الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
استشهد فأمر به، فَعَرَّفَهُ نِعمهُ فَعَرَفَهَا؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذبْتَ ولكن قاتلت ليقال: جَريءٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وحهه حتى ألقي في النار.
ورحل تَعَلَّمَ العلم وعَلَّمَهُ، وقرأ القرآن، فأُتِيَ به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: تعملت فيك العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: إنك قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار.
ورَجل وسَّع الله عليه، وأعطاهُ أنواع المال كله، فَعَرَّفه نِعمه فَعَرَفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل الله شيئاً تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جَوَادٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ".
وروى أبو هريرة أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم، ق ل: " قال الله جلّ ذكره من قائل،: أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فمن عَمِلَ عَمَلاً أشرك فيه غيري، فهو للذي أشركه، وَأَنَا بَرِيءٌ منه ".
وفي خبر آخر: " أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ ". وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أَشَدُّ النَّاسِ يوم القيامة عَذَاباً، من يرى النَّاس أَنَّ فِيهِ خَيْراً وَلاَ خَيْرَ فِيهِ ". وعنه، صلى الله عليه وسلم،: " مَنْ رَاءَا بأمر يريد به سُمْعَةً فإنه في مَقْتٍ من اللهِ عز وجل، حتى يجلس ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تخادعوا الله فإنه من خادع الله بخدعة فنفسه يخدع لو يشعر ". قالوا: يا رسول الله، وكيف يُخادع الله، قال: " تعمل ما أمرك به تطلب غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك، فإن المرائي يدعى يوم القيامة على/ رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر، يا خاسر، يا فاجر، يا غادر، ضل أجرك، وبطل عملك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا خادع ". وعنه، صلى الله عليه وسلم: " إن أدنى الرِّياء شِرْكٌ ".
فيجب على المؤمين الراجي ثواب الله عز وجل، الخائف من عقابه، سبحانه، أن يخلص العمل لله سبحانه، ويريد به وجهه، تبارك وتعالى.
وألاَّ يتباهى بعمله عند أحد فيشركه في علمه.
فإنَّ عَمِلَ عاملٌ عَمَلاً مُخْلِصاً لله صلى الله عليه وسلم، في السر، فَسُرّ به، وأُعْجِبَ به إذ وفقه الله عز وجل، لذلك فهو حسن، وليس ذلك برياء، وهو ممدوح إنْ سلم من الإعجاب بنفسه؛ فَإنَّ الإعجاب ضَرْبٌ من التكبر، والتكبر يُحْبِطُ الأَعْمَالَ.
فإن ظَهَرَ عَمَلُهُ الذي أَسَرَّه للناس من غير أن يُشْهِّره هو على طريق الافتخار به، فأثنوا عليه بفعله فَسَرَّه ذلك فليس برياء، بل له أجر على ذلك؛ لأن الأصل كان لله عز وجل، والناس يَتَأَسَّونَ به في فعله.
وقد روى أبو هريرة:
" أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دخل علي رجل وأنا أصل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " فلك أجران: أَجْرُ السَّرِ، وأَجْرُ العَلاَنِيَّة ".
وروى حبيب بن ثابت عن أبي صالح قال: " أتى النبي صلى الله عليه وسلم، [ رجل]، فسأله
عن رجل يعمل العمل من الخير يُسِرُّه، فإذا ظهر أعجبه ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " له أجران: أجرُ السّرِّ وأجرُ العلانيَّة ". وروى حبيب: " أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، إنَّا نعمل أعمالاً في السر، فنسمع الناس يذكرونها فيعجبنا أن تُذْكَرِ بِخَيْرٍ، فقال: " لكم أجر السر وأجر العلانية ". وقد روىأنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم، وجد ذات ليلة شيئاً، فلما أصبح قيل: يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبيّن، فقال: " أما إني على ما ترون بحمد الله، قد قرأت البارحة السبع الطُّوَلُ ". وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، استدعاءٌ بأن يعمل الناس على مثل عمله، ويرغبوا في الخير، ويجتهدوا، ولو وقع مثل هذا لمن صح قصده ونيته، وأراد به مثل ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد المَحْمَدَةَ والافتخار، لكان حسناً، وصاحِبُهُ مَأْجُورٌ؛ لأَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَقْتَدَى بِهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلُ عَمَلِهِ، وهذا طريق من الدعاء إلى الخير، إذا صحت النية، فهو طريق شريف غير مستنكر.
فحق العامل المجتهد أن يُجْهِدَ نسه في تكذيب وساوس الشيطان، ولا يلتفت ما يوسوس إليه، وليقبل على عمله بنية خالصة لله، ويجهد نفسه في طاعة الله، عز وجل، والعمل لله، سبحانه، فلا شيء أبغض إلى الشيطان من طاعة العبد لربه، ( عز وجل) ، ولا شيء أسر إليه من عصيان العبد لربه، سبحانه، نعوذ بالله منه.
فحسب أَهْلِ الخَيْرِ أن لا تأتي عليهم حال إلا وهم للشيطان مرغمون، ولطمعه في أنفسهم حاسمون.
فإن عجزوا عن ذلك في كل الأوقات فيلفعوه في حال اشتغالهم بأعمال الطاعة حتى تخلص أعمالهم لله عز وجل، وتسلم من الشيطان من أولها إلى آخرها فإن عجزوا عن ذلك فلا يعجزوا عن أن يكون ذلك منهم في أول أعمالهم، وفي آخرها، فإن عجزوا عن/ ذلك، فلا بد من إخلاصها في أولها ليكون الابتداء بالنية لله عز وجل، والإخلاص له، سبحانه؛ فإنه إذا كان [ذلك] كذلك، ثم عرض في أضعاف العمل عوارض الشيطان وساوسه، رجي له ألا يضره ذلك، فإن عجز عن ذلك وغلبه الشيطان حتى ابتدأ بغير إخلاص.
ثم حدث له في بعض العمل إخلاص وإنابة عما فعل رجي له، لقوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: 30].
فإن ابتدأ بغير إِخْلاَصٍ وتمادى حتى فرع عن ذلك، كان ثمرة عمله سخط ربه.
والله عز وجل، حسن العفو كريم.
روينا في بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أَنَّ الرجل إذا ابتدأ العمل بنية لله، عز وجل، ثم عرض له الشيطان في آخر عمله فَغَيّر نيته، أن الله سبحانه، يعفو له عما عرض له، ويكتب له عمله على ما ابتدأه به، وأَنَّ الرجل ليبتدئ بالعمل بغير نية، فتحدث له نية لله عز وجل، في آخره أن الله، يعفو له عن أوله، ويكتب له عمله على ما حدث له في آخره " هذا معنى الحديث الذي رؤينا، وهو حديث مشهور بنحو هذا اللفظ وبمثله في المعنى.
فقال ابن حازم: انظر إلى العمل الي تُحِبُّ أن يأتيك الموت وأنت عليه، فخذه الساعة، وإذا قال لك الشيطان: أنت مُراءٍ فلست مرائياً، وإذا خرجت من بيتك، وأنت صادق النية، فلا يضرك ما جاء به الشيطان.
وكان رجل حَسَنُ الصَّوْتِ بالقرآن يأتي الحسن، فربما قال له الحسن: اقرأ، فقال: يا أبا سعيد، إني أقوم من الليل فيأتيني الشيطان إن رفعت صوتي، فيقول: إنما تريد الناس، فقال له الحسن: لك نيتك إذا قمت من فراشك.
فالشيطان، عليه لعنة الله، عدو الله، سبحانه، لطيف المدخل لابن آدم، كثير
الرصد له بما يُوبِقُهُ.
قد أَوْبَقَ كثيراً من القرون السالفة، فَنَفَذَت فيهم سهامة، وصدق عليهم ظنه، فاللَّجَأُ منه إلى الله، عز وجل، والمستغاث على دفع شره الله، تبارك الله وتعالى.
وروى معقل بن يسار عن أبي بكر الصديق، (رضي الله عنهـ)، أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ". قال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا أن يُدعى مع الله إله آخر، فقال: " الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ " ثم قال: " يا أبا بكر، ألا أدلك على ما يذهب صغير ذلك وكبيره؟ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذَ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ أَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ ".
قوله: ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
أي: يَكِلُونَ أمرهم إلى الله (سبحانه).
وَِِِهَذَا بَابٌ يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا رُوِيَ في التَّوكُّلِ وَصِفَتِهِ وَفَصْلِهِ.
روى ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ سَرَّهُ أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه ".
روى عمر رضي الله عنهـ، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لو أنك تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصاً، وتَرُوحُ بِطَاناً ".
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من انقطع إلى الله كفاه كُلَّ مُونَتِهِ ورزقه/ من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وَكَلَهُ الله إليهاً ".
وروى أبو سعيد الخدري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لَوْ فَرَّ أَحَدَكُمْ مِنْ رِزْقِهِ لأَدْرَكَهُ كَمَا
يُدْرِكُهُ المَوْتُ ".
وعن أبي ذر مثله.
وقد قال الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3].
وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾ [التوبة: 51].
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: " يقول الله، جلّ ذكره: يَابْنَ آدم تَفَرَّغْ لِعَبَادَتِي أَمْلأُ صدرك غِنىً، وأَسُدَّ فقرك، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَلأَتْ صَدْرَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فُُقْرَكَ ".
وعن أبي [بن] كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ كَانَتْ نِيّتَهُ الآخِرَةَ جعل الله غناه في قلبه، وَكفَّ عنه ضَيْعَتَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيا [وهي] رَاغِمَةٌ، ومن كانت نيته الدنيا شتت الله، عز وجل، عليه ضَيْعَتَه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له ".
وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: " مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ فَرْقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله [له] أمره وجعل غناه في قلبه وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ".
وفي هذه الآية دلالة على زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن قوله: ﴿زَادَتْهُمْ إيمانا﴾ [الأنفال: 2]، يَدُلُّ على نقصٍ كان قبل الزيادة.
وعن أبي الدرداء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تَفَرَّغُوا مِنْ هُمُومِ الدُّنْيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكْبَر همَّهِ، أقضى الله عليه ضَيْعَةَ، وجعل فقره بين عَيْنَيْه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه، وما أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل
خَيْرٍ أَسْرَعَ ".
والتوكل على الله، عز وجل عند أهل النظر والمعرفة بالأصول، هو: الثقة بالله، سبحانه، في جميع الأمور، والاستسلام له، ( عز وجل) ، والمعرفة بأَنَّ قضاءه ماضٍ، واتباع أمره، وليس هو أن يطرح العبد بنفسه فلا يخاف شيئاً ولا يحذر أمراً، ويلقى بنفسه في التهلكة؛ لأن الله، سبحانه، يقول لأصحاب نبيه، عليه السلام: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ [البقرة: 197]، فأمرهم أن يتزودوا في أسفارهم: لأنهم كانوا ربما خرجوا بلا زاد، فلي يجوز لأحدٍ أن يلقى عَدُوَّه بغير سلاح ولا عُدَّةٍ ويجعل هذا تَوَكُلاً.
فقد لَبِسَ النبي صلى الله عليه وسلم، السلاح، وقال الله، عز وجل،: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل﴾ [الأنفال: 60].
وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الغار.
ودخل مكة وعلى رأسه المِغْفَرُ، وخرج يوم أُحد وعليه درعان.
وفرّ
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة بعد ذلك خوفاً على أنفسهم، فلو كان من التوكل إلقاء العبد نفسه في التهلكة، وترك الاحتراز من المَخُوفِ، ولَقْيُ العدو بغير سلاح، ومباشرةُ السباع، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أولى بذلك بل خافوا وفرُّوا، وسلحوا واحترزوا.
وقد حكى الله عز وجل، عن موسى، عليه السلام، الخَوْفَ فقال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21]، وقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِي المدينة خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 18]، وقال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾ [طه: 67 - 68].
فالملقي بيده إلى التهلكة من عدو أو سبع، ولا علم عنده أن الله عز وجل، لا يسلطه عليه آثم في نفسه، مُعِينٌ على قتل نفسه، مُجَرِّبٌ لقدرة ربه، جلت عظمته، مُعْجَبٌ بنفسه، دَالٌ على ربه، سبحانه، / وليس هذا من صفات الصالحين، بل أنفسهم عندهم أَنْقَصُ وَأَذَلُّ، هم وَجِلُون ألا تقبل منهم أعمالهم! فكيف يدلون بأعمالهم! قال الله عز وجل: ﴿ والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ المؤمنون: 61]، أي: يعلمون ما عملوا من الخير وهم خائفون
ألاَّ يقبل منهم [عملهم]، فهذه صفات الصا لحين.
ليس صفاتهم الإعجاب بأعمالهم والدلة على مالله عز وجل، بأفعالهم، وقد قال عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَظَلُّ اليوم يلتوى، ما يجد ما يملأ به بطنه.
وقد روي عَمَّنْ مضى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من الجوع والشدة ما لا يُحْصَى.
فهذا يدفع قول من يدعي في توكله نزول الطعام الكَوْنِي، ووجود الرُّجَب في غير وقته، وشبه ذلك من المعجزات التي لا تكون إلاَّ للنبي، تدل على صدقه في ما أتى به.
فأما كرامات الله، سبحانه لأوليائه وإجابة دعائهم، فليس ينكر ذلك أحدٌ مِنْ أهْلِ السُّنَّة، وإنما ينكرون على ما أجاز حدوث المعجزات على يدي غير الأنبياء؛
لأن في ذلك إبطال النبوة وهدم الشريعة.
وقوله: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
الدَّرجات: منازل ومراتب رفيعة في الجنة بقدر أعمالهم.
قال مجاهد [الدَّرَجَات]: أعمال رفيعة.
وقال ابن مُحَيْرِيز الدَّرَجَاتُ: سبعون درجة، كل درجة خطو الفرس الجواد المُضَمَّر ستين سنة.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: أي: مغفرة لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: الجنة.
قال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي فوق، فضله على الذي أسفل منه، ولا يرى الأسفل أنه فضل عليه أحد.
قوله: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾، الآية.
قال الكسائي: " الكاف ": نعت لمصدر: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾، والتقدير: يجادلونك في الحق مُجَادَلَةً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
وقال الأخفش: " الكاف " نعت ل: " حق "، والتقدير: هم المؤمنون حقاً
﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾ ﴿فاتقوا الله﴾، كأنه ابتداء وخبر.
وقال أبو عبيدة: هو قَسَمٌ، أي: لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، والذي أخرجك من بيتك بالحق، ف: " الكاف " بمعنى: " الواو ".
وقال الزجاج: " الكاف " في موضع نصب، والتقدير: الأنفال ثابتة لك ثباتاً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، والمعنى: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾ وهم كارهون، كذلك
تَنْفُلُ من رأيت.
وقال الفراء التقدير: أمض لأمرك في الغنائم، ونَفِّلْ من شئت وإن كرهوا ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾.
وقيل: " الكاف " في موضع رفع، والتقدير:
﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، إلى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، هذا وعد وحق ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾.
وقيل: المعنى: ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ ذلك خير لكم ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾، ف: " الكاف ": نعت لخبر ابتداء محذوف هو الابتداء.
وقيل التقدير: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
قال عكرمة في الآية: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾، أي: الطاعة خَيْرٌ لَكُمْ، كما إخراجك من بيتك بالحق خيراً لك.
وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾.
قال ابن عباس: " لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي سفيان أنه مقبل من الشام، ندب إليه من المسلمين، وقال: هذه عِيرُ قريش فيها/ أموالهم، فاخرجوا إليها، لَعَلَّ الله أن يُنْفِلَكُمُوهَا! فانتدب الناس، فَخَفّ بعضهم وَثَقُلَ بَعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً.
فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾ ".
قال السدي ﴿لَكَارِهُونَ﴾: لطلب المشركين.
﴿للَّهِ والرسول﴾، وقف.
و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾، وقف.
ويكون تقدير الآية وتفسيرها: " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، لما نظر إلى قلة المسلمين يوم بدر وإلى كثرة المشركين قال: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وإِنْ أَسِرَ أَسِيراً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا "، ليرغبهم في القتال، فلما هزمهم الله، عز وجل، وأَظْفَرَه بهم، قال إليه سعد بن عبادة، فقال له: يا رسول الله؛ إن أعطيت هؤلاء ما وعدتهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء، فأنزل الله: ﴿قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول﴾ "، أي: يصنع فيها ما يشاء.
فأمسكوا لما سمعوا ذلك على كراهية منهم له، فَأَنْزَلَ الله، عز وجل،: ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾، أي: أمض لأمر الله في الغنائم، وهم كارهون لذلك، أي: بعضهم، كما مضيت لأمر الله عز وجل، في خروجك، وهم له كارهون، أي: بعضهم.
فإن جعلت التقدير: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال﴾ كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: لم تخرجنا للقتال فنستعد له، إنما أخرجتنا للغنيمة، فلا يحسن الوقف على ما قبل " الكاف " على هذا.
وعلى قول أبي عبيدة أن " الكاف " في موضع:: واو القسم، يحسن الوقف على ما قبل " الكاف " كأنه قال: والذي أخرجك من بيتك بالحق، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: 3]، أي: والذي خلق الذكر.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحق﴾، الآية.
قال ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم، في لقاء القوم، قال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبّوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأَنْزَلَ الله، عز وجل، ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾، إلى ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
قال ابن إسحاق: خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، يريدون العِيَر طمعاً بالغنيمة، فلما عرفوا أن قريشاً قد سارت إليهم، كرهوا ذلك، وكأنهم يساقون إلى الموت؛ لأنهم لم يخرجوا للقتال.
فالذي عُني بهذا هم المؤمنون، فَأَنْزَلَ الله عز وجل، ﴿ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق﴾، إلى: ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
وقال ابن زيد: عني بذلك المشركون، قال: هم المشركون جادلوا في الحق، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت﴾ حين يدعون إلى الإسلام، ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
قال الطبري: المراد بذلك المؤمنون.
ودَلَّ عليه قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾، لما كرهوا القتال جادلوا فقالوا: لم تعلمنا أنَّا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، إِنَّمَا خرجنا لِلْعِير.
وَيَدُلُّ على ذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ﴾، ففي هذا دليل أنّ القوم كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم في القتال، [كما] قال مجاهد، كراهية منهم له.
وروي عن ابن عباس: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحق﴾، أي: في القتال، ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾، أي: بعد ما أمرت به.
قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين﴾، إلى قوله: ﴿لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾؟
والمعنى: واذكروا، أيها المؤمنون ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ﴾، والطائفتان: إحداهما فرقة أبي سفيان والعير، والطائفة الأخرى: فرقة المشركين الذين خرجوا من مكة لمنع العير.
وقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾.
أي: أن ما معهم غنيمة لكم.
وقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ﴾.
أي: تحبون أن تكون لكم العير التي لا قتال فيها ولا سلاح دون/ فرقة المشركين المقاتلة المسلحين.
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحبوا أن يَظْفَروا بالعير، فأراد الله عز وجل، غير ذلك، أراد أن يَظْفَروا بالمقاتلة، فيكون ذلك أذل لهم وأخزى وهيب في قلوب المشركين؛ لأن المسلمين لو ظَفِروا بالعير ولا مقاتلة معها ما كان في ذلك هيبة ولا ردعة عند المشركين، وإذا ظَفِروا بالمقاتبلة وأهل الحرب والبأس كان ذلك أهيب وأروع لمن بقي منهم.
و ﴿الشوكة﴾: السلاح.
وقال أبو عبيدة: غير ذات الحد.
يقال: فلان شَائِكٌ في السلاح وشَاكٌ، من الشِّكَةِ.
وقال ابن عباس: " لما خُبِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي سفيان مُقْبلاً من الشَّأْم، ندب المسلمين إليهم، فقال: هذه غير قريش، فيها أموالٌ، أخرجوا إليها لعلّ الله أن يملككموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلقى حرباً، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفاً على أموال النس، حتى أصاب خبراً من بعض
الركان: " إن محمداً قد استنفر [أصحابه] لك ولِعِيرك " فَحَذِرَ عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فمضى ضَمْضَم.
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش.
فقام أبو بكر، فقال فأحسن.
وقام عمر، فقال فأحسن.
ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب (أنت) وربك فقاتلا، إِنَّا معكم مقاتلون! والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد، يعنى: مدينة الحبشة، لجالدنا معك مَنْ دونه! ثم قالت
الأنصار بعد أن استشارها: امض يا رسول الله، لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخصناه معك.
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى التقى بالمشركين ببدر، فسبقوا الماء، والتقوا، ونصر الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فَقُتِلَ من المشركين سبعون، وَأُسِرَ منهم سبعون، وغنم المسلمون ما كان معهم، وسلمت العير مع أبي سفيان، وكان قد أخذ بها الساحل، أسفل من موضع القتال، وهو قوله تعالى: ﴿والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ ".
وروى عكرمة عن أبن عباس قال: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم، حين فرغ من بدر، عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس: لا يصلح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " لِمَ "؟
قال: لأن الله عز وجل، وعد إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.
قال: " صَدَقْتَ ".
قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قرأ عيسى بن عمر: " إنِّي مُمِدُّكُم "، أي: قال: إني ممدكم.
ومن قرأ: ﴿مُمِدُّكُمْ﴾، بفتح الدال، يجوز أن يكون نصباً على الحال من الضمير في: ﴿مُرْدِفِينَ﴾.
وقيل: هو في موضع خفض نعت ل: " ألف ".
ومن كسر الدال فمعناه: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يتبع بعضهم بعضاً.
يقال: رَدِفْتُهُ وأَرْدَفْتُهُ: إذا تَبِعْته.
وأنكر أبو عبيد أن يكون/ المعنى: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يحمله خَلْفَهُ، ودفع قراءة الكسر على هذا التأويل.
والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضاً في الإتيان لا في الركوب، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: وَرَاءَ كُلِّ مَلِكٍ مَلَكٌ.
فمعنى الكسر: أَنَّ الملائكة يُرْدِفُ بعضها بعضاً، أي: يتبع.
ومعنى الفتح: أن الله أَرْدَفَ بهم المؤمنون.
حكى سيبويه " مُرَدِّفينَ ": بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها.
وأصله: " مُرْتدِفِينَ "، ثم أدَغم " التاء " في " الدال " بعد أن ألقى حركتها
على " الراء ".
وحكى أيضاً: " مُرِدِفِّينَ " بكسر الراء، على أنه " مُرْتَدِفِينَ " أيضاً، لكن أدغم وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة " التاء ".
ومعنى الآية: ﴿لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل﴾ [الأنفال: 8]، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، أي: حين ذلك، أي تستجيرون به من عدوكم، ﴿فاستجاب﴾ ربكم ﴿لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾، أي: بأني ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة﴾ يردف بعضهم بعضاً، أي: يتلوا.
وَرُوِيَ عن
عاصم: " آلفٌ "، على وزن " أَفْعُلٍ ".
قال ابن عباس: لمَّا اصطفَّ القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع النبي صلى الله عليه وسلم، يده وقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً.
قال السدي: فاستجاب الله، عز وجل، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى المشركين وَهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم مدَّ يدَهُ، وجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز ما وعدتني "، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه صلى الله عليه وسلم، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كَذَلك مناشدتك
رب، فَإِنَّه سينجز لك ما وعدك!.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله﴾.
" الهاء " تعود على " الإمْدَادِ ".
وقيل: على " الإِرْدَافِ ".
وقيل: على " الأَلْفِ ".
وقيل: على قبول الدعاء.
والمعنى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله﴾: إرداف الملائكة بعضها بعضاً.
﴿إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، أي: ولكي تسكن إلى ذلك قلوبكم، وتوقن بنصر الله عز وجل، فليس النصر إلا من عند الله، سبحانه ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ﴾، أي: لا يقهره شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
و" الهاء "، في ﴿بِهِ﴾ تحتمل ما جاز في " الهاء " في: ﴿جَعَلَهُ﴾.
ويجوز رجوعها على " البشرى "؛ لأنها تعني الاستبشار.
قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس﴾، الآية.
من قرا: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾، احتج بإجماعهم على: ﴿يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ [آل عمران: 154].
ومن قرأ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، مشدداً فرد الفعل إلى الله، عز وجل، احتج بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم﴾، وهو الله بلا اختلاف.
فكون الكلام على نظام واحد أحسن.
وقوله: ﴿أَمَنَةً﴾: مفعول من أجله.
وقيل: هو مصدر.
وقوله ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾: العامل في ﴿إِذْ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ بشرى﴾ [الأنفال: 10]، ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾، أي: حين يغشيكم.
ومعنى ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾: يلقى عليكم، و ﴿أَمَنَةً﴾: أماناً من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم، وذلك يوم أحد أنزل الله، عز وجل، عليكم النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أُحد.
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً﴾.
كان هذا يوم بدر، أصبح المسلمون مُجْنِبِين على غير مَاءٍ، فأنزل الله عز وجل،
(عليهم) مطراً فاغتسلوا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حَزَنَهم به من إصباحهم مُجنبين على غير ماء؛ لأنَّ المشركين سبقوا المسلمين ببدر، إلى الماء فأصبح المسلمون عِطَاشاً مُجْنبين ومُحدثين، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: عدوكم على الماء، وأنتم تزعمون/ أنكم مسملون، فأزال الله الأحداث والعطش والوسوسة بالمطر الذي أنزل عليهم، وسكن به الغبار، وتمهدت الأرض للوطء عليها.
قيل: كانت سَبْخَةً لا تثبت عليها الأقدام.
وقيل: كانت رَمْلاً.
وكانت آية عظيمة في ثبات أقدامهم في المطر على سَبِخَةٍ.
وقول من قال: كانت الأرض رَمِلَةً أَوْلَى، لقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾.
قال قتادة: ذكر لنا أنهم مُطِروا يومئذ حتى سال الوادي ماءً، وكانوا قد التقوا على كثيب أعفر فَلَبَّده الله عز وجل بالماء، وشرب المسلمون واستقوا، [و] أذهب الله عز وجل، عنهم وساوس الشيطان وأحزانه.
وكان المشركون سبقوا إلى الماء وإلى الأرض الشديدة، ونزل المسلمون على غير ماء وعلى رمل، فأراهم الله، عز وجل، بنزول المطر قدرته، وأثبت في قلوبهم أمارة النصر والغلبة فتقَّوت نفوسهم وتشجعوا، وذهب عنهم وسوسة الشيطان.
وقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾.
أي: بالمطر، وذلك أنهم التقوا مع عدوهم على رَمْلة فَلَبَّدَهَا المطر حتى تثبت الأقدام عليها، وكان هذا كله ليلة اليوم الذي ألتقوا فيه في بدر.
وقوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان﴾.
أي: وساوسه.
وقال القُتَيْبِي: كيده.
والعامل في ﴿إِذْ يُوحِي﴾، ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقدام﴾.
وقيل المعنى: واذكر ﴿إِذْ يُوحِي﴾.
وقيل: أوحى الله، عز وجل، ﴿ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾، فكان المَلَكُ يظهر للرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجلفيقول: سمعت أبا سفيان وأصحابه يقولون: لئن حَمَلَ علينا هؤلاء لَنُهْزَمَنَّ! فتقوى بذلك قلوب المؤمنين.
وقوله: ﴿فاضربوا فَوْقَ الأعناق﴾.
أي: اضربوا الأعناق.
وقال الأخفِ: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة.
وقيل المعنى: اضربوا الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق.
وقال أبو عبيدة: ﴿فَوْقَ﴾ بمعنى: " على "، والمعنى " فاضربوا على الأعناق.
يقال: ضَرَبْتُهُ على رَأْسِهِ فَوْقَ رَأْسِهِ بِمعنى.
وقوله: ﴿واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.
أي: اضربوا الأطراف من الأيدي والأرجل.
و" البَنَانُ ": [أطراف] أصابع اليدين والرجلين.
وقال عطية، والضحاك: " البَنَانُ ": كل مَفْصلٍ.
وواحد " البَنَانِ " " بَنَانَةٌ "، وهي: الأصابع وغيرها من الأعضاء، وهذا قول الزجاج.
وقوله: ﴿فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾.
هذا أمر من الله، عز وجل للملائكة.
وقيل: إِنَّ الملَكَ كان يأتي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين، يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن! فيتحدث بذلك المسلمون، وتقوى نفوسهم.
وقيل معنى ثَبِتُّوهم أي: بالمدد.
قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: هذا الفعل الذي فُعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾، أي: خالفوه، كأنهم صاروا فِي شِقٍّ آخر بمخالفتهم له.