الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 2597-2636
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 2597-2636
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

أي: انفجرت.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾.
أي: لا يدخل سبط على سبط في شربه.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام﴾.
يعني: من حر الشمس، وذلك في التِّيهِ، وقد تقدم ذكر هذا في البقرة.
قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية﴾، إلى قوله: ﴿يَظْلِمُونَ﴾.
قال الفراء، والكسائي: " خَطَايَا " جمع خَطِيَّة، على ترك الهمز، ك: " مَطِيَّة "، و " وَصِيَّة ". وقال المازني: هي " فَعائِل "، أصلها همزتهان فأبدل من الثانية ياء، فأشبهت مضيف " الخطايا " إلى نفسه، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا فصارت:

" خطاءا "، والهمزة أخت الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فأبدل من الهمزة ياء، فصارت: " خطايا ". ولسيبويه والخليل قول مشهور قد ذكر في غير هذا الموضع.
والأصل عند الفراء في " مَطِيَّة " و " وَصِيَّة " أن يجمع على: فَعَائِل "، إلا أنه لو جمع على ذلك للزم حذف الياء، فيصير ك: " غَوَاشٍ " فتختل، فنُقل جَمعُهُ إلى " فَعَال "، فردت اللام قبل الياء الزائدة وفتح، ك: " أسير " و " اسارى "، ثم أجرى هذه العلة في " خطية ". ومعنى الآية: إن الله، جلّ ذكره، يقول لنبيه، (عليه السلام): واذكر، يا محمد، خطأ فعل هؤلاء وخلافَهُم لأمر ربهم، حين قال لهم [الله]: ﴿اسكنوا هذه القرية﴾، وهي قرية بيت المقدس، ﴿وَكُلُواْ مِنْهَا﴾، أي: من ثمارها وحبوبها ونباتها، ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾، أي: أين شئتم منها.
وقوله: ﴿حِطَّةٌ﴾.

أي: حط عنا ذنوبنا، ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيائاتكم﴾، أي: يستر ذنوبكم، ﴿سَنَزِيدُ المحسنين﴾، أي: نزيدهم على ما وعدتهم من الغفران.
(قوله): ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾.
أي: غَيَّروا ما أُمروا أن يقولوا.
قيل لهم: قولوا: ﴿حِطَّةٌ﴾، قالوا: " حنطة في شعير "، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾، أي عذاباً، فأهلكناهم بفعلهم وتغييرهم وفسقهم.
وقيل: هو طاعون أخذهم، فهلك خَلقٌ مِنْهُمْ.
وقد ذكر في البقرة.
قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾.

﴿إِذْ﴾: في موضع نصب بالسؤال، أي: واسألهم عن وقت عدوانهم.
﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ﴾.
أضيف الظرف عند سيبويه لكثرة الاستعمال.
وهو عند المبرد مضاف إلى المصدر محمول على المعنى.
وهو عند الزجاج على الحكاية.
والعامل في الظرف الفعل الذي بعده.
ومعنى الآية: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين يجاورونك، عن أَمْرِ ﴿القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر﴾.
أي: بقربه/ وشاطئه.

قال الكلبي: ذكر لنا أنهم كانوا في زمن داود، (عليه السلام)، وهي: أَيْلَةَ، وهو مكان كان تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد، يأتيهم منها حتى لا يرى الماء، وتأتيهم في غير ذلك من الشهور في كل سبت كما تأتيهم في ذلك الشهر، فلا يمسوا منها شيئاً.
فعمد رجالٌ من سفهاء تلك القرية، فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فملحوا وباعوا، ولم ينزل بهم عقوبة، فاستبشروا، وقالو: إنا نرى السبت قد حُلَّ، وذهبت حرمته، إنما كان يعاقب به آباؤنا، فعملوا ذلك سنين، حتى أثرَوْا وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال.
فمشى إليهم طوائف صالحون فوعظوهم، وقالوا: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، ووعظوهم فلم يتعظوا.
وسؤاله، ( صلى الله عليه وسلم) ، إياهم إنما كان على جهة التقرير لهم والتبكيت، ويذكرهم

بقديم كفرهم وفسقهم، وقد كان الله ( عز وجل) ، أعلمه بأمر القرية.
قال ابن عباس، وعكرمة هي: " أيلة "، وكان ذلك في زمن داود (عليه السلام)، وكذلك قال السدي، وغيره.
وقال قتادة: هي ساحل مَدْيَنَ.
[قال ابن زيد: هي قرية] يقال لها " مَقْنَا "، بين مدين وعَيْنُوناً.
وقال ابن شهاب: هي: طَبَرِيَّة.

وعن ابن عباس أيضاً: أنها مَدْيَنَ.
وأما قوله: ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية﴾ [يس: 13]، فأكثرهم على أنها أنطاكية.
ومعنى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ [فِي السبت]﴾.
أي: [إذا] يعتدون إلى ما حرم الله، ( عز وجل) . [ و " العُدْوَانُ ": التجاوز إلى ما حرم الله].
وكان الله تعالى ذكره، قد حرم عليهم السبت، فكانت الحيتان تقل في سائر الأيام، وتكثر في يوم السبت.
ابتلاهم الله، (تعالى)، بذلك فاصطادوا فيه وتركوا

ما حرم الله عليهم، فتجاوزوا الحق، فكانت تأتيهم يوم سبتهمه، ﴿شُرَّعاً﴾، أي: ظاهرة على الماء.
وقال ابن عباس ﴿شُرَّعاً﴾: من كل مكانٍ.
يقال: سَبَتَ يَسْبِتُ: إذا استراح.
وقرأ الحسن: " ويَوْمَ لاَ يُسْبِتُونَ "، بضم الياء، من: " أَسْبَتَ القَوْمُ "، إذا دخلوا في السبت.
ورُوي ذلك عن أبي بكر عن عاصم، كما يقال: " أهلَلْنَا "، دخلنا في الهلال، و " أَجْمَعْنا " مرت بنا جمعة.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾.

أي: نختبرهم.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أنه دُخِلَ على ابن عباس، وبين يديه المصحف، وهو يبكي، وقد أتى على هذه الآية ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [الأعراف: 165]، الآية.
فقال: قد عَلِمْتُ أن الله تعالى، أهْلَكَ الذين أخذوا الحيتان، ونَجَّى الذين نَهَوْهُمْ، ولا أدري ما الذي صنع بالذين لَمْ يَنْهَوْا، ولم يُواقِعُوا المعصية.
قال الحسن: وأي نهي يكون أبين من أنهم أثبتوا لهم الوعيد، وخوّفوهم العذاب، فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾.
﴿لاَ تَأْتِيهِمْ﴾، وقف، عند نافع، والأخفش.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾.
أي: واذكر، يا محمد، إذ قالت طائفة من أهل [هذه] القرية، إذ ظهر من أكثرهم ما يُنْكَرُ عليهم، فأنكر ذلك طائفة، فقالت هذه الطائفة التي حكى الله عنها، للطائفة التي أنكرت ما يجب أن ينكر: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً﴾ سيلحقهم أحد هذين: العَذَابُ،

أو الهَلاَكُ، قالت الطائفة التي أنكرت: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
فمن رفع: ﴿مَعْذِرَةً﴾ فتقديره: قالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرَةٌ، أي: إنما يجب علينا أن نأمر بالمعروف، [وننهى عن المنكر]، و ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وَعَظْنَاهُمْ.
ومن نصب: فعلى المصدر، كأنهم قالوا: اعتذاراً.
وقيل: النصب على تقدير: فَعَلْنَا ذَلِك/ مَعْذِرَةً.
وَرُوِيَ وجها النصب عن الكسائي.
وفرَّق سيبويه بين الرفع والنصب، واختار الرفع، قال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا من أمر لِيُموا عليه، ولكنّهم قيل لهم: لم وعظتم؟ فقالوا: مَوْعِظَتُنَا مَعْذِرةٌ.

ولو قال رجل لرجل: مَعْذِرَةً إِلَى اللهِ، ثُمَّ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا، يريد: اعْتِذَراً، لَنصَبَ؛ لأنه إنما اعتذر من أمر ليمَ عليه.
والمعنى: واذكر، يا محمد، ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: جماعمة الجماعة، كانوا ينهون أهل المعصية عن معصيتهم، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً﴾، قال الذين كانوا يعظون: عظتنا معذرةٌ إلى ربكم، نؤدي بذلك فرضه عليها، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَعَظْنَاهُم.
قال ابن عباس: كلا الطائفتين كانت تنهى الباقين عن المنكر، فلما طال ذلك، قالت إحدى الطائفتين للأخرى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾، فلما نزل العذاب نجبت الطائفتان: التي قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً﴾ والتي قالت: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾، وأهلك الله، ( عز وجل) ، أهل المعصية، فجعلهم قردة وخنازير.
قال السدي: قال الواعظون: بعضهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾.

وروي عن ابن عباس، وغيره، أنه قال: كانوا أثلاثاً، ثلث نَهَوْا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نَهَوْا.
قال الله ( صلى الله عليه وسلم) : ﴿ أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء﴾ [الأعراف: 165]. ورُوِيَ عنه أنه قال: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، وما أدري ما فعلب بالساكتين.
وقال الكَلْبِي هم فرقتان: فرقة وعظت، وفرقة قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾، وهي المَوْعُظَةُ.
وذلك أن الخاطئة لما كثر عليها الوعظ، قالت: للواعظين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ على قولكم.
وقد مضى من ذكر هذا في البقرة جملة.
وقال الكلبي: كانوا فرقتين: قالت الصالحة للطالحة: يا قوم، انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذه العمل قبل أن ينزل بكم العذاب.
قالت الطالحة: فلم تعظوننا إذا كنتم علمتم أن الله، ( عز وجل) ، مهلكنا،

وإن أطعتمونا لتفعلن كالذين فعلنا، فقد فعلناه منذ سنين، فما زادنا الله بذلك إلا خَيْراً.
قالت الصالحة: ويلكم، لا تَغْتروا، [ولا] بأس الله، (سبحانه)، فكأنه نزل بكم، قالت لهم الطالحة: ف ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾، الآية.
فهم فرقتان على قول الكلبي.
وثلاث فرق على قول أكثر المفسرين.
قوله: ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
والمعنى: فلما تركت الطائفة التي نهيت عن السؤ، ما أمرها الله ( عز وجل) به من ترك الاعتداء.
وقيل: نسوا موعظة من وعظهم من المؤمنين، {أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء

وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}، أي: وجيع أليم.
قاله ابن عباس.
وقيل: ﴿بَئِيسٍ﴾: رديء.
وقال مجاهد ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: أليم شديد.
وقال قتادة ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: موجع.
وقال ابن زيد ﴿بَئِيسٍ﴾: شديد.
قوله: ﴿فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾.
أي: تجاوزوا وتمردوا.
و " العاتي ": المتمرد المتجاوز في الحق.

﴿عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾، [أي]: عن اعتدائهم في السبت، ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾، فصاروا قردة، ﴿خَاسِئِينَ﴾، [أي]: مبعدين.
وذلك في زمن داود، (عليه السلام)، وهو قوله: ﴿لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بني إِسْرَائِيلَ على لِسَانِ دَاوُودَ﴾ [المائدة: 78]، صاروا قردة كلهم، ومسخوا في زمن عيسى (عليه السلام)، خنازير، فذلك قوله: ﴿على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 78].
/ قال ابن عباس: صار شباب القوم قردة، وشيوخهم خنازير.
يقال: خَسَأْتُ الكلب: أبعدته وطردته.

وقوله: ﴿قُلْنَا لَهُمْ (كُونُواْ)﴾.
جائز أن يكون أُمِرُوْا بذلك، فيكون أبلغ في الآية والقُدرة.
وجائز أن يكون من قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40].
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾.
روى الأصبهاني عن أصحابه عن ورشٍ: (تأذَّنَ)، بتسهيل الهمزة.
والمعنى: واذكر، يا محمد، إذا أعْلَمَ رَبُّك.
فمعنى ﴿تَأَذَّنَ﴾: أَعْلَمَ والعرب تقول: " تعلم " بمعنى " أعلم ". وقال مجاهد ﴿تَأَذَّنَ﴾: قال.

وقال قتادة ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾: أمر ربك.
ومعنى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾.
أي: ليبعثن على اليهود ﴿مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب﴾، وهو قتلهم إن لم يؤدوا الجزية، وذلتهم إن ودوها.
قال ابن عباس: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد، صلى الله عليه وسلم، وأمته، إلى يوم القيامة.
قال ابن المُسَيَّب: يستحب أن يبعث الأنباط في الجزية.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب﴾.
أي: لمن استوجب منهم العقوبة.
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: لسائر ذنوب من تاب، متعطف عليه.

قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون﴾، إلى قوله: ﴿المصلحين﴾.
روى أبو بكر عن عاصم: " وَقَطَعْنَهَمْ "، بالتخفيف.
والمعنى: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض ﴿أُمَماً﴾، أي: جماعات شتى.
ففي كل أرض قوم من اليهود، ﴿مِّنْهُمُ الصالحون﴾، أي: منهم من يؤمن بالله ورسله، ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾، وصفهم بهذا قَبْلَ كُفْرِهِمْ وارتدادهم عن دينهم، وقَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ عِيسَى (عليه السلام).
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات﴾.
أي: بالرخاء، والسعة في الرزق، ﴿والسيئات﴾، بالجدب والمصائب، أي: اختبرناهم بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إلى طاعة الله (عزو جل).
قوله: ﴿أُمَماً﴾، وقف.
و ﴿دُونَ ذلك﴾، وقف.

و ﴿والسيئات﴾، وقف.
ثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
أي: حدث من بعدهم خَلْفُ سُوْءٍ، يعني: أبناءهم.
و" الخَلْف ": الرديء من القول، ومن الأنباء، يقال للواحد والاثنين والجميع، بلفظ واحد.
ويقال في المدح: " هذا خَلَف صِدْقٍ "، بتحريك اللام، ولَزِمَ تسكن اللام فيه، هذا الأشهر.
وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، قال حسان:

. . .، وَخَلْفُنَا ... لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تابعُ والخَلَفُ السُّوْءِ، مأخوذ من قولهم: " خَلَفَ اللَّبَن "، إذ حمض حتى فسد، ومن قولهم: " خَلَفُ فَمِ الصَّائِمِ "، إذا تغير ريحه.
وقال مجاهد: " الخَلْف " في الآية يراد به النصارى بعد اليهود.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى﴾.
يعني الرشوة على الحكم في قول الجميع.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مغفور، لا نؤاخَذُ به.
والثاني: أنه ذنب، لكن الله قد يغفره لنا، تأميلاً منهم لرحمته.

وهو ما عَنَّ لهم من عرض الدنيا حلالاً كان أو حراماً، يأخذونه ويتمنون المغفرة، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، وإن وجدوا بعده مثله، أخذوه، فهم مُصِرُّونَ على أخذه، وإنما يتمنى المغفرة من أَقْلَعَ عن الذنب، فلم يعد إليه، ولاَ نَوَى الرجوع إلى مثله.
قال ابن جبير: يعملون بالذنب ثم يستغفرون منه، فإن عرض لهم ذنب رَكِبُوه.
و" العَرَضُ " عنده: الذنوب.
قال السدي: كان بنو إسرائيل لا يَسْتَقْضُونَ قَاضِياً إِلاَّ ارْتَشَىِ في الحُكْمِ، فيقال له في ذلك، فيقول: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾، فيطعن عليه بقية بني إسرائيل.
فإذا مات جعل مكانه رجل ممن كان يعطن عليه، فيرتشي، أيضاً، ثم لاَ يَثُوبُونَ.
قال ابن زيد: يأتيهم المحق برشوة، فيخرجون له كتاب الله، ثم يحكمون له بالرشوة/ فإذا جاءهم الظالم بالرِّشوة، أخرجوا له الكتاب الذي كتبوا بأيديهم،

وقالوا: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميثاق الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾، وهو عَرَضُ الدنيا، هو الرُّشَى في الحكم، فيحكمون له بما في الكتاب، فهو [في كتابهم]، محق، وهو في التوراة ظالم، فقال الله ( عز وجل) : ﴿ هذا [مِنْ عِنْدِ الله] لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: 79].
المعنى: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، ألا يعملوا إلا بما في التوراة، و ﴿أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾.
[قال ابن عباس: ﴿أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾، يعني [فيما] يوجبون به من غفران ذنوبهم التي هم عليها مصرون.
وقوله: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾.
معناه: ورثوا الكتاب، ودرسوا ما فيه، فَنَبَذُوهُ، وعملوا بخلاف ما فيه.

وقال ابن زيد: علَّموه، فَعَلِمُوا ما فيه.
ثم قال: ﴿والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
أي: ما فيها من النعيم.
قوله: ﴿يَأْخُذُوهُ﴾، وقف.
وكذا: ﴿إِلاَّ الحق﴾.
وكذا: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾.
ثم قال: ﴿والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب﴾.
أي: يعملون بما فيه التوراة، ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين﴾، [ي: أجر المُصلِحِ منهم].
قوله: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ﴾ الآية.

والمعنى: واذكر يا محمد، ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل﴾، أي: اقْتَلَعْنَاهُ فرفعناه [فوق] بني إسرائيل.
وقيل: نَتْقَنَاهُ ": زعزعناه.
﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.
أي: غَمَامَةٌ.
و" الكاف " من ﴿كَأَنَّهُ﴾، في موضع نصب على الحال، أي: نتقناه مُشْبِهاً الظلة، أي: في هذه الحال.
ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محمول على المعنى.
أو يكون خبر ابتداء محذوف، [أي]: هو ﴿كَأَنَّهُ [ظُلَّةٌ]﴾.
﴿وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾.

أي: أيقنوا بذلك، إذ هو فوق رؤوسهم.
﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾.
أي: وقيل لهم: خذوا ما في الكتاب من الفرائض بجدٍّ وَعَزْمٍ، ولا تقصروا في أداء فرائض الله ( عز وجل) ، التي فيه، وإلاَّ خَرَّ عليكم الجبل فأهلككم فقالوا: بل، نأخذه بقوة، أي: بجد وعزم، ثم نَكَثُوا بعد ذلك.
هذا قول ابن عباس.
قال ابن عباس: إني لأعلم لأي شيء سجدت اليهود على حَرْفِ وُجوههم: لما رفع الجبل فوقهم سجدوا، وجعلوا ينظرون إلى الجبل بِشقِّ وجوههم، خوفاً ان يقع عليهم.
قال: وكانت سجدةً رضيها الله ( عز وجل) ، فاتخذوها سُنَّة.
قال قتادة: نزع الله ( عز وجل) ، الجبل من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، وقال: لتأخُذَنَّ أمري، أو لأرمينّكم به.

وقال ابن جريج: كانوا قد أبَوْا أن يقبلوا التوراة.
وروى حجاج عن أبي بكر بن عبد الله أنه قال: لما قيل لهم: اقبلوا ما في التوراة، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة، قبلناها.
قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: حتى نعلم ما فيها، فراجعوا موسى (عليه السلام)، مراراً فأوحى الله، ( عز وجل) ، إلى الجبل فانقلع وارتفع في السماء، حتى إذا ان بين رؤوسهم وبين السماْ، قال لهم موسى (عليه السلام): ألا ترون ما يقول ربّي عز جل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها رميتكم بهذا الجبل.
قال الحسن البصري: لما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منههم ساجداً على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه/ اليمنى إلى اجبل، فَرَقاً أن يسقط عليه، فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رُفعت عنَّا بها العقوبة.
قال أبو بكر بن عبد الله: لما نشر موسى (عليه السلام)، الألواح فيها كتاب

الله عز وجل، كتبه بيده ويده صفة له، لا يد جارحة، تعالى الله أن يوصف بجارحة، إذْ ليس كمثله شيء، لمي يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر، (ولا شيء) إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على الأرض من صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه.
وقيل: كان نَتْقُ الجبل أنه قُطِع منه شيء على قدر عَسْكَر موسى (عليه [السلام])، فظلل عليهم، وقال لهم موسى (عليه السلام)، إمَّا أن تقبلوا وإمَّا أن يسقط عليكم.
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، الآية.
حجة من قرأ " ذُرَّيَّات " بالجمع، أنها الأعقاب المتناسبة الكثيرة.

ومن قرأ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، بالتوحيد، قال: إنها قد أُجْمِعَ عليها في قوله: ﴿مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ﴾ [مريم: 58]، ولاشيء كثر من ذريته ( صلى الله عليه وسلم) ، فدلت على الكثير بنفسها.
ومعنى الآية: واذكر، يا محمد، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾، أي: استخرج الأبناء من أصلاب الآباء، فقررهم بتوحيده، وأشهدهم على أنفسهم بإقرارهم، أي: أشهد بعضاً على بعضٍ بالإقرار بالتوحيد.
قال ابن عباس: أخذ الله، ( عز وجل) ، اليثاق من ظهر آدم (عليه السلام)، بنَعْمَان يعني: عرفة، فأخرج من صلبه كل ذريته، فَنَثَرهُم بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلمهم قَبَلاً، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأشهد بَعْضَهُمْ على بعضٍ

بذلك الإقرار.
وقال الضحاك: إن الله (سبحانه)، مسح صلب آدم، (عليه السلام)، فاستخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق: أن يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بهِ شيئاً، وتكفَّل لهم بالأَرْزاق، ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذٍ فمن أدرك منهم الميثاق (الآخر) فَوَفَى به، نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك (الميثاق) الآخر فلم يفِ به، لم ينفعه الأول، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر، مات على الميثاق الأول على الفطرة.
رَوَى ذلك عن ابن عباس.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ حتَّى يكُونَ أَبَوَاهُ اللَّذَانِ يُهوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ ".

والميثاق الأول، هو: ما أخذه الله، ( عز وجل) ، عليهم إذ أخرجهم من ظهر آدم، (عليه السلام).
والميثاق الآخر، هو: قبول فرائض الله، (سبحانه)، والإيمان به، وبرسالة النبي عليه السلام، وبما جاءت به الرسل.
وروى ابن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أُخذوا من ظهره، كما يُؤْخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾، قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة﴾ ". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: " إن الله جلَّ وعزّ، خلق آدم (عليه السلام)، ثم مسح ظهره بيمينه، (سبحانه)، فاستخرج منه ذرية، فقال: " خلَقْتُ هَؤلاَءِ لِلْجَنَّة، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَّنَةِ يَعْمَلُونَ ". ثم مسح ظهره فاستخرج منه

ذرية، فقال: " [خَلَفْتُ] هَؤُلاَءِ لِلنّارِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ ". فقال/ رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال: إن الله (تعالى)، إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَدْخِلُهُ الجَنَّةَ.
وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْنَّارِ، اسْتَعَمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيُدْخِلُهُ النَّارِ ". وقيل معنى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ﴾، دلهم على توحيده؛ لأن كل بالغٍ سالمٍ من العاهات، يَعْلَمُ ضرورةً أنَّ لَهُ رَبّاً واحِداً.
وقيل: إنَّ الآية مَخْصُوصَةٌ؛ لأنه قال: ﴿مِن بنيءَادَمَ﴾، فخرج من هذا من كان من ولد آدم (عليه السلام)، لصلبه وقال (الله) عز وجل: ﴿ أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾، فخرج منها كل من له آباء مشركون.
وقال أُبَيُّ بن كعب: جمعهم جميعاً، فجعلهم أَزوَاجاً، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾؛ أنَّكَ رَبَّنَأ وإلهَنَا، لا رب لنا غيرك، ثم أخبرهم بما ينزل عليهم من كتاب وما يرسل إليهم من الرسل، وأمرهم أن يؤمنوا بذلك.

ومن قرأ بـ: " الياء " في: ﴿[أَن] تَقُولُواْ﴾، ﴿أَوْ تقولوا﴾، رده على: ﴿ظُهُورِهِمْ﴾، و: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ و ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾، وبعدها، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
فلما جرى الكلام قَبْلُ وَبَعْدُ على لفظ الغَيْبَة، أجرى وسطه على ذلك.
ومعنى الكلام: أنهم لما أقروا، قال الله عزّ وجل، للملائكة: " اشْهَدُوا "، قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾.
ومن قرأ: بـ: " التاء " ردّه على المخاطبة في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وهي أقرب من لفظ الغَيْبَة إلى: ﴿تَقُولُواْ﴾.

قال أُبيُّ بن كعب: ولما أخرج الله ( عز وجل) ، الذرية كانت الأنبياء، (صلوات الله عليهم)، فهم مِثْلُ السُّرُوج، عليهم النور، فخصوا بميثاق آخر: الرِّسَالَةِ والنُّبوَّةِ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: 7]، الآية.
فكان في علمه من يكذّب الأنبياءَ ومن يصدِّق.
قال: وكان روح عيسى ابن مريم، (عليه السلام)، تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، فأرسل الله، ( عز وجل) ، إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً.
قال الله جلّ وعزّ.
﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [مريم: 17].
قال: فحملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى، (عليه السلام).
قال ابن جبير: فكانوا يُرَوْنَ أن القلم يومئذٍ جَفَّ بِمَا هَوَ كَائِنٌ.

قال ابن جبير: فكانوا يُرَوْن أن القلم يومئذٍ جفّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ.
ومعنى: ﴿شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ﴾، عند السدي: أنه خبر من الله، ( عز وجل) ، عن نفسه (تعالى)، وملائكته، بالشهادة على بني آدم، كيلا ﴿تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾.
والوقف على هذا القول ﴿بلى﴾.
وقال ابن عباس: المعنى، إن بضعهم شهد على بعض.
فالمعنى: ﴿قَالُواْ بلى﴾ شهد بعضنا على بعض كيلا {تَقُولُواْ

يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ}، أي: كل بعض يقول: شهدنا على البعض الباقي، كيلا يقولوا: كذا.
﴿أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾: وابتعناهم، ﴿أَفَتُهْلِكُنَا﴾، بإشراك آبائنا واتباعنا منهاجهم على جهل منا؟ فالوقف على قول ابن عباس: ﴿المبطلون﴾.
و ﴿بلى﴾ وقف عند نافع، والأخفش، وأبي حاتم، وغيرهم.
وهذا يدعل على أنَّ الشهادة كانت من الله ( عز وجل) ، وملائكته على المُقِرِّنَ.
وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي.
وهذا حسنٌ على قراءة [من قرأ] بـ: " التاء "، فيكون ﴿شَهِدْنَآ﴾، ليس من كلام الذين قالوا: ﴿بلى﴾.

ومن قرأ: بـ: " الياء " فأكثر أهل العربية يقولون: [﴿أَن تَقُولُواْ﴾ متعلقة بـ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾، والمعنى: وأشهدهم على أنفسهمه كراهة] ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا/ غَافِلِينَ﴾، فالتمام (على هذا): ﴿المبطلون﴾.
وقال ابن الأنباري والسجستاني ﴿بلى شَهِدْنَآ﴾، التمام، وهو غلط؛ لأنّ ﴿أَن﴾ متعلقة بـ: ﴿أَشْهَدَهُمْ﴾ أو بـ: ﴿شَهِدْنَآ﴾ على قراءة من قرأ بـ: " الياء ". فأما على تفسير ابن عباس: أن المعنى: [و] شهد بعضهم على بعض، فالتمام: ﴿المبطلون﴾ لأن ﴿شَهِدْنَآ﴾، من قول الذين قالوا: ﴿بلى﴾.

ومعنى: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا﴾، أي: لست تفعل ذلك.
(وقوله): ﴿وكذلك نُفَصِّلُ [الآيات]﴾.
" الكاف ": في موضع نصب.
والمعنى: وكما فصلنا، لقومك، يا محمد، آيات هذه السورة، كذلك نفصل الآيات غيرها فنبيِّنها لقومك، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، إلى الإيمان.
قوله: ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا﴾، إلى قوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والمعنى: ﴿واتل﴾، يا محمد، عليهم: ﴿نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا﴾، وهو رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن باعر، (أعطي: معرفة اسم الله [الأعظم].
وقيل: أُعْطِيَ النبوة.
قال ابن عباس: بُلْعَم بن بَاُعُور.) وقال ابن جبير: كان معه اسم الله، فسألوه أن يدعوَ على موسى وأصحابه ألا يدخل مدينتهم، فأبى، فخوفه الملك بالقتل والصلب والتحريق، فدعا، فاستجاب الله له، فلم يصل موسى، (عليه السلام)، إلى دخولها، ودعا موسى عليه أن ينسيه الله، ( عز وجل) ، اسمه الذي يدعو به، فأنساه الله، ( عز وجل) ، إياه، وَنَزَلَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ.
قال ابن عباس: كان من مدينة الجَبَّارِينَ.
وقيل عنه: كان من اليمن.

وقيل: هو أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت الثقفي، كان قد قرأ الكتب، وعرف الوقت الذي يبعث فيه محمد ( صلى الله عليه وسلم) ، ويخبر الناس بذلك، فلما بعث، حسده وكفر به، وقال: والله ما كنت لأؤمن بنبيٍ من غير قومي ثقيف أبداً.
وقال عكرمة: هو من كان منافقاً من أهل الكِتَابَيْن.
قال الحسن: هو المنافق.
وقال الأنصار: هو الراهب الذي بني له مسجد الشِّقَاقِ.

قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه.
قال ابن عباس: أعطي كتباً من كتب الله.
وقال مجاهد: أوتي النبوة، فَرَشَاهُ قومه على أن يَسْكُتَ، ففعل، وتركهم على ما هم عليه.
وكذلك قال المعتمر بن سليمان عن أبيه.
وهو قول مردود؛ لأن النُّبُوَّةَ لاَ يَكُونُ حَامِلُهَا قَابِلاً لِلْرِّشْوَةِ فِيهَا، يُعيذ اللهُ الأَنْبِيَاءَ مِنْ ذَلِكَ.
وهذه كبيرة عظيمة، وكل الناس على أن الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ، فغير جائز هذا القول الذي رُوِيَ عن مجاهد، والمعتمر.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل