الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
آنست ناراً، فامكثوا سآتيكم من النار بخبر، أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون بها من البرد.
قال ابن عباس: كانوا شاتين، قد أخطأوا الطريق.
وأصل الطاء: ثاء، لأنه من صلى النار فهو يفتعلون، فأبدل من التاء طاء لتكون في الإطباق كالصاد، وأصله: يصتليون، ثم أعلى على الأصول، وأبدلت التاء طاء، كما قالوا: مصطفى، وأصله: مصتفى: لأنه مفتعل من الصفوة.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾،
معناه: فلما جاء موسى النار نودي أن بورك: أي بأنه بورك، ويجوز أن يكون (أن) في موضع رفع بنودي ولا يقدر جاراً، ومعنى بورك: قدس أي طهر من في النار، قاله ابن عباس.
وعن ابن عباس أنه قال: كان نور رب العالمين في الشجرة.
وقال ابن جبير: ناداه وهو في النور.
وقال الحسن: هو النور.
وقال قتادة: نور الله بورك.
وقيل: من في النار: الملائكة، الموكلون بها، ومن حولها الملائكة أيضاً يقولون: سبحان الله رب العالمين.
وعن مجاهد معناه: بوركت النار.
حكاه عن ابن عباس.
قال محمد بن كعب: النار: نور الرحمن، والنور هو الله سبحان الله رب العالمين.
وقال ابن جبير: النار: حجاب من الحجب وهي التي نودي منها وذكر الحجب: فقال: حجاب العزة، وحجاب الملك، وحجاب السلطان، وحجاب النار،
وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء.
قال عبد الرحمن بن الحويرث: مكث موسى عليه السلام، أربعين ليلة لا يراه أحد، إلا مات من نور رب العالمين.
يعني إذ تجلى إلى الجبل.
قال الطبري: إنما قال: بورك من في النار، ولم يقل: بورك على من في النار، على لغة الذين يقولون: باركك الله.
والعرب تقول: باركك الله، وبارك عليك، حكى ذلك الكسائي عن العرب.
وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، يعني من حول النار من الملائكة.
قاله الحسن وغيره.
وقال محمد بن كعب القرطبي: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، يعني موسى والملائكة.
ثم قال تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين﴾، أي تنزيهاً لله مما يصفه به الظالمون.
ثم قال تعالى: ﴿ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم﴾، أي إنّ الآمر أنا الله، العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبير أمر خلقه.
ثم قال: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، أخبر عن العصا ها هنا أنها انقلبت كالجان، والجان: صغير الحيات، وأخبر عنها في موضع آخر أنها انقلبت ثعباناً مبيناً، والثعبان: كبير الحيات.
ومعنى ذلك أن عصا موسى انقلبت له على ثلاث حالات، آيات من الله، انقلبت حية تسعى وهي الأنثى، وجان وهو الصغير من الحيات، وثعبان مبين: وهو الذكر الكبير من الحيات.
وقيل: إنها انقلبت ثعبان تهتز كأنها جان ولها عظم الثعبان وخفة الجان واهتزازه، وهي حية تسعى.
والعرب تقول: هذه حية، وهذا حية.
وقيل: إن الله أقلب له العصا في أول مرة جاناً، وهو الحية الصغيرة لئلا يخاف ويجزع، فلما أنس بها وأخذها وأرسلها.
أرسله إلى فرعون، فألقاها في الحال الأخرى بين يدي فرعون فصارت ثعباناً مبيناً، والله أعلم، وفي لفظ الآية
اختصار وحذف، والتقدير: فألق عصاك، فألقاها: فصارت حية تهتز، فلما رآها تهتز كأنها جان أي حية، والجان جنس من الحيات معروف.
وقوله: ﴿ولى مُدْبِراً﴾، أي هارباً خوفاً منها، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، أي ولم يرجع.
يقال: عقب فلان: إذا رجع على عقبيه إلى حيث بدأ.
قال قتادة: ولم يعقب: لم يلتفت.
قال ابن زيد: لما ألقى موسى صلى الله عليه وسلم العصا صارت حية، فرعب منها وجزع، فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾، فلم يركن لذلك فقال الله: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين﴾ [القصص: 31]، قال: فلم يقف أيضاً على شيء من هذا حتى قال الله جل ذكره: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى﴾ [طه: 21]، قال: فالتفت موسى، فإذا هي عصا كما كانت / فرجع فأخذها، ثم قوي بعد ذلك عليها حتى صار
يرسلها على فرعون ويأخذها.
وقوله جل ثناؤه: ﴿لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾، أي عندي.
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء﴾، أي من ظلم فعمل بغير ما أذن له في العمل به.
قال ابن جريج: لا يخاف الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه الله حتى يأخذه منه.
وقال الحسن: في الآية إنما أخيف لقتله النفس، وقال الحسن أيضاً: كانت الأنبياء تذنب، فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾، استثناء منقطع عند البصريين، لأن حق الاستثناء أن يكون ما بعده مخالفاً لما قبله في المعنى.
وقوله: ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾، يدل على أمنهم.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، يدل على أمن من ظلم، ثم فعل ذلك فقد حصل المعنى فيهما واحد، فوجب أن يكون ليس من الأول و " إلا " بمعنى لكن، والتقدير،
لكن من ظلم من المرسلين وغيرهم ثم تاب فليس يخاف ومثله من كلام العرب ما اشتكى إلا خيراً، فالخير لا يشتكى.
وقوله: ما اشتكى يدل على أنه حل به الخبر.
وقوله: إلا خيراً قد صار مثل الأول في المعنى، فوجب أن يكون منقطعاً، و " إلا " بمعنى لكن خيراً، وكأنه قال: ما أذكر إلا خيراً.
وقال الفراء: الاستثناء من محذوف، والتقدير عنده: ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون﴾، إنما يخاف غيرهم، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا يخاف، وأجاز الفراء أيضاً أن تكون " إلا " بمعنى الواو، ومثله عنده ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: 150] أي والذين، وقد رد عليه القولان، لأن الاستثناء من محذوف لا يجوز، إذ لا يعلم ما هو، ولو جاز هذا، لجاز: إني لأضرب القوم إلا زياً.
على معنى وأضرب غيرهم إلا زيداً.
وهذا ضد البيان، ونقض الكلام، ولا يجوز كون " إلا " بمعنى الواو.
لأنه تقلب
المعاني، فيلزم إذا قلت له: عندي عشرة إلا أربعة أن تكون قد أقررت بأربعة عشر وهذا محال.
وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سواء﴾، يريد التوبة.
وقرأ: مجاهد ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً﴾، بالفتح على معنى عملاً محسناً.
﴿فَإِنِّي غَفُورٌ﴾، أي ساتر لذنوبه.
﴿رَّحِيمٌ﴾، به إن عاقبته.
وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وقف إن جعلت ﴿وَسُبْحَانَ الله﴾ لم ينادي به موسى، وإنما هو من قوله: لما خاف.
فإن جعلت ﴿وَسُبْحَانَ الله﴾ من النداء، كان الوقف " ﴿رَبِّ العالمين﴾ ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ وقف ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ وقف و ﴿لاَ تَخَفْ﴾ وقف.
﴿المرسلون﴾ وقف، إن جعلت ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ منقطعاً، فإن جعلته مستثنى على معنى: إن المرسلين لا يخافون إلا أن يذنبوا
فيخافون العقوبة، كما قال الحسن وغيره.
لم تقف إلا على ﴿سواء﴾، والتمام ﴿رَّحِيمٌ﴾.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾.
قال مجاهد: كانت على موسى يؤمئذ مدرعة فأمره الله أن يدخل كفه في جيبه، ولم يكن لها كُمٌّ.
وقيل: أمره أن يدخل يده في قيمصه، فيجعلها على صدره ثم يخرجها بيضاء تشبه شعاع الشمس أو نور القمر.
قال ابن مسعود: إن موسى أتى فرعون حين أتاه في زرمانقة يعني جبة صوف.
وقوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾، أي تخرج اليد بيضاء مخالفة
للون موسى من غير برص.
وقيل: من غير مرض.
وفي الكلام اختصار وحذف.
والتقدير: واجعل يدك في جيبك، وأخرجها تخرج بيضاء.
ثم قال: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾، أي من تسع آيات، و " في " بمعنى " من ".
وقيل: بمعنى " مع ".
وقيل: المعنى: هذه الآية داخلة في تسع آيات.
والمعنى في تسع آيات مرسل أنت بهن إلى فرعون، والتسع الآيات: العصا، واليد، والجدب، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
وقد تقدم تفسيرها بالاختلاف بأشبع من هذا.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، يعني فرعون وقومه من القبط.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، أي لما جاءت فرعون وقومه أدلتنا
وحججنا، وهي التسع الآيات مبصرة أي مبينة: أي يبصر بها من نظر إليها ورأى حقيقة ما دلت عليه.
قال ابن جريج: مبصرة، مبينة.
قال فرعون وقومه ﴿هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، أي بين للناظرين فيه أنه سحر.
/ قال: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾، أي كذبوا بالآيات أن تكون من عند الله، وقد تيقنوا في أنفسهم أنها من عند الله، فعاندوا بعد تبينهم الحق: قاله ابن عباس.
وقوله: ﴿ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ أي اعتداءً وتكبراً.
والعامل في ظلم وعلو: جحدوا، وفي الكلام تقديم وتأخير.
ثم قال تعالى: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين﴾، أي عاقبة تكذيبهم، كيف أغرقوا أجمعين.
هذا كله تحذير لقريش أن تحل بهم ما كان حل بمن كان قبلهم.
ثم قال ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾، أي علم منطق الطير، والدواب وغير ذلك.
﴿وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المؤمنين﴾، أي فضلنا بعلم لم يعلمه أحد في زماننا.
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أوحى الله إلى داود صلى الله عليه وسلم أن العبد من عبيدي ليأتيني بالحسنة، فأحطه في جنتي، قال داود: وما تلك الحسنة، قال: يا داود: كربة فرجها عن مؤمن ولو بتمرة.
قال داود: حقيق على من عرفك حق معرفتك أن ييأس ولا يقنط منك ".
قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، أي ورث علمه وملكه.
وقال قتادة: ورث منه النبوة والملك.
وروى أن داود كان له تسعة عشر ولداً، فورث سليمان النبوة والملك دونهم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ يا أيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير﴾، أي فهمنا كلامها، وسماه منطقاً لما فهمه عنها كما يفهم بنطق الرجل.
قال محمد بن كعب: بلغنا أن سليمان كان في عسكره مائة فرسخ: خمس وعشرون منها للإنس، وخمس وعشرون للجن، وخمس وعشرون للوحش، وخمس وعشرون للطير، وكان لع ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاث مائة صريحة، وسبع مائة سرية، فأمر الريح لعاصف فرفعته، وأمر الرخاء فسيرته، فأوحى الله عز وجل وهو يسير بين السماء والأرض: أي قد زدت في ملكك، أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك.
قال وهب بن منبه: أرادت الشياطين كيد سليمان، وتحاوروا بينهم في ذلك،
ليخلصوا من السحرة، فأمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد من الخلائق إلا وضعته في اذن سليمان، فبذلك سمع كلام النملة.
وذكر وهب: أن سليمان مر بجنوده من السماء والأرض، فرآه رجل من بني إسرائيل، كان في حرثه يفجر الماء فقال: لقد آتاكم الله آل داود، فاحتملت الريح قوله فقذفته في أذن سليمان.
فقال سليمان للريح: إحبسي فحبست، ونزل سليمان متقنعاً ببرد له حتى أتى الرجل فقال له: ما قلت؟ فقال له الرجل: رأيتك في سلطانك الذي آتاك الله، وما سخر لك فقلت: لقد آتاكم الله آل داود.
فقال له سليمان: صدقت، ولكن جئتك، خوف الفتنة عليك، تعلم والذي نفس سليمان بيده لثواب سبحان الله كلمة واحدة عند الله يوم القيامة أفضل من كل شيء أوتيته آل داود في الدنيا.
فقال له الرجل: فرجت همي فرج الله عنك همك.
فقال له سليمان: وما همي؟ قال: أن تشكر ما أعطاك الله، قال: صدقت.
وانصرف عنه سليمان إلى مركه.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، يعني من كل شيء من الخيرات، يؤتاه الأنبياء والناس، وهذا على التكثير كما تقول: ما لقيت أحداً إلا كلمته.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين﴾، أي إن الذي أوتيناه من الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا الظاهر.
قال: ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير﴾، يقال: إن الجن سخرت له، بأن ملك مضارها ومنافعها، وسخرت له الطير بأن جعل فيها ما تفهم عنه فكانت تستره من الشمس وغيرها.
وقيل: لهذا تفقد الهدهد.
ومعنى الآية: وجمع سليمان جنوده في مسير له ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قال قتادة: أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا.
قال ابن عباس: جعل على كل صنف منهم وزعة يرد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في السير كما يفعل الملوك.
وقال ابن زيد: يوزعون: يساقون.
وقال الحسن: / يوزعون يتقدمون.
والوازع في اللغة: الكاف: يقال: وزع فلان فلاناً عن الظلم، أي كفه عنه، ومنه قيل للذين يدفعون الناس عن القضاة والأمراء: وزعة لأنهم يكفون الناس عنهم، أي يمنعونهم منهم.
قال ﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل﴾، يعني أتى سليمان وجنوده على واد النمل، وهو واد كان بالشام نمله على قدر الذباب، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ أي بيوتكم ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾، أي يكسرنكم.
﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي يكسرونكم بوطئهم غير عالمين بكم.
فتكون الجملة في موضع الحال من سليمان وجنوده، والعامل في الحال يحطمنكم، ويجوز أن تكون الجملة حالاً من النملة، ويكون العامل في الحال: قالت.
أي قالت نملة ذلك في حال غفلة الجنود، كما تقول: قلت خيراً والناس نيام.
وقيل: إن قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، راجع إلى النمل.
أي والنمل لا يشعر أن سليمان يفهم مقالتها، فتكون حالاً من النملة أيضاً والعامل فيه: قالت.
كما تقول: شتمتك وأنا غير عالم بك.
أي شتمتك في حال جهلي بك.
ولما
فهم سليمان قول النمل وصارت بمنزلة من يعقل في الفهم عنها، أخبر عنها كما يخبر عن من يعقل، فلذلك قال: ﴿قَالَتْ﴾، وقال: ﴿ادخلوا﴾ ولذلك أضاف إلى الطير منطقاً في قوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير﴾ [النمل: 16].
وروي: أن الله جلّ ذكره: فهم سليمان كلام الإنس باختلاف لغاتها، وفهمه كلام الطير والبهائم، وكان إذا أراد أن يسير على الأرض أمر بالكرسي فوضع له فجلس عليه، ثم أمر بكراسي فوضعت لأصحابه فأجلس عليها من أراد، فالذين يلونه الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين ثم يأمر الريح فتحملهم بين السماء والأرض، وإذا أراد صار على الخيل في الأرض، فبينما سليمان ذات يوم يسير بين أيدي الناس على الأرض، ورجلان معه أحدهما ختنه: زوج ابنته، والآخر عن يساره من أهل مملكته كريم عليه، ولم يكن أحد يسير بين يديه تواضعاً لله، إذ مر على واد النمل وهو واد فيه نمل، فسمع نملة تقول: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وكان قد أعطى الله سليمان زيادة في ملكه ألا يذكره أحد إلا حملت
الريح ذلك الكلام إليه حتى يسمعه، فلما فهم سليمان كلام النمل تبسم ووقف فوقف الناس معه، فقال الرجلان: ما يضحك نبي الله؟ فأخبرهما بكلام النملة، فلم يزل واقفاً حتى دخلت النمل مساكنها ثم سار.
وروى الأعمش عن نوف أنه قال: كانت نمل سليمان أمثال الذباب، وكانت هذه النملة مثل الذيب في العظم.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا﴾،
أي فضحك سليمان من قول النملة، وقال: ﴿رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، أي ألهمني الشكر على ما أنعمت به علي وعلى والدي وألهمني أن أعمل عملاً صالحاً ترضاه.
وقيل: معناه كفني عن الأشياء إلا عن شكر نعمتك.
﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾، أي مع عبادك الصالحين، يعني الأنبياء، أي أدخلني معهم الجنة.
قال ابن زيد: ﴿عِبَادِكَ الصالحين﴾: هم الأنبياء والمؤمنون.
ثم قال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد﴾، سأل ابن عباس، عبد الله بن سلام: لم تفقد سليمان الهدهد من بين سائر الطير؟ فقال عبد الله: إن سليمان نزل منزلة في مسير له، فلم يدر ما بعد الماء، فقيل: من يعلم ما بعد الماء؟ فقالوا: الهدهد، فذلك حين تفقده.
وروي: أن الهدهد كان يدل سليمان على مواضع الماء في أسفاره، فأخذ الناس عطش في مفازة فسألوا سليمان الماء، فسأل عن الهدهد، فقالوا: غاب ولم يكن معه إلا هدهد واحد.
قال ابن عباس: تفقد سليمان - عند سؤالهم الماء - الهدهد، فسأل عنه، ودعا أمين الطير فسأله عنه، ولم يكن معه إلا هدهد واحد.
فقال الأمين: ما أدري / أين ذهب ولا استأمرني.
فكان الهدهد إذا وضع منقاره في الأرض أخبره كم بعد الماء،
فغضب سليمان عند ذلك، وتألاّ لنعذبنه عذاباً شديداً، أي ينتف ريشه حتى يتركه أقرع لا ريش عليه، فلم يكن إلا يسيراً حتى أتى الهدهد بعذر بين، فقال: اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿فَوَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ﴾ [النمل: 22]، أي بخبر صادق.
قال ابن عباس: لما أقبل الهدهد قيل له: إن سليمان قد حلف ليعاقبنك حين فقدك.
فقال الهدهد: هل استثنى؟ قالوا: نعم، فأقبل حتى قام بين يديه فأخبره بعذره.
وروي: أن الطير كانت تظله من الشمس في مسيره.
فلما غاب الهدهد أصابته الشمس من موضع الهدهد، فسأل عنه إذ فقده.
وقال ابن عباس: كان سليمان يوضع له ست مائة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس، فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، ثم يدعو
الطير فتظلهم، قال: ثم يدعو الريح فتحملهم فيسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر.
قال: فبينما هو في مسيرة إذا احتاج إلى الماء، وهو في فلاة من الأرض قال: فدعا الهدهد، فجاءه فنقر في الأرض فيبصر موضع الماء.
قال: فتجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب، ثم يستخرجون الماء.
فاعترض على ابن عباس نافع بن الأزرق، فقال له: كيف يبصر الهدهد الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه؟ فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وذكر أن الهدهد كان يرى الماء في الأرض، كما يرى الماء في الزجاجة.
ومعنى قوله: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين﴾، أي أخطأه بصري فلا أراه، وقد حضر أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق؟ " وكان " ها هنا بمعنى صار لأنه لم يستفهم وهو حاضر، إنما استفهم عنه وهو غائب، وإذا حملت " كان " على لفظها صار المعنى أنه استفهم عنه وهو حاضر، ولم يكن كذلك بل كان غائباً وقت الاستفهام فكان محمولة على معنى صار.
وبذلك يتم المعنى.
وقيل: إن مثله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى﴾ [الأنفال: 67] أي أن يصير له أسرى، لأن الأسرى كانوا بالحضرة لم يكونوا غيباً، ولا متوقعين ولا منتظرين و " يكون " يدل على أنه أمر متوقع منتظر، وليس هو كذلك، بل كانوا بالحضرة، فالمعنى أن تصير له أسرى.
قال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾، في الكلام اختصار وحذف، والتقدير: فقيل له غاب، فقال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾، أي لأنتفن ريشه، وأشتمه.
قاله ابن عباس.
﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي بحجة ظاهرة يقوم له بها عذر في غيبته عني.
قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ ليس هو بجواب قسم لسليمان.
مثل أو (لأعذبنه أو لأذبحنه) هذا جواب قسم لسليمان وليس ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ بجواب قسم له، لأنه لم يقسم على أن يأتيه بحجة تدفع عنه العذاب، لكنه جرى على لفظ ما قبله من قوله: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ﴾ أو ﴿لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ على باب المجازات لا أنه مثله.
ومثله قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 90] فهذا جواب قسم ثم قال: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ فليس هذا بجواب قسم ولكن دخلت اللام على طريق المجازات، ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾ لا على الجواب.
قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، أي فمكث سليمان غير وقت طويل من حين سأل عن الهدهد، حتى جاء الهدهد فقال له الهدهد لما سأله سليمان عن علة تخلفه وغيبته: أحطت علماً بما لم يحط به علمك.
قال ابن زيد: معناه علمت ما لم تعلم.
﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، أي بخبر صحيح، ومن صرف ﴿سَبَإٍ﴾ جعله اسماً للأب أو للحي أو لرجل أللبلد.
ومن لم يصرفه جعله اسماً للقبيلة، أو لامرأة هي أم القبيلة أو للبلدة.
قال أبو إسحاق: سبأ مدينة تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين
صنعاء مسيرة ثلاثة أيام.
/ وروي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن سبإ فقال: يا رسول الله أخبرني سبإ ما هو أرض أم امرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان وأما الذين تيامنوا فكندة، والأشعرون، والأزد ومذحج وحمير، وأنمار.
فقال رجل: ما أنمار؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: الذين منهم خثعم وبجيلة " وكذلك رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
بهذا المعنى فيجب صرفه على هذا القول.
وكل النحويين على أنه إن سمي به رجل صرف فدل على أنه مذكر في الأصل.
قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي قال الهدهد لسليمان مخبراً بعذره في الغيبة: إني وجدت امرأة تملك شيئاً، وأوتيت من كل شيء.
. أي من كل شيء يؤتاه الناس في دنياهم.
وقيل: معناه: من كل شيء يؤتاه مثلها من الأموال والعدد والرجال والخصب والنعم، وغير ذلك.
فقام له العذر عند سليمان في غيبته لأن سليمان عليه السلام كا لا يرى في الأرض أحداً له مملكة معه، وكان قد حبب إليه الجهاد، والغزو، فلما دله الهدهد على ملك معه ودله على موضع جهاد عذره وترك تعذيبه.
قال قتادة: هي امرأة يقال لها بلقيس بنت شراحيل وكان أحد أبويها
من الجن، وكان مؤخر قدمها كحافر الحمار.
وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، يعني ذا سعة، وحسن صنعة يعني به السرير.
قال ابن عباس: عرش عظيم: سرير كريم حسن الصنعة.
وكان سريراً من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
وروي: أنه كان سريراً من ذهب تجلس بلقيس عليه، طوله ثمانون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً، وارتفاعه في السماء: ثلاثون ذراعاً، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر، وكان اسم المرأة بلقيس ابنة اليشرح الحميرية.
روي: أنه كان سريراً عالياً تجلس عليه، وتكلم الناس من فوقه.
وذكر قوم: أن الوقف ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾، ثم تبتدئ ﴿عَظِيمٌ﴾ ﴿وَجَدتُّهَا﴾ وروي ذلك عن نافع، وليس بشيء لأن " عظيماً " من
نعت العرش، ولو كان متعلقاً بما بعده لقال: عظيم أن وجدتها أي عظيم وجودي لها كافرة.
قال تعالى: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله﴾، أي يعبدون الشمس ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾، أي حسن لهم عبادة الشمس من دون الله ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾، أي فمنعهم بتزيينه لهم الباطل، أن يتبعوا الطريق المستقيم، وهو دين الله فهم لا يهتدون إلى الحق.
قال: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ﴾ أن من ﴿أَلاَّ﴾ في موضع نصب على البدل من الأعمال عند: اليزيدي.
وقال: أبو عمرو والكسائي، " أن " في موضع خفض بدل من السبيل، ويجوز أن يعمل فيها " يهتدون ".
وقرأ الكسائي: ألا بالتخفيف، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فجعلها: " ألا " التي للتنبيه، ويا: حرف نداء، واحتج الكسائي أن حرف أبي وابن مسعود:
" هلا يسجدوا " فهلا تحقيق وأن اسجدوا أمر، واحتج أيضاً أن السجود هنا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شدد لا يلزمه سجود، لأنه خبر عن قوم أنهم لم يسجدوا، وليس هو أمر.
وليس فيه بمعنى الأمر.
ومن الدليل على صحة قراءة الجماعة، حذف الألف من يا من الخط، وحذف ألف الوصل من اسجدوا ويدل على ذلك أنه كله من كلام الهدهد وحكايته.
ولم يكن في الوقت أحد يؤمر بالسجود فيكون هذا أمراً له، ولا يلزم ترك السجود على قراءة الجماعة، لأنه لما أخبر أنهم لا يسجدون، وجب لمن يؤمن بالله أن يسجد لله عند ذكر تركهم للسجود تعظيماً لله، وخلافاً لما فعلوا من ترك السجود.
وقوله: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ﴾ قيل: هو من قول الله جلّ ذكره ينبه عباده أن
السجود لا يصلح إلا لله.
واختلف العلماء في سجود القرآن، ويقال لها: عزائم القرآن.
فكان ابن عمر، وابن عباس يقولان: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة: في الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، أولها، والفرقان / والنمل، وآلم السجدة، وصَ، وحَم السجدة، وهذا مذهب مالك.
قال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم: أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشر سجدة ليس في المفصل منها شيء.
يعني بقوله أجمع الناس: أهل المدينة.
وقد روي عن ابن عباس: أنه أسقط صَ وجعلها عشرة.
ومذهب الشافعي: أنها أربع عشرة سجدة زاد في الحج آخرها، وفي والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك، ونقص سجدة (صَ) وكذلك قال: أبو ثور، إلا أنه أثبت السجود في (صَ) وأسقطه من والنجم.
وقال إسحاق: سجود القرآن خمس عشرة سجدة، زاد على مذهب الشافعي
سجدة أخرى في الحج، واختلفوا في الموضع الذي يسجد فيه في (حَم) السجدة.
فقال ابن عباس، وابن عمر والحسن البصري، وابن سيرين: يسجد آخر قوله:
﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37] وقد حكى ذلك عن مسروق عن أصحاب ابن مسعود، وبه قال مالك والليث بن سعد.
وقال ابن المسيب، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى وإسحاق: يسجد عند آخر قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾ [فصلت: 38].
وقد روي ذلك أيضاً: عن ابن عباس، وابن سيرين، وفي سجود القرآن فضل عظيم.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر هؤلاء، أو هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ".
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ".
وكره مالك السجود بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا يسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وإذا كان القارئ في الصلاة فسجد، سجد بغير تكبير،
ويرفع رأسه بتكبير، فإن كان في غير صلاة لم يكبر في الرفع ولا قبله، وعلى من سمع قراءة السجدة أن يسجد مع الإمام.
وقوله: ﴿الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض﴾، أي يخرج المخبوء في السماوات من غيث، والأرض من نبات.
وقال مجاهد: هو الغيث.
وقال ابن زيد: خبء السماوات المطر، وخبء الأرض النبات.
وقال قتادة: الخبء: السر، " وفي " في موضع " من ".
ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، أي يعلم ما يسرون وما يظهرون.
ثم قال: ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم﴾، هذا كله من إخبار الله عن قول الهدهد.
قاله ابن زيد وابن إسحاق.
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)
أي قال سليمان للهدهد: سننظر أصدقت فيما اعتذرت به لغيبتك أم كنت من الكاذبين فيه.
وقوله:
﴿أَمْ كُنتَ﴾ معناه أم أنت، لأن سليمان لم يرد أنه ينظر أن كان فيما مضى من الزمان من الكاذبين، إنما أراد إن كان هو في حاله ذلك الوقت من الكاذبين.
ومثله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].
قال: ﴿اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾، أي قال سليمان للهدهد: اذهب بكتابي إليهم فألقه إليهم، ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، أي منصرفاً، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم.
وقيل: الكلام على بابه لا تقديم فيه، وانظر فيما انتظر أي فألقه إليهم فانتظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم.
قال ابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس ساعة تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها، فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدها، واستبطأت الشمس فقامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه، وطار حين قامت تنظر إلى الشمس.
فهذا التفسير يدل على أنه نظر إليها ماذا ترجع قبل إلقائه الصحيفة، ثم
ألقاها ورجع إلى سليمان.
وقيل: المعنى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قريباً منهم فانظر ماذا يرجعون؟ ودل على هذا سماع الهدهد قولها لأهل مملكتها بعد إلقائه الكتاب إليهت، وهذا القول هو اختيار الطبري.
واختار الزجاج القول الأول أن يكون على التقديم والتأخير.
ثم قال: ﴿قَالَتْ يا أيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾، في الآية اختصار وحذف، والتقدير فذهب الهدهد بكتاب سليمان فألقاه إليها، فلما قرأته قالت: يا أيها الملأ: تريد أشراف قومها.
/ قال ابن عباس: كتب سليمان إليها بسم الله الرحمن الرحيم: من سليمان بن داود إلى بلقيس ابنة اليشرح الحميرية: ﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، أي لا تتعظموا عن طاعتي وأتوني مسلمين فذهب الهدهد بالكتاب فانتهى إليها ظهيرة وهي قائلة في قصرها، وقد غلقت عليها الأبواب، فلا يصل إليها شيء،
والحرس حول قصرها.
وكان لها من قومها اثنى عشر ألف مقاتل، كان كل رجل منهم على مائة ألف سوى نسائهم وذراريهم.
وكانت تخرج إلى قومها فتقضي بينهم في أمورهم، وحوائجهم، في كل جمعة يوماً قد جعلت على عرشها أربعة أعمدة من ذهب، ثم جعلت عليه حريرة تجلس خلفها فهي تراهم ولا يرونها، فإذا أراد الرجل منهم قام بين يديها فنكس رأسه ولا ينظر إليها، ثم يسجد ولا يرفع رأسه حتى تأذن له إعظاماً لها.
فإذا قضت حوائجهم أمرت بأمرها ودخلت قصرها فلم يورها إلى مثل ذلك اليوم.
وكان ملكها ملكاً عظيماً، فلما أتاها الهدهد بالكتاب، وجد الأبواب قد غلقت دونها والحرس حوالي قصرها، فدار الهدهد حوالي القصر يطلب السبيل إليها حتى وصل إليها من كوة في القصر فدخل منها إلى بيت ثم مر من بيت إلى بيت حتى انتهى إليها في أقصى سبعة أبواب على عرشها مستلقية،
نائمة ليس عليها إلا خرقة على عورتها وكذلك كانت تصنع إذا نامت، فوضع الكتاب إلى جنبها على العرش ثم تولى فوقع في كوة ينتظرها حتى تقرأ الكتاب فمكث طويلاً لا تستيقظ، فلما أبطأ عليه ذلك انحط، فنقرها نقرة فاستيقظت، فبصرت بالكتاب إلى جنبها على السرير فأخذته وفزعت، وجعلت تنظر ما حال الكتاب، وكيف وصل الكتاب إليها فإذا الأبواب مغلقة، فخرجت فإذا الحرس حوالي القصر، فقالت هل رأيتم أحداً دخل علي أو فتح باباً؟ قالوا: لا، أما رأيت الأبواب مغلقة كما هي ونحن حوالي القصر، ففتحت الكتاب، وكان مطبوعاً فقرأته ولم تشك أنه من السماء سقط عليها فأرسلت إلى قومها وشاورتهم كما قص الله علينا في كتابه.
قال وهب بن منبه: كتب سليمان مع الهدهد ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾: من سليمان بن داود إلى بلقيس وقومها: أما بعد، فلا تعلوا
علي وأتوني مسلمين.
فأخذ الهدهد الكتاب برجله فانطلق به حتى أتاها، وكانت لها كوة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها، فأتى الهدهد الكوة فسدّها بجناحه حتى ارتفعت الشمس ولم تعلم من ألقى الكتاب من الكوة فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه فأخذته.
وقال قتادة: كان أولو مشورتها ثلاث مائة واثني عشر، كل رجل منهم على عشرة آلاف، وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام.
ومعنى وصفها للكتاب بالكريم أنه كان مطبوعاً.
وقيل: وصفته بذلك لحسن ما فيه واختصاره.
وقوله: ﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾، أي لا تتكبروا علي، ولا تتجبروا علي، وأتوني مذعينين مستسلمين.
وقال: إنما وصفته بالكريم على معنى كتاب من رجل كريم، رفيع القدر يطيعه الجن، والإنس والطير.
لأنها كانت قد سمعت بخبر سليمان، فلما رأت اسمه في الكتاب عرفته، وعرفت قدر ملكه، وأخبرتهم أنه من سليمان وأن فيه بسم الله الرحمن الرحيم.
وهذه جملة من علل بسم الله الرحمن الرحيم: فمن ذلك ما روي عن عيسى صلى الله عليه وسلم: أنه قعد بين يدي مؤدب، فقال له المؤدب قل: بسم الله الرحمن الرحيم: فقال عيسى وما بسم الله.
فقال المؤدب: لا أدري؟ فقال عيسى: الباء: بهاء الله / والسين سناء الله، والميم ملكه.
وكذلك قال الحسن إلا أنه قال: والميم مجده.
والباء متعلقة بفعل مضمر، والمعنى: ابدأ بسم الله، فإذا اختلفت الأفعال التي تريد أن تسمي الله عليها، أضمرت لكل معنى فعلاً يشاكله، فإذا أردت القيام فقلت بسم الله: أضمرت أقوم بسم الله، وإذا أردت القعود قدّرت أقعد بسم الله، وكذلك الركوب وشبهه.
وقيل: إن الاضمار في جميع ذلك أبداً وهو أحسن عند الحذاق، وإنما حذف الفعل ولم يذكر إيجازاً واختصاراً، إذ ما بقي من الكلام يدل عليه، وهذا
الحذف كثير في الكلام، وإنما اختيرت الباء لأنها للإلصاق، وأنت تحتاج أن تلصق ابتداءك بالتسمية، فجئت بالباء لأنه موضعها، وإنما سميت الباء، ومن وعن وشبهها بحروف الجر لأنها تجر الأفعال إلى الأسماء: تقول: مررت بزيد وانتهيت إلى عمرو.
فلولا الحروف ما انجرت الأفعال إلى الأسماء.
وإنما خفضت هذه الحروف الأسماء لأن معناها الإضافة، تضيف فعلاً إلى اسم، أو معنى إلى اسم.
كقولك: مررت بزيد، وعمرو كزيد.
وإنما كسرت الباء.
لتكون حركتها مثل عملها؛ هذا قول الجرمي.
ولم تكسر الكاف لتفرق بين ما يكون حرفاً واسماً، وبين ما لا يكون إلا حرفاً، وإنما عملت الخفض لأنها لا معنى لها في الأفعال فلزمت الأسماء، فلما لزمت الأسماء عملت إعراباً لا يكون إلا في الأسماء، وهو الخفض، وقد فتحوا لام الجر مع المضمر.
ردت إلى أصلها لأنها إنما كسرت مع المضمر ليفرق بينها وبين لام
التأكيد، وتركت الباء على كسرها مع المضمر إذ ليس فيها علة توجب فتحها، وكسرت لام كي لأنها هي لام الجر بعينها، وكسرت لام الأمر للفرق بينها وبين لام التأكيد، والفرق بين لام الجر، ولام الأمر وكلاهما مكسور، أن لام الجر لا تدخل على الأفعال ولام الأمر لا تدخل على الأسماء، فعملت لام الجر إعراباً لا يكون إلا في الأسماء للزومها الأفعال وهو الجزم.
وأصل هذه الحروف كلها الفتح، كواو العطف، وفائه، وألف الاستفهام.
وكانت في الأصل لا حركة لها ولم يمكن الابتداء بساكن فلم يكن بد من حركة فأعطيت أخفّ الحركات وهي الفتحة، وإذا قلت: بسم الله فهو الله في المعنى كما قال لبيد: