الأنبياء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
المعنى: إذا دعي لأحدكم بطول الحياة والبقاء والسلامة فردوا ذلك بأحسن منه، أو ردوا التحية.
وقيل: المعنى: إذا قيل لكم السلام عليكم، فقولوا السلام عليكم ورحمة الله، فهذا خير من التحية، أو يردها فيقول: السلام عليكم، كما قيل له، قال ذلك السدي، وروي عن ابن عمر أنه يرد: وعليكم السلام.
وقال ابن عباس: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ على أهل الإسلام أو ردوها على أهل الكفر، وقال: من سلم عليك من خلق الله فأردده عليه، وإن كان مجوسياً، وقال ذلك قتادة.
وقال ابن زيد: قال أبي: " حق على كل مسلم (حُيَّيَ) بتحية أن يُحَيِّيَ
بأحسن منها " للمسلمين ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ على الكفار.
وروي عن ابن عباس: ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ يقول: وعليكم: على الكفار.
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ".
واختار الطبري أن يكون المعنى للمسليمن، يرد عليهم أحسن من تحيتهم بزيادة الرحمة والبركة، أو يرد عليهم تحيتهم بعينها بغير زيادة، ويكون الرد على أهل الكتاب معمولاً به بقوله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يزاد على ذلك.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا لهم: وعليكم يظن على أن يقال لهم مثل ما قتالوا، فيجب أن تكون الآية كلها في المسلمين وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز أن يبدأوا بالسلام، والسلام عند الجماعة تطوع والرد فريضة، وقال مالك في معنى الآية: إن ذلك على المشمت في
العطاس.
وقال: مجاهد الحسيب: الحفيظ.
وقال أبو عبيدة: كافياً.
وقيل معنى حسيب: محاسب كما يقال: أكيل بمعنى: مواكل.
والحسيب عند أهل اللغة الكافي.
يقال حسبه إذا كفاه، ومنه ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾ [النبأ: 36] أي: كافياً: ومنه ﴿حَسْبُكَ الله﴾ [الأنفال: 64] أي: يكفيك الله.
قوله تعالى: ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ﴾.
(معنى الآية) أنه تخويف وتحقيق للبعث والحشر وأن ذلك لا ريب فيه أي لا شك فيه ﴿يَوْمِ القيامة﴾ يوم القيام لرب العالمين، والهاء زيدت للمبالغة، وقيل: سميت بذلك لأنه يوم يقوم الناس من قبورهم فيه، والهاء للمبالغة أيضاً.
ومعنى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ أي: لا أحد أصدق حديثاً من الله.
قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ الآية.
هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، رجعوا إلى المدينة، وقالوا لأصحاب النبي عليه السلام: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: 167] فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ أي: فرقتين ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم، وذلك بما كسبوا من خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد وغيره: نزلت في قوم أتوا مكة: زعموا أنهم مهاجرون، ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم، فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ففرقة تقول: إنهم منافقون، وفرقة تقول: هم مؤمنون، فأنزل الله الآية.
وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة مسلمين فأقاموا ما شاء الله، ثم استوخموا المدينة، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى البادية، فأذن لهم، فتكلم الناس فيهم،
واختلفوا في نفاقهم وإيمانهم فأعلمهم الله بنفاقهم وأعلمهم أنه أركسهم بما كسبوا من المعاصي: أركسهم في النفاق بذنوبهم.
وقيل: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ معناه أضلهم.
ثم قال مخبراً عنهم ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ فدل على أنهم ارتدوا، وأن النفاق كفر، وقوله تعالى ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ يدل على أنهم قوم كانوا بمكة يَدَّعون الإيمان، وليسوا بمؤمنين وهو قول ابن عباس وعمر وغيرهما.
وقيل: إنهم لما خرجوا يريدون البادية مضوا إلى مكة فاختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أمرهم، فأوضح الله عز وجل خبرهم، وحكمهم في هذه الآية.
وقال معمر: كتب ناس من أهل مكة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون لهم: إنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذباً، فلقيهم المسلمون بعد ذلك، فاختلفوا فيهم، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام فأنزل الله الآية، وهم ناس لم يهاجروا وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عباد: هم قوم كانوا بمكة فكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون المشركين على المسلمين فخرجوا من مكة في حاجة، فاختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.
وقال ابن زيد: هذا نزل في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم به.
وأركسهم: ردهم، وقيل: أوقعهم وقيل: أضلهم وأهلكهم.
وقال القتبي: أركسهم نكسهم وردهم في كفرهم،، وحكى الفراء أركسهم وركسهم بمعنى ردهم إلى الكفر.
قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله﴾ الآية.
هذا تبعيد لهدي من أضل الله ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً مستقيماً، وقيل: سبيلاً إلى الحجة.
قولهم: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ الآية.
المعنى: تمنى المنافقون الذين بمكة، الذين اختلفتم فيهم فرقتين لو تكفرون مثلهم، فتكونون أنتم وهم في الكفر سواء ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: أخلاء ﴿حتى يُهَاجِرُواْ﴾ أي: يخرجوا من ديار الشرك إلى ديار الإسلام، ويكون خروجهم ابتغاء وجه الله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ﴾ أي: أدبروا عن الله ورسوله والهجرة إليكم، ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ أي: أين اصبتموهم من أرض الله، ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ﴾:
أي: خليلاً ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: تناصراً في دينكم على أعدائكم فإنهم ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: 118]
قوله: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ الآية.
المعنى اقتلوا من وجدتم من المنافقين الذين اختلفتم فيهم إن لم يهاجروا إلا أن يتصل قوم منهم بمن بينكم وبينهم عهد فيدخلون فيما دخلوا فيه، ويرضون بما رضوا، فلا يقتل من كانت هذه حاله منهم فإن لهم حكمهم.
قال السدي: المعنى إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلا أن يكون أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثلما تجرون على القوم واحكموا في الجميع بحكم واحد.
ومعنى: ﴿يَصِلُونَ﴾ يتصلون.
وقال أبو عبيدة: معنى: ﴿يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾: ينتسبون إليهم.
وهو بعيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاتل من ينتسب إلى من بينهم وبينه عهد، وليس النسب مما يمنع قتال الكفار لعهد بيننا وبين قرابتهم.
وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وقال قتادة: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ [مِّيثَاقٌ]﴾ نسخ بعد ذلك، فنبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثم أمرنا بالقتال في براءة.
وقال ابن زيد: نسخها الجهاد.
قوله: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ الآية.
المعنى: إلا الذين جاؤوكم قد ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، فدخلوا فيكم، فلا تقتلوهم، ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لسلط عليكم هؤلاء الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يجيئونكم قد ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: ضاقت عن قتالكم، وقتال قومهم، فيقاتلوكم مع اعدائكم من المشركين، ولكن الله كفهم عنكم.
وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ليست اللام بجواب للقسم [كاللام في ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾، وإنما دخلت للمجاءاة لا للقسم]، ومثله قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: 21].
ليست اللام
بجواب للقسم وإنما دخلت للمحاذاة للامين اللتين قبلها، اللتين هما جواب قسم سليمان في قوله ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ [النمل: 21] ولهذا نظائر ستراها.
قوله: ﴿فَإِنِ اعتزلوكم﴾ أي: اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم فلم يقاتلوكم ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم﴾.
أي: صالحوكم، وقيل المعنى: استسلموا إليكم.
﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ أي: ليس لكم إليهم طريق فتستحلونهم بما في أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وهذا كله منسوخ بقوله: ﴿فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5].
وقال الحسن وعكرمة: قوله: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ إلى قوله ﴿سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء: 91] وقوله: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين﴾ [الممتحنة: 8] إلى ﴿يُحِبُّ المقسطين﴾ [الممتحنة: 8] قالا: بنسخ ذلك في براءة فجعل لهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر.
قال قتادة: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ إلى ﴿مُّبِيناً﴾ منسوخ ببراءة، وقال ابن زيد: نسخ هذا كله، نسخة الجهاد وضرب لهم أجل أربعة أشهر إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد.
واختلف في ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، فقال المبرد المعنى: الدعاء، لأنه قال: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ﴾ أحصر الله صدوركم أي: ضيقها عن قتالكم، وقتال قومهم.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، فالمعنى أو جاءكم ثم خبر بعد فقال: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، وأكثر النحويين على أنه حال، وقد مضمرة والتقدير: أو جاؤوكم قد حصرت أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم.
أي: جاؤوكم في هذه الحال فلا تقاتلوهم.
وقال الطبري: المعنى: أو جاؤوكم قد حصرت.
وقرأ الحسن حصرةً بالتنوين والنصب على الحال أي: ضيقت صدورهم، واستحسن هذا المبرد، ويجوز على قراءة الحسن الخفض على النعت، والرفع على الابتداء.
وقرأ أبي بن كعب: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، وحصرت صدورهم بإسقاط أو ﴿جَآءُوكُمْ﴾، ولا يقرأ به الآن.
قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية.
المعنى: إن هؤلاء قوم كانوا يظهرون الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا منهم، ويظهرون الكفر لأهل مكة إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، ﴿كُلَّ مَا ردوا﴾ أن يخرجوا من ﴿الفتنة﴾ - وهي الشرك - ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾.
أي: ردوا فيها.
وأصل الفتنة الاختبار فالمعنى فلما ردوا إلى الاختبار.
﴿أُرْكِسُواْ﴾ أي: نكسوا.
قيل: هم أسد، وغطفان قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، ثم رجعوا إلى
ديارهم، فأظهروا الكفر.
وقيل: نزلت في قوم من المشركين [طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين] قاله قتادة.
وقال: ﴿كُلَّ مَا ردوا إِلَى الفتنة أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ أي: كلما عرض عليهم بلاء هلكوا فيه.
وقال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان يأمن في المسلمين والمشركين.
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويلقوا إِلَيْكُمُ السلم﴾ أي: فإن لم يعتزلكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ويساسلموا [إليكم] ويعطونكم القيادة في الصلح ﴿ويكفوا أَيْدِيَهُمْ﴾ يعني عن القتال.
﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: اقتلوهم أين أصبتموهم أي: إن لم يفعلوا ذلك ﴿وأولئكم جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: حجة ﴿مُّبِيناً﴾ أي: ظاهرة.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ الآية.
قوله: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ استثناء ليس من الأول.
وإلا عند البصريين في هذا النوع بمعنى لكن.
وهذا كلام أوله حظر، وآخره في الظاهر إباحة، وقتل المؤمن لا يباح لكنه محمول على المعنى الباطن، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمناً على النفي، والنفي يستثنى منه الإثبات، فهو محمول على معنى الأول وباطنه، فالمعنى أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر، خبر بأنه قد يقع، وليس بإطلاق ولا إباحة قتل، ومثله ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] فظاهر هذا الحظر، والله لا يحظر عليه.
ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ، فإن قتله خطأ، فعليه تحرير رقبة في ماله، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة القاتل ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ أي: أن يتصدق أولياء المقتول على عاقلة القاتل بديته فيسقط عنهم الدية.
وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي:
﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم.
قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا [ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً يحسب أنه كافر، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشاً بمكة، أخبر عياش النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾.
قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلاً في غنم، فقتله، وكان يقول: لا إله لا الله، وأخذ غنمه فوجد من ذلك في نفسه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنكر عليه النبي (عليه السلام) قتله، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة،
واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد.
وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما، وكذلك قتل هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك.
والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة، فقيل: لا يُعْتَق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ، وقيل: كل مؤمن يجزئ وإن لم يبلغ.
ومعنى ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ﴾ أي موفرة، والدية مائة من الإبل على أهل الإبل.
وروي عن عمر أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشرة آلاف درهم.
قال مالك: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم.
وقيل: دية الحر مائة من الإبل لا يجزئ غيرها، وبه قال الشافعي، قال إلا ألا توجد فيُأخذ الفدية، ويجعل [الإبل] خمسة أخماس خمس جذاع وخمس حقاق وخمس بنات لبون.
وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون، وهو قول لمالك والشافعي وغيرهما.
ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين، والفقهاء، إلا الشاذ منهم.