الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أي: فجعل الأصنام حطاماً إلا صنماً كبيراً لهم، فإنه تركه لم يحطمه، وعلق الفأس في عنقه ليحتج به عليهم إن فطنوا به، وهو صنم كبير في الصورة.
وقيل: هو أكبرها عندهم، لا أكبرها في صورته.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾.
أي: لعلهم يؤمنون به إذا رأوها مكسرة لم تدفع عن أنفاسها ضر من أرادها، ولم يدفع عنها كبيرها شيئاً.
قال السدي: " قال أبو إبراهيم له، إن لنا عيداً لو خرجت معنا، والله قد أعجبك ديننا.
فلما كان يوم العيد خرجوا إليه، معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم أشتكي رجلي وهو صريع.
فلما مضوا، نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ فسمعوها منه.
ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هن في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة.
قالوا: إذا كان حين نرجع، رجعنا وقد
باركت الآلهة في طعامنا، فأكلنا.
فلما نظر إليها إبراهيم، وإلى ما بين أيديها من الطعام.
قال: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾.
فلم تجبه.
فقال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ فأخرج حديدة فنقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الأكبر، ثم خرج، فلما رجعوا، قالوا: ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين﴾.
" والجذاذ " بالضم جمع جذاذة، كزجاجة وزجاج.
وقيل: هو مصدر كالحطام والرفات.
ومن كسر جعله جمع جذيذ وجذيذ معدول عن مجذود كجريح بمعنى مجروح، فيكون ككبير وكبار وصغير وصغار وثقيل وثقال.
وقال قطرب: هو مصدر ضم أو كسر أو فتح، وهي لغات فيه بمعنى والجذاذ.
أي: الحطام والفتات، ومنه الجذيذة.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين﴾.
أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾،
﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء.
وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم.
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم.
وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾.
أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا.
قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة.
وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به.
ثم قال: ﴿قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا ياإبراهيم﴾.
في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها.
وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم.
أي: إن
كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم.
وقد أتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله.
قوله تعالى: بل فعله كبيرههم هذا.
وقوله: " إني سقيم " وقوله في سارة: " إنها أختي " وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن/ ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته " إنكم لسارقون " ولم يكونوا سرقوةا شيئاً.
وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب.
فسارة أخته في الدين، وقوله: " إني سقيم " معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم.
وقيل معناه: إني سقيم عندكم، وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض.
وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلىلموت، فلا بد من أن يسقم.
وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب.
دل على ذلك قول الملكين ﴿بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ﴾ [ص: 22] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها.
والمبرد معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟.
ثم قال تعالى: ﴿فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ فقالوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون﴾.
أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا.
ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بضع فقالوا إنكم إيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له " من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ".
فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾.
أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون.
أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا.
وقال قتادة: " نكسوا عن رؤوسهم: " انقطعت حجتهم ". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء.
وعن قتادة أيضاً أنه قال: " أدركت القوم حيرة سوء "، يعني: حين قاله لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون.
وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرط بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام.
فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾.
أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره.
ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾.
أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر.
وقد تقدم شرح أف في " سبحان ".
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها.
رويَ أن الذي قاله: رجل من اكراد فارس.
وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس.
وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني
برداً وسلاماً.
قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم.
فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها.
ثم عمدوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم وشرَّفَ وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك.
فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه.
وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه إلى/ السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غير حسبي الله ونعم الوكيل.
فقذفوه في النار فناداها " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ". فكان جبريل، هو الذي ناداها ".
وقال أرقم " إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك "؟
قال كعب: " ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت بالنار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام.
قال ابن عباس: " لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها.
فلم تبق يومئذ نار في الأرض.
إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى.
فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم صلى الله عليه وسلم في حجره يمسح عن وجهه العرق.
وذكر أن لك الرجل هو ملك الظل.
وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وآخرجوا إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل لك دخل عليه ".
قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: " لولا أنه قال: " وسلاماً " لقتله بردها ".
قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره.
فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي
خليل غيره.
وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه.
فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه.
فقال الله عز وجل هو خليل ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه.
فقال الله عز وجل: ﴿ قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ﴾.
فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً.
وقال قتادة: " كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ ".
وروى عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار.
ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم.
قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق
بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث.
وروى معتمر بن سليمان أن جبريل صلى الله عليه وسلم لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار.
قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك.
فلا.
ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فملا كسر إبراهيم صلى الله عليه وسلم أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمروج بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع به أحد.
ولولا ما قال تعالى: " وسلاماً " لآذت إبراهيم ببردها.
وروى أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت.
فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره.
فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً.
فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهمه: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده.
قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمروج حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء.
قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله.
قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قالم ملائكة ربي.
قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم.
قلا: فاخرج.
فانفرج/ له الجحيم فخرج صلى الله عليه وسلم وقد زاده الله جمالاً ونوراً.
فقال نمرود: إنك لكريم على ربك.
فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه.
فقال: نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين.
فذبح نمرود أربعة آلاف كبش.
فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام.
ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: اللهم أره أضعف جندك.
فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم.
فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من
أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام.
ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في مخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً.
وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة.
وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم صلى الله عليه وسلم في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر.
ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره: " وسلاماً " لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة.
قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذه حرها، قالوا: سحرها.
فقال لهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم: جربوها برجل منكم.
فألقو فيها رجللاً فأكلته.
ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد والك الملك لا شريك لك.
وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل.
فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم.
وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأناع عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل.
فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم.
ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين﴾ أي: الهالكين.
قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً﴾ إلى قوله: ﴿لَنَا عَابِدِينَ﴾.
أي: ونجينا إبراهيم ولوطاً من أعدائهما نمرود وقومه، من أرض العراق الأرض التي باركنا فيها للعالمين.
وهي أرض الشام قاله قتادة والحسن، وقاله أُبي بن كعب وغيره.
وكان لوطاً ابن أخي إبراهيم.
ويروى أن سارة زوج إبراهيم أخت لوط، يريدون أخت لوط لأمه، إلا يحل تزوج أخت ابن الأخ لأب أو لأب وأم.
ولوط هو ابن هارون بن بارح أبي إبراهيم.
وهارون هو أخو إبراهيم.
كان نمرود إله أريكوثا من أرض العراق فهاجر إلى أرض الشام، خرجا إليها مهاجرين.
ويروى أن جميع الأمواه العذبة تخرج من تحت الصخرة التي ببيت المقدس.
ويقال: هي أرض المحشر والمنشر.
وبها تجتمع الناس وبها ينزل عيسى، وبها يهلك الله مسيح الضلال الكاذب الدجال.
قال ابن إسحاق: خرج إبراهيم مهاجراً إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجراً، وتزوج إبراهيم سارة بنت عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على
عبادة ربه، حتى نزل حران، فمكث بها ما ش اء الله أن يمكث.
ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة.
وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعث الله نبياً.
وقيل: إن سارة إنما هي بنت ملك حران، تزوجها واشترط لها ألا يغيرها.
وكان لوط ابن أخت إبراهيم.
وكان مسك لوط بحران.
وقال ابن عباس قوله: ﴿إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.
مكة ونزول إسماعيل البيت، ودل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: 96].
ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ أي: ولد الولد/ فالنافلة يعقوب.
قاله: ابن عباس وقتادة.
وقال ابن جريج: النافلة: إسحاق ويعقوب.
ومعنى النافلة: عطية.
أي: وهبناهما له عطية من عندنا وكذلك قال مجاهد.
فعلى القول الأول، يقف على " إسحاق " وعلى هذا القول، لا تقف عليه.
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾.
أي: وكلهم جعلنا عاملين بطاعة الله.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾.
أي: أئمة يهتدى بهم في أمر الله، قاله قتادة.
وقيل: جعلهم أئمة يؤتم بهم في الخير.
وقيل: المعنى: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونههم إلى الله وإلى عبادته.
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات﴾.
أي: أن أفعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة، أي: أمرناهم بذلك.
فالمصدرن يقدر بأن والفعل.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ﴾.
أي: خاشعين لا يستكبرون عن عبادتنا.
و" عابدين " وقف إن نصبت " ولوطاً " بإضمار فعل.
أي: واذكر لوطاً.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾.
المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القرية التي كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فاخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حينأ راد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء " فاسقين ". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره.
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾.
أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة.
وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام.
﴿إِنَّهُ مِنَ الصالحين﴾.
أي: من العالمين بطعة الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِن قَبْلُ﴾.
أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك.
ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله.
يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض.
ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرناقهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله.
ف " من " بمعنى " على ".
ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة.
وقيل: في الإسلام.
" إنه من الصالحين " من العالمين بطاعة الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم﴾.
أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث.
قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً.
وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده.
يقال: نفشت الغننم، إذا رعت ليلاً.
فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت.
قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار.
وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: الحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب.
ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضة سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة.
﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله.
قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود.
فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع.
فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك.
فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله.
فإذا رجع إلى
حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها.
وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء/.
قال: هو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم:
" العجماء جبار " ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة.
وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد صلى الله عليه وسلم.
قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " جرح العجماء جبار " إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرض فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً.
فإذا الزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل.
وهو قول مالك والشافعي.
فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية.
ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل.
وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزغم أنه منسوخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " العجماء جبار " والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار.
وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها.
فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً صلى الله عليه وسلم وجميع العلماء.
" وجبار " مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرَّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل.
ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء.
وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرعغ الماشية ينتفع بألبانها.
وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه.
فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته.
وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه.
فكان داود يحكم بحكم أمره الله به.
فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك.
فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له.
وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه.
ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً.
ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾.
قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل.
وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله.
ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾.
أي: يسبحن معه إذا سبح.
وقال قتادة: " معنى " يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى.
" والطير " يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير.
ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: فاعلين بقدر ما نريد.
وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات.
وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب.
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾.
أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا.
واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك.
وكان أول من صنع هذه الحلق
والسرد داود.
وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً﴾ إلى قوله: ﴿وذكرى لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: وسخرنا لسليمان الريح عاصفة.
وعصوفها، شدة هبوبها، تجري بأمر سليمان إلى الأرض التي/ باركنا فيها، يعني إلى أرض الشام.
كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام.
وقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج من مجلسه عكف عليه الطير وقام له الإنس والجن، حتى يجلس على سريره.
وكان امرأ غزاء، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا تاه حتى يذله، كان إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه النساس والدواب وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استفلت، أمر الرخاء، فمرته شهراً في روحته وشهراً في غدوته إلى حيث أراد.
وهو قوله تعالى ذكره: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
أي: بصلاح كل الخلق، وبما أعطينا سليمان مما فيه صلاح له وللخلق، عالمين بذلك، لا يخفى علينا منه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾.
أي: وسخرنا له من الشياطين قوماً يغوصون له في البحر، " ويعملون عملاً دون ذلك " يعني البنيان والتماثيل والمحاريب وغير ذلك من الأعمال.
قال الفراء: دون ذلك: أي: سوى ذلك.
فإن قيل: كيف تهيأ للجن هذه الأعمال من البنيان العظيم واستخراج الدر من قعور البحار وغير ذلك، وأجسامهم رقيبة ضعيفة لا تقدر على حمل الأجسام العظام ولا تقدر على ضر الناس إلا بالوسوسة لضعفهم ورقة أجسامهم.
فالجواب أن الذين سخروا لهذه الأعمال أعطاهم الله قوة على ذلك، وذلك من إحدى المعجزات لسليمان.
فلما مات سليمان، سلبهم الله تعالى تلك القوة، وردههم على خلقتهم الأولى، فلا يقدرون الآن على حمل الأجسام الكثيفة ونقلها.
ولو أظهروا ذلك، وقدروا عليه، لدخلت على الناس شبهة من جهتهم وتوهيناً لمعجزات الرسل.
وكذلك سخر الطير له بأن زاد في فهمها عنه وقبولها لأمره، وخوفها عقابه، وذلك من معجزات سليمان.
فلما مات، زال ذلك عنها، ورجعت إلى ما خلقت عليه.
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.
أي: لأعمالهم وأعدادهم وطاعتهم له، حافظين.
وقيل: المعنى: وكنا لهم حافظين، أن يفسدوا ما عملوا.
وقيل: حافظون لهم أن يهربوا منه ويمتنعوا عليه فحفظهم بما شاء من ملائكة أو جن مثلهم طائعين لله.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضر﴾.
أي: واذكر يا محمد أيوب حين نادى ربه، وقد مسه الضر والبلاء.
رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له دعاءه فكشفنا ما به من ضر.
ويروى أنه ما نادى إلا بعد تسع سنين، وكان الضر الذي نزل به اختباراً من الله تعالى له، وامتحاناً.
وكان الله قد وصع عليه في دنياه، وأعطاه ولداً وأهلاً، فاختبره الله بهلاك ماله فشكر وعلم أنه من عند الله.
ثم ابتلاه بذهاب أهل وولده فصبر وشكر، ثم ابتلاه بالبلاء في جسمه، فتناثر لحمه، وتذود جسمه وعظم عليه البلاء حتى أخرجه أهل بلده من قريتهم، ورموه على تل من الأرض خارج القرية وكان إبليس في خلال تلك المحن يتصور له ويستفزه أن يكفر بنعم الله أو بغضم لما حل عليه، ولم يجد فيه إحالة عن شكره وذكره، ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له، وإبليس اللعين يتلطف أن يستفز أحدهما بزلة أو كفر، فلم يقدر على ذلك.
قال وهب بن منبه: فبلغني أنها التمست له يوماً من الأيام ما تطعمه، فما وجدت شيئاً حتى جزت قرناً من رأسها فباعته برغيب فأتته فعشته أياه.
قال وهب: فلبث في ذلك البلاء ثلاث سنين.
وقال الحسن البصري: مكث في ذلك البلاء تسع سنين وستة أشهر ملقى على رماد في جانب القرية، فلما اشتد بلاؤه وعظمت مصيبته أراد الله تعالى أن يفرج عنه، فقيل له: يا أيوب، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقد وهبت لك أهلك ومثلهم معهم وولدك ومثلهم معهم، وعمرك ومثله معه، لتكون لمن خلفك آية وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين.
فركض برجله، وانفرجت له عين فدخل فيها فاغتسل.
فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج وجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضعجعه، فلم تجده، وقامت كالواهلة ملتدمة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ قال: لا، ثم تبسم فعرفته واعتنقته.
قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما فارقته من عناقه حتى موجهاً كل مال لهما وولد.
ويروى أن الله جل ذركه رد عليه أهله ومثلهم معهم، وأمطر عليهم فراشاً من ذهب، فجمع حتى ملأ كل ما أراد، وأقبل يشحن في ثيابه فأوحى الله إليه، أما يكفيك ما جمعت حتى تشحن في قميصك؟ فقال أيوب: وما يشبع من خيرك؟
ويروى أن إبليس اللعين تمثل لامرأة أيوب صلى الله عليه وسلم في هيئة شريفية ومركب له هيبة، وقال [لها]:
أنت صاحبة أيوب المبتلى؟ فقالت: نعم.
قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا.
فقال: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني.
ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليك وعليه كل ما كان لكما من مال وولد.
ثم مثل لها أباهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه وقال إن صاحبك أكل طعاماً ولم يسمنى عليه لعوفي مما به من البلاء، فرجعت امرأة أيوب إليه، فأخبرته بما قال لها وما أراها فقال لها أيوب، قد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك.
ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة ضربة.
قال ابن عباس: لما ابتلاه الله بما ابتلاه [ولم يشأ] الدعاء في أن يكشف عنه ما به من ضر، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيمان، فلما انتهى الكتاب أجله أذن له في الدعاء فدعا، فكشف ما به، ورد عليه مثل أهله وماله الذين ذهبوا، ولم يرج عليه الذي هلك، لكن وعده أن يوليه إياهم في الآخرة، قال مجاهد.
قال: خُيِّرَ أيوب أن يرد عليه أهله ومثلهم معهم في الدنيا، أو يعطى في الدنيا مثل أهل، ويرد عليه في الآخرة أهله، فاختار أن يردوا عليه في الآخرة ويعطى في الدنيا مثلهم، وقال ابن عباس.
وقال الحسن: رد عليه ماله الذي ذهب ومثلهم معهم من النسل.
ثم قال: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وذكرى لِلْعَابِدِينَ﴾.
أي: ورحمناه رحمة ليتذكروا بذلك ويتعظوا.
وروى أنس بن مالك رضي الله عنهـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مكث أيوب به بلاؤه ثمانية عشر سنة.
فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان
ويروحان عليه، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، له ثمان عشر سنة بهذا الضر، لم ي رحمه الله فيكشف ما به، فأخبر الذي يقول أيوب بقول صاحبه بحضرتهما، فقال أيوب: ما أدري ما تقولان، غير أن الله يعلم إن كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ويحلفان، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر أن يذكر الله إلا في حق ". وروي عن الليث أنه قال: " كان الذي أصاب أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم جبار من الجبابرة في بعض ما كان من ظلمة للناس، فكلموه، فأبلغوا في كلامهم، فرفق أيوب في كلامه مخافة منه على زرعه، فقال الله له: يا أيوب أتقيت عبداً من عبيدي من أجل زرعك، فنزل به ما نزل ذكره ابن وهب ". وعن الليث أنه قال: " بلغني أنه قيل لأيوب صلوات الله عليه: ما لك لا تسأل الله العافية؟ قال: إني لأستحي من الله أن أسأله العافية حتى يمر بي من البلاء ما مر بي من الرخاء ". وقيل: إن الذي كان حدث به داء يقال له الأكلة، فكان جسمه يتآكل ويتساقط حتى شغل عن القيام بماله، فذهب ماله وزال جميع ملكه، وحتى أن قومه أخرجوه من جوارهم، فصار في طريق من أطراق البلاد بحيث لا يجد فيه غذاء إلا ما يجده الفقراء الزمناء، وهو صابر مع ذلك، يحتسب، عارف بعدل الله في ذلك أنه لم يختر له، ولافعل به إلا ما حسن نظره في باب الدين أو أنه فعل ذلك به ليعوضه من نعيم الجنة ما هو أنفع له وأصلح مما سله من ماله وصحة جسمه، فكان إبليس اللعين يؤذيه
بالوسوسة، ويؤذي أهله بذلك، ويوسوس إلى جيرانه في إخراجه عنهم، وإبعاده منهم.
فعند ذلك دعا الله في كشف ما به، فاستجاب له لا إله إلا هو، فكشف ضره، ورزقه من المال والأهل أكثر مما كان قبل ذلك.
قوله: ﴿وذكرى لِلْعَابِدِينَ﴾ قيل: معنه: ليتعظ العابدون فيما يصيبهم من المحن بأيوب، فيصبروا ويحتسبوا ذلك عند الله، كما فعل أيوب.
ولا يجوز لأحد أن يتأول في قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ فهو الذي أمرضه، وألقى الضر في بدنه، ولا يكون ذلك إلا من عند الله وبأمره وأرادته يفعل ما يشاء، ويبتلي عباده بما يشاء، ليكفر عنهم سيئاتهمه، وليثيبهم بما أصابهم.
ففي كل قدر قدره الله على العبد المؤمن خير له، إما في عاجل أمره أو آجله، فعلى هذا يعبد الله من فهم عنه.
وقيل: إن الذي أصابه إبليس، إنما هو ما وسو إليه به وإلى أهله، فكان ذلك الذي شكا به إلى الله.
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ﴾ إلى قوله: ﴿نُنجِي المؤمنين﴾.
أي: واذكر يا محمد إسماعيل وإدريس وذا الكفل.
ذو الكفل رجل تكفل بكفالة من الطاعة لله فأتمه.
روي أن نبياً من الأنبياء قال: من يتكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب.
فقام شاب فقال: أنا.
فقال: اجلس.
ثم قال: من يتكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب.
فقام ذلك الشاب فقال: أنا.
فقال: اجلس فجلس ثم عاد الثالثة فقام ذلك الشاب فقال: أنا.
فصام النهار وقام الليل ثم مات ذلك النبي، فجلس ذلك الشاب مكان فقضى بين الناس، فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضرباً شديداً، فقال: من
هذا؟ فقال: رجل له حاجة فأرسل معه رجلاً فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب فسمي ذا الكفل.
وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل.
قال: فجمع الناس فقال: من يتكفل بثلاثة أستخلفه؟ يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب.
قال: فقام رجل تزدريه العيون فقال: أنا وقال مثلها في الثوم الثاني، فقام ذلك الرجل فاستخلفه فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم فقال: دعوني وإياه، [فأتاه] في صورة شيخ كبير قبيح الصورة فقير.
وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك السريعة فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم.
قال: ففتح الباب وجعل يقص عليه ويطول عليه، حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال له: إذا رحت فأتني وآخذ لك بحقك.
فانطلق وراح وكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس فنظره فلم يره، فلما رجع إلى القائلة وأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم.
ففتح له، فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فآتني؟ قال: إن خصمي قوم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا نمت جحدني.
قال: فانطلق فإذا رحت فأتني فأتته القائلة وراج، وجعل ينظر فلا يراه، وشق عليه النعاس.
فقال لأهله من الغد: لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم فلما
كان تلك الساعة جاء فقال له الرجلأ: وراءك، فقال: إني قد أتيته بالأمس، وذكرت له أمري فقال: لا والله، لقد أمرنا ألا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، فاستيقظ الرجل، فقال: يا أبا فلان، ألم آمرك؟ فقال: أما/ من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أوتيت.
فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه.
وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: يا عدو الله.
قال: نعم.
أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك، فسمي ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به.
قال مجاهد: كان رجلاً صالحاً غير نبي.
وكذا قال أبو موسى الأشعري وقوله: ﴿كُلٌّ مِّنَ الصابرين﴾ أي: كلهم من أهل الصبر فيما نابه في الله، وعلى تبليغ
رسالاته وعلى شدائد الدنيا، وعلى القيام بعبادة الله، وعلى الصبر على الأذى في الله.
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ الصالحين﴾.
أي: ممن عمل بطاعة الله.
وقيل: إن ذا الكفل إنما سمي بذلك لأن الله تكفل له في عمله وسعيه بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمنه.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ﴾.
أي: واذكر [يا محمد] صاحب الحوت.
وهو يونس إذ ذهب مغاضباً.
قال ابن عباس والضحاك: ذهب غاضباً على قومه.
وعن ابن عباس أنه خرج مغاضباً على ربه لما رد العذاب عن قومه وصرفه عنهم.
وهذا قول مردود، لا تغضب الأنبياء على ربها، لأن الغضب على الله معاداة
له.
ومن قصد الله بالعداوة كفر.
ونعيذ الله تعالى يونس صلى الله عليه وسلم من ذلك.
وكذلك لا يجوز أن تتأول في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
إنه من القدرة عليه، وأنه يفوت الله.
كان صلى الله عليه وسلم أعلم بالله من ذلك، إنما هو من التقدير الذي هو التضييق.
ظن أن الله لا يضيق عليه مسلكه في خروجه عنهم.
طمع برحمة الله له في ترك التضييق عليه.
وقد فسرنا هذال المعنى.
وقيل: إنما نقم الله عليه أنه خرج عن قومه فاراً من نزول العذاب بهم من غير أن يأمره الله بالخروج، وهي صغيرة والله يغفر الصغائر لغير الأنبياء، فكيف للأنبياء فنادى في بطن الحوت ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾.
أي: من الظالمين لنفسي في خروجي عن قومي قبل أن تأمرني بالخروج.
فاستجاب الله له، وأخرجه من بطن الحوت.
وتلك معجزة وآية له: تدل على نبوته وفضله.
وقيل: إن الله غفر له صغيرته، ولم يحبسه في بطن الحوت بذنبه إنما أراد أن
يريه قدرته، ويجعل ذلك: آية.
وخروجه من بطن الحوت عاقلاً حياً معجزة له، ودليلاً على توبته، لأن الصغائر تغفر باجتناب الكبائر.
والكبائر تغفر بالتوبة.
وذلك أنهم كذبوه فيما جاءهم به فأوحى الله تعالى إليه أني مرسل إليهم العذاب يوم كذا، فأخرج من بين أظهرهم.
فأعلم قومه بالعذاب الذي يأتيهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كان الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها، أدلج ورآه القوم فحذروا وخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله جل وعز واستقالوه فأقالهم.
قيل: خرجوا إلى موضع يقال له تل الرماد، ففرقوا بين الصبيان وأمهاتهم، وبين الرجال ونسائهم، وعجوا إلى الله تعالى ذكره وخرجوا بالبهائم، فرفع الله عنهم العذاب، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال: ما فعل أهل القرية، فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج عنهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهمه به من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين ذات كل ولد وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم وأخر عنهم العذاب.
فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم.
ومضى
على وجهه مغاضباً.
قال الحسن: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضباً لربه، فاستزله الشيطان.
وقاله الشعبي.
فقيل: إنه إنما لم يرجع إليهم لأنه استحيا منهم أن يجدوا عليه الخلف فيما وعدهم به/.
وقيل: كان من سنتهم قتل من كذب، فخاف أن يظنوا أنه كذبهم فيقتلوه.
وقيل: معناه: مغاضباً أي: مغاضباً من أجل ربه.
أي: غضب على قومه لكفرهم بربه.
وقال الحسن: أمر بالسير إلى قوم لينذرهم بأس الله، ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليه.
فقيل له الأمر أسرع من ذلك، ولم ينظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً يلبسها.
وكان رجلاً في خلقه ضيق.
فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضبً.
وقال وهب اليماني: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً وكان في خلقه ضيق.
فلما حملت عليه أثقال النبوة - ولها أثقال لا يحملها إلا قليل من الناس - تَفَسَخَ تحتها تَفَسُّخَ الربع تحت الحمل فقذفها من يديه، وخرج هارباً منها.
وقال الأخفش: إنما غاضب بعض الملوك.
واختار الطبري أن يكون المعنى مغاضباً لربه.
واختار النحاس أن يكون مغاضباً لقومه.
وقال ابن عباس: إنما أرسل يونس بعدما نبذه الحوت، لقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 145]. ثم قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147].
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه.
يقال: قدرت على فلان: ضيقت عليه.
ومنه قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله﴾ [الطلاق: 7].
قال ابن عباس: معناه: فظن أن لن نأخذه بالعذاب الذي أصابه.
وعنه أيضاً: أن المعنى: ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع بقومه إذ غضب عليهم وفر منهم.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المعنى: فظن أن لن نعاقبه.
وهذه الأقوال: هي الاختيار لبعد إضافة تعجيز الله جل ذكره إلى نبي، وقد قال: جماعة، وقولهم مرغوب عنه.
قال سعيد بن أبي الحسن: استزله الشيطان حتى ظن أن لن يقدر عليه، وكان له سلف عبادة وتسبيح، فأبى الله أن يدعه للشيطان فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فأقام فيه أربعين بين يوم وليلة وأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه.
وقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته لما كان سلف له من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين.
وقال ابن زيد: معنى الآية على تقدير الاستفهام، التقدير أفظن أن لن نقدر
[عليه].
ثم قال تعالى: ﴿فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾.
يعني: فنادى يونس في ظلمه الليل وظلمه البحر، وظلمه بطن الحوت.
قاله: ابن عباس وابن جريج وقتادة ومحمد بن كعب.
وقيل: إن الحوت الذي ابتلع يونس ابتلعه حوت آخر.
فتلك الظلمات بطن حوت في بطن حوت في ظلمة البحر.
وقوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ اعتراف منه بذنبه وتوبته منه.
قال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت، سجع مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجداً في موضع ما اتخذه أحد.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله جز وعز إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر له عظماً.
فأخذه
ثم هوى به إلى مسكنه، فلما انتهى به إلى أسفل الأرض، سمع يونساً حساً، فقال: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: هذا تسبيح دواب البحر.
فسبح وهو في بطن الحوت.
قال: فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.
قال ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر.
قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إلينا منه كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم.
قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال: " وهو سقيم ".
ثم قال تعالى: ﴿فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم﴾ أي: من بطن الحوت.
وقيل: من غمه بخطيئته.
وقيل: / منهما جميعاً.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " دعوة يونس في بطن الحوت لن يدعو بها رجل قط إلا استجيب له ".