الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 3198-3238
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 3198-3238
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

يريد حذيفة أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إسلامهم.
قوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾ الآية.
والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة، وهم جلوس عند النبي عليه السلام، فكان فيها إظهار سرهم ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾، هل رآكم أحد إذ قلتم وتناجيتم، ثم قاموا فانصروا ولم يسمعوا قراءته.
وقيل: المعنى: إذا ما أُنزلت سورة فيها أسرارهم، ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ﴾، أحد إن قمتم، فإن قالوا: نعم، قاموا ولم يسمعوا القرآن.
﴿صَرَفَ الله قُلُوبَهُم﴾، أي: عن الخير والتوفيق، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾، أي: لا يفقهون عن الله، عز وجل، مواعظة، استنكاراً ونفاقاً.
وقد كره ابن عباس: أن يقال: " انصرفنا من الصلاة "، قال: لا يقال ذلك، فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: " قد قضينا الصلاة ".

وقيل عنه: ولكن قولوا: " قد صلينا ". ومعنى: ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ﴾: [قال بعضهم إلى بعض]، ولذلك قال: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾، ولو كان من نظر العين لم يؤت بـ: " هل " بعده.
وقيل: النظر هنا، إنما النظر الذي يجلب الاستفهام، كقولك: " قد تناظروا أيهم أعلم "، و " أجتمعوا أيهم أفقه "، أي: لينظر أيهم أفقه.
قوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، إلى آخر السورة.
المعنى: لقد جاءكم، / أيها المؤمنون وأيها العرب، ﴿رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، أي: تعرفونه، لا من غيركم فتتهموه في النصيحة لكم.

وقيل معنى ﴿أَنفُسِكُمْ﴾ بشر مثلكم.
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾.
أي: ما عنتكم، أي: ما أدخل عليكم المشقة.
وأصل " النعت ": الهلاك.

وقيل معنى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: عزيز عليه أن تدخلوا النار، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أن تدخلوا الجنة.
وقيل معنى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: حريص على هدى ضُلاَّلِكُم وتوبتهم.
وقال قتادة: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: عزيز عليه عَنَت مؤمنيكم.
وقال ابن عباس ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾: ما ضللتم.
وقال قتادة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: حريص على هُدَى ضُلاَّلِكُم.
وهذا مخاطبة لأهل مكة.

﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾.
أي: إن تولى هؤلاء يا محمد، عن الإيمان، ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ الله﴾، أي: يكفيني الله، ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ﴾.
قال أبيُّ بن كعب: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾، إلى آخر السورة.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، وقف تام عند الأخفش، لأن هذا مخاطبة لأهل مكة، وقوله: ﴿بالمؤمنين رَءُوفٌ (رَّحِيمٌ)﴾، لكل المؤمنين.

/ بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما السفر الثالث من سورة يونس إلى سورة مريم وبالله التوفيق ولا رب سواه]

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

عليه السلام مكية

قال ابن عباس: ﴿الر﴾: أنا الله أرى.
وروي عنه أنه أنا الله الرحمن.
وعنه أيضاً: " ألر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة.
وهو قول سالم بن عبد الله، وابن جبير، وهو اختيار الزجاج.

وقال قتادة: " هو اسم من أسماء القرآن ". وقال عكرمة والحسن: هو قسم.
وروي عن قتادة أنه قال: اسم للسورة.
وقال مجاهد: هو فواتح السور.

وقيل: هي تنبيه.
وهو اختيار الطبراني.
وقال بعض المتأخرين من أهل النظر: هذه الفواتح لا نعلم لها تأويلاً، ولا صح عن النبي عليه السلام، ولا اتفقت الأُمة على تفسيرها.
والذي نعتقده في ذلك أنّا إنما كلفنا تلاوة تنزيلها، ولم نكلف معرفة تأويلها.
(ولا يعرف تأويلها) من جهة العقل.
قال أبو محمد رضي الله عنهـ: وهذا القول يلزم قائله أن يكون مثله في كل آية مشكلة لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها تأويل، ولا اتفقت الأُمة على تأويلها، فيعطل معرفة أكثر القرآن، ويقول: إنما كلفنا التلاوة لا غير.
وأكثر ذلك في الأحكام يقع، فيعطل أحكاماً كثيرة على مذهبه (وكيف) يكون ذلك؟ وهل أنزله الله إلا لنعلم تأويله،

ونتدبره كما قال: ﴿ليدبروا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29].
قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب﴾ " أي: تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب ". (وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب).
وقال مجاهد: معنى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب﴾ يعني: آيات التوراة والإنجيل، وكذلك قال قتادة.
وعن مجاهد: ﴿آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ يعني آيات القرآن.
وهو اختيار الطبري: قال: لأنه لم يجر للتوراة، والإنجيل ذكر قبل هذا.
و (الآيات): العلامات.
و (الكتاب): " اسم من أسماء القرآن.
و (الحكيم) معناه: المحكم عند أبي عبيدة وغيره.

قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (أكان): (الألف) ألف استفهام، معناه: التوبيخ، والتقرير، والإنكار لتعجبهم من بعث الله عز وجل رجلاً منهم، رسولاً إليهم.
والمعنى: ليس بعجب قد علمتم أن الرسل من قبلكم كانت من بني آدم، ولم تكن ملائكة.
إنما تأتي الملائكة إلى الرسل بأمر الله ونهيه (سبحانه) وتأتيهم في صورة بني آدم.
إذ لا يحتمل بنو آدم معاينة الملائكة.
وقرأ ابن مسعود: (أكان للناس عجب) بالرفع جعل " أن أوحينا " في

موضع نصب.
وهو بعيد، لأن المصدر معرفة.
فهو أحق أن يكون اسم (كان) (و) (عجباً): الخبر، لأنه نكرة.
ورفع " عجباً " على اسم " كان " جائز على (ما) بعده.
(و) اللام في " الناس " متعلقة بـ " عجب "، لا تتعلق بـ " كان ". ومعنى الآية: أن الله، جلّ ذكره، لما بعث محمداً رسولاً أنكر جماعة من العرب ذلك، وقالوا: (الله) أعظم من أن يبعث بشراً رسولاً.
فأنزل الله ( عز وجل) : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس﴾، ونزل / ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: 109] هذا قول ابن عباس.
وقال ابن جريج: عجبت قريش أن بعث رجلاً منهم، فنزل

ذلك.
وروري أن أهل مكة قالوا: لم يجد الله رسولاً إلا يتيم أبي طالب فأنزل الله ( عز وجل) ذلك.
فالناس هنا: أهل مكة.
وهذه الآية فيها ضروب من أخبار: ابتدأ تعالى بعجب، ثم أخبر بالشيء الذي يوجب العجب عندهم، وهو الوحي، ثم أخبر عمن أنزل عليه ذلك الوحي، ثم أخبر بالشيء الموحى ما هو.
وهو الإنذار، ثم أخبر بالبشارة للمؤمنين وأخبر بالمبَشر به ما هو؟ وهو: كون القدم الصدق للمؤمنين عند ربهم، ثم أخبر بجواب الكافرين عن ذلك: (كل ذلك) في آية واحدة.
ومعنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: قال الضحاك: " ثواب صدق ". وقال

مجاهد: " الأعمال الصالحة "، وهو اختيار الطبري.
وقال ابن عباس " أجراً حسناً (بما) قدموا من (صالح) أعمالهم.
وعن ابن عباس: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾: ما تقدم لهم من السعادة في اللوح المحفوظ.
وقال قتادة، والحسن، وزيد بن أسلم: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ وهو محمد، صلى الله عليه وسلم، شفيع لهم.
وعن الحسن أنه قال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ هو: مصيبتهم في نبيهم صلى الله عليه وسلم.
والقدم في اللغة على أربعة أوجه: قدم الإنسان مؤنثة، والقدم السابقة: العمل الصالح مؤنثة أيضاً، والقدم: الشجاع مذكر، والقدم المتقدم: مذكر أيضاً.

وفي الحديث: " إنَّ جَهَنَّمَ لا تَسْكن حَتّى يَضَع الجبَار فيها قَدَمهُ " وفي (رواية) أخرى: " حَتّى يَضَع الله فِيها قَدَمَهُ ". قال الحسن: معناه يجعل (الله) فيها الذين قدَّمهم لها.
فهم قدم الله عز وجل إلى النار، والمؤمنون قدمه إلى الجنة.
ومن رواه: (حَتَّى يَضَع الجبار فيها قدمه) فمعناه (مثل) ما ذكرنا، أن جعلت الجبار اسماً لله ( عز وجل) . وقيل " الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله (سبحانه).
فالمعنى: حتى يضع الجبارون على الله (سبحانه) فيها أقدامهم.
أي: حتى يدخلوها.
(فعند ذلك تقول جهنم: قط قط) أي: كفى كفى.

وفي هذا الحديث اختلاف روايات بألفاظ مختلفة، لكنا (قد) فسرنا موضع الإشكال منه .. ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾: وقف حسن عند أبي حاتم والأخفش.
وقال: تفسيرهما ليس بتمام حسن؛ لأن ﴿قَالَ الكافرون﴾ جواب لما قبله.
ومن قرأ " لساحر " فمعناه: هذا النذير لساحر.
يعنون النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن قرأ " لسحر " فمعناه: هذا الذي انذرنا به سحر، يعنون القرآن.

والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد، لأنهم إذا جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم ساحراً فقد أخبروا أنه أتاهم بالسحر، وهو القرآن.
وإذا جعلوا القرآن سحراً فقد أخبروا أن الذي أتاهم به ساحر.
إذ السحر لا يكون من ساحر.
والساحر لا يسمى بهذا الاسم حتى يأتي بالسحر، ويعرف منه ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾.
والمعنى: إن الذي تجب له العبادة الله الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام /. ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ " مدبراً للأمور، قاضياً في خلقه ما أحب ". ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾: أي: لا يشفع شافع يوم القيامة في أحد إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة كما قال: ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255] وكما قال: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23].
وكذلك ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28]

﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ أي: هذا الذي هذه صفته مولاكم فاعبدوه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾: أي: " تتعظون جميعاً، وتعتبرون بهذه الآيات والحجج.
قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً﴾ إلى قوله ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعْدَ الله﴾: مصدر، والمعنى: وعدكم (الله) أن يحييكم بعد مماتكم (وعداً حقاً) عند سيبويه بمعنى: وعد الله في حق، فلما حذف حرف الجر نصب، والمعنى: إليه معادكم جميعاً.
وقرأ أبو جعفر يزيد " أنه " بفتح الهمزة: وهي في موضع نصب بمعنى لأنه يبدأ، (مثل) لبيك إن الحمد والنعمة لك (لا شريك لك).

وقال أبو حاتم: هي نصب بـ " وعد ". أي: وعد الله أنه يبدأ الخلق.
وقال الفراء: موضعها رفع بحق كأنه قال: حقاً ابتداؤه.
ومن كسر (إن) وقف على حقاً)، ومن فتح لم يقف على (حقاً).
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق﴾ أي: انشأناه قبل أن لم يكن شيئاً ثم يميته، ثم يعيده في الآخرة كهيئته.
﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط﴾ أي: ليثبت المؤمنين على أعمالهم بالعدل والإنصاف.

ثم أخبر بما أعد للكفار لتجتمع الأخبار عما أعد (الله عز وجل) للفريقين فقال: ﴿والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾: وهو الذي قد تناهى في الحر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه ليتساقط من أحدهم حين يدنيه منه فروة رأسه ". وأصل الحميم محموم: فهو " فعيل " في موضع " مفعول ". ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ولهم عذاب مؤلم بكفرهم.
(ثم) قال تعالى: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً﴾ من قرأ " ضياءً " (بهمزة) متطرفة فهو الأصل، لأنه من الضوء.
فالهمزة لام الفعل، والياء في " ضياء " بدل من واو

لانكسار ما قبلها.
ومن همز موضع الياء فإنما يجوز على القلب، وذلكأن تقلب الهمزة التي هي لام (الفعل) في موضع الياء التي هي عين.
فتصير الياء بعد ألف متطرفة.
فتنقلب همزة فيصير وزنه " فلاعاً ". وقوله: " منازل " منصوب على حذف المضاف.
والمعنى: وقدره منازل.
(و) قيل: المعنى وقدر له منازل، ثم حذف اللام، وعدى الفعل كما قال: ﴿كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3].
والمعنى: إن ربكم الله ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ [يونس: 3]، ثم فعل كذا ﴿هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ أي: قدر القمر منازل.
لا يقصر دونها، ولا يجاوزها يكون كل ليلة بمنزلة من المجوم، وذلك في ثمانية وعشرون منزلاً في كل شهر، وهو قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39].

﴿لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب﴾ أي: فعل ذلك كي تعلموا عدد السنين، أي: دخولها، وخروجها، وحسابها.
﴿مَا خَلَقَ الله ذلك﴾ أي: ما خلق الله الشمس والقمر والسماوات والأرضين ﴿بالحق﴾.
ومن قرأ " يفصل " بالياء رده على ذكر الله لقربه منه، فأسندالفعل إليه بلفظة التوحيد.
ومن قرأ بالنون أجراه مجرى ما أتى في القرآن بلفظ الجميع، من/ " فصلنا، ونفصل " وذلك كثير.
ومعنى (نفصل الآيات): نبين الحجج، والأدلة لقوم يعلمون.
﴿ذلك إِلاَّ بالحق﴾: وقف لمن قرأ بالنون.

ومن (قرأ) بالياء لم يقف عليه، لأن الفعل مسند إلى الاسم المذكور المتقدم.
قوله: ﴿إِنَّ فِي اختلاف اليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض﴾ إلى قوله: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ والمعنى: إن في ذهاب الليل، ومجيء النهار، وذهاب النهار، ومجيء الليل، وإحداث كل واحد منهما بعد ذهابه، واضمحلاله لعلامات ﴿لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾: على الوحدانية والقدرة.
ويشير إليها، ويخبر عنها: فالصامت لا يقدر على النطق، لأن مسكتاً أسكته، وهو الله (سبحانه)، والناطق لا يعجز عن النطق، لأن منطقاً أنطقه، وهو الله ( عز وجل) ، والمتحرك لا يعجز عن الحركة، لأن محركاً حركه، وهو الله ( عز وجل) : فكلٌ فيه دليل على الوحدانية والقدرة والملك.
﴿وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض﴾ معناه: من النجوم والشمس والقمر والجبال والشجر وغير ذلك.
(لآيات) أي: لحجج وعلامات على توحيد الله (جلت عظمته).

﴿لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾: وهذه الآية تنبيه من الله عز وجل لعباده (على توحيده) وربوبيته.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي: لا يخافون الحساب والبعث.
تقول العرب: " فلان لا يرجو فلاناً " أي: لا يخافه، ومنه قوله: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: 13]: أي تخافون.
وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد.
وقال غيره: بل يقع بمعنى الخوف في كل موضع دل عليه المعنى.
قوله: ﴿وَرَضُواْ بالحياوة الدنيا﴾ أي: جعلوها عوضاً من الآخرة ﴿واطمأنوا بِهَا﴾ أي: سكنوا إليها.
﴿والذين هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ أي: عن أدلتنا وحجتنا معرضون، لاهون.
﴿أولئك مَأْوَاهُمُ النار﴾ أي: من هذه صفتكم مصيرهم إلى النار.
﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (في) الدنيا من الآثام.

قال قتادة: ﴿إِنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ - الآية - إذ شئت رأيته صاحب دنيا، لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط.
وقال ابن زيد: هم أهل الكفر.
قوله ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿العالمين﴾.
المعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعلموا بطاعة الله ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ أي: يرشدهم بإيمانهم إلى الجنة.
وقال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة يقول له: من أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ صدق.
فيقول (له): أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
والكافر بضد ذلك في الصورة

ينطلق به عمله حتى يدخله النار ". وقيل: المعنى يهديهم ربهم لدينه بإيمانهم به.
أي: من أجل تصديقهم هَدَاهم.
قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار فِي جَنَّاتِ النعيم﴾.
أي: في بساتين قد نعّم الله فيها أهل / طاعته.
ومعنى ﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾: من دونهم وبين أيديهم، وليس هو أنها تجري (من) تحت ما هم عليه جلوس من أرض ونحوها.
وهذا كما تقول: بلد كذا تحت بلد كذا.
أي: بجوارها وبين أيديها.
لا أنها تحتها: إحداهما فوق الأخرى.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم: 24].
ومعلوم أن السري ليس تحتها، إذ كان السري: الجدول، وإنما معناه: أنه جعله دونها، أي: بين يديها.
ومن هذا ما حكى

الله ( عز وجل) لنا من قول فرعون: ﴿وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي﴾ [الزخرف: 51] ومعلوم أن نيل مصر لم يكن تحته يجري، وهو عليه، وإنما كان (يجري) بجواره، وبين يديه ودونه.
ثم قال تعالى إخباراً عن أهل الجنة ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم﴾.
حكى سيبويه: الدعوى بمعنى الدعاء.
فالمعنى دعاؤهم في الجنة: سبحانك اللهم.
قال ابن جريج: وإذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم فيأتيهم الملك بما يشتهون فيسلم عليهم، فيردون عليه (السلام) فذلك قوله: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾.
فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم، فذلك قوله تعالى:

﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾.
والتحية: البقاء.
ومنه قوله: " التحيات لله "، والتحية أيضاً: الملك، والتحية هي استقبال الرجل بالمُحَيَّا: وهو الوجه بما يسره من الكلام.
وقيل: التحية في هذا بمعنى الحياة، أي: يُحيي بعضهم بعضاً.
إنهم يحيون ولا يموتون، ويسلمون من كل شيء يحذرون.
والسلام بمعنى السلامة.
وقيل: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ أي: تحيه بعضهم لبعض فها سلام.
أي: " سلمت وأمنت مما ابتلي به أهل النار ". وقيل: المعنى إن الله ( عز وجل) يحييهم بالسلام إكراماً منه (لهم).
وقال سفيان: إذا أرادوا الشيء قالوا: سبحانك اللهم، فيأتيهم ما

دعو (ا) به: ومعنى ﴿سُبْحَانَكَ اللهم﴾: تنزيهاً لك يا ألله مما أضاف إليك أهل الشرك من الكذب.
(وسئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن: سبحان الله، فقال: مفسراً تنزيهاً (لله) عن السوء).
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: هي كلمة رضيها الله ( عز وجل) لنفسه.
فسبحان الله: كلمة ينزه بها (الله عن كل) فعْل مذموم أو متهم.
(أللهم): وقف و (سلام): وقف.
ومذهب سيبويه في ﴿أَنِ الحمد للَّهِ﴾ أنها مخففة من الثقيلة، والمعنى: أنه الحمد لله رب العالمين).

وأجاز المبرد أن يعملها - وهي مخففة - عملها مشددة.
والرفع أقيس، لأنه قد زال منها شبه الفعل باللفظ لما خففت، ومن أعملها شبهها بالفعل الذي قد حذف منه وأعمل.
نحو: " لم يكُ ". وقرأ بلال بن أبي بُرْدَةَ: " أنَّ الحمدَ " بالتشديد، ونصب " الحمد ". قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير﴾ قوله: ﴿استعجالهم بالخير﴾ تقديره عند سيبويه: " تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير ثم حذف تعجيلاً، وأقام صفته (مقامه)، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه، وحكى " زيد: شرب الإبل " أي: يشرب شرباً مثل شرب الإبل.

وقال الأخفش والفراء: التقدير: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ﴾ الشر مثل استعجالهم / بالخير، ثم حذف المضاف.
ويلزمهما على هذا أن يجيزا.
زيد الأسَد فينصب " الأسَد " أي: مثل الأسَد.
وهذا لا يجيزه أحدٌ.
ومعنى الآية: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر - أي: فيما عليهم فيه مضرة في نفس، أو مال، أو ولد، وذلك عند الغضب - كما يستعجلون بالخير إذا دعوا في سؤالهم الرحمة، والرزق.
﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي: لماتوا.
قال مجاهد: هو قول الإنسان لولده، ولماله إذا غضب: اللهم لا تُبَارِكْ فِيهِ والْعَنْهُ ونحو ذلك، ولو عجل الله الإجابة فيه كما يريدون أن تستعجل لهم الإجابة في الخير إذا دَعَوا لأهلكهم.
وقد قيل: إن هذا إنما هو قولهم:

﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32].
فلو عجل لهم ذلك لهلكوا.
ثم قال تعالى: ﴿فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ (معناه): ندع الذين لا يخافون البعث، لا نُهْلِكُهُم إلى مدتهم، ولكن نذرهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: في ضلالهم يَتَحَيَّرُونْ.
وهو مثل قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً﴾ [آل عمران: 178]. قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً﴾.
قوله: ﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ أي مضطجِعاً، ف " لجنبه " في موضع الحال.
قوله: ﴿أَوْ قَاعِداً﴾ عطف عليه على المعنى، وقيل: المعنى وإذا مس الإنسان الضر على إحدى هذه الأحوال دعانا.
فالحال في القول الأول: من الضمير في ﴿دَعَانَا﴾ وفي القول الآخر: من (الإنسان).
والعامل في الحال " مسّ "، وفي القول الاخر: " دعا ".

وقيل: المعنى إذا مسه على إحدى هذه الأحوال دعانا على إحدى هذه الأحوال، فيكون في الكلام حذف ﴿لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً﴾ مرة أخرى، ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾: أي: استمر على طريقته التي كان عليها، قبل أن يمسّه الضر، ونسي ما كان فيه، كأنه ما أصابه ضر، وكأنه ما دعا، وما استجيب له، وما كشف عنه ضره، فعاد إلى شركه كأنه لم يدع الله عز وجل في ضر (مسه).
قوله: ﴿كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: أي: كما زين له استمراره على ما كان عليه قبل نزول الضُّر به، بعد كشف الله ( عز وجل) عنه، ﴿كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾: أي: للذين أسرفوا في العصيان، والكذب على الله عز وجل ورسوله، ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من معاصي الله تعالى.
﴿أَوْ قَآئِماً﴾: وقف، ﴿مَّسَّهُ﴾: وقف.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ إلى قوله ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾

معنى الآية: أنها تحذير للمشركين أن يصيبهم ما أصاب من كان قبلهم إذا أشركوا.
ومعنى ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾: لما أشركوا.
﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾: أي: من عند الله عز وجل بالحجج والبراهين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي: لم يكونوا ليوفِّقوا إلى الإيمان لِمَا تقدم في علم الله عز وجل منهم.
وقيل: المعنى ما كانوا ليؤمنوا جزاءً منه (لهم) على كفرهم طبع على قلوبهم، ودل على ذلك قوله: ﴿كذلك نَجْزِي القوم المجرمين﴾ أي: نطبع على قلوبهم، فلا يؤمنون جزاء بكفرهم.
وقيل: المعنى: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم بشركهم، كذلك أفعل بكم بشرككم، وتكذيبكم رسلكم إن أنتم لم / تتوبوا وتؤمنوا.
وقيل المعنى: ما كانوا ليؤمنوا جزاء بما كذبوا به أَوَّلاً بعد أن تبين لهم الحق، فكان ما ختم لهم به من ترك الإيمان عقوبة لهم على التكذيب أوَّلاً.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض مِن بَعْدِهِم﴾ أي: جعلناكم أيها المخاطبون تخلفون من مضى من القرون الهالكة بشركهم ﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾:

أي: كيف عملكم من عمل من كان قبلكم من القرون.
وقد علم تعالى ما هم عاملون، ولكن أراد ظهور الأعمال التي تقع عليها المجازاة، فيستحقون العذاب، كما استحق من كان قبلكم إن أشركتم، أو الثواب الجزيل إن آمنتم.
والعامل في " كيف (تعملون) ": لام " لننظر ". وروى عبد الحميد بإسناده عن ابن عامر ﴿لِنَنظُرَ﴾ بإدغام النون في الظاء وهو بعيدٌ جدّاً.
قوله: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى قوله ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ والمعنى: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين القرآن، وهو الآيات البينات: أي: الواضحات ﴿قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾: أي: لا يخافون العقاب، ولا يصدقون بالبعث.
﴿ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾: أي غيِّره، أي: اجعل مكان الحلال حراماً،

واجعل مكان الحرم حلالاً، ومكان الوعيد وعداً، ومكان الوعد وَعيداً.
ثم قال تعالى ذكره لنبيه أن يقول لهم: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾: أي: ليس ذلك إليَّ، إنما الأمر إلى الله عز وجل.
﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
قال قتادة: هذا قول مشركي أهل مكة.
وقوله: ﴿ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ﴾ يريدون ليس فيه ذكر البعث (والنشور وسبُّ) آلهتنا.
ثم قال الله (تعالى ذكره): قل يا محمد لهم ﴿لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾: أي: لو شاء الله ما أنزل علي، فيأمرني بتلاوته عليكم، ولو شاء الله ما أنزله علي، فيأمرني بتلاوته عليكم، ولو شاء لم يعلمكم به.
﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ﴾: أي قد كنت فيكم أربعين سنة قبل أن ينزل علي القرآن فلم نتل عليكم شيئاً ولو كنت منتحلاً ما ليس لي بحق من القول

كنت قد انتحلته أيام شبابي وحداثتي قبل الوقت الذي تلوت فيه عليكم هذا القرآن.
قال ابن عباس: ﴿وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾: أي: ولا أعلمكم به.
وقال ابن جريج: ولا حذرتكم به.
وقال الضحاك: ولا أشعركم به.
وقرأ الحسن: " ولا أدرأتُكم به بالألف والتاء: وهي غلط عند النحويين، غير أن أبا حاتم، قال: يريد الحسن: ولا أدْرَيْتُكُمْ به، ثم أبدل من

الياء ألفاً على لغة بني الحارث بن كعب الذين يبدلون من الياء الساكنة إذا انفتح ما قبلها ألفاً.
وعلى ذلك تأوَّل قوم قراءة من قرأ ﴿إِنْ هذان﴾ [طه: 63].
وهذا القول من أبي حاتم يدل على أن الحسن لم يهمز (والرواية عن الحسن بالهمز) والتاء.
ولو كانت بألف بعد الراء من غير همز، لكان لها وجه آخر وهو أن يكون من دَرَأتُ: أي: دفعت.
فيكون المعنى: ولا أمرتكم أن تدفعوه.
فأما الهمزة فبعيد.
وقد حُكِيَ أن بعض العرب يهمز الحرف إذا ضَارَعَ المهموز، فيهمزون غير المهموز.
حكى الفراء عن امرأة قالت: رثَأْتُ زوجي بأبيات.
ويقولون: لبَّأتُ بالحج، وحَلأَّتُ السَّويق، فيهمزون، لأَن حَلأْت يقع في دفع العطاش من الإبل

فيُهمز.
ولَبَّأْتُ يذهب / به إلى اللبأِ.
وَرَثَأْتُ يذهب إلى الرَّثِيئَةِ: وهو أن يحلب على الرايب.
يقال: أرثأت اللبن بالهمز.
﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ﴾: أي: أربعين سنة، " تعرفونني بالصدق والأَمانة، لا أقرأ، ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات.
﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ إن هذا لا يكون إلا من عند الله ". قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ إلى قوله ﴿يُشْرِكُونَ﴾ والمعنى فمن أشد ظلماً يا محمد ﴿مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾: أي: اختلق على الله الكذب ﴿أَوْ كَذَّبَ بآياته﴾: أي: بحُجَجِهِ، وَرُسله.
﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون﴾ " الهاء " كناية عن الأمر، و " المجرمون ": الذين اجترموا من الكفر، أي: اكتسبوه.
ثم وصفهم الله تعالى، فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾:

وهي الأصنام، لا يضرهم ترك عبادتها، ولا تنفعهم عبادتها.
وقال الطبري: المعنى: " ولا تنفعهم عبادتها في الدنيا، ولا في الآخرة.
ثم قال عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله﴾: كانوا يعبدون الأصنام، رجاء أن تشفع لهم عند الله سبحانه.
ثم قال: (قل) - يا محمد - ﴿أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾: أي: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات، ولا في الأرض أن تشفع الآلهة لأحد.
﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي تنزيهاً له وعلوّاً عن شركهم.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ المنتظرين﴾ المعنى: ما كان الناس إلا أهل دين واحد، فافترقت بهم السبل.
﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لولا أنه سبق في علمه ألا

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل