الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً﴾: أي: اعتداء، وظلماً على موسى، ومن معه.
وقرأ قتادة " وعدواً " بالضم والتشديد حتى إذا أدركه الغرق أي: أحاط به.
وفي الكلام حذف.
والتقدير: " فَغَرَقْناهُ ": " حتى إذا أدرك الغرَق ". " قال عليه السلام: " جعل جبريل يدس، أي: يحشو في فم فرعون الطين مخافة أن تدركه الرحمة ".
(وروى ابن وهب أن فرعون بن عبد الله قال: بلغني أن جبريل عليه السلام، قال يا رسول الله! والذي نفسي، ما وَلد إبليس، ولا آدم ولداً قطُّ كان أبغض إليَّ من فرعون، وإنه لما ﴿أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ فخشيت أن يعود لها فيُرْحَمَ، فقمت حتى أخذت تربة، من تربة البحر، فحشوتها في فيه).
(وروي أن جبريل قال للنبي عليهما السلام: لقد كببتُ في فيه الماء، مخافةَ أن تدركه الرحمة).
وروي أنه قالهما حين أَلْجَمَهُ الماء، وأدركه الغرق.
ثم قال تعالى حكاية عن تعريفه لفرعون قبح ما فعل:
﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: يعني: أيام حياته إلى الساعة تؤمن، وقد عصيت أيام حياتك ﴿وَكُنتَ مِنَ المفسدين﴾: أي: من الصادين عن سبيل الله سبحانه.
قال السدي: بعث الله، عز وجل، إليه ميكائيل، فقال له، آلآن وقد عصيت قبل.
ثم قال تعالى: ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾: أي: نُلْقيك على نَجْوةٍ من الأرض، أي: على ربوة، ليعتبر من رآك.
وقيل: نخرجك ببدنك الذي نعرفك به / وذلك أنه كان له بدنٌ مذهبٌ، وهو ذرع كانت له.
قال قتادة: لم يصدق طائفة من الناس أنه غرق، فأخرجه الله عز وجل، ليكون عظة، وآية، ينظر إليها من كذب بهلاكه.
وقوله: ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ (آيَةً)﴾، أي: لمن بعدك.
وقال مجاهد: ﴿بِبَدَنِكَ﴾، أي: بجسدك.
قال ابن عباس: لما أغرق الله عز وجل، فرعون، ومن معه.
قال: أصحابُ موسى لموسى: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه.
فدعا ربه فأخرجه، فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه.
قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا﴾: أي: عن أدلتنا على أن العبادة لا تكون إلا لله ﴿لَغَافِلُونَ﴾: أي: لساهون.
قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ إلى قوله: ﴿الخاسرين﴾.
المعنى: ولقد أنزلناهم منازل صدق.
قال الضحاك: يعني، مصر، والشام.
وقال قتادة: الشام، وبيت المقدس.
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ يعني: من حلال الرزق.
﴿فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم﴾ الذي يعلمونه، وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث
محمد صلى الله عليه وسلم، مجتمعين على نبوته، والإقرار به، وبمبعثه.
فلما جاءهم كفروا به.
واختلفوا فيه.
فآمن بعضهم، وكفر بعضهم.
والعلم هنا: النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بمعنى العلوم الذي كانوا يعلمونه.
وقيل: العلم كتاب الله عز وجل، قاله ابن زيد.
فعلوا ذلك بغياً: أي: منافسة في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ - يا محمد - يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: من أمري في الدنيا.
فيدخل المكذبين النار، والمؤمنين الجنة.
﴿حتى جَآءَهُمُ العلم﴾: وقف، ﴿مِّنَ الطيبات﴾: وقف.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾: أي: إن كنت يا محمد في شك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوءتك، قبل أن نبعثك رسولاً، لأنهم (كانوا)
يجدونك في التوراة، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف ﴿فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ﴾ يعني: عبد الله بن سلام، وشبهه من أهل الإيمان، والصدق منهم.
وهذه مخاطبة للنبي، والمراد به أمته.
وقيل: " إن " بمعنى " ما "، والمعنى: فما كنت يا محمد في شك.
ثم قال ﴿فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ﴾ سؤال ازدياد، كما قال إبراهيم: ﴿بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260].
وقال المبرد: المعنى: قل يا محمد للشاك في ذلك إن كنت في شك، فاسأل وقيل: إن هذا خطاب العرب: يقول الرجل لابنه: إن كنت ابني، فَبُرَّني.
وهو يعلم أنه ابنه، وهو نحو قوله لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ [المائدة: 116]. وقد علم أنه لم
يقل ذلك.
قال ابن جبير: ما شك محمد صلى الله عليه وسلم، ولا سأل، وقال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام، قال: لا أشك، ولا أسأل.
وروي أن رجلاً سأل ابن عباس عما يَحِيك في الصدر من الشك.
فقال: ما نجا من ذلك أحد، ولا النبي حتى أنزل عليه: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾.
وعنه أيضاً أنه قال: لم يكن / رسول الله في شك ولم يسأل.
وهذا هو الصحيح الظاهر، والمراد بقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ أمته.
وقوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ﴾: اللام لام التوكيد وفي الكلام معنى القسم.
﴿مِنَ الممترين﴾: أي: من الشاكين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله﴾: أي: جحدوا كتبه، ورسله، ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين﴾، أي: من الذين غُبِنَ حظه، وباع الرحمة بالسخط.
والمراد بذلك أمة النبي عليه السلام.
قوله: ﴿إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾
والمعنى: إن الذين وجبت عليهم كلمات ربك وهي قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18].
وقال مجاهد: حق عليهم سخطه.
﴿لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب﴾.
أي: يعاينوا ذلك كما لم يؤمن فرعون حتى عاين العذاب.
وذلك وقت لا ينفع فيه الإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾، أي: فهلا كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها.
وتقديره: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب، فنفعها إيمانها، في ذلك الوقت ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾: فإنهم نفعهم إيمانهم عند نزول عذاب الله عز وجل، بهم، فكشف الله سبحانه عنهم العذاب.
وقوم يونس انتصبوا لأنه استثناء ليس
من الأول.
وقال أبو إسحاق: المعنى: فهلا كانت قرية آمنت في وقت ينفعهم إيمانهم، وجرى هذا بعقب إيمان فرعون عندما أدركه الغرق.
فأعلم الله عز وجل، أن الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ولا عند حضور الموت.
قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ الآية [النساء: 18].
قال قتادة: لما فقدوا نبيهم، وأيقنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله عز وجل، في قلوهم التوبة.
فلبسوا المسوح، وألهوا بن كل بهيمة وولدها.
ثم عجَّلوا إلى الله سبحانه، أربعين ليلة، فلما علم الله عز وجل، الصدق منهم، والتوبة والندامة على ما مضى (كشف الله) عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم.
وكان قوم يونس بأرض الموصل.
قال ابن جبير: غشَّى قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب القبر ".
قال ابن عباس: لم يبق بين قوم يونس والعذاب إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم.
قال ابن جبير: لما أبوا أن يؤمنوا بيونس، قيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم، فقالولا: إنا لم نجرب عليه كذباً، فانظروا فإن بات فيكم فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصحبكم.
فلما كان في جوف الليل تزوَّد شيئاً ثم خرج.
فلما أصبحوا يغشاهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، ففرقوا بين الإنسان وولده، والبهيمة وولدها.
ثم عجوا إلى الله عز وجل، فقالوا: آمنّا بما جاء به يونس وصدقنا.
فكشف الله عز وجل، عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئاً فقال /: جربوا عليَّ كذباً فذهب مغاضباً لربه حتى أتى البحر.
وعن ابن مسعود قال: أوعد يونس قومه أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام.
ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا، فجأروا إلى الله سبحانه، واستغفروه، فكف الله عز وجل، عنهم العذاب.
ومعنى: ﴿عَذَابَ الخزي﴾، أي: الهوان والذل.
قوله: ﴿إلى حِينٍ﴾ قال الضحاك: إلى الموت.
وقيل: إلى آجاله التي كتبها الله لهم قبل خلقهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾: أي: لوفقهم إلى الإيمان بك يا محمد - وبما جئت به.
ولكن قد سبق في قضائه من يؤمن، ومن لم يؤمن: وهذا كله رد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإيمان والكفر مفوضان إلى العبد، بل كل عامل قد علم الله عز وجل، ما هو عامل قبل خلقه له.
ولا تقع المجازاة إلا على ذلك بعد ظهورهم منهم، وإقامة الحجج عليهم.
وقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ يدل على ذلك ويبينه.
﴿أَفَأَنتَ﴾ يا محمد ﴿تُكْرِهُ الناس﴾ حتى يؤمنوا بك؟
وفي الإتيان " بجميع " بعد " كلهم " قولان: أحدهما زيادة تأكيد، ونصبه على الحال.
وقيل: لما كان كل يقع تأكيداً، ويقع اسماً غير تأكيد أتى معه بما لا يكون تأكيداً، وهو " جميعاً "، فجمع بينهما، ليعلم أن معناهما واحد، وأنه للتأكيد.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾، أي: ما كان لنفس تصدق بك يا محمد، إلا أن يأذن لها الله.
فلا تجهد نفسك يا محمد في طلب هداهم.
روي عن أبي الدرداء أنه قال: بعث الله عز وجل، إلى نبي من الأنبياء فقال لهم: لو أنك عملت مثل ما عمل جميع ولد آدم كلهم، ما أديت نعمة واحدة أنعمت بها عليك: إني أذنت لك أن تؤمن بي، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾، وهذا نص ظاهر في إثبات القدر من القرآن والحديث.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يجعل العذاب على من لا يعقل عن الله، سبحانه، حججه، وآياته جلت عظمته.
والرجس: العذاب.
وقال ابن عباس: السخط.
قوله: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾ إلى قوله ﴿نُنجِ المؤمنين﴾
والمعنى: قل يا محمد للسائلين: الآيات على صحة ما تدعوهم إليه: ﴿انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾ من الآيات الدالة على صحة ما أدعوكم إليه من توحيد الله وعبادته.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: أي شيء تغني الحجج، والعِبَرُ عن قوم سبق لهم من الله عز وجل، الشقاء، وقضى لهم أنهم من أهل النار.
﴿مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾: وقف، إن جعلت " ما " نفياً " وإن جعلتها استفهاماً، لم تقف على الأرض، لأن " ما " معطوفة على ما قبلها.
ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ﴾.
والمعنى: هل ينتظر هؤلاء، يعني: مشركي قريش أهل مكة - يا محمد - إلا نزول العقوبة بهم،
كما نزل قبلهم حين كذبوا رسلهم.
قل لهم يا محمد: ﴿فانتظروا﴾ عقاب، ونزول سخطه بكم.
﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ / هلاككم وبواركم بالعقوبة.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ﴾: أي: ننجيهم من بين أظهركم إذا نزل بكم العذاب.
﴿كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين﴾ فيمن تقدم من الأمم الماضية إذا نزل بهم العذاب نجينا المؤمنين منهم.
" الكاف " في موضع رفع إن جعلت ﴿والذين آمَنُواْ﴾ تماماً والتقدير: مثل ذلك يحق علينا حقاً.
وإن لم تجعل ﴿آمَنُواْ﴾ تماماً جعلت " الكاف " في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، أي: " نجاء مثل ذلك " يحق حقاً، وأنجى، ونجى لغتان بمعنى و " ننج " بغير ياء في الخط، والأصل الياء.
ولا يتعمد الوقف عليه، وقد وقف عليها سلام ويعقوب بالياء على الأصل وهو خلاف الخط.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ الظالمين﴾.
والمعنى: قل يا محمد: يا أيها المشركون إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حق من عند الله، فإني لا أعبد الذين تعبدون من دوني الله: يعني الآلهة، والأوثان التي لا تنفع، ولا تضر.
وفي الكلام تعريض: والمعنى: إن كنتم في شك من دوني، فلا بنبغي لكم أن تشكّوا فيه، وإنما ينبغي أن تشكوا في عبادة من لا ينفع، ولا يضر، ولا يسمع، ولا يُبصر.
﴿ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾: أي: يقبض أرواحكم عند مجيء آجالكم.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾: أي: المصدّقين بما جاء من عنده.
ومعنى ﴿مِن دُونِ الله﴾ من عند الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ أي: وأمرت: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: أي: أقم نفسك على دين الإسلام.
﴿حَنِيفاً﴾: أي: مستقيماً، غير معوج.
وأمرت نفسي ألا أكون من المشركين، " ولا أدعو من دون الله ما لا ينفعني ولا يضرني، كما فعلتم أيها المشركون.
فإن فعلت أنا ذلك، فإني من الظالمين لنفسي ".
قوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ إلى آخر السورة.
والمعنى: إن يُصبْكَ الله يا محمد بضر، فلا كاشف له عنك إلا
ون ما يعبد هؤلاء من دون الله.
﴿وَإِن يُرِدْكَ﴾ الله يا محمد بخير أي: برخاء ونعمة، فلا رادَّ لفضله عنك.
يصيب ربك يا محمد بالرخاء.
من يشاء من عباده.
﴿وَهُوَ الغفور﴾ لذنوب من تاب.
﴿الرحيم﴾: لمن آمن واستقام.
ثم قال تعالى: قل - يا محمد - ﴿قُلْ يا أيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾: والحق هنا: القرآن.
﴿فَمَنِ اهتدى﴾ أي: استقام ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ﴾ أي: اعوج عن الحق.
﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: أي: يسلط على تقويمكم، إنما أمركم إلى الله.
وأنا نذير، ومنذر.
ثم قال تعالى آمراً لنبيه: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾: أي: اعمل به، واصبر على ما يقول المشركون، وما يتولون عن أذاك.
﴿حتى يَحْكُمَ الله﴾، أي: يقضي.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾، أي: خير القاضين بحكم الله عز وجل بينهم، يوم بدر بالسيف، فقتلهم، وأمر نبيه أن يسلك بمن بقي سبيل من هلك منهم حتى / يؤمنوا.
قال ابن زيد: هذا منسوخ بجهادهم، وأمره بالغلظة عليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم سورة
. مكية.
روى مسروق عن أبي بكر الصديق رضى الله عنه, انة قال: قلت يا رسول الله! لقد أسرع إليك الشيب فقال: شيبتني هود وأخواتها: الواقعة, والمرسلات, وعم يتساءلون, واذا الشمس كورت.
وروى عكرمة عن ابن عباس نحوه.
قوله: ﴿الر﴾ قد تقدم الكلام عليها.
وقولهم: " قَرَأتُ هوداً ": من صرفه أراد به سورة هود، ومن لم يصرفه جعله اسماً للسورة.
ولو قلت: " قرأت الحمد (لله) ". فإنما جاز النصب: تُعْمِلُ الفعل فيه، وجاز الرفع على الحكاية.
فإن قلت: قرأتُ ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: 2، يونس: 10، الزمر: 75، غافر: 65]، حكاية لا غير، وكذلك ﴿بَرَآءَةٌ﴾ [التوبة: 1، القمر: 43]، ترفع على الحكاية، وتنصب على العمل.
وتنوِّنُ إذا أردت الحذف، ولا
تصرف إذا جعلته اسماً للسورة.
فإن قلت: قرأتَ ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1]، حكاية لا غير.
وتقول: قرأت " ألم البقرة ": فتنصِبُ على النعت لقولك: " ألم "، لأنه مفعول به بقراءةٍ، وإن شئت خفضتَ " البقرة "، وتقدّر إضافة " ألم " إليها.
فإن قلت: " قرأت: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1]، و ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1]، لم يجز الإعراب، لأنه ليس في الأسماء نظير لهذا.
وكذلك ﴿المر﴾ [الرعد: 1]، و ﴿الر﴾ [1: هود، يوسف، إبراهيم، الحجر]، وكذا ﴿طه﴾ [طه: 1] لأنه في آخرها ألفاً.
فإن قلت: ﴿طس﴾ [النمل: 1]، قلت هذا " طسين " يا هذا، فلا تصرف لأن هذا من نظيره هابيل، وقابيل.
فإن أردت الحكاية، أسكنت، وتقول هذه ﴿طسم﴾ [الشعراء: 1، القصص: 1] فتُعْرِبُ: إن شئت تجعل " طس " اسماً، و " ميم " اسماً، وتضم أحدهما إلى الآخر مثل: معدي كرب، فيجوز فتح الثاني ورفعه تجعل الإعراب في الآخر.
وأجاز سيبويه: مَعْدِي كرب على الإضافة، فيجوز على هذا، " طس ميم "، وتحسن الحكاية.
فإن قلت: " قرأت ﴿حم﴾ [1: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف] "، لم ينصرف لأنه مثل " هابيل ". وإن شئت أسكنت على الحكاية.
فإن قلت قرأت ﴿حم* عسق﴾ [الشورى: 1 - 2] لم يجز الإعراب، لأنه لا نظير له في الأسماء.
وتقول هذه ﴿ن﴾ [القلم: 1] فاعلم بأنها تُنَوَّن، وتُعْرَبُ " تريد سورة " نون ". وإن شئت جعلته اسماً للسورة، فلم تنونْ، وإن شئت أسكنت على الحكاية.
وتقول: هذه السبح، فلا تصرف إذا جعلته اسماً للسورة، لأنه فعلٌ، وليس في الأسماء فعلٌ.
وإن شئت فتحتَ فَحَكَيْتَ على ما في السورة، فإن قلت هذه " سِبحْ " لم يجز إلا الإسكان تحكيه لأنه فيه ضمير، والجمل تحكى، وكذلك تحكي: قرأت: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: 1]، و ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1]، وقرأت ﴿والفجر﴾ [الفجر: 1] لأنه اسم وحرف.
وتقول: قرأت ﴿اقتربت﴾ [القمر: 1] تقطع الألف، وتقف على الهاء، إذا جعلته اسماً للسورة / لأن تأنيث الأسماء في الوقف بالهاء، وألف الوصل في الأفعال تقطع إذا سمي بالأفعال.
وإن شئت قلت: قرأت ﴿اقتربت﴾ فوصلت الألف ووقفت بالتاء، على الحكاية.
فإن قلت: قرأت ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: 1]، لم يجز إلا الحكاية به ومثلُه:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1]، فإن أفردت بالهاء، وجعلتهُ اسماً للسورة قلت: قرأت " تبَّت "، تقِفُ على الهاء.
قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ - آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ - إلى قوله - ﴿على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
المعنى: هذا الكتاب الذي أنزلناه ﴿أُحْكِمَتْ - آيَاتُهُ﴾: أي: بالأمر والنهي، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالثواب، والعقاب.
قاله الحسن.
وعنه ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي:
الوعد، والوعيد.
وعنه أيضاً: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ أي: بالثواب والعقاب ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالأمر، والنهي.
وقال قتادة: أحكمها الله عز وجل، من الباطل، ثم فصلها، وبيَّنَ الحلال، والحرام.
وقال مجاهد: ﴿أُحْكِمَتْ﴾: لم ينسخها شيء.
﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ نزلت شيئاً بعد شيء.
وقيل: ﴿فُصِّلَتْ﴾: فُسِّرت وبيِّنت: قاله مجاهد، وابن جريج.
﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ﴾: أي: من عند حكيم في أفعاله، خبير بجميع الأشياء، وبمصالح عباده.
وقيل: أحكمت عن أن يدخل فيها الفساد.
يقال: أَحْكَمَتْهُ الآيات.
وحكمته لغتان: أي: مَنَعْنَهُ، ومنه حَكَمت اللجام لأنها تمنع الفرس الجماح.
وأصله كله من إحكام الشيء، وهو: إبرامه، وإتقانه، عن أن يفسده شيء.
والوقف على ﴿الر﴾ حسن إلا قول من جعله مبتدأه وكتاب خبره.
ثم قال تعالى: ﴿أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله﴾ أي: فصلت من (أجل) ألا تعبدوا إلا الله عز وجل.
ثم قال لنبيه: قل ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: أيها الناس.
والابتداء بـ " إنني " حسن، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ﴾.
رداً على ﴿أَلاَّ تعبدوا﴾: أي: استغفروه من عبادة الأصنام ﴿ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾: من عبادة الأصنام، أي: ارجعوا، ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً﴾ أي: ينسئ في آجالهم إلى الوقت الذي يشاء، ويرزقكم من زينة الدنيا.
وأصل الإمتاع: الإطالة.
ثم قال: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: أي: يثيب من تفضل بفضل ماله، أو قوته، أو
كلام حسن، أو غير ذلك من وجوه الخير على غيره لوجه الله عز وجل.
قال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت واحدة، ومن عمل حسنة كتبت عشراًَ، فذلك فضل الله، عز وجل.
قال: فإن عوقب بالسيئة في الدنيا زالت عنه، وإن لم يعاقب بها أخذ من الحسنات العشر واحدة، وبقيت له تسع حسنات.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾: أي: عما دَعَوتهم إليه يا محمد من الاستغفار، والتوبة، فقل لهم: ﴿فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: أي: إن تماديتم على كفركم.
وقال الطبري: المعنى: فإن توليتم، جعله ماضياً وهو على قراؤة البزي: " مستفعل "، لأنه يشدد / التاء.
ثم قال: ﴿إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ﴾: أي: مردكم، ومصيركم، ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
أي: على إيحائكم بعد إماتتكم/ وعقابكم على كفركم.
(" وقدير ": بمعنى قادر إلا أن " فعيلاً " أبْلغُ).
قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿مُّبِينٍ﴾.
(ألا): استفتَاحُ كلام، و ﴿يَثْنُونَ﴾: من ثنيت، وهو فعل المنافقين، كانوا إذا مروا بالنبي يثني أحدهم صدره، ويطأطأ رأسه.
وقيل: نزلت فيما، كان المنافقون يبطلون من عداوة النبي، وبغضه، أعماع أن الله عز وجل يعلم ما تنطوي عليهم صدورهم من ذلك، وإنْ غطوا عليه رؤوسهم بثيلبهم، ليستتروا، فهو يعلم ما في صدورهم في كل حال من أحوالهم.
يعني بالنافقين: كفار قريش، لا المنافقين من أهل المدينة.
لأن السورة مكية.
وقال مجاهد: ظنوا أن الله، عز وجل لا يعلم ما في صدورهم.
وقال الحسن: جهلوا أمر الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: ألا حين يلبسون ثيابهم في ظلمة الليل، في أجواف بيوتهم.
يعلم ذلك الوقت سرهم وجهرهم.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ وقيل: إن أحدهم كان يثني ظهره، ويستغشي ثوبه، وقيل: إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك لئلاّ يسمعوا كتاب الله عز وجل.
قاله قتادة.
وقيل: إن هذا إخبار من الله ( عز وجل) عن المنافقين، أنه يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من الكفر.
وقال ابن زيد: " هذا حين يناجي بعضهم بعضاً ".
وقرأ ابن عباس: " ينثوي " صدورهم على مثال " ينطوي.
قال: كانوا لا يأتون النساء، ولا الغائط إلا وقد تغشوا ثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء ".
وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض ليُساره.
وبلغ من جهلهم أنهم ظنوا أن ذلك يُحفى على الله سبحانه.
ورُويَ عن ابن عباس أيضاً أنه قرأ تنثوي.
وعنه أيضاً أنه قرأ: " تثنوني "، مثل: تَفْعوعِلُ.
ومعناه: المبالغة مثل
" احلَوْلى ": إذا بلغ الغاية في الحلاوة، والهاء في " منه " للنبي صلى الله عليه وسلم، على القول الأول، وهي " إنه لله عز وجل " على القول الثاني.
وعن ابن عباس: ألا حين يستغشون ثيابهم: " أي: يغطون رؤوسهم ".
والوقف عنج الأخفش، والفراء، وابن كيسان على ذات بالتاء، لأن هذا الاسم لا يستعمل إلا مضافاً.
فصارت التاء في وسط الكلام.
وعليه جماعة القراء.
والوقف عند الكسائي بالهاء، وهو قول الجُرْمي، لأنه ثانية الأسماء، وهو اختيار أبي حاتم.
﴿لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ وقف.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وقف /.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾: أي: يتكفل بذلك حتى
تموت.
يعني: بدابة: كل ما دب، ودرج على وجه الأرض من إِنسيّ، أو جني، أو بهيمة، أو هامّة، والهامَّة كل ما يدُب سميت بذلك لأنها تهم، أي: تدب.
وقال الضحاك: والناس منهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾: أي: حيث تستقر، وتأوي.
﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: " حيث تموت " قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحم، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب، مثل تلك التي في الأنعام، وهو قول الضحاك.
وقد روي أيضاً هذا عن ابن عباس.
(وقيل: المستقر في الرحم، والمستودع: حيث تموت).
كل ذلك
﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾: أي: ظاهر لمن قرأه، قد أثبته الله، عز وجل، قبل الخلق: وهذا توبيخٌ لمن أخبر عنه أنه يخفي ما في صدره عن الله، عز وجل، ويظن أن الله سبحانه لا يعلمه، وكيف يكون آمن من قد أحصى جميع استقرار الحيوان، وموضع موته، وتكفل برزقه، وأثبت ذلك قبل خلقه.
فمن كان يقدر على ذلك كيف يخفى عليه ما في صدور هؤلاء.
قوله: ﴿وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ﴾ إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾.
والمعنى: أن الذي إليه مرجعكم أيها الناس، هو الذي خلق السماوات والأرض ومن فيهن في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلق ذلك في لحظة.
روى أبو هريرة رضي الله عنهـ، قال: " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيدي، فقال: خلق الله تعالى التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ساعات الجمعة ".
قال كعب: جعل الله عز وجل، الدنيا مكان كل يوم من الستة الأيام ألف سنة ".
وقال الضحاك: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الآخرة، كل يوم مقدار ألف سنة، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة، فسميت الجمعة لذلك.
ولم يخلق يوم السبت شيئاً.
وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾: أي: قبل خلق السماوات والأرض " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال: في عماء ".
- في بمعنى على عادة العرب، لأنها تبدّل حروف الجر، بعضها من بعض.
العماء: السحاب الرقيق.
ومن رواه مقصوراً فمعناه، والله أعلم، أنه كان وحده، وليس معه سواه.
شبه عليه السلام العمى بالعماء توسعاً ومجازاً - (فوقه هواء، وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء).
قال ابن عباس: كان الماء على متن الريح.
ثم قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾: أي: فعل ذلك ليختبركم أيكم أحسن عملاً له، وطاعة.
وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾: أحسن عقلاً، وأورع عن
محارم الله عز وجل، وأسرع إلى طاعته.
قال ابن جريج: يعني بالاختبار الثقلين.
والمعنى: ليختبركم الاختبار الذي تقع عليه المجازاة، وهو عالم بما يفعل الجميع قبل خلقهم.
ولكن أراد الله تعالى، أن يظهر من الجميع ما يقع عليه الجزاء.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: ﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت﴾: أي: إن قلت لهم يا محمد: إنكم مبعوثون من بعد موتكم، وتجازون ليقولن الذين كفروا، ما هذا ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما قولك إلا سحر ظاهر.
ومن قرأ (إلا ساحر)، فمعناه: ما هذا الذي يخبرنا بهذا إلا ساحر ظاهر.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾: أي: ولأن أخرنا يا محمد عن قومك العذاب إلى وقت معلوم عندنا معدود.
وقيل: المعنى: إلى مجيء أمة وانقراض أمة.
وإنما سميت السنون أمة، لأن فيها
تكون الأمة، وتنبتُ وتهلك.
وأصل الأمة الجماعة.
ثم قال تعالى إخباراً عما علم منهم: إنهم يقولون: إذا أخرنا عنهم العذاب.
﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِم﴾: أي: ليقولن هؤلاء الكفار ما يحبه، أي: شيء يمنع الذعاب أن يأتي تكذيباً منهم به.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً﴾ (أي: ليس يصرفه عنهم أحد إذا جاء وقته).
﴿وَحَاقَ بِهِم﴾: أي: نزل بهم وحل ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ وهو العذاب.
وقيل: المعنى: وحل بهم عقاب استهزائهم بأنبيائهم.
قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً﴾ إلى قوله ﴿على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
المعنى: ولئن وسعنا للإنسان في رزقه وعيشه، ثم سلبنا ذلك منه.
﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾: أي قنوط من الرحمة.
﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾: أي: " كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر ".
والإنسان هنا اسم للجنس، وقيل: هو للكفار خاصة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾: أي: ولئن بسطنا له في الرزق والعيش، بعد ضيق في رزقه مسه منه ضرر ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني﴾: أي: ذهب الضيق، والعسر عني.
﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾: أي: مرح، لا يشكر، ﴿فَخُورٌ﴾: أي يفخر بما ناله من السعة في رزقه، فينسى صروف الدنيا، وعوارضها غرَّة منه وجرأة.
﴿الله لاَ يُحِبُّ الفرحين﴾ [القصص: 76]: وهذا كله من صفة الكافر.
وقد قرأ بعض أهل المدينة " لَفَرَحٌ " بضم الرَّاء، وهي لغة، كما يقال:
رجل قطِرٌ وقُطُرٌ وحذَر وحذُرٌ.
ثم استثنى.
تعالى ذكره من هؤلاء قوماً ليسوا على هذه الصفة فقال: ﴿إِلاَّ الذين صَبَرُواْ﴾ أي: على الضيق والعسر وحمدوا الله على ما نالهم.
﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾: أي: الأعمال التي هي طاعات.
﴿أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾: أي: من الله: أي: لهم مغفرة لذنوبهم، فلا يفضحهم في معادهم.
﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: أي: ثواب عظيم على أعمالهم، وهو الجنة.
وقوله: ﴿إِلاَّ الذين﴾ هو استثناء ليس من الأول عند الأخفش بمعنى: " لكن ". فهذا في المؤمنين، والأول / في الكافرين فهما جنسان ونوعان.
وقال الفراء: هو استثناء من أذقناه، لأن الإنسان بمعنى الناس، فهو من الأول.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ أي: فلعلك تتْرك بعض ما يوحى إليك يا محمد، فلا تُبلغه لمن أمرت أن تبلغه إياه.
﴿وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي: وضائق بما يوحى إليك صدرك، فلا تبلغهم إياه مخافة أن يقولوا: فهلا ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾: من مال ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدقه فيما يقول، وينذر معه.
إنما عليك يا محمد الإنذار.
﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: أي: لست يا محمد عليهم بوكيل.
الله هو الوكيل عليهم، أي: هو القائك بمجازاتهم وأمورهم.
فالهاء في " به " تعود على " ما "، أو على " بعض "، أو على التبليغ، أو على التكذيب.
قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْمَلُونَ﴾:
المعنى: أيقولون افتراه، أي: اختلق القرآن من عند نفسه.
و " أَمْ " هنا هي المنقطعة التي هي بمعنى الألف قل لهم يا محمد ﴿فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾: أي: مثل القرآن.
﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾: مختلفات، أي: مختلفات، أي: مفتعلات.
كما زعمتم أني اختلقت
القرآن، فاختلقوا أنتم أيضاً.
إذ محال أن أقدر على ما لا تقدرون، لأنا أهل لسان واحد.
﴿وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله﴾: أي: ادعوا للاختلاق والعون من شئتم إلا الله سبحانه ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في قولكم إن محمداً صلى الله عليه وسلم، افترى القرآن من عند نفسه.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾: أي: إلم يستجب لكم أيها المشركون من (تدعون لأن يأتوا) بعشر سور مثل هذا القرآن ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ولم تطيقوا أن تأتوا بذلك، ﴿فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ الله﴾: أي: أيقنوا أن هذا القرآن أنزل على محمد بعلم الله، وألاَّ معبود إلا الله عز وجل.