البقرة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
الذي تلقى ". وروي عن مجاهد أنه قال: " هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين.
اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين.
اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ".
وروي عنه أنه قال: " هو قول آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية ".
وروى عنه ابن جريج أنه قال: " هي قول آدم: رب أتتوب عَلَيَّ إن تبت؟ قال: نعم.
فتاب عليه ربه ".
/ روي أن آدم رأى كَلِماً في الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمد عبدي ورسولي، فعلم آدم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق عليه، فقال حين أخطأ: اللهم بحق
محمد اغفر لي خطيئتي، فغفر الله له ".
وكانت كنيته أبا محمد، وقيل: أبا البشر.
فذلك قوله: ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كلمات﴾.
قال ابن عباس: / " تاب الله على آدم يوم عاشوراء ".
قوله: ﴿قُلْنَا اهبطوا﴾.
يريد آدم وإبليس وذرية آدم.
وقيل: آدم وإبليس وحواء والحية.
وقيل: آدم وحواء فقط، وجمعا كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع لشرفه.
قال مجاهد: " أهبط آدم بأرض الهند فحج البيت على قدميه أربعين حجة، فقيل له: ولم تكن معه دابة تحمله؟ فقال: وأي دابة تطيقه؟ كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام، وموضع قدميه كالقرية ".
روى ابن وهب عن مالك أنه قال: " إن آدم لما أهبط إلى الأرض بالسند والهند، قال: يا رب أهذه أحب الأرض إليك أن نعبدك فيها؟ فقال: بل مكة، فسار آدم حتى أتى مكة فوجد عندها ملائكة يطوفون بالبيْت، ويعبدون الله،
فقالوا: مرحَباً بآدم، أبي البشر، إنا منتظروك هنا منذ ألفي عام ".
قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾.
أي رسل وأنبياء مخاطبة لذرية آدم.
وقيل: هُدى بيان من أمري.
وقيل: الهدى محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي من أطاعه وآمن به فلا خوف عليه في الآخرة.
وبنو إسرائيل هم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم.
و " إسرا ": بمعنى عبد.
و " إيل ": هو الله [ عز وجل] بالعبرانية، وهو مخاطبة لبني قريظة والنضير ثم عام في جميع بني إسرائيل.
قوله: ﴿نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
" هو أن جعلت منكم الرسل / والأنبياء، وأنزلت عليكم الكتاب ". قال ذلك أبو العالية.
وقال مجاهد: " النعمة تفجر الحجر وإنزال المن والسلوى عليهم، وإنجاؤهم من آل فرعون ".
وقال ابن زيد: " نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سِواها تبع لها ".
قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
العهد هنا عن قتادة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: 12].
من كل سبط شاهد على سبطه، إلى قوله: ﴿الأنهار﴾ [المائدة: 12].
وعن ابن عباس: " هو ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وطاعته واتباع أمره ".
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: الجنة والتجاوز عن الصغائر.
/ واختيار الطبري أن يكون هو ما أخذ عليهم في التوراة من أن
يبينوا للناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]. أي أمْر محمد صلى الله عليه وسلم وقال: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: 157]. فالمعنى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وانصُروه كما عهدت إليكم في التوراة؛ أوف لكم بما عهدت لكم من دخولكم الجنة.
وروي أن في التوراة: " هو أحمد الضحوك القتول يركب البعير ويلبس الشمْلة ويجتزي بالكسرة، سيفه على عاتقه ".
ومعنى ﴿فارهبون﴾ أي خافون واخشوني أن أنزل بكم ما أنزلت بمن / كان قبلكم من النقمات.
قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾.
أي هذا القرآن يصدق التوراة والإنجيل لأن فيها الأمر باتباع / محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك في القرآن.
فمن لم يتبعه فقد كفر بالجميع؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
وكذلك حكى الله عنهم، فإذا جحدوا به فقد جحدوا ما هو مكتوب عندهم، ومَن جحَد حرفاً واحداً من كتاب الله فهو جاحد للجميع.
قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
أي أول من كفر.
وقيل: أول فريق كافر.
وقيل: معناه: لا تسبوا الكفر وأنتم علماء فيُقتدى بكم.
وقيل: معناه: [ولا تكونوا] أول من كفر به من أهل الكتاب؛ يريد قريظة والنضير خاصة، لأنه قد كفر به المشركون قبل ذلك / بمكة، وليس نهيه أن تكونوا أول كافر يبيح لهم أن يكونوا ثانياً أو ثالثاً فما بعده، لأن النهي عن الشيء لا يكون دليلاً على إباحة أضداده.
وذلك في الأمر جائز، يكون الأمر بالشيء دليلاً عن النهي عن أضداده.
والهاء في " به " تعود على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: على كتابهم لأنهم إذا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقد كفروا بكتابهم.
وقيل: الهاء تعود على القرآن لأنه جرى ذكره في أول الآية، ولم يجر ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ولا التوراة والإنجيل باللفظ، ولكن جرى ذلك بالمعنى في قوله: ﴿لِّمَا مَعَكُمْ﴾.
وقيل: إن هذا خطاب لقريظة والنضير لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليهم فعصوه فكانوا أول من كفر به من اليهود.
قوله: ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
كان لأشراف اليهود مأكلة يأكلونها من أموال الناس كل عام على الدين فخشوا أن يؤمنوا فتذهب مأكلتهم.
قوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾.
أي: [لا تخلطوا الحق بالباطل، وهو إظهار] المنافق الإيمان بلسانه وجحوده بقلبه.
وقيل: هو قول بعض اليهود: " محمد نبي مرسل مبعوث إلا أنه لم يبعث إلينا "، / فيقرون ثم يجحدون.
وقال مجاهد: " لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ".
وقال ابن زيد: " الحق التوراة، والباطل [ما كتبوه وغيروه] بأيديهم ".
قوله: ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي تكتمون أمر محمد وأنتم تعلمون أنه نبي مبعوث صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كافة، تجدونه مكتوباً عندكم كذلك في التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾.
إنما أمروا بهذا لأنهم كانوا يأمرون الناس به ولا يفعلونه، دل عليه قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تتركون أنفسكم ".
والزكاة النماء والزيادة.
سميت بذلك لأنها تنمي المال وتثمره.
وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رجالاً تُقْرضُ شِفاهُهُمْ بِمَقَاريضَ مِنْ نارٍ، فَقُلْتُ: يا جِبْريلَ مَنْ هَؤُلاءِ؟ فقالَ: هؤلاءِ خُطَباءٌ يأْمرونَ النّاسَ بالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ ".
وقيل: كانوا ينهون الناس عن الكفر بشيء من التوراة والإنجيل ويقولون: تمسكوا بما فيهما، وهم يكفرون بما يجدونه فيهما من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وينقضون ما
عهد إليهم في ذلك.
وقيل: إنهم كانوا يخبرون الأنصار بصفة محمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرونهم بالإيمان به، وهم يؤمنون به قبل مبعثه، فلما بعث آمنت به الأنصار، وكفرت به اليهود.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
أي أفلا تعقلون / أن وبال ذلك راجع عليكم.
وأصل العقل المنع.
يقال: " عَقَلْتُ نَفْسي عَنْ كَذا " أي مَنَعْتُها، " وَعَقَلْتُ البَعيرَ " إذا ربَطْتَهُ "، وعَقَلْتُ عَنِ الرّجُلِ " إذا لَزِمَتْهُ دِيَّةً فَأَعْطَيْتَها عَنْهُ.
فهذا فرق بين عَقَلْتُهُ و " عَقَلْتُ عَنْهُ ".
قوله: ﴿بالصبر والصلاة﴾.
الصبر الصيام.
وأصل الصيام الحبس.
وقيل: معناه اصبروا على ما تكرهه نفوسكم من الطاعة والعمل.
وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: " معناه بالصبر على أداء الفرائض،
وبالصلاة على تمحيص الذنوب ".
وقال مقاتل: " معناه استعينوا بهما على طلب الآخرة ".
وقال مجاهد وغيره: " الصبر الصوم ".
وقيل: معناه: أصبروا أنفسكم عن المعاصي، أي أحبسوها.
وذكر الصلاة ها هنا لما فيها من الذكر والخشوع.
وكان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] " إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إِلى الصَّلاةِ " وقال الله: ﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر﴾ [العنكبوت: 45] فهي مما / يستعان بها على / ترك المعاصي وفعل الخير / كله.
وكان ابن عباس إذا أصيب بمصيبة توضأ، وصلى ركعتين ثم قال: " اللهم قد فعلنا ما أمرتَنا فأنجز لنا ما وعدتَنا ".
وقال أبو العالية: " معناه واستعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، فإنهما من
طاعته ".
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾.
إنما وُحِّد، وأتى بضمير الصلاة لأن المعنى قد عرف، وكانت الصلاة أولى لقربها و " لجمعها الخير "، ولأنها أقرب إلى الضمير.
وقيل: المعنى: وإن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم لكبيرة، فالهاء تعود على إجابته / لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ويأمر به.
ومعنى " كبيرة " ثقيلة شديدة، إلا على الخاشعين وإلا على الذين هدى الله.
والخاشع الخائف من الله.
وأصله التواضع، والتذلل، والاستكانة.
وقيل: الهاء في " إنها " تعود على تولية الكعبة.
وقيل: تعود على الاستعانة ودل عليه " استعينوا ".
قوله: ﴿عَلَى العالمين﴾.
أي على عالم [أهل ذلك الزمان] وذلك أنه فضلهم بالرسل والكتب.
قوله: ﴿يَظُنُّونَ﴾.
معناه: يوقنون.
والهاء في " إليه " تعود على اللقاء.
وقيل: على الله جل ذكره.
قوله: ﴿لاَّ تَجْزِي﴾.
أي لا تقضي، " جزى عني الشيء "، قضى، و " أجزأني، كفاني، مهموز.
وقيل: هما بمعنى واحد.
وأصل الجزاء القضاء والتعويض.
قوله: ﴿نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ﴾.
أي لا تقضي ولا تغني.
وهي خاصة لقول النبي [عليه السلام]: " شَفاعَتي لأَهْلِ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّتِي ".
ولقوله: " لَيْسَ مِنْ نَبِيّ، إلاّ وقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً، وإِنّي اخْتَبأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً
لأِمَّتِي وَهِيَ نائِلَة مِنْهُم مَنْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئاً ".
فألفاظ الآية عامة، ومعناها الخصوص، هي في الكفار خاصة، وفي هذه الآية رد على اليهود لأنهم زعموا أنهم لا يعذبون يوم القيامة لأنهم أبناء الأنبياء، وأن آباءهم يشفعون لهم عند الله، فرد الله ذلك عليهم في هذه الآية.
قوله: ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
أي: فداء.
وعن ابن عباس: " عدل: بدل ".
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: " العَدْلُ: الفِدْيَةُ ".
وقولهم: " لا يقبل منه، صرف ولا عدل ".
وقيل: العدل: الفدية، والصرف: الحيلة.
قاله ابن السكيت.
وقال المازني: " العدل: الفريضة، والصرف: النافلة ".
وقيل: للفدية: عدل، لأنها مثل الشيء، وأصل " عدل الشيء " مثله.
والعِدل - بكسر العين - ما حُمل على الظهر.
يقال: " عِنْدي غلامٌ عِدْلُ غُلامِكَ، وَشاةٌ عِدْلُ شاتِكَ "، بِكسر العين، إذا كان أحدهما يعدل الآخر.
وكذلك يفعل في كل شيء يماثل الشيء من جنسه فإن أردت أن عندك / قيمته من غير جنسه فتحت العين فقلت: " عِنْدي عَدْلُ غُلاَمِكَ وَعَدْلُ شاتِكَ ". أي قيمتها بفتح العين.
وروي في " العدل " الذي بمعنى الفدية كسر العين لغة.
والضمير في " ولاَّهُمْ " يعود على الكفار لأن النَّفْسَين [المذكورتين تدلان] على ذلك.
وقيل: تعود على النفسين لأنهما بمعنى الجمع لم يقصد بهما قصد نفسين بأعيانهما ولأن التثنية أول الجمع، فهي جمع.
قوله: ﴿وآلِ فِرْعَوْنَ﴾.
أصله: أهله، وترجع الهاء في التصغير.
وجمعه آلون.
وجمع " آل " الذي هو السراب " أَأْوالٌ " كمالٍ وأمْوالٍ.
و" آل " المختار فيه ألا يضاف إلا إلى الأسماء المشهورة نحو آل هشام وآل محمد صلى الله عليه وسلم فإن أضفته إلى البلدان والأرضين لم يجز عند جماعة من أهل العربية واللغة / لا يقال: آل المدينة ولا آل مصر، وإنما يقال بالهاء، حكاها الكسائي.
وسمع الأخفش آل المدينة وآل مكة نادران لا يقاس عليهما.
واسم فرعون الوليد بن مصعب.
وقيل: مصعب بن الريان، وهو اسم كانت ملوك العمالقة تتسمى به.
وكانت ملوك الروم تتسمى قيصراً وهِرقلاً، وملوك فارس تتسمى كسرى،
وملوك اليمن تُبَّع ".
قال مجاهد: " فرعون موسى فارسي من أهل اصطخر قدم مصر فكان بها ".
قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أي: يوردونكم.
وقيل: يذيقونكم.
وقيل: يولونكم.
وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا، مرة كذا.
والعذاب هنا هو استخدام القبط الرجال من بني إسرائيل وقتل الأبناء؛ روي عن ابن عباس أنه قال: " ذكر فرعون ما وعد الله خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه يجعل من ذريته / أنبياء ملوكاً، فأجمع رأيه مع أصحابه على أن يذبح / كل مولود ولد في بني إسرائيل ففعل ثم رأى أن الكبار يموتون بآجالهم والصغار يذبحون فخاف أن يضطر إلى أن يتولى الخدمة بنفسه ويغني الناس فأمر أن يقتل الصغار سنة ويدعوهم سنة، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا ذبح فيه، فولدته علانية، [وحملت] في العام المقبل بموسى صلى الله عليه وسلم.
وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: " قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك.
فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة وعلى كل عشرةٍ رجلاً، وأمرهم بذبح الذكور إذا وضعن.
وقال السدي: " كان ذلك من فرعون لرؤيا رآها، فعُبِّرت له أن يكون من بيت المقدس مولود يكون خراب مصر على يديه.
فأمر بذبح الغلمان / واستخدام الآباء تحت أيدي القبط، فأسرع الموت في مشيخة / بني إسرائيل، فدخل كبراء القبط على فرعون فقالوا له: إن هؤلاء القوم يسرع فيهم الموت فيوشك أن تبقى بغير خدمة، فأمر بذبح الذكور سنة وبتركهم سنة ".
قوله: ﴿بلاء مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
أي نعمة إذ نجاكم مما كنتم فيه.
وقيل: معناه اختبار لكم من ربكم.
قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾.
أي جعلناه اثني عشر طريقاً على عدد الأسباط.
ولما أتى موسى صلى الله عليه وسلم البحر كناه أبا خالد وضربه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم.
﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾.
قيل: إنهم كانوا ينظرون إلى آل فرعون يغرقون وهم ينجون.
وقيل: أخرجوا لهم حتى رأوهم.
وقيل: كانوا ينظرون انفلاق البحر لهم.
وقال الفراء: " تنظرون: تعلمون "، واستبعد أن ينظروا إليهم في ذلك الوقت لأنهم كانوا في شغل عن ذلك.
وكان فرعون قد خرج في طلب موسى صلى الله عليه وسلم في سبعين ألفاً من دُهْم الخيل خاصة، وموسى صلى الله عليه وسلم بين يديه حتى قابله البحر، فقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].
قال
موسى صلى الله عليه وسلم: كلا إن معي ربي سهديني للنجاة قد وَعَدني ذلك، وهو لا يخلف الميعاد.
وكان قد أوحى الله إلى موسى صلى الله عليه وسلم أن أضرب بعصاك البحر، وأمر البحر أن ينفلق إذا ضربه موسى صلى الله عليه وسلم فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقاً من الله تعالى، فضربه موسى صلى الله عليه وسلم بالعصا فانفلق، فسلك موسى صلى الله عليه وسلم / ببني إسرائيل وأتبعه فرعون وجنوده.
ولما أتى فرعون في أثر موسى صلى الله عليه وسلم وهو على حصان فأراد الدخول فهرب الحصان من البحر فعرض له جبريل على فرس أنثى فقربها منه فشمها ثم تقدم معها [الحصان عليه فرعون حتى دخل، ثم دخل آل فرعون في أثره، وجبريل صلى الله عليه وسلم أمامه]، وميكائيل من وراء القوم على فرس يستحثهم حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس قدامه أحد.
وبقي ميكائيل من الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر.
فلما رأى فرعون ما رأى نادى: ﴿لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: 90] وكان ذلك يوم عاشوراء.
وروي عن ابن عباس أن موسى صلى الله عليه وسلم سرى ليلاً كما قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾
[الدخان: 23]، فأتبعه فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى صلى الله عليه وسلم في ستمائة ألف فاحتقرهم فرعون، وقال حين اطلع عليهم: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: 54] [الثلاث الآيات]، ولما دخلوا البحر وتفرق كل سبط على طريق، قال السبط الذين مع موسى صلى الله عليه وسلم لموسى: أين أصحابنا؟ قال: سيروا / فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم.
قال موسى صلى الله عليه وسلم: اللهم أعِنِّي على أخلاقهم السيئة.
فأوحى الله إلى موسى صلى الله عليه وسلم أن يزيد عصاه على البحر في الحيطان فصار فيه كوى ينظر بعضهم إلى بعض.
وموسى اسم أعجمي، أصله فيما ذكر السدي: ماء وشجر، فهو ماء.
وسمي بذلك لأن أمه / حين ألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون فوجده جواري آسية امرأة فرعون، فسمي باسم ذلك المكان الذي
أصيب فيه.
فأما موسى فمؤنثة عربية، مشتقة من أسوت إذا أصلحت، ويكون أصله الهمز.
وقيل: هي من " أَوْسَوْتُ " إذا حلقت.
وهذا أشبه بها، وكلاهما قريب من الآخر.
و [الأصل] للواو في الهمز على هذا.
قوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.
أي: تمام أربعين ليلة.
وقيل: معناه أربعين ليلة بتمامها.
فالأربعون داخلة في الميعاد.
قوله: ﴿اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ﴾.
أي إلهاً، والأصل، اتَّخَذَ، يَتَّخِذُ، وهو " افْتَعَل " من الأخذ، وكثر في كلامهم فجعلوه بمنزلة ذوات الواو والياء التي تكون في موضع الفاء من الفعل.
وهي تكون تاء في " افتعل " وما تصرف منه، وتدغم في تاء " افتعل ". فأصل التاء الأولى همزة
/ وقد قيل: أصلها تاء من " تخذت ".
وقال الأخفش: " أصلها همزة حملت على ذوات الواو.
لأن الهمزة قد تدخل على الواو فيبدل كل واحدة من الأخرى ".
وقد قيل في لغة: " أخَذْتُهُ وأَخَذَهُ الله بذلك، وَوَاخَذَهُ ". فصارت " اتخذ " مثل " اتعد ".
قال ابن عباس: " لما امتنع فرس فرعون أن يدخل به البحر، تمثل له جبريل عليه السلام على فرس أنثى فتقحم خلفها ودخل بفرعون، وكان السامري قد عرف جبريل لأن أمه خافت عليه الذبح، فخلَّفته في غار فانطبقت عليه الغار.
فكان جبريل عليه السلام يأتيه فيغدوه بأصابعه، فيجد في إحدى أصابعه لبناً وفي الأخرى / عسلاً وفي الأخرى سمناً.
فلم يزل يغدوه حتى نشأ، فلما رأى جبريل عليه السلام عرفه، / فأخذ من أثر فرسه قبضة من تراب، ورفعها عنده، وكان موسى صلى الله عليه وسلم إذ أمر بني إسرائيل
أن يخرجوا من أرض.
مصر، أمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط ويخرجوا به معهم.
فلما تجاوز البحر وغرق آل فرعون استخلف موسى هارون على بني إسرائيل، ومضى لوَعْدِ ربه عز وجل، فقال لهم هارون: اجمعوا الحلي وادفنوه حتى يأتي موسى، فإن أحلَّها لكم أخذتموها.
فجمعوا الحلي في حفرة، وألقي [في روع] السامري / أنه لا يلقي تلك القبضة على شيء فيقول: كن كذا إلا كان، فقذفها في الحفرة وقال: كن عجْلاً جسداً له خوار، فصار الحلي كذلك، تدخل الريح من دبره وتخرج من فيه، يُسمع لها صوت، فقال لهم السامري: ﴿هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ﴾ [طه: 88]؛ أي نسي موسى صلى الله عليه وسلم إلهه عندكم، ومضى يطلبه كأنه قد نسي.
فعكفوا على العجل يعبدونه فنهاهم هارون صلى الله عليه وسلم وقال: ﴿إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن فاتبعوني﴾ [طه: 90].
فأبوا حتى يرجع موسى [ صلى الله عليه وسلم] ".
وقيل: إنه كان يمشي ويخور.