو أردنا لذهبنا بالقرآن ثم لا تجد لك بذهابه علينا قيماً ولا ناهراً يمنعنا من ذلك.
قال ابن مسعود: معنى ذهابه رفعه من صدور قارئيه.
وقال: تطرق الناس ريح حمراء من نحو الشام فلا يبقى منه في مصحف رجل شيء ولا في قلبه آية، ثم قرأ الآية ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾.
وروي عنه أيضاً: أنه قال: يسري عليه ليلاً ولا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل شيء.
ثم قرأ: ﴿وَلَئِن شِئْنَا﴾ الآية.
وروي عنه أنه قال: فيصبح الناس منه فقراء مثل البهائم.
فيكون معنى الآية على هذا: ولئن شئنا لمحوناه من الكتب ومن الصدور حتى لا يوجد له أثر ولكن لا نشاء ذلك.
رحمة من ربك وتفضلاً منه.
﴿[إِنَّ فَضْلَهُ] كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ باصطفائه إياك لرسالته ووحي كتابه وغير ذلك من نعمه.
وقال ابن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى منه الصلاة.
وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع.
قالوا كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال يسرى عليه ليلة ويذهب بما في قلوبكم وبما في مصاحفكم ثم قرأ الآية.
ومعنى: ﴿بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجد من يمنعك من ذلك ولا من يتوكل [لك] برد شيء منه.
وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته.
قوله: ﴿[قُل] لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ﴾ إلى قوله: ﴿ظَهِيراً﴾.
المعنى: قل يا محمد للذين ادعوا بأنهم يأتون بمثل هذا القرآن ﴿[قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن] لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ أي: عويناً.
وهذه الآية: نزلت في قوم من اليهود جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن وسألوه آية غير القرآن تدل على نبوته وادعوا أنهم يقدرون على مثل هذا القرآن فأعجزهم الإتيان بمثله فقيل لهم: ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13] فأعجزهم ذلك.
فقيل لهم:
﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: 38] فأعجزهم ذلك وقد كان عصرهم عصر فصاحة وبلاغة.
وقيل: إن الخطاب بذلك لقريش وهم الذي عجزوا عن الإتيان بسورة وبعشر سور وهم أهل الفصاحة والبلاغة والشعر والخطابة وكانوا على حرص على أن يأتوا بما يحتجون به على النبي صلى الله عليه وسلم.
فلم يقدروا على الإتيان بشيء من ذلك تقوم لهم به حجة فدل ذلك على إعجاز القرآن وأنه دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
فمن إعجاز القرآن تأليفه بالأمر والنهي والوعظ والتنبيه والخبر والتوبيخ وذلك لا يوجد متألفاً في كلام.
ومن إعجازه الحذف والإيجاز ودلالة اليسير من اللفظ على المعاني / الثكيرة.
وهذا موجود بعضه في كلام العرب [لكن] لا يوجد مثل قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: 58] فقد تضمن هذا معاني، ولا يوجد مثله في كلام العرب بهذه الفصاحة ومثله كثير في القرآن.
ومعنى الإيجاز هو إظهار المعاني الكثيرة باللفظ القليل ومن إعجازه ما فيه
من علوم الغيب التي لم تكن وقت نزوله ثم كانت ومنها ما لم تكن بعد.
ومنها ما كانت ولم يكن أحد يعرفها في لذك الوقت، فنزل علمها وتفسيرها في القرآن كخبر يوسف وإخوته.
وخبر ذي القرنين، وأهل الكهف، وإخبار الأمم الماضية والقرون الخالية، التي قد اندرس خبرها وعدم عارف أخبارها، وغير ذلك.
. . فنزل القرآن بتبيانها ونصها على ما كانت عليه.
ودل على صحة ما أى فيه من الأخبار أن كثيراً منها قد نزل في التوراة [كذلك].
فالتوراة مصدقة لما في القرآن والقرآن مصدق لما نزل في التوراة.
وإعجازه أكثر من أن يحصى وله كتب مفردة لذلك.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾.
أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل تذكيراً لهم واحتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم على الحق ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي إلا جحوداً للحق.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾.
أي: قال المشركون من قومك يا محمد لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا