الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وتؤدي إليك من تشاء، أي تردها إليك.
قال قتادة: جعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهم بغير قسم وكان صلى الله عليه يقسم.
وقال أبو رزين: لما أشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقهن، قلن يا رسول الله: اجعل لنا في مالك ونفسك ما شئت فكان ممن أرجأ منهم سودة بنت زمعة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان ممن أوى عائشة وأم سلمة وحفصة زينب.
فالمعنى على هذا القول أنه صلى الله عليه أخر هؤلاء فلم يقسم لهن ولم يطلقهن، وضم هؤلاء فقسم لهن، وهو قول الضحاك.
وعن ابن عباس أن المعنى من شئت خليت سبيله منهم ومن شئت أمسكت منهن.
وقال الحسن: المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها
حتى يتركها أو يتزوجها.
فالمعنى: اترك نكاح من شئت من أمتك، وانكح من شئت.
وقال ابن زيد في ذلك كلاماً معناه: إن الله جل ذكره أمر نبيه أن يخير نساءه بين الدنيا والآخرة في قوله:
﴿قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا﴾ إلى قوله: ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 28 - 29] فلما اخترن الآخرة واخترنه أبيح له أن يعزل من شاء منهم فلا يقسم لها، ويضم من شاء فيقسم لها، ومن ابتغى ممن عزل عن نفسه، فله أن يرجع ويقسم لها، فخيرهن أيضاً في الرضى بهذا أو يفارقهن فرضين بذلك إلاَّ امرأة بدوية ذهبت.
فقال الله جل ذكره: ﴿ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أي: أن يسكن ولا يغرن ويرضين كلهن بما فعلت من ضم أو عزل، إذ ذلك كله من حكم الله لك فيهن، وذلك إشارة إلى ما تقدم مما أباحه الله لرسوله عليه السلام فيهن.
قال قتادة: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ " أي: لك أن تأتي من شئت منهم لا إثم عليك في ذلك، وهو قول الحسن.
وقال ابن عباس: معناه من مات من نسائك اللواي عندك، أو خليت سبيله فلا إثم عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك، ولا يحل أن تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئاً.
قال الزجاج: معناه إن أردت أن تؤوي إليك من عزلت فلا جناح عليك.
وهو القول الأول بعينه، وهو أحسنها إن شاء الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ﴾ أي: من ميلكم إلى بعض من عندكم من النساء دون بعض بالهوى والمحبة فلذلك وضع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرج في ذلك لأن القلب لا يملك، والهوى سلطان غائب عن الإنسان.
ثم قال: ﴿وَكَانَ/ الله عَلِيماً﴾ أي: ذا علم بأعمالكم وغيرها.
﴿حَلِيماً﴾ أي: ذا حلم عن عباده أن يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة.
ثم قال تعالى: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ﴾ أي: من بعد من عندك من النساء.
قال قتادة: لما اخترن الله ورسوله قصره عليهن وهن تسع.
وقيل: المعنى: لا يحل لك النساء بعد اللواتي أحللنا، يعني في قوله: ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿مِن دُونِ المؤمنين﴾ قاله أُبي بن كعب والضحاك.
وقال مجاهد: المعنى: من بعد المسلمين، فحرم عليه نكاح اليهوديات والنصرانيات.
وهو قول ابن جبير وعكرمة.
وروي عن عائشة أنها قالت: " ما مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أحَلَ اللهُ لَهُ النِّسَاءَ "، فتكون الآية منسوخة بالسنة.
وقد روي ذلك عن أم سلمة، وهو قول علي وابن عباس والضحاك.
وقيل: الآية محكمة، ولا يحل له النساء بعد نزول هذه الآية، وهو قول أُبي بن كعب، اختيار الطبري.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ أي: ولا يحل لك أن تستبدل من عندك غيرهن من المسلمات، قاله الضحاك.
وقال مجاهد: لا تستبدل بمن عندك من المسلمات كتابية.
وقال ابن زيد: لا تبدل زوجتك بزوجة رجل آخر، وهو فعل كان في الجاهلية وقوله: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أي: فذلك حلال.
وقال ابن زيد: إلا ما ملكت يمينك، فلك أن تبادل غيرهن ولا تفعل ذلك في
الحرائر.
قوله تعالى ذكره: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ إلى قوله: ﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾.
المعنى: أن الله جل ذكره أمر أصحاب النبي عليه السلام ألا يدخلوا عليه إلا أن يأذن لهم إلى طعام لم يكونوا منتظرين وقته وإدراكه.
وإنّاه مصدر أنَّى يَأْتِي إِنّاً وَإِنْياً وَأَنًّا ممدود، وفيه لغة أخرى، يقال: أن يَئين أنْياً، ويقال في معناه: نَالَ لَك وأنَالَ لكَ.
ومعنى آن: حان.
" وغير " منصوب على الحال من الكاف والميم في " لكم "، ولا يحسن خفضه على النعت لطعام لأنه لا يلزم منه إظهار الضمير، فتقول: غير ناظرين أنتم إناه، لأن اسم الفاعل إذا جرى صفة على غ ير من هو له، أو خبراً لم يكن بد من إظهار الضمير الذي فيه.
والمعنى غير منتظرين حينه ونضجه.
ثم قال: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا﴾ أي: إذا دعاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته لطعام فادخلوا.
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا﴾ أي: فتفرقوا إذا أكلتم من بيته.
﴿وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: لا متحدثين بعد فراغكم من أكلكم.
وكان نزول هذه الآية في قول أكلوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب بنت
جحش، ثم جلسوا يتحدثون في مجلس رسول الله، ولرسول الله إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء أن يأمرهم بالخروج من منزله.
روى معنى ذلك أنس بن مالك، قال أنس: وكان قد أَوْلَمَ رسول الله بتمر وسَوِيقٍ.
وكان أنس ذلك اليوم ابن عشر سنين.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾.
وهذا أدب لأصحاب النبي عليه السلام ولمن بعدهم.
وقال قتادة: كان هذا في بيت أم سلمة أكلوا وأطالوا الحديث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدخل ويخرج، ويستحي منهم والله لا يستحي من الحق.
ثم قال: ﴿إِنَّ ذلكم كَانَ يُؤْذِي النبي﴾ أي: دخولكم في بيت النبي من غير أن يؤذن لكم، وجلوسكم فيها مستأنسين لحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له كان يؤذي النبي فيستحي منكم أن يخرجكم منها.
وأن يمنعكم من الدخول إذا دختلم بغير إذن مع كراهته لذلك منكم.
﴿والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾ أن يبينه لكم.
ثم قال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ أي: وإذا سألتم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً أو غيره فخاطبوهن من وراء حجاب، أي: من وراء ستر/ ولا تدخلوا عليهن بيوتهن.
ثم قال جل ذكره: ﴿ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: مخاطبتكم لهن من وراء حجاب أطهر لقلوبكم، وقلوبهن من عوارض الفتن.
وذكر مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة فكره ذلك النبي، فنزلت آية الحجاب.
وروى أنس أن عمر قال: " قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ أنَّ نِسَاءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، قال فنزلت آية الحجاب " وروي: " أنَّ سُودَة خرجَت ليلاً لِلبِرازِ عشاءً، وكانت طويلة فناداها عُمَر بِصَوْتِهِ الأَعلى: " قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا
سُودَة حِرْصاً على أن يَنْزِلَ الحِجَابُ فنزلَت آيةُ الحِجَابِ ".
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ أي: ما ينبغي ولا يصلح لكم أذى نبيكم ولا نكاح أزواجه من بعده لأنهن أمهاتكم، فلهن حرمة الأمهات.
روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت آية الحجاب قال رجل من أصحاب رسول الله: أينهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندخل على بنات عمنا، أما والله لئن مات رسول الله وأنا حَيٌّ لأتزوجن عائشة، فأنزل الله تعالى وجل ذكره: ﴿وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ إلى: ﴿عَلِيماً﴾.
فأعلمهم أنه يعلم ما يخفون في أنفسهم وما يبدون.
قال قتادة: قال رجل من أصحاب رسول الله عليه السلام: إن مات رسول الله تزوجت فلانة، امرأة من أزواج النبي.
قال معمر: الذي قال هذا طلحة لعائشة.
ثم قال: ﴿إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً﴾ أي: إن أذاكم نبيكم ونكاحكم أزواجه من
بعده عند الله عظيماً من الإثم.
ثم قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي: إن تظهروا شيئاً بألسنتكم من جميع الأمور أو تخفوه في قلوبكم فلا تظهروه، فإن الله كان بكل شيء ذا علم لا يخفى عليه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَآئِهِنَّ﴾ أي: لا إثم على أزواج النبي في الظهور إلى آبائهم ولا إلى من ذكر بعد ذلك من ذوي المحارم.
قال مجاهد: معناه: لا إثم عليهن في أن تضع الجلباب ومعها من ذكر.
وقال قتادة: رخص لهؤلاء أن لا يحتجبن منهم.
وهذا القول أليق بسياق الآية.
والآية عامة في أزواج النبي عليه السلام وأزواج المؤمنين ألا يحتجب من الآباء ولا من الأبناء ولا من الإخوة ولا من أبناء الإخوة.
قال الشعبي: ولم يذكر في ذلك العم حذاراً من أن يصفهن لأبنائه.
وكره الشعبي وعكرمة أن تضع خمارها عند عمها وخالها، لأنهما يصفانها إلى ابنيهما، ونكاحها إلى كل واحد من ابنيهما يحل.
وقيل: إنما لم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين.
وقوله: ﴿وَلاَ نِسَآئِهِنَّ﴾ أي: ولا يحتجبن من نساء المؤمنين.
وقال ابن زيد: هذا كله في الزينة، وقوله: ﴿وَلاَ نِسَآئِهِنَّ﴾ يعني المؤمنات الحرائر،
قال: ولايجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورات المرأة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني المماليك.
قال ابن زيد: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من المماليك.
قيل: إن ذلك في النساء من المماليك خاصة.
وقيل: في النساء والرجال من المماليك.
ثم قال تعالى: ﴿واتقين الله﴾ أي: وخفنَ الله أن تتحدَّيْنَ في ما حدّ الله لكن في الحجاب.
﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ هو شاهد على ما تفعلنه من حجابكن وغير ذلك من أموركن.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾.
أجاز الكسائي رفع الملائكة.
وأجاز: إن زيداً وعمرو متطلقان.
ومنعه جميع النحويين في البسملة.
وأجازه بعضهم في الآية على حذف، والتقدير: إن الله يصلي على النبي وملائكته
يصلون على النبي، ثم حذف من الأول لدلالة الثاني وقد قرد بعض النحويين هذا التقدير في الآية مع النصب، وقال: يبعد أن يجتمع ضمير الله جل ذكره مع غيره إجلالاً له وتعظيماً، ثم استدل على ذلك بإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على الذي قال: ما شاء الله وشئت فقال: " ما شاء اللهُ، ثُمَّ شِئْتَ " فالواو كالجمع.
فالمعنى/: إن الله وملائكته يباركون على النبي، قاله ابن عباس.
وقيل: إن الله يرحم على النبي وملائكته يدعون له، فهذا التقدير أيضاً مما يقوي تقدير الحذف من الأول، ويكون يصلون للملائكة خاصاً لأن الصلاة من غير الله دعاء، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليه، فقال: " قُولُوا اللهُمَّ صَلِّ عَلَى محَمد وعلَى آلِ مُحَمَدٍ كما صَلَّيْتَ علَى إبْرَاهِيمَ، وبَارك عَلَى مُحَمدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى إبْراهيم في العَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجيدٌ، والسَّلاَمُ كَمَا قَد عَلمتُم ".
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر السورة.
أي: إن الذين يؤذون أولياء الله، قاله الشعبي.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله عز وجل: " شَتَمَنِي عَبْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ
يَشْتُمَنِي، وَكَذَبَنِي عَبْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي فَأَمَا شَتْمُهُ إِيَّيَ فَقَوْلُهُ: إِنِّي اتَّخَذْتُ وَلَداً، وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ.
وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنْ لَنْ يُبْعَثَ - يَعْنِي بَعدَ المَوْتِ - " وقال عكرمة: هم أصحاب التصاوير.
وقيل: إنهم يعصون الله ويركبون ما حرم عليهم فذلك أذاهم.
ثم قال تعالى: ﴿والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا﴾.
قال مجاهد: يَقْفُونَ فيهم بغير ما عملوا.
وقيل: إنها نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين نكح صفية بنت حُيي.
ثم قال: ﴿لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة﴾ أي: أبعدهم من رحمته.
ثم قال: ﴿فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ أي: وزر كذب وفرية شنعية، ﴿وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ أي: بَيِّنٌ لسامعه أنه إثم وزور.
والبهتان أفحش الكذب.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين﴾ الآية.
أي: قل لهن يرخين عليهن أرديتهن لئلا يشتبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق.
قال ابن عباس في معناها: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، وبيدين عيناً واحدة.
وعنه أيضاً أنه قال: كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب أن تقنع به وتشده على جبينها.
وقال أبو مالك والحسن: كان النسء يخرجن بالليل في حاجاتهن فيؤذيهن المنافقون ويتوهمون أنهن إماء فأنزل الله الآية.
وكان عمر رضي الله إذا رأى أمة قد تقنعت علاَهَا بالدِّرَة.
وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ فقال: تغطي
حاجبها بالرداء أو ترده على أنفها حتى يغطي رأسها ووجهها وإحدى عينيها.
وقال مجاهد: يتجلببن حتى يعرفن فلا يؤذين بالقول.
وقال الحسن: ﴿ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ﴾ أي: يعرفن حرائر فلا يؤذين.
قال ابن عباس وابن مسعود: الجلباب الرداء.
وقال المبرد: الجلباب كل ملحفة تستر من ثوب أو ملحفة.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ لما سلف منهم من ترك إدنائهن جلابيبهن عليهن، ﴿رَّحِيماً﴾ بهن أن يعاقبهن بعد موتهن.
ثم قال تعالى: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي: لئن لم ينته الذين يسرون الكفر.
﴿والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي: شهوة من الزنى من المنافقين.
﴿والمرجفون فِي المدينة﴾ أي: أهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل يشيعون
ما يخوفون به المؤمنين، وهم المافقين، أيضاً هم أجناس قد جمعوا هذه الأسماء كلها.
قال قتادة: أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فتوعدهم الله بهذه الآية فكتموا نفاقهم وستروه.
ثم قال تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أي لنسلطنك عليهم، وقد أغراه بهم بقوله جل ذكره: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] وأمره بلعنهم.
وقال المبرد: قد أغراه بهم في قوله: ﴿أَيْنَمَا ثقفوا أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً﴾ قال: وهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم، أي: هذا حكمهم إذ قاما على النفاق والإرجاف في المدينة.
وهو مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: " خَمسٌ يُقتَلْنَ فِي الحَرَمِ " ففيه معنى الأمر ولفظه خبر.
وقيل: إنهم انتهوا عن الإرجاف/.
وقيل: إنه لقوم بأعيانهم.
قال ابن عباس: " لنغرينك " لنسلطنك.
وقال قتادة: لنحرشنك.
وقد استشهد من قال بجوار ترك إنفاذ الوعيد بهذه الآية، وقال: قد تواعدهم الله بأن يغري نبيه عليهم ولم يفعل.
وقال من يخالفه: قد أغراه بهم، وأنفذ وعيده فيهم.
وبقاء المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة إلى أن توفي يدل على أن الله لم ينفذ الوعيد فيهم لأن من تمام وعيده فيهم: قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وهو مذهب أهل السنة.
إذ المعروف من عادات الكرماء وأهل الفضل والشرف إتمام وعدهم وتأخير إنفاذ وعيدهم بالعفو والمعروف بالإحسان، ولا أحد أكرم من الله ولا أبين فضلاً وشرفاً منه فهو أولى بالعفو والإحسان وترك إنفاذ وعيده في المؤمنين.
ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: إن لم ينتهوا عن الإرجاف سلطتك عليهم
ولا يقيموا معك في المدينة إلا وقتاً قليلاً.
وهذا وقف إن جعلت ﴿مَّلْعُونِينَ﴾ نصباً على الذم.
فإن جعلته حالاً وقفت على ﴿مَّلْعُونِينَ﴾.
وهو قول الأخفش وغيره وهو حال من المضمر في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾.
وأجاز بعض النحويين أن يكون حالاً من المضمر في ﴿أُخِذُواْ﴾، وذلك لا يجوز لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله.
ولا يحسن الوقف على " تقتيلاً "، لأن " سُنَّةَ " انتصبت على فعل دل عليه ما قبله، فما قبله يقوم له مقام العامل.
ومعنى ﴿مَّلْعُونِينَ﴾ أي: مطرودين ومبعدين.
﴿أَيْنَمَا ثقفوا﴾ أي: وجدوا، ﴿أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ﴾ لكفرهم بالله.
ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾ أي: سن الله ذلك سنة في الذين ينافقون على الأنبياء ويرجفون بهم أن يُقَتَّلوا حيث ما وجدوا.
ثم قال: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ أي: ولا تجد يا محمد لسنة الله التي سنها في خلقه تغييراً.
ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ الناس عَنِ الساعة﴾ أي: عن قيامها ومتعى تكون.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله﴾ أي: علم وقت قيامها عند الله لا يعملها إلا هو.
ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً﴾ أي: وما يشعرك يا محمد، لعل قيام الساعة يكون منك قريباً قد دنا وحان.
وذكر قريباً على معنى الوقت والقيام.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ أي: أبعدهم من كل خير وأعدَّ لهم في الآخرة ناراً ماكثين فيها أبداً، لا يجدون ولياً يمنعهم منها، ولا نصيراً ينصرهم فيخرجهم من عذابها.
ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ أي: لا يجدون ولياً ولا نصيراً في هذا اليوم الذي تقلب فيه وجوههم في النار.
قائلين: ﴿ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ أي: في الدنيا ندامة وحسرة ما فات.
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا﴾ أي: وقال هؤلاء الذين تقدمت صفتهم في النار: يا ربنا إنا أطعنا في الكفر سادتنا، أي أئمتنا وكبراءنا.
﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ أي: أزالونا عن محجة الحق وطريق الهدى.
﴿رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب﴾ أي: عذّبهم مثلي عذابنا.
﴿والعنهم لَعْناً كَبِيراً﴾ أي: أخزهم خزياً كبيراً.
ففي هذه الآية زجر عن التقليد لأنهم لو نظروا لظهر لهم أنهم على ضلال، ولكنهم قلدوا ضلالاً فضلوا.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى﴾ أي: لا تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقول يكرهه، فتكونوا أمثال بني إسرائيل الذين رموا موسى بعيب كذب، فبراءه الله مما رموه به.
﴿وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً﴾ أي: ذا منزلة ودرجة رفيعة كلمه تكليماً.
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كانَ مُوسَى رَجُلاً حَيِيّاً فَكَانَ لا يُرَى مُتَجَرِّداً، فقالَ بَنُو إِسْرائيلَ: إنَّهُ آدرُ، فذَهَبَ مُوسَى يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ فَمَرَّ الحَجَرُ يَسْعَى بِثِيَابِهِ فَتَبِعَهُ مُوسَى فقالَ: ثِيابِي حَجرٌ! ومرَّ بمجلسِ بني إسرائيل فَرَأَوْهُ فبرَّأه الله مما قالوا " وكذلك ذكر ابن عباس وابن زيد وغيرهما.
وعن أبي هريرة أنه رموه بالبرص فبرأه الله من ذلك.
وروي عن البي عليه السلام أنه قال: " إنَّ موسى كانَ رجلاً حَيِياً سِتِّيراً لا يكاد يُرى من جِلدِهِ شَيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل/، وقالوا: ما استَتَرَ هذا إلاَّ من عَيبٍ بِجلدِهِ، إِمَّا أَدْرَة وإِمَّا بَرَصٌ، وإمَّا آفة، فبرَّأه الله مما قالوا بِالحَجَرِ ".
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: " صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته وكان أشد حُبّاً لنا منك وأَلْيَنَ لنا منك، فآذوه بذلك فأمر الله الملائكة فحملته، حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه فلم يطلع أحد من خلق الله على قبره إلا الرَّخم فجعله الله أصَمَّ أَبْكَمَ ".
ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله﴾ أي: لا تعصوه.
﴿وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ أي: قولوا في رسول الله قولاً عدلاً حقاً.
قال مجاهد.
وقال عكرمة: " قولاً سديداً " لا إله إلا الله وما أشبهها من الصدق.
ثم قال: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: يوفقكم لصالح الأعمال.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: لا يعذبكم عليها بعد توبتكم منها.
﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمر به ونهى عنه.
﴿فَقَدْ فَازَ﴾ أي: نجا وظفر بالكرامة.
﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي: نجا نجاة عظيمة.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض﴾ الآية.
قال ابن جبير والحسن الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على عباده، فلم تقدر على حملها، وعرضت على آدم فحملها.
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً﴾ أي لنفسه، ﴿جَهُولاً﴾.
أي جاهلاً بالذي له فيه الحظ.
قال جويبر: فلما عرضت على آدم، قال: أي رب [وما الأمانة]؟ فقيل له: إن أدّيتَها جُزِيتَ وإن أضَعتَها عُوقِبْتَ، قال أي رب، حملتها بما فيها، قال: فما مكث في الجنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس حتى عمل بالمعصية فأُخْرِجَ منها.
وروي هذ القول عن ابن عباس، قال ابن عباس: عرضت الفرائض على السماوات والأرض والجبال فكرهن ذلك وأشفقن من غير معصية، ولكن تعظيماً
لدين الله ألا يقيمن به، ثم عرضها على آدم فقبلها.
والحمل ها هنا من الحمالة والضمان، وليس من الحمل على الظهر ولا في الصدر.
وقيل: الأمانة ها هنا أمانات الناس والصلاة والصوم والوضوء.
وهذا القول كالأول لأنه كله فروض وأداء أمانات الناس فرض فهو القول الأول بعينه.
وقيل: هو ائتمان آدم ولده قاببيل على أخيه هابيل فقتله، رواه السدي عن ابن عباس في حديث مرسل.
وقيل: المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال من الملائكة والجن والإنس، فأبين أن يحملنها، أي يحملن وزورها، وحملها الإنسان، يعني الكافر والمنافق.
وذكر القتبي: أن الله جل ذكره عهد إلى آدم وأمره حرم عليه وأحل له فعمل بذلك، فلما حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من سيخلفه بعده ويقلده من الأمانة ما قلد، فأمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال بالشرط الذي شرطه الله عليه من الثواب إن وفى والعقاب إن عصى، فأبين أن يقبلن ذلك شفقاً من عقاب
الله، ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فقبله بالشرط لجهله لعاقبة ما تقلد.
ولذلك ظهر إيمان المؤمن ونفاق المنافق وكفر الكافر، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات﴾ إلى آخر السورة.
فقال أبو إسحاق في الأمانة: إن الله جل ذكره ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمن السماوات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له، فأما السماوات والأرض والجبال فأعلمتا بطاعتهن له، قال تعالى:
﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء﴾ الآية،
﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11].
وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وأن الشمس والقمر والنجوم (والملائكة) يسبحون لله، فأعلمنا أن السماوات والأرض والجبال أبين أن يحملن الأمانة وتأديتها، - وأداؤها طاعة الله فيما أمر به وترك المعصية - وحملها الإنسان.
قال الحسن: الكافر والمنافق حملا الأمانة، أي: خاناها ولم يطيقاها.
وتصديق
ذلك قوله: ﴿لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين﴾ الآية.
وقيل: المعنى: أن الله جل ذكره عرض على السماوات أن ينزل قطرها في إبَّانِه بلا ملائكة يوكلون بها، وعلى أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت، وعرض على الأرض أن يخرج نباتها وأنهارها وما يكون/ منها في آجاله بلا ملائكة يوكلون بها، وعلى أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت، وعرض على الجبال أن تفجر أنهارها وتخرج ثمارها وأشجارها على أن لها الثواب وعليها العقاب فأبت وأشفقت الجميع من العقاب، وعَرض على آدم أداء الفرائض على أنه له الثواب وعليه العقاب، قال: بين أذني وعاتقي فولك معه ملائكة يسددونه ويوفقونه.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾.
قال الضحاك: ظلوماً لنفسه، جاهلاً فيما احتمل بينه وبين ربه.
وقال قتادة: ظلوماً لها - يعني الأمانة - جهولاً عن حقها.
ثم قال: ﴿لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات﴾ إلى آخر السورة، أي: حملها الإنسان كي يعذب الله هؤلاء، ويتوب على هؤلاء.
وقرأ الحسن: " وَيَتُوبُ " بالرفع.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾ أي: ساتراً لذنوب المؤمنين والمؤمنات.
﴿رَّحِيماً﴾ أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها.
قال قتادة: " ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ": هما اللذان خاناها اللذان ظلماها - يعني الأمانة - هما المنافق والكافر " ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات " هما اللذان أدياها.
وكذلك كان الحسن يقول.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات﴾ إلى كقوله: ﴿لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾.
معناه: جميع الحمد من جميع الخالق لله الذي هو مالك السماوات والسبع والأرضين السبع والذي له الحمد في الآخرة كالذين له في الدنيا.
وقيل: معناه: هو قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: 10].
وقيل: هو قول أهل الجنة: ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74].
ثم قال: ﴿وَهُوَ الحكيم الخبير﴾ أي: الحكيم في تدبير خلقه، الخبير بهم.
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض﴾ أي: مايدخل فيها من قطر وغيره.
[﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من نبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء﴾ أي من وحي ومطر وغيره].
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: من أمر وملائكة وغير ذلك.
ويعرج: يصعد، ويلج: يدخل.
فالمعنى في ذلك: أنه تعالى ذكره العالم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض مما ظهر ومما بطن.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الرحيم﴾ أي: بأهل التوبة من عباده، لا يعذبهم بعد توبتهم.
﴿الغفور﴾ لذنوبهم إذا تابوا منها.
ثم قال تعالى ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة﴾ أي: لا نبعث بعد موتنا، إنكاراً منهم للجزاء وتكذيباً.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي: قل لهم يا محمد: بل وحق ربي لتأتنيكم الساعة ولتبعثن للجزاء بأعمالكم.
ثم قال تعالى: ﴿عَالِمِ الغيب﴾ أي: هو عالم الغيب، أي: ما غاب عنكم من إتيان الساعة وغيرها.
ومن رفعه.
فعل إضمار مبتدأ، أي: هو عالم الغيب.
ومن خفضه.
جعله
نعتاً لربي.
ثم قال: ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ أي: لا يغيب عنه شيء وإن قَلَّ أوْ جَلَّ، وهو قوله: ﴿وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ﴾ أي: لا يغيب عنه ما هو أصغر من زنة ذرة ولا ما هو أكبر منها أين كان ذلك.
ثم قال: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي: كل ذلك (مثبت) في كتاب بَيِّنٍ للناظر فيه الله قد أثبته وأحصاه وعلمه، فلم يغب عنه منه شيء.
وأجاز نافع الوقف على: قُلْ بَلى.
وقال الأخفش: الوقف " لتأتِيَنكُمْ " على قراءة من رفع " عالم " ومن قرأ بالخفَ في " عالم " لم يقف على " لتأتينكم ".
ثم قال: ﴿لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي: لا يغيب عنه شيء من الأشياء إلا وهو في كتاب مبين، ليجزي المؤمنين الذين عملوا الأعمال الصالحة.
وقيل: التقدير: لتأتينكم ليجزي المؤمنين.
ثم قال: ﴿أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي: ستر على ذنوبهم التي تابوا منها.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: وعيش هنيء في الجنة.
ثم قال: ﴿والذين سَعَوْا في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾.
قال قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
فالمعنى: ظنوا أنهم يفوتونه ويسبقونه فلا يجازيهم.
يقال عاجزه وأعجزه إذا غلبه وسبقه.
ومن قرأ " مُعَجّزِيَن ". فمعناه: مثبطين للمؤمنين، قاله ابن الزبير.
فالمعنى: أثبتَ الله ذلك في الكتاب ليثيب المؤمنين، وليجيز الذين سعوا في آيات معاجزين، أي: سعوا في إبطال/ أدلته وحججه مفاوتين يحسبون أنهم يسبقون الله فلا يقدر عليهم.
وقيل: معاندين مشاقين.
قال ابن زيد: معجزِين: جاهدين في بطلان آيات الله، وهم المشركون، وهو قوله تعالى عنهم: أنهم قالوا: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
قال قتادة: الرجز: سوء العذاب، والأليم: الموجع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم الذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحق﴾ أي: أثبت ذلك في كتاب مبين ليجزي المؤمنين وليرى الذين أوتوا العلم أن الذي أنزل إليك يا محمد هو الحق، وهو القرآن، وهم المسلمون من أهل الكتاب كابن سلام وأصحابه الذين قرءوا الكتب التي أنزلها الله قبل القرآن كالتوراة والإنجيل.
قيل: عني بالذين أوتوا العلم: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة.
ثم قال: ﴿ويهدي إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾ أي: وهو يهدي إلى طريق الله ودينه.
ولا يحسن أن يُعطف " يهدي " على " ويرى "، لأنه لم يثبت ذلك ليهدي جميع الخلق إلى دين الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ﴾ الآية أي: قال بعض الكفار لبعض، متعجبين من البعث بعد الموت، منكرين له، هل ندلكم أيها الناس على رجل يخبركم بالبعث بعد الموت، وكونكم ممزقين بَعْدُ قد أكلتكم الأرض وصرتم عظاماً ورفاتاً.
والعامل في " إذا " فعل مضمر، أي: إذا مزقتم تبعثون.
وقيل: العامل " مُزّقتم " على أن يكون هذا للمجازاة فلا تضاف إلى ما بعدها.
وإذا لم تقفْ عمل ما بعدها فيها.
وأكثر ما يجازى بإذا في الشعر، ولا يجوز أن يعمل فيها " يُنَبِئكُم " لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، ولا يعمل فيها ما بعد أن، لأن " أن " لا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولة.
ثم قال: ﴿أفترى عَلَى الله كَذِباً﴾ أي: قال المشركون: افترى محمد في قوله: إنا نبعث.
﴿عَلَى الله كَذِباً﴾ أي: اختلق هذا القول من عند نفسه وأضافه إلى الله ﴿أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: به جنون، فتكلم بما لايكون ولا معنى له.
ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِي العذاب﴾ أي: ما الأمر كما قال هؤلاء المشركون في محمد، ولكن هم في عذاب الآخرة وفي الضلال البعيد عن الحق، فمن أجل ذلك يقولون هذا المنكر.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السمآء والأرض﴾ أي: ألم ينظر
هؤلاء المكذبون بالبعث إلى ما قدامهم من السماء والأض وما خلفهم من ذلك، فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن الأرض والسماء محيطان بهم من كل جانب، فيرتدوا عن جهلهم وتكذيبهم بآيات الله حذاراً أن يأمر الله الأرض فتخسف بهم، أو يسقط عليهم قطعة من السماء فتهلكهم، وهو قوله: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء﴾ هذا كله معنى قول قتادة.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ أي: إن في إحاطة السماء والأرض لجميع الخلق لدلالة على قدرة الله لكل عبد أناب إلى الله بالتوبة.
قال قتادة: المنيب: المقبل التائب.
وقيل: المعنى: أو لم يتأملوا ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض من عظيم القدرة في خلق ذلك فيعلموا أن الذي خلق ذلك يقدر على بعثهم بعد موتهم، وعلى أن يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعة من السماء.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً﴾ إلى قوله: ﴿مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾.
أي: وقد أعطينا داود منا فضلاً، وقلنا للجبال ﴿ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سبحي معه إذ سبح، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد.
والتأويب في كلام العرب: الرجوع، ومبيت الرجل في منزله وأهله، وأصله من
سرعة رجع أيدي الإبل وأرجلها في السير الحثيث، وهو التأويب.
وَقُرِئَتْ " أوبِي " بالتخفيف.
من آب يؤوب، بمعنى تصرفي معه.
ثم قال: ﴿والطير﴾ فمن نصب فعل معنى: سخرنا له الطير، هذا قول أبي عمرو.
وقال الكسائي: هو معطوف على " داود " أي: وآتيناه الطير.
ونصبه عند سيبويه على موضع يا جبال.
ويجوز أن يكون مفعولاً معه، فيكون المعنى: يا جبال أوبي معه ومع الطير.
وقد قرئ بالرفع/ على العطف على لفظ الجبال أو على المضمر في " أوبي "
وحسن ذلك لما فرقت بـ معه.
وقوله: ﴿أَنِ اعمل﴾ أن لا موضع لها بمعنى أي: ويجوز أن تكون في موضع نصب على معنى: لأن اعمل.
وقيلأ: التقدير: وعهدنا إليه بأن أعمل، وقاله الطبري.
ثم قل: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الحديد﴾.
قال قتادة: سخر الله له الحديد بغير نار، فكان يسويه بيده ولا يدخله ناراً ولا يضربه بحديد.
وروي أنمه كان في يده بمنزلة الطين.
وهو أول من سخر له الحديد.
وقيل: أعطاه الله قوة يثني به الحديد.
قال الحسن: كان داود يأخذ الحديد فيكون في يده بمنزلة العجين.
وقوله: ﴿أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ﴾ أي: دروعاً كوامل توام.
قال قتادة: كان داود أول من صنع الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السرد﴾.
قال قتادة: كان يجعلها بغير نار ولا حديد، والسرد: المسامير.
وقال ابن عباس: السرد حَلَق الحديد.
وقال ابن منبه.
والسرد في اللغة كل ما عمل متسقاً متتابعاً يقرب بعضه من بعض ومنه سرد الكلام.
ومنه قيل للذي يعمل الدروع زَرَّادٌ وسِرَّاد.
قال وهب بن منبه: كان داود يخرج متنكراً يسأل عن سيرته في الناس فيسمع حسن الثناء عليه، فيزداد تواضعاً لله، وعلى الخير حرصاً، قال: فخرج ذات يوم وبعث الله ملكاً إليه في صورة آدمي، فقال له داود: كيف ترى سيرة هذا العبد داود - صلى الله عليه وسلم -، وهو يظن أنه آدمي، فقال له الملك: نِعْمَ العبد داود، ما أنصحه لربه وأقربه من المساكين، لولا خصلة في داود ما كان لله عبد مثل داود، قال له داود: وما تلك الخصلة؟ قال: إنه يأكل من بيت المال وما من عبد أقرب إلى الله جل ذكره من عبد يأكل من كد يمينه، فانصرف داود ودخل محرابه وابتهل إلى ربه وسأله أن يرزقه عملاً بيده يغنيه عن بيت المال، فعلمه الله صنعة الدروع، فكان أول من عمل الدروع وألان
الله له الحديد فكان في يده بمنزلة العجين.
والمعنى على قول مجاهد: وقدر المسامير في حلق الدروع حتى تكون بمقدار لا يضيق المسمار وتضيق الحلقة فتقسم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغر المسمار وتدقه فتسلى الحلقة.
ثم قال: ﴿واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ اعمل يا داود أنت وأهلك عملاً صالحاً، إني بعملكم بصير.
والطير وقف ولا تقف على الحديد أن مابعده متعلق به.
ولا تقف على " بصير " إلاّ على قراءة من رفع.
" الريح ". فإن نصبته فهو معطوف عند الكسائي، على " وألنا ".
والتقدير عن الزجاج: سخرنا له الريح.
ثم قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ أي: سيرها به إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، وسيرها به من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر، قاله قتادة وغيره.
قال ابن يد: كان لسليمان مركب من خشب، وكان له فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت، يركب معه فيه الإنس والجن، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ظل المركب هم والعُطَّارُ - والعصار الريح العاصف - فإذا ارتفع ظله أتت الرُّخاء فسارت به وصاروا معه، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ويسمي عند قوم بينهم وبينه شهر فلا يدري القوم إلاّ وقد أظلم معه الجيوش والجنود.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر﴾ أي: وأذينا له عين النحاس كانت بأرض اليمن، قاله قتادة، قال: وإنما ينتفع الناس اليوم مما أخرج الله لسليمان.
ثم قال: ﴿وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: منهم من يطيعه، يأتمر لأمره فيعمل بين يديه لما يأمره به طاعة لله جل ذكره.
فمعنى ﴿[بِإِذْنِ] رَبِّهِ﴾: أمر الله له بذلك، وتسخيره له إياه.
فأمن في موضع رفع الابتداء والمجرور المتقدم الخبر ويجوز أن تكون " من " في موضع نصب على
العطف على ما قبله.
والتقدير: وسخرنا له من الجن من يعمل.
فتقف على " القطر " في القول الأول، ولا تقف عليه في القول الثاني.
ثم قال: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ومن يزل ويعدل من الجن عما أمر به من طاعة سليمان.
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير﴾ في الآخرة وهو عذاب النار المتوقدة.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ﴾ أي: من كل شيء مشرف.
والمحراب في اللغة كل شيء مشرف مرتفع، وكل موضع شريف، ومنه قيل/ للموضع الذي يصلي فيه الإمام محرام لأنه يعظم ويشرف ويرفع.
وقيل: المحراب مقدم كل بيت ومسجد ومصلى.
قال مجاهد: المحاريب في الآية: بنيان دون القصور.
وقال قتادة: " محاريب ": قصور ومساجد.
قال الضحاك: " محاريب ": مساجد.
وقال ابن زيد.
محاريب مساكن وقراء قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب﴾ [آل عمران: 39].
أي: في مسكنه، وقد تقدم ذكره.
ثم قال: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال مجاهد: تماثيل من نحاس.
وقال الضحّاك تماثيل: تماثيل الصور.
وهذا عند أكثر العلماء منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل الصورة، وتوعده لمن عملها أو اتخذها.
وكان في ذلك صلاح في الدين أنه بعث على الله عز وجل والصور تعبد،
فكان الأصلح إزالتها.
وقد قال قوم: عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن (المسيح) عليه السلام.
ثم قال تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كالجواب﴾ أي كالحياض.
كانوا ينحتون له ما يشاء من جفان كالحياض، وهو جمع حابيَّة يجيبى فيها الماء، أي يجمع.
وروي عن مجاهد أن الجوابي جمع جوبة وهي الحفرة الكبيرة تكون في الجبل يجتمع فيها الماء.
وقاله أيضاً ابن عباس.
وعنه: كالحياض.