الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
والسبل: الطرق.
ليسلكوا فيها في حوائجهم وأسفارهم.
ولو عماها عليكم لهلكتم حيرة وضلالة.
[و] ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: تهتدون إلى المواضع التي تريدون الوصول إليها فلا تضلون ولا تتحيرون.
قال ابن عباس: العلامات معالم الطرق بالنهار ﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني: بالليل.
وقال مجاهد: هي النجوم منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به.
وقال قتادة: خلق الله [ عز وجل] هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها تهتدون بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك، سفه رأية، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به.
[و] قال الكلبي: [﴿وَعَلامَاتٍ﴾] يعني: الجبال.
والنجوم عند الفراء: الجدي والفرقدان.
وغيره من العلماء يقول: النجم هنا بمعنى النجوم.
قال [تعالى] ذكره: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾.
أي: الله الخالق لهذِهِ الأشياء كلها الذي قد عددها وقدم ذكرها، الرازق لكم ولها، كالأوثان التي لا تخلق ولا ترزق.
ومعنى الآية التقريع والتوبيخ للمشركين الذين عبدوا ما لا ينفع ولا يضر وهي الأوثان والأصنام.
﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: تذكرون ما يتلى عليكم من النعم والقدرة والسلطان و [أن] الله هو المنفرد بذلك، لا يقدر عليه غيره فيدعوكم ذلك إلى عبادة الله [ عز وجل] ، وترك عبادة الأوثان، وتعرفوا خطأ ما أنتم عليه من عبادتكم إياها، وإقراركم لها بالألوهية، كل هذا تنبيه وتوبيخ لهم لتقوم عليهم الحجة.
وقوله: ﴿كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾.
يريد به الوثن، وهو لا يعقل فرقعت له " من ". وإنما ذلك لأن العرب إذا أخبرت عمن لا يعقل بفعل من يعقل أجرت لفظه كلفظ من يعقل.
فلما أنزلوا الأوثان في العبادة لها منزلة من يعقل، أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل.
ومنها قوله ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي﴾ [النور: 45] / فأتى بمن، لما أخبر عنها بالمشي كما أخبر عمن يعقل، وكذا تفعل
العرب: إذا خلطت من يعقل بمن لا يعقل غلبت من يعقل.
وحكي عن العرب: " اشتبه عليَّ الراكب وحمله، فما أدري مَنْ ذا مِنْ ذا ".
قال تعالى ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾.
أي: إن تعدوا نعم الله لا تطيقوا إذاً شكرها.
إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في أداء الشكر على نعمه عندكم، رحيم بكم أن يعذبكم بعد الإنابة إليه والتوبة.
والنعمة هنا بمعنى الجمع دَلَّ عليه قوله: ﴿تَعُدُّواْ﴾ والعدد لا يكون إلا في كثرة.
المعنى: أنه تعالى نبه الخلق على معرفته بسرهم وضمائرهم وعلى نيتهم وأنه مَحَّصَ ذلك كله، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
قال: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾.
يعني: أوثانهم التي يعبدونها ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً﴾ وهي مخلوقة، فكيف يعبد من لا يضر ولا ينفع ومن هو مخلوق مصنوع.
قال: ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾.
يعني: أوثانهم، أي لا أرواح لها.
ثم قال: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
أي: وما يشعر [هؤلاء الأوثان متى يبعث] المشركون.
وقيل الضميران للمشركين، أي: وما يشعر المشركون متى يبعثون.
وقوله: ﴿أَيَّانَ﴾ في موضع نصب.
وهو مبني لأنه فيه معنى الاستفهام، ولذلك لم يعمل فيه ما قبله.
ثم قال تعالى: ﴿إلهكم إله وَاحِدٌ﴾.
معناه: معبودكم الذي يستحق العبادة واحد، ﴿فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم﴾ أي: منكرة ما يقص عليهم من قدرة الله [ عز وجل] وتوحيده [سبحانه] وهم مستكبرون عنه.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
معناه: لا محالة ولا بد أن الله يعلم، وقيل معناه: حق أن الله يعلم سرهم وعلانيتهم، قال أبو إسحاق: و " لا " رد لفعلهم.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾.
أي: المستكبرين عليه أن يوحدوه ويكفروا بما دونه من الأصنام والأوثان.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يجلس إلى المساكين ثم يقول ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾.
ورويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه] قال " من سجد لله سجدة فقد برئ من الكفر ".
" ما " رفع بالابتداء و " ذا " بمعنى: الذي، خبر ل " ما " و " أساطير " رفع على إضمار مبتدأ، أي: هو أساطير الأولين.
والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون من المشركين ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: الذي أنزله هو ما سطره الأولون من قبلنا من الأباطيل.
قال قتادة: أساطير الأولين أحاديث الأولين وأباطيلهم.
قال: ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من يأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم فإذا مر أحد من
المؤمنين يريد النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لهم أساطير الأولين/ أي: أحاديثهم.
قال ابن عباس: نزلت في النضر بن الحارث، وكان من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روي أنه خرج إلى الحيرة فاشترى أخبار العجم وأحاديث كليلة، وكان يقرؤها على قريش، ويقول: ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين.
قال [تعالى]: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية.
هذه اللام في " ليحملوا " يجوز أن تكون لام الأمر، ويكون معنى الكلام التهدد والوعيد، ويجوز أن تكون لام كي فتتعلق بما قبلها.
ومعناها: أنهم يحملون ذنوب أنفسهم وذنوب من أضلوا وصدوا عن الإيمان بغير علم من غير أن ينقص من ذنوب من أضلوا شيء.
ومثله قوله:
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: 13].
وقد قال النبي عليه السلام: " أيما داع دعا ضلالة فاتبع، كان عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى هدى غاتبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ".
وقال زيد بن أسلم: بلغني، أنه يمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله [ عز وجل] وجهاً وأنتنه ريحاً، فيجلس إلى جنبه، كلما أفزعه شيء زاده فزعاً، وكلما تخوف شيئاً زاده خوفاً.
فيقول: بئس الصاحب أنت [ومن أنت]؟ فيقول: وما تعرفني؟ فيقول: لا.
فيقول: أنا عملك كان قبيحاً فكذلك تراني قبيحاً، وكان منتناً فلذلك تراني منتناً.
فتطأطأ لي حتى أركبك، فطال ما ركبتني في دار الدنيا، فيركبه.
وهو قوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة﴾.
قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ إلى قوله ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾.
المعنى: قد مكر الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين: يعني الذين أرادوا الارتقاء إلى السماء بالنسرين لحرب من فيها.
وقد مضى ذكر ذلك في إبراهيم أنّه نمرود بن كنعان تجبر إذ ملك الأرض.
قال مجاهد: ملك الأرض، شرقها وغربها، أربعة: مؤمنان وكافران.
فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران نمرود بن كنعان وبختنصر، وقيل هو نخ تنِصْرٍ.
ونذكرها هنا قول السدي في ذلك وما روى فيه، قال السدي: أمر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج من مدينته، فلما خرج لقي لوطاً على باب المدينة فدعاه فآمن به، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ [العنكبوت: 26] وحلف نمرود ليطلبن إله إبراهيم.
فذهب فأخذ أربعة أفراخ من النسور، فرباها باللحم والخمر، حتى إذا كبرن، وغلظن، واستعجلن، قرنهن بتابوت، وقعد في ذلك التابوت.
ثم رفع رجلاً من
لحم لهن، فطرن به حتى ذهبن في السماء.
فأشرف ينظر إلى الأرض.
فرأى الجبال تدب كدبيب النمل.
ثم رفع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطاً بها بحر كأنها فلكه في ماء.
ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة / فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته.
ففزع فألقى اللحم / فاتبعه منقضات.
فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وتسمعن حفيفهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم تزل.
وذلك قوله ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ [إبراهيم: 46].
وكان إذا طرن به من بيت المقدس ووقوعهن به على جبل الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ في بنيان الصرح.
فبنى حتى أسند به إلى السماء، وارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله إبراهيم فأحدث ولم يكن وقت حدثه.
وأخذ الله بنيانه من القواعد
﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي: من مأمنهم.
فلما سقط تبلبلت ألسن الناس يومئذٍ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل بالسريانية.
قال ابن عباس في: ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ وهو نمرود حين بنى الصرح.
قال زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمرود فبعث الله بعوضة فدخلت منخره فمكث أربع مائة سنة [يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه بالمطارق، وكان جباراً أربع ماشة سنة] فعذبه الله [ عز وجل] في الدنيا أربع مائة سنة كملكه.
ثم أماته الله [ عز وجل] وهو الذي بنى صرحاً.
وهو
الذي أتى الله بنيانه من القواعد.
وقيل: معنى ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ استأصلهم بالهلاك.
وقيل: هو مثل لأعمالهم التي أحبطها الله.
كأن [أعمالهم] التي عملوها حبطت بمنزلة [بناء] سقط من قواعده.
ومعنى: ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ أي: أتى أمر الله بنيانهم.
ومعنى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾: خرت عليهم [أعالي البيوت] فهلكوا.
وقال ابن عباس: معناه أتاهم العذاب من السماء.
ومعنى ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾: توكيد أنهم تحته، لأنه قد يقال: سقط على منزل كذا، إذا كان يملكه.
فقال ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ ليزول
هذا المعنى منه.
وروي أن نمرود بن كنعان بنى بناء ليصل به السماء فبعث الله ريحاً فهدمته، ويقال: إن من يومئذٍ لم تدع الريح بناء على وجه الأرض يكون ارتفاعه أكثر من ثمانين ذراعاً إلا هدمته.
ثم قال [تعالى]: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾.
أي: ثم يذلهم يوم القيامة مع ما فعل بهم في الدنيا.
ويقول لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ الذين زعمتم في الدنيا أنهم شركائي فما لهم لا ينقذونكم من العذاب.
وقال ابن عباس ﴿كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ﴾: تخالفون فيهم.
وقيل معناه: تحاربون.
وأصله من شاققت فلاناً، إذا فعل كل واحد منهما بصاحبه ما يشق عليه.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم﴾ أي: الذل والهوان ﴿عَلَى الكافرين * الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [أي]: وهم على كفرهم.
وقيل: عنى بذلك من قتل ببدر من قريش.
وقد أخرج إليها كرهاً، قاله: عكرمة.
ثم قال / ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء﴾ أي: قالوا ما كنا نعمل من سوء.
وأخبر الله [ عز وجل] عنهم: أنهم كذبوا، وقالوا: ما كنا نعصي الله في الدنيا، فكذبهم الله، وقال: ﴿بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾ أي: بلى عملتم السوء، إن الله عليم بعملكم.
ومعنى: ﴿فَأَلْقَوُاْ السلم﴾ أي: الاستسلام لأمر الله [ عز وجل] لما عاينوا الموت.
وقيل معناه: ألقوا الصلح لأنه قد تقدم ذكر المشاقة، وبإزاء المشاقة - وهي العداوة - الصلح.
ثم قال [تعالى] ﴿فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: طبقاتها ماكثين فيها.
﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ أي: بئس منزل من تكبر على الله سبحانه، ولم يقر بالوحدانية.
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: " الكبر أن يسفه الحق ويغمط الخلق ".
قوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قوله: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ ما: في موضع نصب.
قالوا: وهي مع " ذا " اسم واحد في موضع نصب.
﴿قَالُواْ خَيْراً﴾ أي: قالوا أنزل خيراً.
والمعنى: وقيل لأهل الإيمان والتقوى: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا خيراً.
ثم بينوا الخير ما هو فقالوا:
﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾ ويجوز حسنة في غير القرآن بالنصب على معنى أنزل للذين أحسنوا حسنة.
ثم قال: ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ﴾.
أي: خير من الأولى ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين﴾ دار الآخرة.
ثم بين دار المتقين ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: بساتين إقامة.
فجنات: مرفوعة على الابتداء ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ الخبر.
ويجوز رفعها على إضمار مبتدأ.
أي: هي جنات عدن، و ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ حال.
ثم قال: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي: من تحت أشجارها.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ﴾.
أي ما تشتهيه أنفسهم.
﴿كَذَلِكَ يَجْزِي الله المتقين﴾.
أي: كما جزى الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، كذلك يجزي الله من اتقاه فآمن به وأدى فرائضه واجتنب معاصيه.
ثم بيّن المتقين فقال ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة طَيِّبِينَ﴾.
أي: تقبض الملائكة أرواحهن طيبين، لتطييب الله إياها.
﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادخلوا﴾ أي: تقول لهم الملائكة: سلام عليكم صيروا إلى الجنة وهذه بشارة من الله للمؤمنين.
وروى أنس بن مالك وتميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله لملك الموت: انطلق إلى عبدي إذا جاز أجله فاتني به.
فلأريحنه من الدنيا، فإني قد ضربته بالبأساء والضراء فيها فوجدته حيث أُحِبْ.
فينطلق ملك الموت، ومعه خمس مائة من الملائكة، يحملون معه كفناً، وخيوطاً من الجنة، وضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لوناً، لكل لون من ذلك ريح طيبة سوى ريح أصحابها، والحرير الأبيض، فيه المسك الأذفر.
فيجلس ملك الموت عند رأسه ويحتويه الملائكة.
فيضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه ويبسطون/ ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه.
فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة مرة، وبأزواجها مرة وبسكوتها مرة، وبثمارها [مرة] كما يعلل الصبي أهله إذا بكى.
وإن روحه ليهش عند ذلك هشاً.
قال: يقول: ينزو نزواً ليخرج يقول ملك الموت لنفسه: أخرجي أيتها النفس الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود وماء
مسكوب.
فلملك الموت أشد به ألطافاً من الوالدة بولدها.
يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه [ عز وجل] فهو يلتمس بلطف حبيب ربه [ عز وجل] رضاء الرب [سبحانه].
فيسل روحه كما تسل الشعرة من العجين.
قال الله [ عز وجل] : ﴿ الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ".
قال محمد بن كعب القرظي: إذا استنقعت نفس المؤمن، يعني في صدره، جاء ملك الموت، فقال: السلام عليك ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم نزع بهذه الآية.
وهو معنى قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58].
قال البراء [بن عازب]: يسلم عليهم ملك الموت.
وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ [الواقعة: 91] قال: الملائكة
يأتونه بالسلام من قبل الله [ عز وجل] وتخبره أنه من أصحاب اليمين.
وقوله ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بعملكم في الدنيا وطاعتكم لله [ عز وجل] .
ثم قال [تعالى]: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾.
أي: هل ينظر هؤلاء المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وبما وعدوا به من العذاب.
أو يأتي أمر ربك لحشرهم [لموقف] يوم القيامة.
وقيل: أو يأتي أمر ربك بالعذاب والقتل في الدنيا.
﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما فعل هؤلاء من انتظارهم الملائكة لقبض أرواحهم وإتيان أمر الله [ عز وجل] إليهم بالعذاب كما فعل أسلافهم من الكفار بالله فجاءهم ما كانوا ينتظرون ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ الله﴾ في إحلال العذاب بهم
﴿ولكن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعصيتهم لأمر الله وكفرهم به.
قال مجاهد: أن تأتيهم الملائكة من عند الموت ويأتي أمر ربك يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾.
أي: أصاب هؤلاء الذين تقدم ذكرهم من الأمم الماضية عقاب ذنوبهم ونقم معاصيهم ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي: وحل بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤون ويسخرون إذا أنذرتهم الرسل.
[و] قوله: ﴿وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾.
معناه: وقال الذين عبدوا مع الله [سبحانه] غيره من الأوثان والأصنام من قريش وغيرهم، قد رضي الله عنافي عبادتنا ما عبدنا.
لأنه لو شاء، ما عبدناها، ولو شاء ما حرمنا البحائر والسوائب، وما بقينا على ما نحن عليه، إلا لأن الله [ عز وجل] قد رضي ذلك.
ولو لم يرض عنا لغير ذلك ببعض عقوباته ولهدانا إلى غيره / من الأفعال.
قال الله [ عز وجل] ﴿ كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم المشركة
فاستن هؤلاء بسنتهم وسلكوا سبيلهم في تكذيب الرسل.
﴿فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين﴾.
أي: البلاغ الظاهر المعنى المفهوم عند الرسل إليه.
وهذا القول الذي قالوه إنما قالوه على طريق الهزء والاستخفاف.
كما قال قوم شعيب عليه السلام له: ﴿إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد﴾ [هود: 87] على طريق الهزء.
ولو قالوه على طريق الجد لكانوا مؤمنين.
وكذلك، لو قال قائل مذنب على طريق الجد: لو شاء الله ما أذنبت، ولو شاء الله ما قتلت النفس، لم يكن بذلك كافراً ولا منقوصاً، وكان كلامه حسناً.
وإنما قبح [كلام] أولئك وكان كفراً لأنهم قالوه على طريق الهزء لا على طريق الجد.
وقد اتفقت الأمة أن الله لو شاء ألا يعبد غيره لم يكن إلا ذلك.
ولكنه تبارك وتعالى وفق من أحب إلى ما يرضيه بتوفيقه، وأضل من أحب ضلاله بخذلانه له.
ثم قال [تعالى] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله﴾.
أي: بعثنا إلى كل أمة تقدمت وسلفت [رسولاً] بأن يعبدوا الله ويخلصوا له العبادة، ويبعدوا من طاعة الطاغوت، وهو الشيطان، ويحذروه أن يغويهم ويصدهم عن سبيل الله [ عز وجل] فمنهم من هدى الله، ففعل ما أمر به، وذلك
بتوفيق الله [ عز وجل] له.
ومنهم من حقت عليه الضلالة فضل ولم يؤمن وذلك خذلان الله [سبحانه] له.
﴿فَسِيرُواْ فِي الأرض﴾.
فسيروا يا مشركي قريش في الأرض التي [كان] يسكنها الأمم قبلكم، إن كنتم غير مصدقين لما يتلى عليكم من هلاك الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل.
فانظروا آثارهم وديارهم واتعظوا وارجعوا إلى الإيمان بما جاءكم به رسولكم واحذروا أن ينزل بكم ما نزل بهم.
ثم قال [تعالى]: ﴿إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ﴾.
أي: إن تحرص يا محمد على هدى هؤلاء المشركين من قومك، فإن من أضله الله منهم فلا هادي له ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: ليس لهم ناصر ينصرهم من الله [ عز وجل]
إذا أراد عقوبتهم.
وفي قراءة أُبَيّ " فإن الله لا هادي لمن أضل " وقرأ ابن مسعود: " فإن الله لا يهدي من يُضل " بضم الياء من (يضل) فكسر الدال والضاد.
وقرأ الكوفيون: " لا يهد [ي] " بفتح الياء.
وقرأ الحرميان والشامي والبصري " لا يُهْدَى " بضم الياء وفتح الدال.
ومعنى قراءة نافع ومن تابعه: من أضله فلا هادي له.
ومعنى قراءة الكوفيين: فإن الله لا يهدي من أضله، أي: من أضله الله لا يهديه، أي: من سبق في
علمه له الضلالة فإنه لا يهديه الله.
وفيها معنى آخر وهو: فإن الله [لا] يهتدي من أضله: أي: من أضله الله لا يهتدي.
حكى الفراء أنه يقال: هدَّى يهدِّي بمعنى اهتدى يهتدي.
قوله ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
معناه: وحلف هؤلاء / المشركون من قريش بالله جهد حلفهم لا يبعث [الله] من يموت بعد موته، وكذبوا في أيمانهم ﴿بلى﴾ سيبعث الله من يموت بعد مماته.
﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ أي: وعد عباده ذلك، والله لا يخلف الميعاد ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله يبعث الموتى بعد موتهم.
وتأول قوم من أهل البدع أن علياً رضي الله عنهـ يبعث قبل يوم القيامة بهذه الآية، فسئل عن ذلك ابن عباس، فقال: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامة، ولعمري لو كان
علي مبعوثاً قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه.
قال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه وكان مما تكلم به المسلم أن قال: والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا.
فقال المشرك: تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم بالله جهد [يمينه لا يبعث الله من يموت.
فأنزل الله عز وجل ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية.
وقال أبو هريرة: قال الله عز وجل: " يسبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني.
وكذبني، ولم يكن ينبغي له أن يكذبني.
فأما تكذيبه إياي: فقسمه بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت.
فقلت ﴿بلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾.
وأما سبه إياي: فقال ﴿إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: 73] وقلت:
﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] [إلى آخر] السورة ".
قال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.
هذه اللام: متعلقة بالبعث المضمر بعد " بلى ". والمعنى: بلى يبعثهم الله ليبين لهم اختلافهم.
وقيل: هي متعلقة بـ " بعثنا " من قوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ ليبين لهم اختلافهم وأنهم كانوا من قبل الرسول على ضلالة، وليعلم الذين جحدوا بعث الأموات من قريش أنهم كانوا كاذبين في قولهم ﴿لاَ يَبْعَثُ [الله] مَن يَمُوتُ﴾.
وقال قتادة ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ يعني: الناس عامة.
والذي يختلفون فيه هو البعث: منهم من يقربه ومنهم من ينكره.
معناه: إنما قولنا لشيء مراد، قلنا له كن فيكون.
وهذا إنما هو مخاطبة للعباد بما يعقلون، وإلا فما أراده تعالى فهو كائن على كل حال، على ما راده من الإسراع.
لو أراد، تعالى ذكره خلق الدنيا والسماوات والأرض وما بين ذلك في قدر لمح البصر، لقدر على ذلك.
ولكن خوطب العباد بما يعقلون فأعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه وأنه متى أراد الشيء كان.
وإذا قال [له] كن [ف] كان، أي: فيكون على حسب الإرادة
وليس هذا الشيء المذكور موجوداً قبل أن يقول له كن.
وإنما المعنى: إذا أردنا الشيء قلنا من أجله كن أيها الشيء فيكون على قدر / الإرادة لأن المشركين أنكروا البعث فأخبرهم الله بقدرته على حدوث الأشياء.
وهذا يدل على أن المعدوم يسمى شيئاً، لأنه قد سماه شيئاً قبل حدوثه.
ومثله ﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ [الإنسان: 1] فأما قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: 9] فمعنا [هـ] لم تك شيئاً مذكوراً ولا موجوداً.
ومن إنكارهم البعث قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ [الواقعة: 46] أي: كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون.
وتحقيق الآية أنه أعلمهم أنه أراد أن يبعث من مات فلا تعب عليه في ذلك لأنه إنما يقول له كن: فيكون ما يريد بلا معاناة ولا كلفة.
ومن رفع " فيكون " فعلى القطع، أي: فهو يكون.
نصبه عطفه على " أن
نقول " أي: أن يقول فيكون.
ولا يجوز النصب على [ال] جواب ل " كن " لأنه خبر وليس بأمر.
قوله: ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي الله﴾.
المعنى: والذين فارقوا دورهم وأوطانهم عداوة للمشركين في الله [ عز وجل] من بعد ما ظلمهم المشركون وأوذوا في ذات الله [سبحانه].
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾.
أي: لنسكنهم في الدنيا مسكناً صالحاً يرضونه.
وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بالحبشة ثم بوأهم الله [ عز وجل] المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين، قال ذلك قتادة وابن عباس.
وقال الضحاك: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً﴾ هو النصر والفتح.
﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ﴾ الجنة.
فالآية: فيمن هاجر من المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة.
ليست الهجرة في هذا الموضع: الهجرة إلى المدينة، لأن هذا أنزل بمكة إلى أرض الحبشة.
قال الشعبي: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا [حَسَنَةً]﴾ المدينة، وقال ابن
[أبي] نجيح: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً﴾ أي: لنرزقهم في الدنيا رزقاً حسناً.
وكان عمر رضي الله عنهـ إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله [ عز وجل] في الدنيا، وما أخّر لك في الآخرة أفضل ثم يتلوه هذه الآية: ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي الله﴾.
وقال الضحاك: الحسنة: النصر والفتح.
وقال مجاهد: الحسنة: هنا لسان صدق.
ومعنى بوأت فلاناً منزلاً: أحللته فيه.
ومنه قوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 93].
وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جندل بن سهل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ﴾.
أي: ولثواب الآخرة على الهجرة، أكبر من ثواب الدنيا.
وقيل: الحسنة هنا، كونهم مؤمنين وسماعهم ثناء الله [ عز وجل] عليهم.
وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين عذبهم المشركون على إيمانهم وأخذوا أموالهم، منهم: صهيب وبلال.
وذلك أن صهيباً قال للمشركين: أنا رجل / كبير 'ن كنت معكم ام أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرَّ بكم.
فخذوا مالي ودعوني.
فأعطاهم ماله وهاجر إلى النبي عليه السلام.
فقال له أبو بكر: ربح البيع يا صهيب.
وقال عمر [رضي الله عنهـ]: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.
أي: لو أمن عذاب الله [سبحانه] لما ترك الطاعة ولا جنح إلى المعصية.
ثم بيَّن الله هؤلاء القوم فقال: ﴿الذين صَبَرُواْ﴾ في الله على ما نالهم في الدنيا من الكفار.
﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: به يثقون في أمورهم.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾.
وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم بالدعاء إلى توحيد الله وقبول أمر الله [سبحانه] إلا رجالاً من بني آدم وليسوا بملائكة، ولم يرسل إلى قومك إلا مثل من أرسل إلى من كان قبلكم من الأمم.
ثم قال تعالى: ﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر﴾.
أي: فاسألوا يا قريش أهل الذكر: يعني الذين قرؤوا التوراة والإنجيل.
قال
الأعمش: هم من آمن من أهل التوراة والإنجيل.
أي فاسألوهم فيخبرونكم أن الرسل التي تقدمت إلى الأمم أنهم كانوا رجالاً من بني آدم.
وقال ابن عباس: فاسألوهم هل ذكر محمد [ صلى الله عليه وسلم] في التوراة والإنجيل.
يعني: سألوا من آمن من قبلهم عن ذلك.
وقال ابن زيد: أهل الذكر أهل القرآن.
يعني: من آمن بمحمد [ صلى الله عليه وسلم] وبما جاء به.
وقال أبو إسحاق: معناه: فاسألوا كل من يذكر بعلم، وافق هذه الملة أو خالفها.
قال ابن عباس: لما بعث الله محمداً عليه السلام رسولاً، أنكرت العرب ذلك.
وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً.
فأنزل الله [ عز وجل] ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾ [يونس: 2] الآية، وأنزل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾.
ثم قال [تعالى] ﴿بالبينات والزبر﴾.
أي: بالدلالة الواضحة، والزبر الكتب.
جمع زبور.
مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته.
الباء من ﴿بالبينات﴾ متعلقة بفعل مضمر.
التقدير: أرسلناهم بالبينات ودل " أرسلنا " الأول على هذا المحذوف.
وقال قوم: الباء متعلقة بأرسلنا المذكور.
وأجازوا تقدم الإيجاب على أن تكون " إلا " بمعنى: " غير ". فأجازوا: ما ضرب إلا أخوك عمراً، وما كلم إلا أبوك بكراً، على معنى: " غير "، وعلى ذلك أنشدوا:
ابني لُبَيْنَى لَسْتُم بيد ... إلا يد ليست لها عضد
أنشدوه بخفض يد بعد " إلا " على مهنى " غير يد ". ولا يحسن أن تكون " إلا " هنا بغير معنى: " غير " لأنه يفسد الكلام، إذ الذي خفض اليد قبل " إلا " لا يمكن إعادته بعد " إلا "، ومنه قول الله [ عز وجل] : ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله [لَفَسَدَتَا]﴾ [الأنبياء: 22] أي: غير الله.
ومن لا يجيز هذا، ينشد البيت بالنصب " إلا يدا " على البدل من موضع بيد.
ويجوز عندهم: ما ضرب إلا أخوك عمراً على كلامين كأنه قال ضرب عمر [و].
ثم قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر﴾ [أي القرآن] ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ أي
لتعرفهم: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، من ذلك يعني.
من الفرائض / والأحكام والحدود ﴿[وَ] لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: يطيعون، قاله مجاهد.
وقيل معنى ذلك: لعلهم يعتبرون [م] اأنزلناه.
قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات﴾.
والمعنى أفأمن الذين ظلموا المؤمنين من أصحاب النبي عليه السلام، وقالوا في القرآن: هو أساطير الأولين ﴿أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض﴾ كما فعل بقوم لوط، أو يأتيهم العذاب من حيث يأمنوا كما أتى نمرود بن كنعان وقومه.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾.
أي أو يهلكهم في تصرفهم في البلاد في أسفارهم، قاله: ابن عباس وقتادة.
وقال ابن جريج: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ بالليل والنهار.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾.
أي: أو يهلكهم الله بتخوف.
وذلك نقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم.
وقال الزجاج معناه: أو يأخذهم بعد أن يخوفهم بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها.
وقال الضحاك: معناه أو أخذ طائفة وادع طائفة فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها.
وقال ابن عباس ومجاهد ﴿على تَخَوُّفٍ﴾ على تنقص.
أي ينقص من أموالهم وزروعهم حتى يهلكهم.
وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ قرأ هذه الآية فقال: ما التخوف؟ فأقام بذلك أياماً، فأتاه غلام من أعراب قيس فقال: يا أمير المؤمنين أراني يتخوفني مالي: فقال له عمر: كيف يتخوفك مالك؟ فقال ينتقصني مالي.
فقال عمر ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ على تنقص.
وقيل معنى: ﴿على تَخَوُّفٍ﴾ أي: يأخذهم بالهلاك
فيخوف بهم غيرهم ليتعظوا، وهوقوله الضحاك.
وقال الليث: ﴿على تَخَوُّفٍ﴾ على عجل.
ويروى عن عمر [رضي الله عنهـ] أنه [قال] ما كنت أدري ما معنى ﴿على تَخَوُّفٍ﴾ حتى سمعت قول الشاعر:
تَخَوَّفَ السَّيْرُ مِنْهَا تَامِكاً قَرِداً ... كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفِنُ