الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿رُسُلُنَا﴾، يعني: ملك الموت وجنوده ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، أي: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة، ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ﴾، أي: قالت الرسل للكفار: أين الذين كنتم تدعونهم من دون الله وتعبدونهم يدفعون عنكم الآن ما جاءكم من أمر الله ( عز وجل) ؟
﴿ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾، أي: جاروا، وأخذوا غير طريقنا وتركونا عند حاجتنا إليهم.
ثم قال الله (تعالى): ﴿وَشَهِدُواْ على أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾، أي: عند الموت.
قوله: ﴿قَالَ ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية.
قرأ الأعمش: " (حَتَّى) إشَّا تَدَارَكُواْ (فِيهَا) "، على الأصل، على تفاعلوا.
وقرأ مجاهد: أدَّرَكوا، أي: أدرك بعضهم بعضاً، وأصله: افتعلوا.
والمعنى: إنها خبر من الله (تعالى)، عما يقول لهؤلاء المفترين المكذبين بالقرآن يقول لهم: ﴿ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي في الجماعة من أجناسكم، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ في النار، ﴿مِّن الجن والإنس﴾.
وقيل: معنى ﴿في أُمَمٍ﴾، أي: مع أمم.
وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾.
أي: كلما دخلت جماعة النار شتمت الجماعة الأخرى التي من أهل ملتها.
وعني بـ " الأخت " هنا: الأخوة في الدين والملة.
قال السدي: يلعن المشركون [المشركين]، واليهود اليهود، والنصارى النصارى.
وكذلك أهل كل ملة تلعن الجماعة، من أهل دينها التي دخلت النار قبلها.
وقوله: ﴿حتى إِذَا اداركوا فِيهَا﴾.
أي: أدرك الآخر الأول في النار، واجتمعوا، ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾، أي: الجماعة الآخرة ﴿لأُولاَهُمْ﴾ للجماعة الأولى من أهل دينها، الذين أضلوا من كان بعدهم؛ لأن الأول أضل الآخر ﴿رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار﴾.
قال السدي: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾، الذين كانوا في آخر الزمان، ﴿لأُولاَهُمْ﴾، للذين شرعوا لهم الدين.
ثم أخبرنا الله (تعالى)، عما هو قائل لهم، بأن قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، أي:
للأولى والآخرة ﴿ضِعْفٌ﴾ من النار، أي: يكون عليكم العذاب، ﴿ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾، أي: ولكنكم لا تعلمون قدر ما أعد الله لكم من العذاب، فلذلك تسألون الضعف.
وهذا على المخاطبة لهم.
ومن قرأ " بالياء "، فعلى الإخبار عنهم أنهم لا يعلمون قدر العذاب.
[وقيل: إن معنى قراءة " التاء "، ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب].
وقيل: معنى قراءة " الياء ": ولكن لا يعلم كل فريق منهم مقدار عذاب الآخرة.
ومعنى " التاء ": ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من
العذاب.
ثم أخبر الله، عن قول الأولى للآخرة فقال: ﴿وَقَالَتْ أُولاَهُمْ﴾، أي: أولى كل أمة، ﴿لأُخْرَاهُمْ﴾، أي: من بعدهم [وزمان]، آخر فسلكوا سبيلهم ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾، أي: قد علمتم أنا كفرنا وكفرتم بهما جاءنا وإياكم به الرسل والنذر، فنحن وإياكم سواء، قد أضللناكم وأضللتم.
[وقال مجاهد: ﴿مِن فَضْلٍ﴾، من التخفيف من العذاب، فهو كقوله: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾].
ثم قال الله (تعالى) لجميعهم: ﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ﴾ في الدنيا، ﴿تَكْسِبُونَ﴾
، من الآثام والمعاصي.
﴿فِي النار﴾، تمام.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بآياتنا واستكبروا عَنْهَا﴾، الآية.
المعنى: إن الذين كذبوا بآيات الله وتكبروا عن الإيمان بها، ﴿لاَ تُفَتَّحُ﴾، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم، ﴿أَبْوَابُ السمآء﴾، ولا يصعد لهم في حياتهم [إلى الله] قول ولا عمل، قاله ابن عباس.
وقال أبو موسى/ الأشعري في قوله: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء﴾ إن روح المؤمن تخرج وريحها أطيب من ريح المسك فتصعد بها الملائكة الذين يتوفونها، فتتلقاهم ملائكة آخرون دون سماء الدنيا فيقولون: من هذا؟ فيقولون: هذا فلان كان يعمل كيت كيت، وتذكر محاسن عمله: فيقولون مرحباً بكم وبه فيقبضونه،
ويصعدون به من بابه الذي كان يعصد منه عمله، فيشرق في السموات حتى ينتهي إلى العرش، وله برهان كبرهان الشمس، ويخرج روح الكافر أنتن من الجيفة، فتصعد به الملائكة الذين يتوفونه فتتلقاهم ملائكة آخرون من دون السماء فيقولون: من هذا؟ [فيقولون: هذا] فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت، تذكر مساوئ عمله، فيقولون: لا مرحباً به ردوه، قال فيرد إلى واد يقال له برهوت، أسفل الثرى، من الأرضين السبع.
وعن ابن عباس نحوه.
وروى البراء بن عازب: " أن النبي، عليه السلام، ذكر عذاب القبر في حديث طويل، فقال فيه: إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، أتاه ملك الموت فينزع نفسه، كما ينزع الصوف المبلول من السُّفُود، فتأخذها الملائكة فيصعدون بها، فتستفح لها أبواب السماء فلا تفتح لها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه (وسلم)،:
﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء﴾، الآية.
فيقول لهِم (الله)، الآية.
فيقول لهِم (الله)، تبارك وتعالى،: اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض.
قال: فيطرح روحه طرحاً [قال:] ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء﴾، الآية ".
وقال السدي: إن الكافر إذا أُخذ روحه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط إلى أسفل الأرضين.
وإذا كان مؤمناً رفع روحه، وفتحت له أبواب السماء فلا يمر بملك إلا حياه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته، ثم يقول: ردوا روح عبدي فيه إلى الأرض، فإني قضيت من التراب خلقته، وإلى الترب يعود، ومنه يخرج.
وقال ابن جبير، معناه: لا يرفع لهم عمل ولا دعاء.
وأكثرهم على أن المعنى: ﴿لاَ تُفَتَّحُ﴾ أي: لأرواحهم ولا لأعمالهم.
وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الجنة في السماء، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة﴾.
بعقبة.
وقوله: ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾.
أي: لا يدخل هؤلاء المكذبون الجنة حتى يدخل ﴿الجمل﴾: زوج الناقة، في ثقب الإبرة، وهو لا يدخلها أبداً، وكذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة أبداً.
وكل ثقب في عين أو أنف أو أذن أو غير ذلك.
فالعرب تسميه " سَمّاً " و " سُمّاً "، بفتح السين وضمها، وجمعه " سُمُوم " وجمع السم القاتل " سِمَامٌ ".
وقرأ ابن سيرين " في سُمِ الْخِيَاطِ " بضم السين.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وابن جبير: " الجُمَّل " بضم " الجِيم " وتشديد " الميم "، وهو حبل السفينة الغليظ.
وقيل: هو الحبل الذي يصعد به في النخل.
[وعن سعيد بن جبير] أنه قرأ " الجُمَل " بضم [الجيم] والتخفيف جعله جمع " جُمْلةٍ " من الحبال، ك " ظُلْمَةٍ " و " ظُلَمٍ ".
ومن شدَّد فهو اسم واحد، وهو الحبل الغليظ.
وقرأ أحمد بن يحيى " الجُمَّل "، وهو جمع " جملة "، وهي الحبال المجموعة.
فالمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل هذا الحبل الغليظ في ثقب الإبرة، فكما (أنه) لا يدخل في ثقب الإبرة، (كذلك هؤلاء لا يدخلون الجنة) أبداً.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك نَجْزِي المجرمين﴾، / نثيبهم بما اكتسبوا في الدنيا.
ثم قال: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾.
. . أي: لهم ما يقعد ويضطجع عليه كالفراش والبساط.
﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.
وهي اللحف تتغشاهم من فوقهم وهي جمع " غاشية "، ومعنى الكلام: لهم من نار جهنم مهاد ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾، فهم بين ذلك.
﴿وكذلك نَجْزِي الظالمين﴾.
أي: نثيب من ظلم نفسه، وأكسبها من عذاب الله ما لا قبل لها به.
﴿فِي سَمِّ الخياط﴾، وفق.
و ﴿غَوَاشٍ﴾، وقف.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾، الآية.
المعنى: والذين صدقوا بئايت الله ورسله، ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً﴾، من الأعمال إلا طاقتها، ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير مفهوم.
وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾، الآية.
روي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: " الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل، قد نزعه
الله عز وجل، من قلوب المؤمنين ".
والمعنى: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين تقدمت صفتهم، ما في صدورهم من حقد وعداوة، كانت من بعضهم لبعض في الدنيا، وأُدخلوا الجنة ﴿إخوانا على سُرُرٍ متقابلين﴾ [الحجر: 47]، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء.
قال قتادة: قال علي: إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير، من الذين قال الله [فيهم] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾.
قال السدي: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو " الشراب الطهور " الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: 21].
واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبداً.
قوله: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ﴾.
أي: قالوا ذلك حين رأوا ما أكرمهم الله به من جنته، وما صرف عنهم من نقمته.
روى [أبو سعيد] الخدري ع النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيقول: " لو هدانا الله " فيكون عليهم حسرة.
وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون: " لولا أن هدانا الله "! [فهذا] شكرهم.
وقوله: ﴿ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة﴾، (الآية).
اعترض بعض الملحدين بهذه الآية على حديث النبي، عليه السلام، في قوله: " لا يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما يدخلها برحمة الله " هذا غلط منهم؛ لأن رحمة الله لا تدرك إلا بالعمل الصالح.
وإذا كانت الرحمة لا تدرك إلا بالعمل الصالح فالعمل الصالح الذي يدرك الرحمة يدخل الجنة.
ويجوز أن يكون معنى: ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يعني المنازل في الجنة، فيكون الدخول برحمة الله، كما قال النبي، عليه السلام،: " والمنازل بالأعمال "
فيصح الحديث، والآية على ظاهرها.
وقوله: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، وقوله: ﴿ونودوا﴾، فعلان منتظران، ولفظهما لفظ ما قد مضى، وذلك حسن في آخبار الله؛ لأنها كالكائنة لصدق المخبر بها، ونفوذ القضاء، والحتم (بها) من الله.
قال السدي: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار [ودخلوا منازلهم]، رفعت الجنة لأهل النار، فنظروا إلى منازلهم منها، فقيل لهم: " هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ".
ثم يقال: يا أهل الجنة ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يعني منازل أهل النار وَرِثُوهَا بعملهم فيقتسمونها.
وعن أبي سعيد الخدري قال: ينادي مناد: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً،
وأن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً.
وقيل: معنى: ﴿[و] نودوا﴾: قيل لهم: وذلك حين رأوها قبل أن يدخلوها، قيل: لهم: ﴿تِلْكُمُ الجنة﴾.
/ وقال علي: رضي لله عنه: يدخلون الجنة فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيغتسلون من إحداهما، فتجرى عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث أشعارهم، ولا تغير أبشارهم، ويشربون من الأخرى، فيخرج كل أذى وقذر وبأس في بطونهم، ثم يفتح لهم باب الجنة، فيقال لهم: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73].
قال: فيَستقبلهم الولدان، فيحفون بهم كما يحف الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته.
ثم
يأتون فيبشرون أزواجهم فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم.
فيقلن: أنت رأيته! قال: ويستخفهن الفرح، [قال:] فيجئن حتى يقفن على أُسْكُفَّةِ الباب [قال]: فيجيئون فيدخلون، فأذا أسُّ بيوتهم جندل اللؤلؤ، وإذا سرج صفر وخضر وحمر من كل لون، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فلولا أن الله قدرها لهم لالتُمعت أبصارهم مما يرون فيها.
فيعانقون الأوزاج، ويصعدون على السرر، ويقولون: ﴿الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا﴾، أي: هدانا للإيمان، ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله﴾، أي: الحمد لله الذي هدانا، إلى هذا وهو الإسلام.
وقيل المعنى: الحمد لله الذي هدانا إلى الجنة.
﴿لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق﴾.
أي: جاءتنا في الدنيا بالحق عن الله.
قوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار﴾، الآية.
المعنى: ونادى أهل الجنة أهل النار بعد الدخول: يا أهل النار، قد وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا على ألسنة الرسل (حقاً، من الثواب، والنعيم والكرامة، فهل وجدتم ما وعدكم في الدنيا على ألسنة الرسل) من العقاب والثواب حقاً؟ فأجاب أهل النار: نعم، قد وجدنا ذلك حقاً، ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ [الله] عَلَى الظالمين﴾.
تَمَّ الإخبار عما يكون يوم القيامة.
ثم ابتدأ بصفة من استحق هذه اللعنة، فأخبر بصفتهم في الدنيا، فقال: ﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾، إلى ﴿كَافِرُونَ﴾، فهما قصتان، إحداهما في الآخرة.
والأخرى في الدنيا، اتصلتا.
﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً.
أي: حاولوا أن يغيروها، ويبدلوها عما جعلها الله (عليه) من استقامتها.
{وَهُمْ بالآخرة﴾.
أي: بالبعث.
﴿كَافِرُونَ﴾.
أي: جاحدون.
والعربتقول للميل في الطريق والدين " عِوَجٌ " بالكسر، وفي ميل الرجل على الشيء وهو العطف عليه: " عَاجَ إليه يَعُوج عِيَاجاً وَعَوَجاً وعِوَجاً "، بكسر العين وفتحه.
وما كان خلقه في الإنسان، فإنه يقال فيه: " الَعَوج " بالفتح، يقال: " ما أبين
عَوَجَ سَاقِهِ "، بفتح العين.
قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ [وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ]﴾ (الآية).
والمعنى: وبين الجنة والنار ﴿حِجَابٌ﴾، أي: حاجز، وهو السور الذي ذكره الله [ عز وجل] فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: 13]، وهو: الأعراف.
قال مجاهد: " الأَعْرَافُ، حجاب بين الجنة والنار.
قال السدي: الحجاب، وهو السور وهو: الأعراف.
و" الأَعْرَافُ ": جمع، واحدها: عُرْف، وكل مرتفع من الأرض فهو: عُرْفٌ.
وقيل لعرف الديك: عرف لارتفاعه.
وقال السدي: إنما سمي " الأَعْرَافُ " أعرافاً؛ لأن أصحابه يعرفون الناس.
وقال ابن عباس: هو جسر بين الجنة والنار، عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار.
وذكر الشعبي عن حذيفة: أن " أصحاب الأعراف " قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، [و] قصرت سيئاتهم عن الجنة، ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النار/ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين﴾، فبيناهم كذلك إذ اطلع عليهم ربك فقال (لهم): اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم.
وروي عنه أنه قال: يوقفون هنالك على السور حتى يقضي الله بينهم.
وعن ابن عباس: " الأَعْرَاف "، السور الذي بين الجنة والنار، و" الرجال ":
قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوقفوا على ﴿الأعراف﴾، يعرفون أهل الجنة بسيماهم، وأهل النار بسيماهم.
وعنه أنه قال أيضاً: " الأعراف " الشيء المشرف.
وعنه أنه قال: [هو] كعرف الديك.
وعنه أنه قال: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام وكان حسم أمورهم لله، فوقفوا على السور.
وقال ابن مسعود: من كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار.
ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف " فقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا
نظروا إلى أهل الجنة نادوا: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم (رأوا) أصحاب النار، ﴿قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين﴾، [الأعراف: 47]، فيعتذرون بالله من منازلهم، فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نوراً فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطي كل عبد يومئذ نوراً وكرامة.
فإذا أتوا على الصراط سلب الله عز وجل، نور كل منافق ومنافقة.
فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافِقون، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: 8].
وأما " أصحاب الأعراف "، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع منهم، فلذلك قال: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.
وقال مجاهد، عن عبد الله بن الحارث: ﴿أَصْحَابُ الأعراف﴾، يؤمر بهم إلى نهر يقال له: " الحياة " ترابه: الوَرْس والزغفران، وحافتاه: قصب الذهب مكلل باللؤلؤ، وقال: فيغتسلون [فيه اغتساله، وتبدوا في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون]،
فيزدادون.
فكلما اغتسلوا ازدادوا بياضاً، فيقال لهم [تمنوا] ما شئتم، [فيتمنون ما شاؤا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم]، وسبعون ضعفاً، [قال:] فهم مساكين أهل الجنة.
ومثل هذا روي عن ابن عباس أيضاً.
وقيل: ﴿اأَصْحَابُ الأعراف﴾، قوم قتلوا في سبيل الله ( عز وجل) عصاة لآبائهم في الدنيا.
قاله: شرحبيل بن سعد، قال: هم قوم خرجوا إلى الغور بغير إذن آبائهم، فيقتلون.
روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، " أنه سئل عن " أصحاب الأعراف "، فقال لهم: قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم قتلهم في سبيل الله ( عز وجل) من النار، ومنعهم معصيتهم آبائهم أن يدخلوا الجنة ".
وعن مجاهد، أنه قال: هم قوم صالحون فقهاء علماء.
وقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار.
وقال ابن عباس: هم رجال أنزلهم الله ( عز وجل) تلك المنزلة، يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم، ويتعوذون بالله (سبحانه) أن يجعلهم من الظالمين.
وهم يحيون أهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها، وهم يطمعون [بالدخول إن شاء الله].
هذا خبر من الله عن أهل الأعراف: أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف الجنة، غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها.
وقال الحسن: والله ما جعل/ الله ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم.
وقال ابن مسعود: أما " أصحاب الأعراف "، فإن النور كان في أيديهم، لم ينزع
من أيديهم، فهنالك يقوم الله ( عز وجل) ﴿ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾، أي: في دخولها.
وقيل: " طَمِعَ " هنا بمعنى " عَلِمَ "، أي: لم يدخلها أصحاب الأعراف، وهم يعلمون أنهم يدخلون.
وقيل المعنى: إن " أصحاب الأعراف " يقولون لأهل الجنة: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها، ولم يدخلوا بعد.
وعلى هذا تأويل قول من جعل أصحاب الأعراف ملائكة، يكون الطمع للمؤمنين الذين يمرون على أصحاب الأعراف.
وقيل: المعنى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾، وإنما دخلوها) وهم غير طامعين.
فيكن الوقف على هذا على ﴿يَطْمَعُونَ﴾.
﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ تمام، على قول من جعل ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ للمارين من المؤمنين.
ومن جعل " الطمع " لأصحاب الأعراف لم يقف على ﴿يَدْخُلُوهَا﴾.
قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾، الآية.
المعنى: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف نحو أصحاب النار، فنظروا إلى حالهم ﴿قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين﴾.
وقال السدي: إذا مرت زمرة من أهل النار بأصحاب الأعراف، دعو ألا يجعلوا معهم.
وقال ابن عباس: [إن " أصحاب الأعراف "] إذا نظروا إلى أهل النار
عرفوهم، واستعاذوا أن يُجْعلوا معهم.
قوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ الأعراف﴾، الآية.
المعنى: إن " أصحاب الأعراف " نادوا رجالاً يعرفونهم، من أهل النار ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾، أي: بسواد وجوههم، وزرقة أعينهم، قالوا لهم: أي شيء أغنى عنكم جمعكم في الدنيان واستكبارهم فيها، عن عبادة الله، عز وجل، والإيمان برسوله، صلى الله عليه وسلم.
قال السدي: مر بأهل " الأعراف " رجال من الجبارين يعرفونهم، فقالوا لهم ذلك.
وقوله: ﴿أهؤلاء [الذين] أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ﴾.
هذا قول الله ( عز وجل) [ لأهل النار] توبيخاً لهم على ما كان من قِيلِهِمْ لأهل الأعراف في الدنيا، وذلك حين دخل [أهل] الأعراف
الجنة، فهو قول اتصل أصحاب الأعراف، فهو من قول الله، جل ذكره، إلى قوله: ﴿تَحْزَنُونَ﴾، ففيه رجوع من مخاطبة كفار إلى مخاطبة مؤمنين متصل بعضه ببعض.
وقد قيل: إنه من قول الملائكة لأهل النار، [ويكون] ﴿[ادخلوا] الجنة﴾ من قول الله ( عز وجل) ، فتكون الآية [فيها] ثلاثة أقوال:
- قول أهل الأعراف إلى ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48].
- وقول الملائكة إلى ﴿بِرَحْمَةٍ﴾.
- وقول الله إلى ﴿تَحْزَنُونَ﴾، متصل (كله) بعضه ببعض.
قال ابن عباس: " أصحاب الأعراف "، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان
حسم أمره [الله]، يقومو على الأعراف، فإذا نظروا إلى [أهل] الجنة طمعوا فيها، وإذا نظروا [إلى] أهل النار تعوذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة، فقال الله، تبارك الله، ﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ﴾، يا أهل النار، ﴿لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وقال حذيفة: ﴿أَصْحَابُ الأعراف﴾، قوم قَصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وفصرت بهم/ سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيمهم.
فلما قضي بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة [فيأتون الأنبياء كلهم من الشفاعة]، ويدل على الآخر حتى يأتوا محمداً ( صلى الله عليه وسلم) ، فيشفع لهم، فيذهب بهم إلى " نهر الحيوان " حافتاه قصب من ذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون فيه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرِّية، وتبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم: " مساكين أهل الجنة ".
وقال أبو مِجْلَز: [بل] هذا القول خبر من الله ( عز وجل) [ عن] قول الملائكة لأهل النار، تعييراً منهم لهم ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين قد دخلوا الجنة.
قوله: ﴿ادخلوا الجنة﴾، وما بعده من كلام الله (سبحانه)، فالوقف على هذا: ﴿بِرَحْمَةٍ﴾.
ومن قال إنها خبر من الله ( عز وجل) عن نفسه (جلت عظمته) وقف على: ﴿تَحْزَنُونَ﴾.
وقرأ يحيى بن يَعْمَر: " أُدْخِلُوا الجَنَّة "، على ما لم يسلم فاعله بكسر الخاء.
وقرأ الحسن، وابن هرمز: " أَدْخِلُوا "، بفتح الهمزة وكسر الخاء، على الأمر من الله (تعالى) للملائكة أن يدخلوهم الجنة، والمفعول محذوف.
قوله: ﴿ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة﴾، الآية.
ومعنى الآية: أنها خبر من الله ( عز وجل) عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة، عند نزول شدة العطش والجوع بهم.
ومعنى: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾، أي من الطعام، فأجابهم أهل الجنة:
﴿إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾.
قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه وأباه فيقول: " (قد احترقت)، أفض علي من الماء "، فيقال لهم: أجيبوهم فيقولون: ﴿إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين﴾.
﴿الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً﴾.
أي: سخرية ولعباً؛ لأنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزوأ به.
وقوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياوة الدنيا﴾.
أي: خدعتهم بعاجل ما فيها من العيش والدعة الأخذ بنصيبهم من الآخرة.
﴿فاليوم ننساهم﴾.
أي: نتركهم في العذاب جياعاً عطاشاً.
﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾.
أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: بحجتنا وعلامتنا.
ولا يوقف على ﴿يَوْمِهِمْ هذا﴾؛ لأن ﴿وَمَا﴾ معطوف على ﴿مَا﴾ الأولى.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ﴾، إلى ﴿يَفْتَرُونَ﴾.
لام: " لقد حيث وقعت لام توكيد، متعلق بمعنى القسم، والمعنى: والله أقسم لقد كان هكذا.
و: " الكتاب " [هو]: القرآن.
و: ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾: بيناه.
﴿على عِلْمٍ﴾.
أي: على علم منا بالميز بين الحق والباطل والضلال والهدى.
﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾.
أي: ليُهْتَدَى [وَيُرْحَم] به قوم يصدقون به.
وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 2].
قوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾، معطوف على [قوله]: ﴿مِن شُفَعَآءَ﴾، أي: أو هل نرد.
وقرأ ابن إبي إسحاق: " أو نُردَّ "، بالنصب، على معنى: إلا أن نرد، كما قال:
. أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا ... وقوله: ﴿فَنَعْمَلَ﴾، جواب لقوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾، أو عطف عليه، على قراءة من نصب (" نرد ").
وقرأ الحسن: " أو نرد فَنَعْمَلُ "، بالرفع فيهما، على (لفظ) العطف على " نُرَدُّ ". ورفع " نرد " على الاستفهام كما ذكرنا.
وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾.
/ أي: إلا ما وعدوا به في القرآن من العذاب.
و ﴿يَنظُرُونَ﴾، بمعنى: ينتظرون.
قال قتادة: ﴿تَأْوِيلَهُ﴾، عاقبته.
وقال مجاهد: جزاءه.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، أي: جزاؤه، ﴿يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾، أي: تركوه في الدنيا، ﴿قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق﴾.
وقال ابن زيد: ﴿تَأْوِيلُهُ﴾، حقيقته، أي: حقيقة القرآن فيما أوعدهم من العقاب.
قال السدي: ﴿الذين نَسُوهُ﴾، تركوه في الدنيا، لما رأوا ما أوعدهم أنبياؤهم، استيقنوا بالهلاك، وطلبوا الشفعاء والرجعة إلى الدنيا.
﴿قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ﴾.
أي: غَبَنوا أنفسهم حظوظها ببيعهم ما ذكر لهم من نعيم الآخرة الدائم بالخسيس من عرض الدنيا الزائل.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.
أي: أولياؤهم في الدنيا.
وقال بعض أهل اللغة معناه: هل ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرهم من البعث، وعلى هذا تأولوا قول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ [آل عمران: 7] أي: لا يعلم وقت البعث إلا الله، ثم قال تعالى: ﴿والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
و" النسيان " في هذا الموضع على معنيين:
- يجوز أن يكون معناه: فلما أعرضوا عنه صاروا بمنزلة من نسي الشيء.
- والثاني: أن يكون بمعنى الترك.