الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وكذلك قال مجاهد: وقتادة.
وذلك بمكة.
وقال السدي: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليحبسوك ويوثقوك.
وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك.
وقال ابن عباس: اجتمع نَفَرٌ من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأَوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نَجْد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولَنْ يَعْدَمَكم منِّي رأيٌّ ونُصْحٌ.
قالوا: أجَل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره.
فقال قائل منهم: احبسوه في وثَاق.
ثم تربصوا به ريب
المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء.
فصرخ عدو الله الشيخ النَّجدي وقال: والله، ما هذا بِرأْي، والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فمنعوه منكم، / فما آمنُ أنْ يخرجوكم من بلادكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه.
فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألْم تروا حلاوةَ قوله ولطافةَ لسانه، وأخْذَ القلوب لما يُسْمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً وسيطاً شاباً، ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظُنّ هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش، وأنَّهم إذا
رأوا ذلك قَبِلوا العقل واسترحنا.
فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأيُ، القول ما قال الفتى، فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبيَّ) صلى الله عليه وسلم، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم أمره بالخروج، فأنزل الله عليه بالمدينة: " الأنفال " يذكره نِعَمه عليه في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ﴾، الآية.
فأنزل في قولهم " نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء ": ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ [الطور: 30].
وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه " يوم الزحمة ".
ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة.
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو
بكر إلى الغار، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، عليّاً أ، ْ يبيت في موضعه، فتوهم المشركون أنه [النبي] صلى الله عليه وسلم، فباتوا يحرسونه، فلما أصبح وجَدوا عليًّا، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فركبوا وراءه كل صعب وذلول يطلبونه، ومَرُّوا بالغار قد نسج على فمه العنكبوت، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم.
فيه ثلاثاً.
" ويُرْوَى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لعليّ: نَمْ على فراشي وتَسَجَّ بِبُرْدي هذا الحَضْرَمي؛ فإنه لن يخلص إليك شيءٌ تكرهه، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو جهل وأصحابه على الباب، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، حَفْنَة من تُراب، وأخذ الله بأبصارهم فلا يرونه، فجعل يثير التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: ﴿يس﴾، إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ فلم يبق منهم رجلٌ إلا وضع النبي صلى الله عليه وسلم، على رأسه تراباً، وانصرف إلى حيث أراد، فآتاهم آتٍ فأعلمهم بحالهم، فوضع كُلُّ رجل منهم يده على رأسه فوجد تُراباً، فانصرفوا بِخِزْي وَذُلٍّ.
"
قوله: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ [قَدْ] سَمِعْنَا﴾ إلى قوله: ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
المعنى: أنَّ الله عز وجل، حكى عنهم: أنهم يقولون إذا يُتلى عليهم القرآن: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا﴾ مثله: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾، أي: سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأُمم.
قال ابن جريج: كان النضرُ بنُ الحارث يختلف تاجراً إلى فارس، فيَمرُّ بالعبادِ وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون.
فجاء مكة، فوجد/ محمداً صلى الله عليه وسلم، قد أُنْزِلَ عليه وهو يركع ويسجد، فقال: ﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾، مثل هذا ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا﴾، يعني: ما سمع من العِبَادِ.
وقال السدي: كان النَّضْر يختلف إلى الحيرة.
فيسمع سجْع أهْلها وكلامهم، فلما سمع بمكة كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن، قال: قد سمِعْتُ مثله: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين﴾، يقول: أسَاجيع أهل الحيرة.
و ﴿أَسَاطِيرُ﴾: جمع الجمع،
فهو جمع " أسطر "، و " أسطر " جمع سطر.
وقيل: إنه جمع، وواحده: " أسطورة ".
وقُتِل النَّضر هذا وهو أسير يوم بدر صَبْراً.
أسره المقداد.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم، اقتله؛ فإنَّه يقول في كتاب الله ما يقول، فراجعه المقداد ثلاث مرات، كل ذلك يأمره بقتله، فقتل.
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم﴾، الآية.
معناه: واذكر، يا محمد، إذْ قالوا ذلك.
والذي قاله عند ابن جُبير: هو النَّضْر بن الحارث.
وقال مجاهد: هو النَّضْر بن كَلَدَة، وأنَّه قتل بمكة بدليل قوله: {وَمَا كَانَ
(الله) لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}.
ومعناه أنه قال: اللهم إنْ كان هذا الذي أتى به مُحمّدٌ هو الحق، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية، منها: ما ذكرنا ومنها قوله:
﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16]، الآية، ومنها: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى﴾ [الأنعام: 94]، الآية.
ومنها: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: 1] الآية.
قال أبو عبيدة: كلُّ شيء من العذاب فهو " أمطرت "، ومن الرحمة " مَطِرت ".
قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
والمعنى: وما كان الله ليعذِّب هؤلاء الذين تمنوا العذاب وأْنت مقيم بين أظهرهم.
وكان قد نزلت عليه وهو مقيم بمكة.
ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم، من مكة، فاستغفر من بها من المؤمنين، فنزلت عليه بعد خروجه: ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ثم خرج أولئك البقية من المؤمنين، فأنزل الله، عز وجل: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، الآية، بالمدينة، فعذَّب الله، ( عز وجل) . الكفار، إذْ أذِنَ للنبي صلى الله عليه وسلم، بفتح مكة، فهو العذاب الذي وُعِدوا به.
قال ذلك ابن أبي أبزى.
وقال أبو مالك نزل الجميع بمكة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ [الله] لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَمَا كَانَ [الله] مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: من بِها من المسلمين ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، يعني: من بمكة من الكفار.
فمعنى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، أي: خاصة، فعذبهم الله ( عز وجل) . بالسيف، وفي ذلك نزلت: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، الآية.
وهو النَّضْر.
سأل العذاب.
ورُوِيَ عن ابن عباس [أنَّ] المعنى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يا محمد، أيْ: حتى نخرجك من بين أظهرهم، ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت يقولون: " لبَّيْك لبَّيْك، لا شريك لك "، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم " قَدْ، [قَدْ] "، فيقولون: " إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك "، ويقولون: " غُفرانك،
غُفرانك "، فهذا استغفارهم.
قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، يعني في الآخرة.
وقال قتادة المعنى: ﴿وَمَا كَانَ (الله) مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم يعذّبهم، ولكنهم ليس يستغفرون، فلذلك قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، وهم لا يستغفرون، ويصدون عن المسجد الحرام.
وهو اختيار الطبري.
قال: كما نقول: " ما كنتُ لأُحسن إليك وأنت تسيء إليَّ "، يراد به: لا أحسن/ إليك إذا أسَأْتَ إليَّ، أي: لو أسَأْتَ إِلَيَّ لم أُحسن إليك.
وكما قال:
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَشْيمُوا سُُيُوفَهُمْ ... وَلَمْ تَكْثُرِ الْقَتْلَى بِهَا حِينَ سُلَّتِ
أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى.
وشمتُ السيف من الأضداد، شمتُه: سللته وأغمدته.
وقال بعض العلماء: هما أمانان أنزلهما الله عز وجل، فالواحد قد مضى وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني باق وهو استغفار (أمِنَ) من نزول العذاب به في الدنيا.
وقال ابن زيد معنى: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم أعذبهم.
وهم لا يستغفرون، فما لهم ألاَّ يُعَذَّبوا.
وهو قول قتادة الأول.
ومعنى ذلك قال السدي.
وقال عكرمة المعنى: لم يكن الله ليعذبهم وهم يُسلمون.
و" الاستغفار " هنا: الإسلام.
وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: وهم مسلمون، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، يعني: قريشاً، بصدهم ﴿عَنِ المسجد الحرام﴾.
ورُوِيَ عن ابن عباس، أيضاًُ أنَّه قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، [أي:] فيهم من سبق له [من الله] الدخول في الإسلام، فاستغفار مقدر فيهم يكون قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، يعني: يوم بدر بالسيف.
ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: وهم يصلون.
ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وفيهم مؤمنون يستغفرون فلما خرجوا
مع النبي صلى الله عليه وسلم، أنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، يعني: من بقي من الكفار بمكة.
وعن مجاهد أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون.
وكذلك قال الضحاك.
ورُوِيَ عن عكرمة، والحسن أنهما قالا: قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: المشركين، ثم نسخ ذلك قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ [الله] وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام﴾.
وقيل المعنى: وأولادهم يستغفرون، قد سبق في علم الله، عز وجل، أنهم يؤمن أولادهم ويستغفرون، فلم يكن ليعذب هؤلاء بالاستئصال.
وقد سبق أنهم يلدون
من يؤمن ويستغفر.
وقيل المعنى: وفيهم من يستغفرون.
وهم من كان بمكة بين أظْهُرهم من المؤمنين لم يخرجوا بعد من المستضعفين وغيرهم، وقاله الضحاك.
قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، يعني: الكفار خاصة.
قال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون، يعني: من بمكة من المؤمنين.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾.
" أنْ ": في موضع نصب.
والمعنى: وأي شيء لهم في دفع العذاب عنهم.
وهذه حالهم.
وقيل: هي زائدة.
وقيل المعنى: وما كان يمنعهم من أن يعذبوا.
وهذه حالهم.
قوله: ﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ﴾.
يعني: مشركي قريش.
﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون﴾.
يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد ﴿إِلاَّ المتقون﴾، أي كانوا أو حيث كانوا.
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ﴾.
أي: أكثر المشركين: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أنّ أولياء الله هم المتقون، بل يحسبون
أنهم هم أولياء الله.
ومن قال: إنّ قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني به المؤمنين، وقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، لأن الأول للكافرين، والثاني للمؤمنين، وهو قول الضحاك، وعطية، وابن عباس في بعض الروايات عنه.
ومن قال: إنّ الكلام كله للكفار، وهو ما روي عن ابن عباس، وأبي زيد، والسدي، لم يقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.
﴿وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ﴾، وقف.
والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمن فيستغفر،
وقد علم الله عز وجل، ذلك منهم، فهو قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، / أي: سيكون منهم ذلك، ومنهم من يموت على الكفر، علم الله ذلك منهم، فهم الذين قيل فيهم: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾، والسورة مدنية كلها.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾.
رُوي عن أبي بكر عن عاصم:
﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ﴾، بالنصب، ﴿إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، بالرفع، مثل قول
الشاعر:
يكون مِزَاجَهَا عسل وماء.
... ومعنى الآية: وما كان يا محمد، صلاة هؤلاء المشركين عند البيت الحرام ﴿إِلاَّ مُكَآءً﴾، أي: تصفيراً، ﴿وَتَصْدِيَةً﴾، أي: تصفيقاً.
يُقال: مَكا يَمْكُو مَكْواً ومُكاءً، إذا صَفَر.
وصدَّى يُصدِّي تصدية، إذا صفَّق.
وقال ابن زيد، وابن جبير: (التصدية): صدهم عن سبيل الله.
وهذا إنما يجوز على أن تقدر أنَّ " الياء " بدل من " دال "، مثل: تظَنَّيتُ في تَظَنَّنْتُ.
وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح، من قولهم: " صدَّ يَصُدُّ " إذا ضجَّ.
وتبدل من إحدى " الدالين " " ياء " أيضاً كالأول، وأصله: " تَصْدِدَة " في
القولين جميعاً، ثم أبدلت من " الدال الثانية " " ياء ".
قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يُصفرون ويصفقون، فأنزل الله عز وجل، ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: 32]، فأُمر بلبس الثياب.
وقال مجاهد " المُكاء ": إدخالهم أصابعهم في أفواههم ينفخون، و " التَّصْدِيَةُ ": الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم عن الصلاة.
وقال قتادة " المُكَّاءُ ": الصَّفير بالأيدي، و " التَّصْدِيَةُ ": صياح كانوا يعارضون به القرآن.
وقال السدي " المُكاء ": صفير على لحن طير أبيض يقال له: " المُكَّاء "، يكون بأرض الحجاز.
وقوله: ﴿فَذُوقُواْ العذاب﴾.
هو العذاب بالسيف الذي نزل بهم يوم بدر.
وهذا ذوق بالحس يصل ألمه إلى القلب كما يصل الذوق في مرارته وطيبه إلى القلب فسمي ذوْقاً لذلك.
ثم أخبرنا، تعالى، أنّ الذين كفروا يعطون أموالهم للمشركين مثلهم ليتقوَّوا بها على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فيصدون بذلك عن سبيل الله، وهو الإسلام، فيسنفقون أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ نفقتههم عليهم ﴿حَسْرَةً﴾؛ لأنَّ الأموال تذهب، ولا يصلون إلى ما أمَّلوا، فذهابها في الدنيا حسرة عليهم، وما اجترحوا من إثمها عليهم حسرة في
الآخرة أيضاً، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾، ولا تنفعهم نفقتهم، وهم إلى ربهم يحشرون في المعاد.
قال ابن أبزى: نزلت هذه الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أُحد ألفين ليقاتل بهم النبي صلى عليه السلام، سوى من استجاش من العرب.
قيل: إنَّه أنفق أربعين أوقية [من ذهب]، يوم أحد، والأوقية يومئذ: اثنان وأربعون مثقالاً.
وذلك أنه لما وصل بالعير إلى مكة دعا الناس إلى القتال، فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل إلى أحد.
وكانت بدر في رمضان، يوم جمعة صبيحة عشرة من رمضان.
وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه في العام الثاني من بدر، وهو العام الرابع من الهجرة.
وروى جماعة من التابعين: أن أبا سفيان لما سلم بعيره [إلى مكة] / كانت العير لجماعة، فتكلم قريش إلى أصحاب العير أن يعينوهم بمالها على حرب النبي عليه السلام، ليطلبوا أَثْأَرهُم ففعلوا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
قوله: ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث (مِنَ الطيب)﴾، إلى قوله: ﴿سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾.
المعنى: إن الله عز وجل، يحشرهم ليميز الخبيث من الطيب، أي: أهل السعادة من أهل الشقاء.
وقيل: المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض.
(أي: يجعل الكافر بعضهم على بعض، أي: فوق بعض).
﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾.
أي: يجمعه بعضه إلى بعض.
و " الرُّكَامُ ": المُجْتمع، ومنه قوله في السحاب:
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي يجمع المفترق، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ [النور: 43]، أي: مجتمعاً كثيفاً.
﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾.
أي: الخبيث فوحد اللفظ ليرده على الخبيث، ثم جمع آخراً رداً على المعنى.
وقيل معنى: ليميز الخبيث من الطيب، أي: ما أنفقه الكافرون في معصية الله، سبحانه، فيجمعه فيجعله في جهنم، فيعذبون به.
و ﴿الطيب﴾: ما أنفقه المسلمون في رضوان الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ﴾.
أي: ﴿قُل﴾، يا محمد، ﴿لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ﴾، أي: عما نُهوا عنه، ﴿يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: ما سلف وتقدم من ذنوبهم، ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ﴾، أي: إلى ما نهوا عنه من الصد عن سبيل الله عز وجل، والكفر بآيات الله سبحانه، وإلى مثل قتالك يوم بدر، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾، أي: سنة من قتل يوم بدر، ومن هو مثلهم في أهلاك الله عز وجل، إياهم يوم بدر وغيرها.
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، إلى قوله: ﴿نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾.
المعنى: إن الله ( عز وجل) ، أمر المؤمنين بقتالهم لئلا تكون ﴿فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك.
ف " الفتنة " هنا: الشرك، ولا يعبد إلا الله سبحانه.
وقال قتادة: المعنى: حتى يقال: لا إله إلا الله.
وقال الحسن: ﴿فِتْنَةٌ﴾: بلاء.
وقال ابن إسحاق معناه: حتى لا يفتن مؤمن عن دنيه، ويكون التوحيد لله خالصاً.
﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾.
أي: عن الفتنة، وهي: الشرك، فإن الله لا يخفى عليه عملهم.
﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾.
عن الإيمان، وأبو إلا الفتنة، فقاتلوهم، واعلموا أن الله معينكم وناصركم، ﴿نِعْمَ المولى﴾ هو لكم، أي: المعين، ﴿وَنِعْمَ النصير﴾، أي: الناصر.
قوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
هذه الآية تعليم من الله عز وجل، للمؤمنين، أن كل ما غنموه من غنيمة، وهو " الفيْ ".
وقيل: " الغّنِيمَةُ ": ما أُخذ عنوة، و " الفَيْءُ ": ما أُخذ صلحا.
ف: " الغَنِيمَةُ ": أربع أخماسها لمن شهد القتال، للراجل: سهم، وللفارس: سهمان.
والصلح على ما صولحوا عليه، وليس فيه خمس، إنما هو لمن سمى الله عز وجل، في قوله: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ [الحشر: 7].
وقيل: " الغنيمة "، و " الفي " واحد، فيه الخمس في " الحشر " قاله قتادة.
وقوله: ﴿للَّهِ خُمُسَهُ﴾.
مفتاح كلام، والدنيا والآخرة لله، عز وجل/ وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يقسم " الخمس " على
خمسة: فخمس لله وخمس لرسوله هو [خمس] واحد.
وقيل: إنَّ خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقبض في " الخمس " قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة.
وقال ابن عباس: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، يأخذ من " الخمس " شيئاً، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم.
وقد أجْمَعُوا على أنَّ " الخمس " لا يقسم على ستة.
ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على: خمسة، فيجعل، جزء فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا رُوي أنه كان يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس: الخمس ﴿وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ سهماً سهماً.
وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: للفقراء: ثلث، وللمساكين ثلث، ولابن السبيل ثلث؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ "، فسقط خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وخمس ذوي القربى.
ومذهب مالك رضي الله عنهـ: أنَّ الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين من هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز.
ومعنى: ﴿وَلِذِي القربى﴾.
هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بني هاشم.
وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس: إنهم قريش كلهم.
﴿واليتامى﴾.
أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.
﴿والمساكين﴾.
أهل الفاقة.
﴿وابن السبيل﴾.
المجتاز مسافراً قد انقطع به.
﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾.
أي: صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا.
﴿يَوْمَ الفرقان﴾.
وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل.
﴿يَوْمَ التقى الجمعان﴾.
يعني: جمع المسلمين وجمعْ المشركين، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم،
كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة والمسلمون ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك.
وقال بعض نحويي البصرة قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله﴾، متعلق بقوله: ﴿نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾.
وقيل: هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، والمعنى: إن كنتم [آمنتم] بالله فاقبلوا ما أمرتم به.
﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: على إهلاك أهل الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير.
قوله: ﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى﴾ إلى قوله: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
العامل في ﴿إِذْ﴾ قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ [الأنفال: 41] ﴿إِذْ أَنتُمْ﴾.
والمعنى: إذ أنتم نزُولُ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بشفير الوادي الأقصى إلى مكة.
﴿والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾.
أي: والعير التي فيها أبو سفيان وأصحابه أسفل منكم إلى ساحر البحر.
ولا يقال: ركب إلا للذين على الإبل.
وكان أبو سفيان قد أتى هو وأصحابه تجاراً من الشام، لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
بكفار قريش، ولا كفار قريش بأصحاب محمد عليه السلام، حتى التقوا على ماء بدر.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد﴾.
أي: لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه عن ميعاد، لاختلفتم، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم.
﴿ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
أي: جمعكم الله عز وجل، وإياهم ﴿لِّيَقْضِيَ الله﴾ عز وجل، ﴿ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾، وذلك القضاء هو/ نصره للمؤمنين، وتعذيبه للمشركين بالسيف والأسر.
وقيل: المعنى: لو كان [ذلك] [عن] ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة
عددهم مع قلة عددكم، ما لقيتموهم.
قال كعب بن مالك: إنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم، إلى بدر يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله عز وجل، بينهم وبين عدوهم؛ لأن أبا جهل خرج ليمنع النبي صلى الله عليه وسلم، من العير، فالتقوا ببدر، ولا يشعر كل واحد بصاحبه.
ثم قال تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾.
أي: ليموت من مات عن حجة، أي: جمعهم على غير ميعاد، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾، أي: عن حجة قطعت عذره، ويعيش من عاش عن حجة قد ظهرت له.
وقيل المعنى: ليكفر عن أمر بيّن، ويؤمن من آمن عن أمر بَيّن.
﴿وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: لقولكم: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضرمه نفوسكم في كل حال.
قوله: ﴿مَنْ حَيَّ﴾.
من قرأ بـ " الإِدْغامِ "، فإنه أدْغم لاجتماع المثلين؛ ولأنه في السواد بـ: " يَاءٍ " واحدة.
ومن أظهر أجراه مجرى المستقبل، فلما لم يجز الإدغام في المستقبل (أجري الماضي على ذلك، فأظهر وقد أجاز الفراء الإدغام في المستقبل)، ومنعه جميع البصريين؛ لأنه يجتمع في المستقبل حرفان متحركان، ف: " الياء " الثانية حق أصلها أن تكون ساكنة، ولا يقاس هذا على ما صح لم يخف؛ لأنَّ " يحيى " يحذف ياؤه للجزم، ولا يحذف في " يخف " شيء للجزم.
قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، إلى قوله: ﴿تُرْجَعُ الأمور﴾.
والمعنى: إنّ الله عز وجل، يا محمد، ﴿لَسَمِيعٌ﴾ لما يقول أصحابك ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى
نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيراً، لفشل أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، ﴿ولكن الله سَلَّمَ﴾، من ذلك بما أراك في منامك من قتلهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، بما تُجِنُّه الصدور.
قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيّه عليه السلام، في منامه قليلاً، فأخبر أصحابه، فكان تثبيتاً لهم.
وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام.
والمعنى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ [الله]﴾ بعينك التي تنام بها ﴿قَلِيلاً﴾، فالمعنى على هذا: في موضع منامك.
وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن: فأمّا قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم﴾، فهي رؤية حق لا منام، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه.
ومعنى: ﴿ولكن الله سَلَّمَرِ﴾.
أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهمه.
وقيل المعنى: سلم أمره فيهم.
وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم صلى الله عليه وسلم.
من قلتهم.
قاله ابن عباس.
يقال: فَشِل الرجل، أي: جَبُن.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾.
أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلاً، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم.
قال عبد الله بن مسعود: قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم/ فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا.
وكان من قول أبي جهل لأصحابه لما قلّل الله عز وجل، المسلمين في عَيْنَيْه: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خُذُوهم أَخْذاً، فاربطوهم بالحبال.