الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وروى سيار عن مالك [بن دينار، أنه قال]: بعث نبي الله موسى، (عليه السلام)، بَلْعَام، وكان مجاب الدعوة، إلى ملك مدْين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى.
ففيه نزلت هذه الآية: ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا﴾.
وقال السدي: أعطي اسم الله الأعظم.
وروي ذلك عن ابن عباس.
قال ابن عباس: لما نزل موسى عليه السلام بالجبارين، سأل الجبارون بَلْعَم بن (باعُور) أن يدعو على موسى، فقال لهم: إني إن دعوت عليه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليه، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله:
﴿فانسلخ مِنْهَا﴾.
وعن ابن عباس، ﴿فانسلخ مِنْهَا﴾: نُزعَ منه العلم.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشيطان﴾.
أي: أدركه.
يقال: " أَتْبَعَه ": إذا أدركه.
و: " تَبِعَه ": / إذا سار في إثره.
هذا الجَيِّدُ.
وقيل: هما لغتان.
وقيل: معنى: " أَتْبَعَه ": صَيَّره لنفسه تابعاً ينتهي إلى أمره في معصية الله سبحانه.
﴿فَكَانَ مِنَ الغاوين﴾.
أي: من الهالكين.
وقيل: من الخائنين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾.
أي: لرفعناه بعلمه ﴿بِهَا﴾.
وقيل: المعنى: لرفعناه عن الحال التي صار إليها من الكفر.
وقال مجاهد: ﴿لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، (أي): لرفعنا عنه.
أي: لعصمناه مما فعل.
وقيل: المعنى: لأَمَتْنَاهُ قبل أن يَعْصِيَ فرفعناه إلى الجنة.
﴿بِهَا﴾.
[أي]: بتلك الآيات.
﴿ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض﴾.
أي: سكن إلى الدنيا وشهواتها، ﴿واتبع هَوَاهُ﴾.
وأصل " الإِخْلاَدِ ": الإقَامَةُ.
قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: كان بَلْعَام رجلاً، أوتي النبوة، وكان مُجاب الدعو، وإنَّ موسى (عليه السلام)، أقبل في بني إسرائيل ويريد الأرض التي فيها بَلْعَام فرعب الناس، وأتوا بلعام، وسألوه أن يدعو على موسى، (عليه السلام)، وجنده فقال: حتى أُؤَامِرَ ربي ( عز وجل) ، فوامر في الدعاء عليهم، فنهي عن ذلك، فقال لقومه: قد أمرت ألا أدعوا، فأهدوا إلأيه هدية فقبلها، ثم راجعوه أن يدعو على موسى (عليه السلام)، فقال: حتى أُؤَمِرَ ربي، فوامر ولَمْ يُؤْمر بشيء، فقال لهم: قَدْ وَامرت، فلم أؤمر بشيء فقالوا: لو كَرِهَ الله ( عز وجل) ذلك لنهاك كما نهاك أولاد فأخذ يدعو على
موسى (عليه السلام)، فرد الله ( عز وجل) ، لسانه بالدعاء على قومه، فأخذ يدعو بالفتح لقومه، فرد الله، ( عز وجل) ، لسانه بالدعاء بالفتح لموسى (عليه السلام)، وقومه، فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا قال: ما يجري لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه ما استديب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم: إن الله ( عز وجل) ، يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا بالزنا هلكوا، فأَخْرِجوا النساء يستقبلنهم، فإ، هم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، وكان للمك ابنة ذات جمال، فقيل لها: لا تُمَكِّنِي نفسك إلا من موسى! قال: ووقعوا في الزنا، وأتاها رأسُ سبطٍ من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسها، فقالت: ما أنا بمُمَكِّنةٍ نفسي إلا من موسى! وروادها عن نفسها، فأرسلت إلى أبيها فقال لها: أَمْكِنيه (من نفسك)، فلما أمْكَنَتْهُ، أتاها رجل من بني هارون معه رُمْحٌ فانتظمها جميعاً، فرفعهما على رمحه.
فرآهما الناس ثم سلط الله ( عز وجل) ، عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً.
قال سيّار: ركب بلعام حمارة له، فجعل يضربها فلا تتقدم.
قال: وقامت عليه، وقالت: عَلاَمَ تضربني؟ ألا ترا هذا الذي بين يديك! أنطق الله، ( عز وجل) ، الحمارة، قال: فإذا الشيطان بين يديه.
قال: فنزل فسجد له، فذلك أنْسِلاخُهُ.
وَرُوي أنه لما دعا موسى (عليه السلام)، تلكم لسانه بالدعاء على قومه، ثم اندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: ذَهَبْت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، وسأمكر لكم وأحتال: جَمِّلوا النساء، وأعْطُوهنَّ السِّلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر، ومُرُهُنَّ ألا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنَّهم إن زنى رجل واحد منهم كُفِتُمُوهُمْ؛ فوقع رجل من عظماء بني إسرائيل بامرأة، فأرسل الله (عزو جل)، الطاعو فيهم، فهلك منهم سبعون ألفاً.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب﴾.
أي: مثله، إذ لم ينتفع بما أُوتي مثل/ الكلب الذي لا ينتفع بترك الحمل عليه، هو يلهث على كل حال.
فكذلك هذا، هو ضال على كل حال، لا ينتفع بما أوتي من الآيات، كما لم ينتفع الكلب بترك الحمل عليه.
وقيل: إن هذا مثل من يتلو كتاب، كالله ( عز وجل) ، ولا يعمل به، هو مثل الكلب لا ينتفع بترك الحمل عليه، ولا يترك اللهث.
كذلك هذا لا ينتفع بقراءة كتاب الله (عز وجل)، فيعمل.
هو مثل من لا يقرأه ولا يعمل به.
ومعنى ﴿تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾.
تطرده وتشرده، فهو يلهث طردته [أو تركته].
وكان الحسن يقول: هو المنافق.
قال قتادة: هُوْ مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله ( عز وجل) ، لكل من عُرِضَ عليه الهدى فَلَمْ يَقْبَلَهْ.
قال السدي وغيره: كان بَلْعَم، بعد ذلك، يلهث كما يلهث الكلب.
قوله: ﴿واتبع هَوَاهُ﴾، وقف.
﴿أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾، وقف.
ثم قال تعالى: ﴿ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
أي: ذلك المثل الذي ضربتُه لهذا الذي انسلخ من آياتنا ﴿مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
﴿فاقصص القصص﴾.
أي: اقصص عليهم هذا القصص الذي اقتصصته عليك من نبأ آتيناه
[آياتنا]، (وما حل به من عقوبتنا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: يعتبرون فيعلموا صحة نُبُوَّتِكَ، إذْ كان نبأَ ﴿الذيءَاتَيْنَاهُءَايَاتِنَا﴾)، من خَفْي عُلُومِهِمْ، ومَكْنون أَخْبَارَهِمْ، لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها.
وفي أخبارك ذلك لهم وأنت أُمِّيٌّ لم تقرأ ولم تدرس، دَليلٌ على نُبُوتَّك، وصدق قولك، وأنَّ ذلك عندك بِوَحْيٍ مِنَ السَّمَاءِ.
قوله: ﴿سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾، إلى قوله: ﴿هُمُ الغافلون﴾.
قال الأخفش: التقدير: سَاءَ مثلاً مَثَلَ القوم.
وقرأ الجُحْدَرِيُّ: " سَاءَ مَثَلُ القَوْمِ "، برفع " المثل "، وإضافته إلى " القوم ".
وقوله: ﴿مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدي﴾،
أي: من يوفقه الله ( عز وجل) ، إلى الإسلام ﴿فَهُوَ المهتدي وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون﴾، أي: من يخذله فلا يوفقه إلى الإسلام فهو خاسر، أي: خسر نفسه في الآخرة، وذلك أعظم الخسارة.
روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ما هلكت أُمَّةٌ قطُّ إلا بالشرك بالله، (سبحانه)، وما أشرَكَتْ أمة قط حَتَّى يَكُونَ بَدءُ شركها التَّكذِيبَ بِالقدَرِ ".
وروى زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله ( عز وجل) ، لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وأرضه لَعَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمْ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كانت رَحْمَتُهُ خَيْراً لَهُمْ مِنْ أَعْمَالهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً فِي سَبِيل الله ما قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِن بِالقَدَرِ، وتعلم أنَّ ما أًصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، فَإِنْ مِتّ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارِ ".
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾.
﴿ذَرَأْنَا﴾، أي: خلقنا.
قال سعيد بن جبير: أولاد الزَّنا مما خلق الله، (سبحاه)، لجهنم.
يعني: الكفرة منهم.
رواه [ابن عمر] عن النبي ( صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " لَمَّا ذَرَأَ اللهِ لِجَهَنَّمِ مَا ذَرَأ، كان وَلَدِ الزِّنا ممَّا ذَرَأ ".
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾.
أي: لهؤلاء الذين ذرأ لجهنم، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الهدى.
أي: لا يفقهون [بها] شيئاً من أمر الآخرة.
﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾، الهدى.
﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾، الحق.
وقيل: ﴿لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، أي: لا يتفكرون في آيات الله، (سبحانه) / وأدلته، (جلت عظمته) على توحيده، وحججه التي أتت بها الرسل، ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ آيات الله، (سبحانه، وأدلته جلت عظمته)، ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾، أي: لا يسمعون آيات الله، (سبحانه) فيعتبرون.
يقولون: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: 26].
وهو نظير قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171].
﴿أولئك كالأنعام﴾.
في جهلهم وقلة تمييزهم للحق.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾.
يعني أن البهائم لا تميْيزَ لها، يلزمها نقص في جهل.
وهؤلاء لهم تمييز، فالنقص له لازم في جهلهم.
فهم أشَدُّ نَقْصاً في الجهل من البهائم.
والبهائم مع عدم تمييزها تطلب لأنْفُسِهَا المنافع، وتفر من المضار، وهؤلاء لا يعقلون ذلك، يتركون ما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم، ويلزمون ما فيه مضرتهم، فه أضل من البهائم.
﴿أولئك هُمُ الغافلون﴾.
أي: الذين غَفَلُوا عن مصالحهم ومنافعهم، وَغَفَلُوا عن آيات الله، (سبحانه)، وحججه وأعلامه الدالة على توحيده (سبحانه)، وَصِدْق رُسُلِهِ.
قوله: ﴿وَللَّهِ الأسمآء الحسنى فادعوه﴾، الآية.
" الإلْحَادُ " في اللغة: الجَوْرُ والميل عن القصد.
قال الكسائي: يقال: " أَلْحَدَ ": عدل عن القصد.
و " لحَدَ ": رَكَنَ إلى الشيء.
وعلى ذلك قرأ ﴿يُلْحِدُونَ﴾ في " النحل "، [يعني]: يَرْكنُونَ.
واللغة الفصيحة، " أَلْحَدَ " الرجل في دينه: إذا مال وجار.
و " لَحَدَ " القبر.
وقد تدخل [كل) واحدة منهما على الأخرى.
ومعنى: ﴿وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ﴾.
قال بعض العلماء: هو نهي من الله، ( عز وجل) ، أنْ يُدْعى بِمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُوْصَفَ بِهِ، وذلك أنهم عدلوا بأسمائه فسموا ببعض اشتقاقها وبعض حروفها آلهتهم.
قالوا: " اللات " مشتق من الله " الله ". وسموا بـ: " العزى "، أخذوه من " العزيز ".
قال مجاهد: أخذوا " العُزَّى " من " العِزَّة ".
قال ابن عباس ﴿يُلْحِدُونَ﴾: يكذبون.
وقال قتادة: يشركون.
وقال ابن زيد: هذا مَنْسُوخٌ نسخه القتال.
وقيل: إنَّ هذا مُحْكَمُ، وإنما هو تَهْدِيدٌ وَوَعيدٌ من الله ( عز وجل) ، لا أنه (تعالى)، أمر نبيه (عليه السلام)، أن يتركهم يلحدون في آيات الله ( عز وجل) ، وهو مثل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3].
قوله: ﴿فادعوه بِهَا﴾، وقف.
﴿في أَسْمَآئِهِ﴾، وقف.
قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾، إلى قوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾.
والمعنى: ومن الذين خلقناهم ﴿أُمَّةٌ﴾، أي: جماعة يقْضُون {بالحق وَبِهِ
يَعْدِلُونَ}، أي: يأخذون به، ويعطون به.
قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله، (عليه السلام)، قال: " هذه أمتي ".
وقال قتادة: هي هذه الأمة.
وروى سعيد بن جبير [عن قتادة) أن النبي ( صلى الله عليه وسلم، كان يقول إذا قرأ هذه الآية: هَذِهِ لَكُمْ، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، يعني قوله: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159].
ثم قال تعالى: ﴿والذين كَذَّبُواْ بآياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾.
أي: سَنُمْهِلُهُمْ بغرتهم، ونُزَيِّنُ لهم سوء أعمالهم، حتى يحسب أنه في كفره
مُحْسِنٌ فإذا بلغ الغاية الت كتبت له، أُخذ بأعماله السيئة من حي لا يعلم.
وأصل " الاسْتِدْرَاجِ ": اغترار المستدرج بلُطْفٍ حتى يورّطه مكروهاً وَهَلَكَةً.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
أي: وأؤخرهم مدة من الدهر.
و" المَلاَوةُ ": القطعة من الدهر، يقال بضم " الميم " وفتحها وكسرها، لغات فيها.
﴿إِنَّ كَيْدِي﴾، أي: إنَّ عذابي.
﴿مَتِينٌ﴾، أي: شَديدٌ.
وقيل: " الكَيْدُ " هنا: هو أخذهم من حيث لا يشعرون.
وأصل " الكَيْدُ ": المكر.
وقرأ ابن عباس: " أَنَّ كَيْدِي "، بفتح الهمزة، جعل " أَنَّ ": مفعولاً من أجله، أي: من أجل أنّ الكيد متين وقع الإملاء.
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، وقف.
﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، وقف.
إن جعلت ﴿وَأُمْلِي﴾ مُسْتَأْنفاً.
ثم قالت تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾.
أي: يتفكروا في أَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ، وأَنَّ الحَقَّ/ ما دعاهم إليه.
ثم قال: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾.
قال قتادة: ذكر لنا [أن] النبي (عليه السلام)، كان على الصفا، فدعا قريشاً وجعل يُفَخِّذُهم فَخِذاً [فَخِذاً]: " يا بني فلان، يا بني فلان "، يحُذِّرُهُمْ بأس الله ( عز وجل) ، ووقائع الله، (تبارك وتعالى)، فقال قائلهم: " إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لَمَجْنُونٌ! بَاتَ يُصَوِّتُ إلَى الصَّبَاحِ "، (فأنزل الله، عز وجل) ،: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾،
أي: ينذركم عقاب الله، ( عز وجل) ، على كفركم.
﴿مُّبِينٌ﴾.
أي: قد أبانَ لكم إنذارهُ.
و: ﴿مِّن جِنَّةٍ﴾.
أي: من جنون.
ومثلهُ في سورة " سبأ ".
﴿مِّن جِنَّةٍ﴾، وقف.
﴿تَتَفَكَّرُواْ﴾، وقف حسن، ومثله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: 8]، ومثله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ﴾ [سبأ: 46] في " سبأ ". ثم يتبدئ بـ: ﴿مَا﴾، وهي: للنَّفِيْ في الثلاثة المواضع.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السماوات والأرض وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ﴾.
والمعنى: أولم ينظر هؤلاء المكذبون، في ملك السموات والأرض وسلطانها، وفيما خلق الله، ( عز وجل) ، فيتدبروا، فيعلمون أنّ ذلك لا يحدثه إلا رب واحد، والله واحدٌ لا شبيه له، فيؤمنوا ويصدقوا، ويتفركوا في: ﴿وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ﴾، فيحذروا أن يموتوا على كفرهم فيصيروا إلى عذاب الله، (سبحانه).
وقيل: إنهم كذبوا يُسَوِّفون بالتوبة والإيمان، فقيل لهم: عسى أن يكون أجلكم قد قرب، فتموتوا على كفركم.
قال سفيان: ﴿مَلَكُوتَ السماوات﴾ [الأنعام: 75]: الشمس والقمر.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: فبأي تخويف بعد تخويف محمد، ( صلى الله عليه وسلم) ، الذي أتاهم به من عند الله ( عز وجل) ، في آي كتابه ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، وهو القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾.
أي: هؤلاء الذين كفروا ولم يتعظوا، إنما كان لإضلال الله، ( عز وجل) ، إياهم، ولو هداهم لا عتبروا وأبصروا رشدهم، فلا هادي لهم إذ أضلهم الله.
وقوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾.
من قرأ بـ " الياء "، رده على اسم الله، (سبحانه).
ومن قرأ بـ: " النُّونِ "، جعله على الإخبار من الله، (سبحانه)، عن نفسه.
ومن قرأ بـ: " الرفع " قَطَعَهُ مما قبله، أو عطفه على مضع ما بعد " الفَاءِ " وهو الرفع؛ لأن " الفَاءَ " ترفع ما بدها من الأفعال.
ومن جَزَمَ، عطف على موضع " الفَاءِ "، لأنه لو وقع موضع " الفَاءِ " فِعْلٌ جُزِمَ على الجَزَاءِ، فالعطف على موضع " الفَاءِ " يُوْجِبُ الجَزْمَ.
ومعنى ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾، أي: ندعهم، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾، أي: في تماديهم
على الكفر، ﴿يَعْمَهُونَ﴾، يترددون ويَتَحيَّرونَ.
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، الآية.
﴿مرساها﴾: مبتدأ، و ﴿أَيَّانَ﴾: الخبر.
والمعنى على قول قتادة: أن قريشاً قالت للنبي (صلى الله عليه السلام)، إنَّ بيننا وبينك قرابة، فأسِرّ إلينا متى الساعة! فنزلت الآية.
وقال ابن عباس: أتى قوم من اليهود إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم) ، فقالوا له: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً؟ أي: متى قيامها؟
و ﴿مرساها﴾ من: أَرْسَيْتُ، إذ أثبت.
يقال: رست: إذا ثبت.
وأرسيتها:
أثبتها.
قال الله، ( عز وجل) ، لنبيه (عليه السلام)، ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا﴾، أي: [لا] يظهرها ويقيمها لوقتها إلا الله، ( عز وجل) . / يقال: جَلَّى فلان الأمر، إذَا كَشَفَهُ وَأَوْضَحَهُ وَأَظْهَرَهُ.
﴿ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض﴾.
أي: ثقل على أهل السموات والأرض أن يَعْلَمُوا وَقْتَ قِيَامِهَأ.
قال السدي: المعنى: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها مَلَكٌ مُقَرَّب وَلاَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ.
وقيل المعنى: ثقل علمها عليهم.
وقيل: المعنى: كَبُرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض.
قاله الحسن.
وقال ابن جريج: ﴿ثَقُلَتْ﴾، معناه: إذا جاءت انشقت السماء، وانتشرت الكواكب، وكُوِّرت الشمس، وسيِّرت الجبال، وكان ما قال الله، ( عز وجل) . فذلك ثِقَلُها.
وحكى السدي عن بعض العلماء: ﴿ثَقُلَتْ﴾: عَظُمَتْ.
وقيل المعنى: ﴿ثَقُلَتْ﴾ المسألة عنها.
وقال القُتَيْبِي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، أي: خَفِيَ.
وَإِذَا خَفِيَ الشَّيْءُ ثَقُلَ.
﴿لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾.
أي: فجأة.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن نبي الله [عليه السلام]، كان يقول: " إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ النَّاسَ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضِهُ، والرَّجُلَ يَسْقِي مَا شِيَتَهُ، والرَّجُل يُقِيمُ سِلْعَتَهُ في السُّوْقِ، وَيَخْفِضُ مِيزَانُهُ وَيَرْفَعُهُ ".
وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " تَقُوْمُ السَّاعَةُ والرَّجُلاَنِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يبيعانه فما يطويانه حتى تقوم الساعة، وتقوم الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فِيهِ فما تصل إلى فِيهِ حتى قوم الساعة ".
ثم قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.
أي: يسألونك عنها ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بهم، أي: فرحٌ بسؤالهم.
وقال ابن عباس: ﴿كَأَنَّكَ﴾ بينك وبينهم مودة، أي: ﴿كَأَنَّكَ﴾ صديق لهم.
قال قتادة: قالوا له: نحن أقرباؤك، فأسِرَّ لنا متى (تقوم) الساعة؟ فأنزل الله، تعالى، ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، (أي): بههم.
وقيل: إنَّ الكَلاَمَ لاَ تَقْدِيمَ فِيهِ وَلاَ تَأْخِيرَ.
والمعنى: يسئلونك ﴿كَأَنَّكَ﴾ استحفيت المسألة فعلمتها.
قال مجاهد.
وقال الضحاك: ﴿كَأَنَّكَ﴾ عالم بها.
ف " عن " في مَوضِعِ " الباء ". كما جاز أن تقع " الباءُ " في موضع " عَنْ " في
قوله: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59]، أي: عنه.
وقيل المعنى: ﴿كَأَنَّكَ﴾ فَرِحٌ بسؤالهم.
يقال: حفيت بفلان في المسألة، إذا سألته عنه سؤالاً أظهرت فيه المحبة.
وأحفى فلان بفلان في المسألة، تأويله الكثرة.
ويقال: حفى الدابة يحفى حفىً مقصورٌ، إذا أكثرت عليه المشي حتى حفى أسفل رجله.
والحَفَاءُ، ممدود: مشي الرَّجُل بغير نعل.
وقدره المبرد: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ﴾ بالمسألة ﴿عَنْهَا﴾، أي: مُلْحّ، ومكثر السؤال عنها.
وقوله ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾.
أي: علم وقوعها.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾،.
أي: علم كنهها وحقيقتها.
ف " العِلْمَانِ ": مختلفان، وليس ذلك بتكرير.
وقرأ ابن عباس: " حَفيٌّ بِهَا ".
﴿إِلاَّ هُوَ﴾، وقف.
﴿عَنْهَا﴾، وقف، على القولين جميعاً.
قوله: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾، إلى كقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
والمعنى: قل يا محمد، لسائليك عن الساعة: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ أن يملكنيه، بأن يُقوِّيني عليه، ويعينني، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب﴾، أي: أعلم ما هو كائن ﴿لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، أي: من العمل الصالح.
وقال ابن جريج: لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي: هدى ولا ضلالة، {وَلَوْ
كُنتُ أَعْلَمُ الغيب}، أي: متى أموت، لاستكثرت من العمل الصالح.
وقال مجاهد مثله.
وقال ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب﴾، أي: أعلم السَّنَةَ الجَدْبَة من الخصبة، لاستكثرت من الرُّخْصِ.
وقيل: ﴿[وَ] لَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب﴾، أي: مَا كَتَبَ الله.
وقيل: لو كنت أعلم ما تسرونه وما يقع بكم حتى تحذروا مكروهه أن تجيبوني إلى ما أدعوكم ﴿لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير﴾، أي: من إجابتكم إلى ما أدعوكم.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السوء﴾، منكم بتكذيب أو عداوة.
وقال الحسن ﴿مِنَ الخير﴾: من الوحي.
وقيل: المعنى: لو كنت أعلم النصر في الحرب لقاتلت فلم أُغلب.
وقيل: المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يُعَرِّفَنِيه لفعلت.
وهو اختيار النحاس.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السوء﴾، أي: الضر.
وقيل: ﴿وَمَا [مَسَّنِيَ]﴾ تكذيبكم وقولكم: مجنون.
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
يعني: آدم، [عليه السلام].
وجعل ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
يعني: حواء خلقت من ضِلْعٍ من (أَضْلاعِ) آدَمَ.
﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.
ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته.
﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾.
كناية عن الجِمَاعِ.
﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾.
يعني: الماء الذي حملته حواء من آدم، عليهما السلام.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾.
أي: استمرت به، قامت وقعدت، وأتممت الحَمْلَ.
وقيل: المعنى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، وجاءت لم ثقلها الحَمْلَ أولاً.
قال قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، إستبان حَمْلُها.
وقال مجاهد: [استمر] حَمْلُها.
وقيل معنى " فَمَرَّتْ بِهِ ": فشكَّت، أحملت أم لا؟ رُوِيَ ذلك عن ابن عباس، وقاله: يحيى بن يعمر.
ورُوي: أن البطن الذي ثقل عليها حمله، كان البطن التاسع، وكانت البطون التي قبله خفيفة عليها، فلما أثقلت بهذا البطن التاسع، مرَّ بِهَا إبليسُ فشكت إليه ثِقْل حملها، فقال لها، عدو الله، سَمِيّه: " عبد الحارث " يخف عليك ففعلت.
قال أبو حاتم المعنى: فاستمر بها الحمل، فَقُلِبَ الكَلاَمُ.
يقال: أدْخَلْتُ
الخُفَّ رجلي.
﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ﴾.
أي: صار حَمْلُها الخَفِيفَ ثَقِيلاً.
وقال السدي ﴿أَثْقَلَتْ﴾: كبر الولد.
﴿دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا﴾: يعني آدم وحواء.
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾.
أي: غلاماً.
قاله الحسن، ومعمر.
وقيل: إنهما أشفقا أن يكون الحمل غَيْرَ إِنْسانٍ، فسألا أن يكون إنساناً.
قال ابن عباس: إنهما أشفقا أن يكون بَهِيمَةً.
﴿فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً﴾.
أي: بشراً.
﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا﴾.
قال ابن جبير: جاءها إبليس فَخَوَّفَهَا أن يكون حَمْلُهَا بهيمة.
وقال: اطيعيني وَسَمِّيهِ: " عبد الحارث " تلدين شبَهكما، فذكرت ذلك لآدم، فقال: هو صاحبنا الذي علمت: فمات الولد، ثم حملت آخرى، فعاد إليها إبليس بمثل ذلك، وكن الملعون اسمه في الملائكة: " الحارث ". وقال لها: أنا قتلت الأول، فكرت ذلك لآدم (عليه السلام)، فأبى.
ثم حملت ثالثاً، وعاد إليها إبليس بمثل الأول، فذكر ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمَه: " عبد الحارث ".
قال ابن جبير: لم يكن إلا أن أصابها آدم فحملت، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها.
وذلك كله بعد أن أُهْبِطَا إلى الأرض.
وقول آدم: هو صاحبنا، يعني: هو الذي أخرجنا من الجنة.
قال السدي: لما حملت أتاها إبليس فخوفها أن يكون بهيمة، فعند ذلك
﴿دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾.
ومن قرأ ﴿شُرَكَآءَ﴾، فقد منعه الأخفش، وقال: كان يجب أن يقرأ على هذه القراءة: جعلا لغيره شِرْكاً، وهو إبليس؛ لأن الأصل له، والشرك لغيره، فإنما جعلا لغيره الشرك.
والقراءة عند غيره جائزة، ومعناها: جَعَلاَ لَهُ ذَا شِرْكٍ، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82]، فالشرك على هذه لإبليس، وهو المضاف المحذوف.
و" الشرك " مصدر: شَرِكْتُهُ في الأمر.
ومن قرأ ﴿شُرَكَآءَ﴾: جعله جمع شريك.
وإنَّما جاءت بالجمع وهو واحد،
إذ المراد به: إبليس ومعه تُّباعٌ؛ لأن له جنوداً وشياطين معه، فإذا جعل هو شريك، فحكمهم حكمه، فخرج الخبر عن جميعهم.
/وقيل: إنما ذلك؛ لأن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إِذَا لَمْ تَقْصِدْ وَاحِداً بِعَيْنِهِ، وَلَمْ تُسَمْهِ، نحو قوله: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: 173]، وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ.
روى سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " كانت حواء لا يعيش لها
ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسميه: " عبد الحارث " فعاش لها ولد، فسمته " عبد الحارث "، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان ".
وقال بكر بن عبد الله: سمى آدم ولده عبد الشيطان.
قال عكرمة: كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان وقال لهما: إِنْ سَرَّكُما أن يعيش لكما ولد فسمياه: " عبد الحارث ". ففعلا، فذلك قوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ﴾.
قال ابن جبير: لما أثقلت حواء في أول ولد ولدته، أتاها إبليس قبل أن تلد فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري قال: أرأيت إن خرج سليماً، أتطيعني أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم! قال: سَمِّيهِ " عبد الحارث "، فأتت آدم فأعلمته، فقال له: ذلك الشيطان فاحذريه، فإنه عدنا الذي أخرجنا من الجنة! ثم