الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4848-4887
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4848-4887
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قال قتادة: ﴿اهتزت وَرَبَتْ﴾ حسنت وعرف الغيث في ربوعها.
وقيل: التقدير: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، فيكون المهتز الزرع، يتحرك إذا نبت على الحقيقة، فيرج المعنى إلى النبات.
وظاهر الإخبار عن الأرض.
وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ رجوع من خطاب جماعة إلى خطاب واحد وهو حسن، قد تقدم نظائره.
وقرأ أبو جعفر القاري: ﴿وَأَنبَتَتْ﴾ بالهمز.
أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة.
وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف يقال: هو رأبئ القوم وربيئتهم.
وفعيل: للمبالغة.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
أي: من كل نوع حسن، يعني من النبات.
﴿بَهِيجٍ﴾ بمعنى مبهج أي: يبهج من رآه حسنُه.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾.
أي: فعل الله ذلك بأنه الحق، أو الأمر ذلك بأنه الحق.
أي: هذا الذي تقدم ذكره من عظيم القدرة في خلق الإنسان، والأرض وغير

ذلك، فعله بأنه الحق الذي لا شك فيه، وإن ما سواه باطل لا يقدر على شيء من ذلك.
ومن فعل هذه القدرة، فهو قادر على قيام الساعة، وبعث من في القبور، فهو كله مَثَلٌ بعد مثل في تحقيق قيام الساعة وإحياء الموتى كما أحيا الإنسان من نطفة، ثم نقله من حال إلى حال.
وكما أحيا الأرض بعد دروسها، وكذلك احتج في قوله: ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق.
. .﴾ إلى ﴿القبور﴾ / وعلى إعادة الموتى وعلى ما يريج، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الموتى وَأَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ الساعة آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور﴾.
فلا تَشُكُّوا في ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ومِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى﴾.
أي: من يخاصم في توحيد الله بغير علم ولا هدى.
أي: وبغير هادى وبغير كتاب منير، أي ينير حجته، فتضيء له.
ونزلت أيضاً هذه الآية في النضر بن الحارث.
قوله تعالى ذكره: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ إلى قوله ﴿وَلَبِئْسَ العشير﴾.
أي: يخاصم في توحيد الله بغير علم، وبغير هدى وبغير كتاب، ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾.
أي: معرضاً عن الحق، متحيراً فنصبه على الحال.
قال ابن عباس: " ثاني عطفه " مستكبراً في نفسه.
قال: هو النضر بن

الحارث، لوى عنقه مرحاً وتعظماً.
وقال مجاهد وقتادة: معناه: لاوياً رقبته.
وقال ابن زيد: " لا ويا رأسه معرضاً، مولياً، لا يقبل على ما يقال له "، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ.
. .﴾ [المنافقون: 5] لآية، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِءَايَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً﴾.
والعِطْفُ: ما أنثنى من العنق.
ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾.
أي جادل هذا المشرك في توحيد الله ونفى البعث ليضل المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم الله إليه ﴿لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ﴾.
وهو القتل والهوان بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر.
﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق﴾ أي: نحرقه بالنار.
ثم قال: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له إذا أذيق عذاب النار.
ذلك بما قدمت يداك في الدنيا، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وقف، إن جعلت ﴿وَأَنَّ﴾ في موضع رفع على معنى

" والأمر أن الله ". ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾.
هذه الآية نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين من باديتهم، فإذا نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة وبعد الدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإن نالوا بعد ذلك شدة وضيق عيش أو موت ماشية ونحوه، ارتدوا على أعقابهم.
فالمعنى: ومن الناس من يعبد الله على شك، فإن أصابه خير - وهو السعة من العيش اطمأن به: أي استقر بالإسلام، وثبت عليه، وإن أصابته فتنة، وهو الضيق في العيش وشبهه انقلب على وجهه أي: رجع إلى الذي كان عليه من الكفر بالله.
قال ابن عباس: " كان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صح جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن إليه.
وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقالك والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، فذلك الفتنة ". وقال مجاهد: ﴿على حَرْفٍ﴾: على شك.
قال ابن جريج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمداً عليه السلام، فإن صادفنا خيراً من معيشة الرزق ثبتنا، وإلا لحقنا بأهلنا.

وبهذا القول قال: قتادة والضحاك.
قيل: هم المنافقون، كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مستعلياً على أعدائه في أمن وخصب، أظهروا التصديق به، وتصويب دينه، وصَلُّوا معه وصاموا، وهم مع ذلك على غير بصيرة فيما هم عليه، فإذا أصابته فتنة من خوف أو تشديد في العبادة والأمر بالجهاد، انقلب عما كان يظهر من الإيمان والصوم والصلاة، فأظهر الكفر والبراءة من دين الله، فانقلب على وجهه خاسراً دنياه وأخراه.
وقال ابن زيد: " هي في المنافقين، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت، انقلب فلا يقيم العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه، ورجع إلى الكفر.
وهذا التفسير كله يدل على أن السورة مدنية.
ومن قال: إنها مكية، قال: نزلت في شيبة بن ربيعة، كان أسلم ثم ارتد.
وقيل: نزلت في النضر بن الحارث.
وتقدير الكلام: ومن الناس من يعبد الله على حرف الدين، أي: على طرفه لا يدخل فيه/ ويتمكن.

ومعنى: ﴿انقلب على وَجْهِهِ﴾ [أي: انقلب] عن دينه.
﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة﴾ أي: خسر دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها.
وقيل م عناه: أنه خسر حظه في الغنيمة، لأنه لا حظ لكافر فيها.
وخسر الآخرة لما له فيها من العذاب، ولأنه خاسر الثواب.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك هُوَ الخسران المبين﴾.
أي: خسران الدنيا والآخرة.
ذلك هو الخسران المبين، أي يبين لمن تفكر فيه وتدبر.
ثم قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾.
وإن أصاب هذا الذي يعبد الله على حرف ضر، يدعو من دون الله آلهة لا تضره إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها.
﴿ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾.
أي: الطويل: والعرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد.
ثم قال: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ تقدير هذا الكلام عند الكسائي والبصريين: يدعو من لضره أقرب من نفعه.
أي: يدعو إلهاً لضره أقرب من نفعه، لأن من عبد الأصنام، فضررها يعود عليه في الدنيا والآخرة، ولا نفع يعود عليه من

ذلك، وإنما احتيج إلى تقدير تأخير اللام، لأن " يدعو " فعل لا يعلق، ولا بد أن يعمل، واللام تمنعه من العمل، فأخرت اللام ليعمل الفعل في " من " ولا يعلق.
وقيل: مع " يدعو " هاء مضمرة وهو في موضع حال من ذلك.
والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، فيقف على " يدعو " في هذا القول.
وتقديره: ذلك هو الضلال البعيد في حالة دعائه إياه.
ويكون لمن ضره أقر من نفعه مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره: ﴿لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير﴾.
وقيل: " يدعو " بمعنى يقول، فلا يحتاج إلى عمل، وتكون اللام في موضعها و " من " مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف.
والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهي.
وقيل: " يدعو " بمعنى: يسمى.
وقال الزجاج: " ذلك " بمعنى الذي.
وهو في موضع نصب بـ " يدعو " أو التقدير: يدعو الذي هو الضلال البعيد.
ثم ابتدأ: لمن ضره أقرب من نفعه.
وخبره: " لبئس المولى " وها مثل قوله: " وما تلك بيمينك ". أي: وما التي بيمينك.

وقال الفراء: يجوز أن تكون " يدعو " مكررة تأكيداً ل " يدعو " الأولى، فيقف على " يدعو " على هذا، ويبتدئ " من ضره " على الابتداء والخبر " لَبِئْس المولى ". وحكي عن المبرد أنه قال: التقدير: يدعو لمن ضربه أقرب من نفعه إلهاً.
وهذا لا معنى له، لأن ما بعد اللام مبتدأ، فلا ينصب خبره، فإن جعل الخبر " لبيس المولى " لم يكن للكلام معنى ويصير منقطعاً بعضه من بعض.
وقوله: ﴿لَبِئْسَ المولى﴾: أي: لبيس العم، " ولبيس العشير " أي: الخليط والصاحب.
قاله ابن زيد.
وقيل: " المولى ": الولي الناصر.
وقال مجاهد: " لبيس العشير " يعني الوثن.
ولا يوقف على " البعيد " على قول الزجاج، لأن ذلك منصوب بـ " يدعو ". وقد أفردنا لهذه الآية كتاباً، وشرحنا ما فيه بأبسط من هذا.
ومعنى: " لمن ضره

أقرب من نفعه " فأوجب أن عبادة الآلهة تضر، وقد قال قبل ذلك: " ما لا يضره وما لا ينفعه " فنفى عنها الضر.
فإنما يراد بذل أنها لا تضر في الدنيا، وأراد بالآية الأخرى ضرها في الآخرة.
والمعنى: لمن ضره في الآخرة أقرب من نفعه.
والأخرى ما لا يضره في الدنيا.
وكذلك معنى ما كان مثله.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾.
أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين.
" تجري من تحتها الأنهار ". أي: من تحت أشجارها.
﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته.
ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِي الدنيا والآخرة﴾.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، " فليمدد بسبب " وهو الحبل " إلى السماء " يعني سماء لبيت، وهو سقفه.
" ثم ليقطع " السبب.
يعني: الاختناق به.
" فلينظر هل يذهبن " اختناقه، ذلك ما يغيظ.
أي: ما يجد من في

صدره من الغيظ.
هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر/ الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.
أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ.
في نصر الله تعالى محمداً.
وقيل: النصر هنا معناه: الرزق.
وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله.
أي: من يعطني أعطاه الله فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه.
وكونها عائدة على " من " - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى " ينفعه ".

وقد قيل: إن " الهاء " تعود على الدين.
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دنيه، فليفعل ما ذكر.
قال ابن عباس: معنه: إن لن ينصر الله محمداً.
فالهاء لمحمد عليه السلام.
وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه.
فالهاء على هذا ل " ظن " كأنه ق: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به.
فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد ويبسبب يحتاله.
وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغطيه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى﴾.
أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل.
قال قتادة: " والصابون " قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور.
والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران " والذين أشركوا يعبدون الأوثان.
والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن.
وقوله: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى.
أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر.
والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام.
وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً.
والأول أحسن/.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾.
أي: يخضعون وينقادون لله.
وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقة.
وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء.

أن يصرفها فهو مجاز وتوسع.
وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن.
وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود.
وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً.
وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده.
وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد.
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر وإلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين.
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ يعني: المؤمنين ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله.
قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاذ لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه.

وقوله: " وكثير من الناس ". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: " وكثير حق عليه العذاب " لأن الجنة ضد النار.
ولو قال: " وكثير لا يسجد " لكان المعنى.
وكثير من الناس.
أي: وكثير من الناس يسجد.
وقيل: معنى: " وكثير حق عليه العذاب ": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول.
" وكثير من الناس " ثم يبتدئ: " وكثير حق عليه العذاب " ولهذا المعنى رفع " كثير ". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل.
ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار.
كما قال: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: 31] " فكثير " الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو أخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره.
ما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون.
[ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.
أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة.

﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر.
ثم قال تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾.
يعني: الذين تبارزوا يوم بدر.
وقد ذكر ذلك في أول السورة.
وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب.
اختصموا.
قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبيككم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً.
فكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم.
وكذا قال مجاهد.
وقال عكرمة: " هذان " إشارة إلى الجنة والنار.
اختصما في ربهما، فقال النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته.
فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾.
أي: قصماً من نحاص ونار.
وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس.

قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار.
والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم﴾ أي: ماء يغلي.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه.
وهو قوله: " يصهر به ما في بطونهم ". ثم يعاد كما كان.
ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط.
قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب.
قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم.
فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها.
ثم يصب عليها العطش، فيستغيثون فيغاثون بما كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطع عنها الجلود، " ويصره به ما في بطونهم "، أي: يذاب.
يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله،

يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك.
وقال عبد الله بن السري: يأيته الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعه، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه.
فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.
أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها.
وقوله: ﴿كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج.
إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
قال سلمن الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها.
قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع

الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً.
وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم.
فهو فعيل بمعنى مفعول.
قوله: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: يدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ". ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾.
ومن قرأ بالنصب، فمعناه: ويحلون لؤلؤاً.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي: ثياب من حرير.
ثم قال: ﴿وهدوا إِلَى الطيب مِنَ القول وهدوا إلى صِرَاطِ﴾.
أي: هداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال ابن زيد: هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله.
وهو الذي قال جل ذكره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10].
وقال ابن عباس: هدوا: ألهموا.
وقيل: هدوا إلى قوله: الحمد لله الذي صدقنا وعده.
وقيل: معناه: هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من عند الله، بما لهم من دوام النعم

وبالسلام والتحية التي يبعثها الله إليهم مع الملائكة.
كما قال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار﴾.
ومعنى: ﴿وهدوا إلى صِرَاطِ الحميد﴾.
أي: إذا صاروا إلى الآخرة، وهدروا إلى صراط الجنة، وطريقها، فهو صراط الله عز وجل، يسلكه المؤمنون إلى الجنة ويعدل عنه الكافرون والمنافقون إلى طريق النار.
والحميد هو الله.
بمعنى المحمود.
أي: أن يحمد على نعمه، على عباده.
وقيل: معناه: وهدوا إلى صراط الحميد، أي: وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الرب الحميد، وهو دين الإسلام.
والحميد بمعنى المحمود عند أوليائه وخلقه.
فحميد: فعيل بمعنى: مفعول.
وصراط العزيز الحميد: الإسلام.
وقيل: " إن قوله: لا إله إلا هو " هدوا إلى ذلك في الدنيا.
ثم قال: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾.
أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله ومنعوا الناس الدخول في دين الله وصدوهم عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس المؤمنين كافة لم يخصص به بعض دون بعض، هلكوا.
وهذا خبر أن، محذوف من الكلام.
وقيل: الخبر: يصدون.
فالواو زائدة.
قال أبو إسحاق: الخبر: نذقه من عذاب أليم.
وهذا غلط، لأنه جواب الشرط.
ثم قال: ﴿سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد﴾.
أي: معتدل في النزول فيه، المقيم والبادي.
فالبادي [المنتاب إليه من غيره].

والعاكف أهله.
أي: ليس أحدهم أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل.
قال ابن زيد ومجاهد: ذلك مباح في بيوت مكة.
وروي أن الأبواب إنما عملت على بيوت مكة من السِّرَق، لأن الناس كانوا ينزلون أينما وجدوا.
فعمل رجل باباً، فأرسل إليه عمر: اتخذت باباً من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته متحرز متاعهم.
واختلف في الآية.
فقيل: عُني بها المسجد الحرام خاصة.
ليس أحد أولى به من غيره.
وقيل: عني بها مكة، ليس أحد أولى بمسكن فيها من غيره.
والمعنى: والمسجد الحرام.
أي: ويصدون الناس عن دخول المسجد الحرام والصلاة فيه، والطواف بالبيت، وهو موضع يستوي فيه المقيم والطارئ، حقهم فيه واحد.
وهذا يدل على أن المراد المسجد الحرام، دون بيت مكة، وهو ظاهر اللفظ.
وقد ملك الناس دور مكة وتبايعوا من أول الإسلام إلى الآن وهم يتوارثونها من أول الإسلام.
فظاهر لفظ الآية إنما يدل على أن العاكف والطارئ حقهما في المسجد سواء، لا فضل لأحدهما على الآخر.
وقد قال ابن عباس: ذلك في المسجد الحرام خاصة.

وعن مجاهد وعطاء: أن المعنى: أن أهل مكة والغريب بها، هما في حرمة الإسلام سواء، لا يمنع أحد من دخوله من المؤمنين، ولا يُضر أحد منه.
وهذا القول يؤيده صدر الآية، لأنه تعالى إنما ذكر [صد] الكافرين المؤمنين عن المسجد الحرام ومنعهم منه.
ثم أعلمنا آخر الآية أن أهله والغريب في حرمته سواء، لا يُمنع أحد منهم.
ومن قرأ " سواءُ " بالرفع، جعله مبتدأ.
والعاطف فيه خبره.
وإن شئت جعلت العطاف مبتدأ وسواء خبر مقدم.
فتقف على " الناس "، على تقدير الوجهين.
ويكون: " للناس "، في موضع المفعول الثاني، تقف على " الناس ". من قرأ بالنصب، جعله مفعولاً ثانياً بـ " جعلنا " ويرتفع العاكف.
والأحسن عند سيبويه في مثل هذا: الرفع، لأنه غير جار على الفعل.
وقد قرئ " سواءً " بالنصب " العاكف " بالخفض، على أن يكون " سواء " مفعولاً ثانياً ل " جعلناه " والعاكف والبادي بدلاً من الناس، أو نعتاً لهم.
ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ﴾ فالباء في " بإلحاد " زائدة.
قاله: الأخفش وأبو عبيدة.
وقال الكوفيون: إنما دخلت الباء هنا، لأن معناه: ومن يرد فيه بأن يلحد.
والباء تدخل وتحذف مع " أن " كثيراً ومنع المبرد، الزيادة في كتاب الله، والقول عنده: إن يرد.
يدل على الإرادة.
فيدخل الباء مع الفعل.
على تقدير دخلوها مع المصدر.
فالتقدير عنده.
ومن أراد به بأن يلحد، وهو ظالم.
كما قال: أريد لأنْسَى ذِكْرَه.
فأكنما تخيل لي ليلاً بكل سبيل.
فأدخل اللام، على تقدير دخولها مع المصدر.
أي: إرادتي لكذا.
قال ابن عباس: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك.

وقال مجاهد: " من يرد فيه غير الله " وقاله الحسن.
وقال قتادة: من أشرك في بيت الله، عذبه الله.
وعن ابن عباس: أن المعنى من استحل من الحرام ما حرم الله، أذاقه الله العذاب المؤلم، ثمل القتل ونحوه.
وقال مجاهد: معناه: من يعمل فيه عملاً [سيئاً].
وهذه الآية تدل على أن الإنسان/ يجب عليه العقاب بنيته لفعل الشر في الحرم.
ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولم يقل: من يفعل ذلك.
وإنما ذكر العقوبة على الإرادة فقط، فهو ظاهر الآية، وذلك لعظيم حرمة الحرم وجلالة قدره، وكذلك يضاعف فيه الحسنات أكثر مما يضاعف في غيره.
وقال ابن عمر: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، يعني: في غير الحرم وفي غير أهل الحرم، قال: ولو أن رجلاً بِعَدَن أبينَ همَّ بقتل رجل بهذا البيت إلا أذاقه الله من العذاب الأليم.
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها

فتكتب عليه.
وعن ابن عباس أيضاً أن المعنى: من يرد إستحلاله متعمداً.
وقال حبيب بن أبي ثابت: " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم "، هم: المحتكرون الطعام بمكة.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ أنه قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد.
وقال مجاهد: بيع الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.
وقال الضحاك: الإلحاد في هذا الموضع: الشرك.
وقال عطاء: هو عبدة غير الله.
وقيل: إنه كل ما كان منهياً عنه حتى قول الرجل: " لا والله وبلى والله ". وروى مجاهد أن ابن عمر كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله، عاتبهم في الحل.
فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث

أن من الألحاد فيه أن يقول الرجل بمكة بلى والله، وكلا والله.
وأصل الإلحاد، الميل عن القصد، ومنه سمي اللحد، ولو كان مستوياً لقيل ضريح.
ومنه قوله: ﴿وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف: 180]. يقال: لحد وألحد بمعنى واحد.
وحكى الأحمر: ألحد إذا جادل ولحد إذا عجل ومال.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾.
إلى قوله: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾.
أي: واذكر يا محمد إذ وطأنا لإبراهيم، ومكنا له مكان البيت.
وبوأ تتعدى إلى مفعولين، ولكن دخلت اللام في إبراهيم حملاً على معنى: جعلنا لإبراهيم.
وقيل: اللام متعلقة بالمصدر، أي: واذكر تبويئنا لإبراهيم.
وقال الفراء: اللام زائدة مثل ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: 72].
وقوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي﴾ " أن " بمعنى: أي.

وقيل: التقدير: بأن لا تشرك.
وقيل: أن زائدة.
مثل ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير﴾ [يوسف: 96].
قالتقدير: واذكر يا محمد نعم الله على قومك وحسن بلائه وعندهم، وهم يعبدون غيره، فمما يجب أن يذكر إذ مكنا لأبيك إبراهيم مكان البيت.
قال قتادة: وضع الله البيت مع آدم حين اهبط إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه فنقض إلى ستين ذراعاً.
وإن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، شكا ذلك إلى الله فقال الله عز وجل: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي ويصلى عنده كما يصلى عند ال العرش فانطلق إليه.
فخرج آدم ومد له في خطوه فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك، فأتى آدم البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء.
وقال السدي: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل " أن طهرا بيتي للطائفين " انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، فأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا

الأساس، فذلك حين يقول: " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: أقبل إبراهيم من أرمينية ومعه السكينة تدله على البيت حتى يتبوأ البيت كما تبوأ العنكبوت بيتاً وكان يحمل الحجر من الحجارة يطيقه ولا يطيقه ثلاثون رجلاً.
وقال كعب الأحبار: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين سنة.
ومنه دحيت الأرض.
وقوله تعالى: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي﴾ أي: عهدنا إليه ألا يشرك في عبادة الله/.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ﴾ أي: ظهره من عبادة الأوثان.
قال مجاهد: طهره من الشرك.
وقال عبيد بن عيمر: من الآفات والريب.
وقال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان.
وقيل: طهراه من ذبائح المشركين، وما كانوا يطرحون حوله من الدماء والفرث والأقذار، وكانوا يطرحون ذلك حول البيت.
وقيل: معناه: طهراه من دخول المشركين إياه، ومن إظهار شركهم فيه.

فأمرهما بتطهير البيت من جميع ذلك لمن يطوف ويقوم بأمره من المؤمنين، ولمن يصلي بحضرته " والطائفون " الذين يطوفون به، " والقائمون " المصلون قياماً.
" والركع السجود "، يعني في صلاتهم حول البيت.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾.
أي: وناد إبراهيم في الناس بالحج يأتوك رجالاً وركباناً.
ورجال: جمع راجل، كقائم وقيام.
وقوله: ﴿وعلى كُلِّ ضَامِرٍ﴾.
أي: ويأتوك على كل بعير ضامر قد أضمره بعد المسافة من كل فج عميق.
والضامر: المهزول.
وقال: " يأتين " يريد به النوق.
ولو قلت في الكلام: مررت بكل رجل قائمين، حسن.
فكان " ضامراً " في موضع ضوامر ولكن وحد، لأن " كل " تدل على العموم.
والعموم والجمع متقاربان.
وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى بالتأذين بالحج، قام على مقامه، فنادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا بيته العتيق.
وقال ابن عباس: لما فرق إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج.
قال: يا رب، وما.

وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد: أن إبراهيم لما نادى: أيها الناس، كتب عليكم الحج أسمع من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
وعن ابن عباس أيضاً: أنه قال: إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، خفضت له الجبال رؤوسها ورفعت القرى فأذن في الناس.
قال ابن عباس عنى بالناس هنا أهل القبلة ألم تسمعه قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى﴾ [آل عمران: 96].
ثم قال: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: 97] يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر إبراهيم أن يؤذن فيهم فكتب عليهم الحج.
قال ابن عباس: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ أي: مشاة.
قال: وما آسى على شيء، فإني آسى ألا أكون حججت ماشياً، سمعت الله تعالى يقول: يأتوك رجالاً.
وقال مجاهد: حج إبراهيم وإسماعيل ما شيين.
وقال ابن عباس: ﴿وعلى كُلِّ ضَامِرٍ﴾: الإبل.

قال مجاهد: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى ذكره: " وعلى كل ضامر " فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب.
وقوله: ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾.
قال ابن عباس وقتادة: من كل مكان بعيد.
والظاهر في هذه الآية والخطاب - عليه أكثر المفسرين - أن هذ كله خطاب لإبراهيم، كان ومضى، أخبرنا الله به.
وقيل: إن قوله تعالى: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾.
. . - إلى - ﴿والركع السجود﴾ مخاطبة لإبراهيم، وقوله: " وأذن في الناس وما بعده، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي أعلمهم أن الحج فرض عليه، فيقف القاري على/ هذا القول، على " السجود " ويبتدئ " وأذن ". وقيل: إن قوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ وما بعده، خطاب للنبي عليه السلام كله، لأن القرآن عليه نزل، وهو مخاطب به، ولا يخرج عن مخاطبته إلى مخاطبة غيره إلا بتوقيف أو دليل قاطع.
وأيضاً فِإن " أن لا تشرك بي " خطاب لشاهد، وإبراهيم غائب، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الشاهد الحاضر في وقت نزول القرآن، فيكون المعنى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، فجعلنا ذلك من الدلائل على توحيد الله، وعلى أن إبراهميم كان يعبد الله وحده، فلا تشرك بي شيئاً، وظهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج: أي: أعلمهم أنه فرض عليهم.

وقيل: أعلمهم أنك تحج الوداع ليحجوا معك فيكون الوقف على هذا التأويل " مكان البيت " ويبتدئ في مخاطبة النبي عليه السلام " أن لا تشرك " أي وعهدنا إليك ألا تشرك بي شيئاً.
ومن جعله كله خطاباً لإبراهيم، وقف على ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾ على أن يقطع " يأتين " مما قبله.
قاله: نافع والأخفش ويعقوب، وغيرهم.
والعمق: " في اللغة: البعد.
ومنه بنو عميقة أي: بعيدة.
وقرأ عكرمة: يأتوك رجالاً، جعله راجل، أيضاً مثل ركب وركاب.
ويقال أيضاً: راجل، ورجله، وراجل، ورجاله.
قوله تعالى: ﴿لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿البآئس الفقير﴾.
أي: يأتون ليشهدوا منافع لهم: وهي التجارات في الأسواق والمواسم، قاله: ابن عباس وابن جبير.
وقال مجاهد: هي منافع في الآخرة، ومنافع في الدنيا، الأجر والربح.

وقيل: هو المغفرة فقط.
ثم قال: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام﴾ يعني: الهدايا التي أهدوا من الإبل والبقر والغنم.
قال علي بن أبي طالب: الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، إذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها، وهو قول: ابن عمر، وأهل المدينة.
وقال ابن عباس: المعلومات: العشر، يوم النحر، منها والأيما المعدودات: أيام التشريق إلى آخر النفر.
وهو قول: عطاء ومجاهد والنجعي والضحاك، وهو قول: الكوفيين.
ط وقال القتبي: المعلومات: عشر ذي الحجة.
والمعدودات يوم التروية ويوم عرفة ويوم الزنية.
ثم قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أي: فكلوا من بهائم الأنعام التي ذكر اسم الله عليها هنالك.
وهذه إباحة لا إيجاب.
واستحب مالك والليث أن يأكل الرجل من أضحيته لقوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾.

وقال الزهري: من السنة أن يأكل أولاً من الكبد.
قال بعض العلماء: ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح كان قبله.
وقيل: قوله: " فكلوا منه " ناسخ لفعل المشركين، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم.
واختار جماعة من الصحابة، وغيرهم من التابعين أن يتصدق الرجل بالثلث ويطعم الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث.
ومذهب علي بن أبي طالب وابن عمر أن لا يذخر من الضحايا شيئاً من بعد ثلاث، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال جماعة من العلماء والصحابة: يذخر منها بعد ثلاث، ورووا: أن الحديث منسوخ بالإذخار، وأن النبي عليه السلام قال: إنما أمرتكم ألا تذخروا من أجل الدافة التي دفت عليكم روته عائشة رضي الله عنها.
والدفة: الجماعة.
وقال الحسن البصري: العقيقة واجبة، وهي عند مالك وأكثر العلماء مثل الضحية، منذوب إليها.
وقال أبو حنيفة: الضحية واجبة على كل من وجد إليها سبيلاً، وعلى الرجل أن يضحي عن ولده، والجماعة على خلافه لأن الله تعالى لم يوجبها في كتابه، ولا أوجبها

رسوله، ولا اجتمعت الأمة على ذلك.
وقوله: ﴿وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير﴾ يعني: الزمن المقتر.
وقال مجاهد: هو الذي يمد إليك يده.
وقال عكرمة: البائس: المضطر الذي عليه البؤس، والفقير: المتعفف.
والبائس عند أهل اللغة: الذي عليه البؤس من شدة الفقر.
وقيل: البائس الذي يتبين عليه اثر البؤس والضر.
قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾.
إلى قوله: ﴿مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ /. قال ابن عباس: النفث: الحلق والتقصير والرمي والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار.
وهو الخروج من الإحرام إلى الحل.
وقال ابن عمر: التفث: ما عليهم من الحج.
وعنه أيضاً: التفث: المناسك كلها.
وعن ابن عباس: التفث: حلق الرأس والأخذ من الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأضفار والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة

والمزدلفة ومثله عن قتادة وابن جريج.
وقوله: ﴿وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يعني: ما نذروا من البدن.
وقال مجاهد: هو نذر الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق﴾.
يعني: بيت الله الذي هو مكة، سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه، قال: قتادة ومجاهد وابن نجيح وهو مروي عن النبي عليه السلام.
وقال ابن جبير: إنه إنما سمي بالعتيق لأنه أعتق من الغرف [في] زمان الطوفان.
وعن مجاهد: أنه إنما سمي عتيقاً لأنه لم يملكه أحد من الناس.
وقال ابن زيد: " سمي بذلك لقدمه، لأنه أول بيت وضع للناس، بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم برأ لله موضعه إبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم وإسماعيل.
ومنه قيل: للسيف القديم سيف عتيق.

وعنى بالطواف هنا طواف الإفاضة يوم النحر وبعده، وهو الذي يقال له طواف الزيارة.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله﴾.
أي: الأمر، ذلك من الفروض.
وقيل: معناه: ذلك الذي أمرتم به من الوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق هو الفرض الواجب عليكم في حجكم.
﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله﴾ أي: ومن يجتنب مع ذلك ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها، فهو خير له عند ربه في الآخرة.
قال مجاهد: ﴿حُرُمَاتِ الله﴾ هوي مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من المعاصي كلها.
وقال ابن زيد: ﴿حُرُمَاتِ الله﴾: المسجد الحرام والبيت الحرام والبلد الحرام.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام﴾ أي: أحلها الله لكم أن تأكلوها إذا ذكيتموها، لم يحرم عليكم بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي: في كتاب الله، وذلك الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخقة والموقدة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فذلك رجس كله.

وقال قتادة: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾: الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.
وقيل: هو الصيد المحرم على المحرمين.
فالمعنى: أحل لكم في حال إحرامكم أكل لحم الإبل والبقر والغنم، إلا ما يتلى عليكم من تحريم الصيد عليكم وأنتم محرمون.
ثم قال تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ أي: النتن، و " من " لبيان الجنس.
وقال الأخفش: هي للتبعيض.
أي: فاجتنبوا الرجس الذي هو من الأوثان، أي عبادتها.
وقال ابن عباس: معناه: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور﴾ ". وقال ابن جريج: ﴿قَوْلَ الزور﴾ الكذب، والفرية على الله جلّ ثناؤه.
وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهم.

وقيل: ﴿قَوْلَ الزور﴾: قولهم: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك.
وقيل: معناه: اجتبنوا تعظيم الأوثان والذبح لها.
وسماها رجساً، استقذاراً لها.
وكانوا ينحرون عندها، ويصبون عليها الدماء.
فيقذرونها، وهم مع ذلك يعظمونها، فنهى الله المسلمين عن ذلك كله.
ثم قال تعالى: ﴿حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.
أي: اجتنبوا ذلك، ما يليق إلى الحق والتوحيد والإخلاص والإيمان بالله.
ثم قال تعالى ذكر: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾.
أي: مثل من يشرك بالله في بعده من الهدى وإصابة الحق وهلاكه، ثمل من خرّ من السماء ﴿فَتَخْطَفُهُ الطير﴾ أي: فهلك، أو مثل من ﴿تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، أي: بعيد.
وقيل: المعنى: من يشرك بالله يكون يوم القيامة بهذه الصفة، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يملك له أحد من الخلق نفعاً، ولا يمكنه امتناع مما يناله من عذاب الله، فكأنه في ذلك بمنزلة من خرّ من السماء، ومن هوى لا يقدر لنفسه على دفع ما هو فيه، فتخطفه الطير وتقطع جسمه بمخالبها ومناقرها، فهلاو لا يجد سبيلاً إلى دفع ذلك عن نفسه، وهو بمنزلة من تحمله الريح من موضع مرتفع، فترمي به في منحدر بعيد/

سحيق، فشبه الله المشرك بمنزلة هذا الذي خرّ من السماء، فهوت به الريح وتخطفته الطير، فكما لا يملك هذا لنفسه دفع ضر، وهو في الهُوِي، كذلك المشرك، يوم القيامة لا يقدر على دفع ما نزل له من العذاب.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾.
أي: ذلك أمر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله﴾، يعني: الوقوف بعرفة وتجميع ورمي لاجمال والصفا والمروة، فهذه كلها شعائر، وتعظيمها: الوقوف والعمل بها في الأوقات المفروضة والمسنونة.
" والشعائر " جمع شعيرة، وهي ما جعله الله علماً لخلقه.
وكذلك الشعائر لابدن واحدها شعيرة أيضاً، لأنها قد أشعرت، أي: جعلت فيها علامة تدل على أنها هدي، ولذلك قال بعض العلماء: إن الشعائر هنا البدن.
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ أي: فإن الفعلة من تقوى القلوب.
أي: فإن التعظيم واجتناب الرجس من وجل القلوب من خشية الله.
ثم قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: لكم في البدن منافع قبل تسميتها بدنة وإشعارها.
وذلك لبنها وركوب ظهورها، وما يرزقون من نتاجها وشعرها ووبرها، وقوله: ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى وقت يوجبها صاحبها فيسميها " بدنة " ويقلدها ويشعرها، فإذا فعل ذلك، بطل ما كان له من النفع منها.
هذا معنى قول ابن عباس وعطاء.
وهو قول قتادة، قال: " إلى

أجل مسمى " أي: إلى أن تقلد فإذا قلدت، فمحلها إلى البيت العتيق.
وعن عطاء أن المعنى: لكم في البدن التي أوجبتم هديها منافع، وذلك ركوب ظهروها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربون ألبانها إذا اضطررتم إلى ذلك، ويحمل عليها المضطر غير منتهك لها.
وقوله: ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني إلى أن تنحر.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالبدن إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب غير منهوكة وإن نتجت أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها.
فإن كان في لبنها فضل فيشرب من أهداها ومن لم يهدها.
ومن جعل الشعائر: الأماكن المذكورة، فالمعنى عنده: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى، أي: لكم في حضور هذه الأماكن منافع، وذلك تجارتهم وبيعهم " إلى أجل مسمى " أي: إلى الخروج والانتقال من هذه الشعائر إلى غيرها.
هذا معنى قول ابن عباس.
وقال ابن زيد: معناه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ هو الأجر الذي ربحوا في تلك الأماكن.

ومعنى: ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى أيام معلومةن فإذا ذهبت تلك الأيام، لم يأتِ أحد لأماكن يبتغي الأجر، مثل عرفة ورمي الجمار ومزدلفة، فإنما منافعها في تلك الأيام بعينها، وهي الأجل المسمى.
ثم قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾.
أي: ثم محل البدن أن يبلغ الحرم، فتنحر بها.
وقيل: المعنى: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق إذا طفتم طواف الإفاضة.
وقال ابن زيد: معنا: ثم محل الحج إلى البيت العتيق.
أي: إذا طافوا بالبيت طواف الإفاضة انقضت أيام الحج.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾.
إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحاً يهرقون دمه ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه.
وقوله: ﴿مِّن بَهِيمَةِ الأنعام﴾.
فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير.
وسميت بهائم لأنها لا تتكلم.
وقال مجاهد: منسكاً: هو هراقة الدماء.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل