النجم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بذكر الجناحين بين المعنيين.
ويكون " الطائر " عمل الإنسان اللازم له من خير وشر، ويكون " الطائر " من السعد والنحس، كقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ الله﴾ [النمل: 47]، فبين في الآية /. أنه الطائر الذي يطير بجناحيه، لا غير.
وقيل: معنى ﴿(إِلاَّ أُمَمٌ) أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: خلقهم ودبّرهم ورزقهم وكتب آثارهم وآجالهم كما فعل بكم.
(و) قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ أي: قد دللنا على كل شيء من أمر الدين في القرآن، إما دلالة مشروحة، وإما جملة.
قال ابن عباس: " ما تركنا شيئاً إلاَّ قد كتبناه في أمِّ الكتاب "، يعني اللوح المحفوظ مما يكون وكان.
وقيل: المعنى: أن آثار هذه الأمم وآجالها وأرزاقها، كل مكتوب عند الله، فلم يفرط فيه في الكتاب الذي عنده، كل مكتوب فيه.
ف (الكتاب) على هذا القول والذي قبله: هو اللوح المحفوظ و (الكتاب) في القول الأول: هو القرآن.
وروي أن النبي عليه السلام قال: " إن الله قد حد حُدوداً فلا تنتهكوها، وسنَّ سُنناً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء - لم يدَعْها نِسياناً، كانت رحمة من الله - فَاقْبلَوها ".
وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: " الأمور ثلاثة - يا ابن عباس - أمرَ بَانَ لك رُشُده فاتَّبِعْه، وأمر بَانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمرٌ غاب عنك فكِلْهُ إلى الله عز وجل ".
وقيل المعنى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ مما يحتاجون إليه، يعني القرآن.
وقوله ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس: " موت البهائم: حشرها ". قال الفراء:
" حشرها: موتها، ثم تحشر مع الناس فيقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يتمنى الكافر أنه كان تراباً ". وقيل: الحشر هنا: الجمع يوم القيامة.
و" روي أن عنزين انتطحا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون فيما انتطحا؟، قالوا: لا ندري.
قال: لكنّ اللهَ يدري، وسيقضي بينهما " ".
قوله: ﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ الآية.
المعنى: أن الله تعالى أعلمنا أن الكافرين بآيات الله ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الهدى، ﴿وَبُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿فِي الظلمات﴾ أي: في الكفر، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بما سمعوا ولا قالوا ما ينتفعون به، كانوا بمنزلة الصم والبكم، ثم أخبر تعالى أنه المضل لمن يشاء من خلقه عن الإيمان، وأنه يهدي من يشاء إلى الحق والصراط المستقيم، كل ذلك قد تقدم (في) علمه.
والتمام عند بعضهم: ﴿فِي الظلمات﴾.
قوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله﴾ الآية.
حكى أبو (عبيد) عن ورش في " أرايت " و " أرايتكم " أنه يحقق الأولى، ويسقط الثانية ويعوض منها ألفاً.
فمن أجل هذه الرواية رواه جماعة عن ورش بالمد.
والذي عليه أهل العربية أنه يسهل الثانية فيجعلها بين الهمزة والألف، فلا يقع فيه إشباع مدُّ.
وقد قرأنا فيه لورش بالمد على القول الأول.
واختُلف في الكاف: فقال البصريون: لا موضع لها من الإعراب، وإنما هي للمخاطبة.
وقال الكسائي: هي في موضع نصب لوقوع الرؤية عليها، والمعنى: أرأيتم أنفسكم.
وقال الفراء: هي في موضع رفع، لأنه لم يرد أن يوقع فعل الرجل على نفسه، لأنه يسأل عن غيره.
وفرق الكسائي بين (رؤية) القلب والعين: فأسقط الهمزة من رؤية القلب، (لأن رؤية القلب) معناها: أخبروني عن كذا.
وليس ذلك في رؤية العين.
ففرق - بطرح الهمزة - بين المعنيين، وهو خطاب للكفار.
/ ومعنى الآية: أخبروني أيها العادلون بالله غيره إنْ أتاكم عذاب الله، كالذي جاء من كان قبلكم من الامم الظالمة، أو جاءتكم الساعة فبُعثتم للعرض، أغير الله تدعون في ذلك الوقت إن كنتم محقّين في دعواكم أن آلهتكم تنفع وتضر.
قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ الآية.
أي إليه تستغيثون، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ (أي) فيكشف الضر الذي من آجله دعوتم.
﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: تنسون شرككم إذا أتاكم العذاب.
فقوله: ﴿إِنْ شَآءَ﴾ مشيئة قدرةٍ، و (هو لا يشاء أن يكشف) عنهم العذاب عند نزوله، (لقوله): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85].
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ﴾ الآية.
(هذه الآية) تحذير للعادلين بالله غيره أن يتمادوا على ظلمهم فيهلكهم الله بالبأساء والضراء، كما أهلك من كان قبلكم حين كذبوا الرسل.
والبأساء: شدة
الفقر والضيق في المعيشة، والضراء: الأسقام والعلل في أجسامهم.
وقيل: البأساء: الجوع والفقر، والضراء: نقص الأموال والأنفس.
وقال القتبي: " (البأساء): الفقر وهو البؤس، والضراء: البلاء ".
وفي الكلام حذف، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً، فكذبوهم، فأخذناهم.
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ليكونوا على رجاء من التضرع، هذا مذهب سيبويه.
والتضرع: التفعل من الضراعة، وهو الذل والاستكانة.
قوله: ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ الآية.
" المعنى: فهَلاّ إذ جاءهم بأسنا تضرّعُوا "، أخبر الله عز وجل عنهم أنهم قد بلغ
(منهم - من القسوة -) ما تركوا التضرع معها، والطلبة عند اتيان العذاب.
وتحقيق المعنى: لعلهم يتضرعون فلم يتضرعوا، ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ فيصرف عنهم العذاب.
﴿ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أقاموا على التكذيب وأصروا عليه وزيّن لهم الشيطان أعمالهم.
قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ الآية.
المعنى: فلما تركوا العمل بما أُمروا به على ألسن الرسل.
وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا متعناهم إياها.
روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " إذا رأيتَ الله يُعطي العبدَ مَا يُحِبّ وهو مقيمٌ على معاصيه، فإنّما ذلك استدراج " ثم نوع بهذه الآية ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (إلى قوله ﴿رَبِّ العالمين﴾.
ومعنى: ﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: كل شيء) كان قد أَغلق عنهم من الخير، جَعل مكان الضراء الصحة والسلامة، ومكان البأساء الرخاء والسعة، حتى إذا فرحوا بما فتح عليهم من النعيم والصحة اللذين كانا قد أَغْلَقَ عنهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا يعلمون.
قال ابن جريج: أخذوا أعجب ما كانت الدنيا إليهم.
﴿فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ قال السدي: معناه، هالكون قد انقطعت حجتهم، نادمون على ما سلف منهم.
وقال بعض (أهل) اللغة: معنى ﴿فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا﴾: ظنوا أنهم إنّما أوتوا / ذلك استحقاقاً، قال: والمبلس: الشديد الحسرة الحزين.
قال ابن زيد: الإبلاس أشد من الاستكانة.
وروي عن النبي عليه السلام (أنه) قال: " إذا رأيتَ اللهَ يُعطي عبدهَ في دُنياهُ، فإنّما هو اسْتِدراجٌ "، يعطي: يوسع عليه دنياهُ وهو لا يقلع عن المعاصي، يدل على ذلك الحديث الذي بعده، " ثم تلا هذه الآية ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ الآية.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا رأيتَ اللهَ يعطي العِبادَ ما يشاءون على معاصيهم إياه، فإنما ذلك استدراج منه لهم "، ثم تلا الآية.
وقيل: الإبلاس: انقطاع الحجة والسكون.
وقيل: هو الندم والحزن على الشيء يفوت.
وقيل: هو الخشوع.
وقال القتبي: " (مبلسون): يائسون ".
قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القوم (الذين ظَلَمُواْ)﴾ الآية.
المعنى: فاستُؤْصِل القوم الذين ظلموا، فلم يبق منهم أحد إلا هَلَكَ بغتة.
والدّابِر: الآخِر.
وإذا قطع دابرهم فقد قُطعوا، ولأن الآخِر لا يوصَل إليه إلا بعد أوّلٍ.
﴿والحمد للَّهِ﴾ أي: الثناء التام لله على نعمه على رسله وأهل طاعته بإظهار حجتهم على من خالفهم من أهل الكفر.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ﴾ الآية.
روى ابن (عامر) عن أصحابه عن ورش: (بِهُ انظُر) بالضم للهاء، وكذلك روى ابن سعدان عن (المسيبي)، وهي قراءة
الأعرج، أتوا بالهاء على أصلها، وهو الضم.
وإنما كسرت - في قراءة الجماعة - لأجل كسرة الباء قبلها، لئلا يخرج من كسر إلى ضم، وذلك ثقيل.
وقيل: إنما كسرت الهاء، لأنه ليس في الكلام " فِعْلُ "، والضم هو الأصل.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين بالله الأوثان: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾، فذهب بها، ﴿وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ﴾، أي: طبع عليها، فلا تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون، من معبود غير الله يرد عليكم ما ذهب (عنكم)؟، وهذا (تعليم من الله) لنبيه الحجة على المشركين.
ثم قال لنبيه: انظر:
كيف نصرف (لهم) الآيات أي: كيف نتابع لهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال، ثم هم - مع ذلك - يصدفون، أي: يعرضون قاله مجاهد وجماعة معه.
وقال ابن عباس: يعدلون.
وقال السدي: يصدون.
وقوله: ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾: الهاء تعود على السمع، وقيل: المعنى: يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار، فوحدت الهاء لأنها مكان " ما "، وقيل: الهاء كناية عن الهدى.
﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ تمام عند نافع وغيره.
قوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إنأتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لهم: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة، أي: فجأة
على غَرّة، أو أتاكم جهرة، أي: وأنتم تجاهرونه، أي: تعاينونه، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون﴾ أي: (لا) يُهلِك اللهُ منا ومنكم إلا من ظلم فعبد مَن (لا) يستحق العبادة، وترك عبادة من يستحق العبادة.
قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ (مُبَشِّرِينَ)﴾ الآية.
المعنى: أن الله أعلمنا أنه إنما يرسل الرسل مبشرين أهل الطاعة بالجنة والفوز، ومنذرين أهل الخلاف والكفر بالنار على فعلهم، لم يرسلهم ليقترح عليهم الآيات بل تصحبهم منها ما يدل على صدقهم مما يريد الله، ﴿فَمَنْءَامَنَ﴾ أي: صدق بالرسل، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: (عمل) صالحاً في الدنيا، ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾
في الآخرة ولا حُزُنٌ.
/ قوله: ﴿والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العذاب﴾ الآية.
قرأ يحيى بن وثاب ﴿يَفْسُقُونَ﴾ بكسر السين، لغة معروفة.
وقرأ الحسن والاعمش ﴿العذاب بِمَا﴾ بالإدغام.
وقال ابن زيد: " كل " فسق " في القرآن فمعناه: الكذب ".
والمعنى: والذين جحدوا ما جاءتهم به رسلهم يمسهم العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل.
قوله: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله: لست أقول لكم عندي خزائن الله أي: لست أقول: إني أنا الرب الذي بيده خزائن السماوات والأرض، ولست أعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الرب، ﴿ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهراً بصورته لأبصار البشر في الدنيا فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾:
(أي ما أتبع)، ﴿إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾.
و (كل هذا) تنبيه من الله لنبيه على مواضع الحجة على مشركي قريش.
ثم قال: قل (لهم) يا محمد: هل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به.
و ﴿الأعمى﴾: الكافر: لأنه عَمِي (عن) حجج الله.
و ﴿البصير﴾: المؤمن، لأنه أبصر حجج الله وآياته، فاهتدى بها، ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فيما أقول لكم.
وقيل: المعنى: لا أقول لكم عندي خزائن الله التي فيها العذاب، لقولهم: ﴿ائتنا بِعَذَابِ الله﴾ [العنكبوت: 29].
قوله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا﴾ الآية.
هذه الآية أمر من الله للنبي أن ينذر بالقرآن الذين يخافون الحشر والحساب والعقاب وقد صدقوا به وآمنوا.
واختص هؤلاء، لأن الإنذار ينفعهم،
إذْ هُم قابلوه ومصدقوه.
والخوف: بمعنى العلم، أي: يعلمون ذلك ويَتَيقَّنُونَه، وقد أُرسل النبي عليه السلام لإنذار الخلق كافة.
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾: هذا رد لقول اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18].
قوله: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ (بالغداة والعشي)﴾ الآية.
قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظالمين﴾: جواب النهي، و ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النفي.
والتقدير: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء فتَطرُدهم: آخِرُ الكلامِ لأَوَّلِه، وأوسطُهُ لأِوسَطِهِ.
وهذه الآية نزلت في سبب جماعة صحبوا رسول الله - من ضعفاء المسلمين - فقالت قريش للنبي - وعنده صهيب وعمار بن ياسر وبلال وخباب، ونحوهم من الضعفاء -: يا محمد، رضيت بهؤلاء (من قومك، أهِؤُلاء) ﴿مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ [الأنعام: 53]، أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟، اطْرُدْهم، فلعلك إنْ طَرَدْتَهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية.
وروي عن خباب أنه قال: جاء ناس من المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم جالس مع بلال وصهيب وخباب وعمار في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقّروهم، فأتوا فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب
فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعْبُدِ، فإذا جئناك فَأَقْصِهِم، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت.
قال نعم.
فقالوا: فاكتب (لنا عليك) / بذلك كتاباً.
قال: فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيفة ودعا عليّاً ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية، ثم قال له: ﴿وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 53] الآية، ثم قال (له): ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] الآية.
فألقى النبي الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ [الأنعام: 54]، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم
تَرَكَنا، فأنزل الله ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28] (الآية)، فكان رسول الله يقعد معنا بعد ذلك، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، (قمنا) وتركناه حتى يقوم.
وقال الفضيل في هذه الآية: جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب، فاسْتَغِفر لنا، فأعرض عنهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: 54] الآية.
وقيل: إنما أراد المشركون أن يطرد النبي صلى الله عليه وسلم الفقراء، (فيحتجوا عليه إذ لم يتبعه الفقراء، ويقولوا: إن أتباع النبي الفقراء).
فعصمه الله مما أرادوا به.
وقال الكلبي: (أبو طالب) عم النبي (هو الذي) قال للنبي: اطْردْ فلاناً وفلاناً.
وإنّ ناساً من أصحاب النبي قالوا: يا رسول الله، صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي.
فعاتبهم الله في الآية الأولى، فجاءوا يعتذرون من قولهم " أطردهم "، فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ﴾
[الأنعام: 54].
ومعنى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾ قال مجاهد: (هي) " الصلاة المفروضة: الصبح والعصر ". وقال ابن عباس: هي الصلوات المفروضة الخمس، وقاله الحسن.
وكذلك قالوا كلهم في قوله: ﴿واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي﴾ [الكهف: 28].
وقال قتادة والضحاك: هي صلاة الصبح والعصر.
وعن ابن عمر قال: يشهدون المكتوبة.
وقيل: معنى - الدعاء - هنا -: ذِكرُهم الله غدوةً وعشياً.
وقيل: الدعاء هنا: العبادة.
وقيل: هو إِقْراء القرآن.
وقال الحسن: يعني الصلاة التي فرضت بمكة: ركعتان غدوة وركعتان عشية، وهذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
وقال عمرو بن شعيب: هما صلاة الصبح وصلاة العصر.
وقد قيل: إنهم القُصَاصَ.
وأنكر ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.
وروي أنهم سألوا النبي أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول.
والتمام هنا: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظالمين﴾، لأنه جواب النهي، وقد قيل: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ تمام، وليس بجيد.
قوله: ﴿وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية.
المعنى: وكذلك ابْتَلَيْنا بعضهم ببعض)، أي: جعل بعضا فقيراً، وبعضاً غنياً وبعضاً ضعيفاً، وبعضاً قوياً، فأحوج بعضهم إلى بعض اختباراً منه لهم.
قال ابن عباس: قال الأغنياء للفقراء: ﴿أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ فهداهم؟، استهزاءاً منهم وسخرياً.
ومعنى اللام: أنه لما آل عاقبة أمرهم إلى هذا القول، صاروا كأنهم إنما احتبروا (لِيَقولوا)، بمنزلة ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: 8].
(و) قوله: ﴿بِأَعْلَمَ بالشاكرين﴾ أي: الموحدين.
قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية.
هذه الآية عني بها الذين تقدم / ذكرهم في النهي عن طردهم.
وقيل: عنى بها قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً، فاستفتوا النبي فيها، فلم يُؤَيّسْهم الله من
رحمته.
وقيل: عنى بها قوماً من المسلمين كانوا قد أشاروا على النبي بطرد الذين نهى الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فاعتذروا من ذلك، فأُخبِروا في الآية أنه من تاب قُبِل منه، هذا على قول عكرمة وابن زيد.
ومعنى ﴿سواءا بجهالة﴾ أي: من عمل ذنباً وهو جاهل به.
ومعنى ﴿كَتَبَ﴾: أوجب ذلك وقيل: " كتب في اللوح المحفوظ ".
والوقف فيها مفهوم، لا يحسن أن يبتدأ بـ (أن) وهي مفتوحة، ولا بالفاء في (فَإِنَّه)، كسرتَ (أن) أو فَتَحْتَها، وتبتدئ بـ (إِنْ) إذا كسرتها،
وهي الأَوْلَى فاعلم.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيات وَلِتَسْتَبِينَ﴾ الآية.
المعنى: و (كما) فصلنا لك يا محمد ما تقدم، نفصل (لك) الأعلام والحجج الدّالة علينا فيظهر لك طريق المجرمين، وتعلم باطل ما هم عليه.
واللام متعلقة بفعل محذوف دل عليه (نُفَصِّل).
والمعنى: لتستبين سبيلَ المجرمين (فَصَّلناها، وهذا خطاب للنبي والمراد به أمّته، والمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين)، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عالماً بطريقهم، وأنهم على باطل.
هذا على قراءة من نصب " السبيل ".
فأما من رفع، ففي الكلام حذف، والمعنى: ولتستبين سبيل المجرمين (والمؤمنين) فصلناها.
ومعنى: ﴿نفَصِّلُ الآيات﴾ نأتي بها متفرقة شيئاً بعد شيء لتُفهم على مهل.
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ الآية.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: إني نهيت أن أعبد أصنامكم الذين تقولون إنها تقربكم إلى الله زلفى، ولا أتبع أهواءكم التي عبدتم بها ما لا يجوز أن يُعبد، ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً﴾ أي: قد ضللت إن عَبدتُها، ﴿وَ (مَآ أَنَاْ) مِنَ المهتدين﴾، أي: من المتّبعين الهدى إنْ فعلتُ ذلك.
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ الآية.
المعنى: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد: ﴿إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾: أي: حجة ظاهرة، وهي النبوة