الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7275-7314
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7275-7314
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران.
أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها ولا بعد].
وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه / حتى يتناولها بيده.
أي: طويلة بعضها فوق بعض.
وروى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام "

ثم قال: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا) [37 - 38] أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور.
وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على " وحور عين " الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور جديداً فجعلناهن أبكاراً.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الثيب والأبكار يريد الآدميات ". وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: " منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم ". وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى.
أي: أقراناً.
قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران.

وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى.
وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة.
وقال أبو صالح هي الشكلة.
وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام.
وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق.
وعن الحسن هي العاتق.
وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب.
وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن.
وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً.

وقوله: (لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ) [40] أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة.
ثم قال (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) [41 - 42] أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وجماعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله الحسن.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إني لأرجو أن يكون من يتبعني من / أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين * وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ ". وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الآية " هما جميعاً من أمتي ". أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب.
يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجيب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.

وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم.
أي: في سموم جهنم وحميمها.
أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم.
قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد.
أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان.
وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب.
قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.
/ أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام.

ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل.
وقال مجاهد: ﴿عَلَى الحنث العظيم﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك.
وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
(أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين * لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم.
ثم قال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) [54 - 55].

أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم.
(فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) [56] أي: من الشجرة، أو من الشجر.
ثم قال: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) [57] أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة.
(فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) [58] [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة.
قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش.
وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك.

(وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام.
وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل.
ثم قال: (هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) [59] أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء.
ثم قال: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) [60] أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا.
ثم قال: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) [61 - 62] أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر.
[﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح].
﴿أَم نَحْنُ الخالقون﴾.

قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته.
قال: ﴿على أَن نُّبَدِّلَ أمثالكم﴾.
قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم.
وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين / على / أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق.
وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء.
وقيل: قردة وخنازير.
وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء لأن هذه للفناء خلقت.
وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون.
وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في

أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً.
أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء.
وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين.
أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تقل زرعت لكن قل حرثت "، ثم تلا أبو هريرة الآية.
قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ / حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم

ولا ثمر.
ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم.
وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منك من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة.
وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم.
أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد.
وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر.

وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب.
أي: [مجدون لا حظ لنا].
وقال قتادة: معناه: محارفون.
قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون.
قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب.
وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان.
قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم.
﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

أي أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم وتقدحون.
أي: أنتم أخترعتم شجرتها أم نحن اخترعنا ذلك.
وتورون من أوريت زنادي وناري أوريتها: إذا أوقدتها.
/ وقال أبو عبيدة وأكثر ما يقولون وريت زنادي، وأهل نجد يقولون وريت زنادي.
(قال) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ يعني النار التي تذكرون بها نار جهنم فتتعظون وتخافون.
وقال مجاهد: تذكرة تذكر النار الكبرى، وكذا قال قتادة: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أن ناركم (جزء من سبعين جزاء) من نار جهنم

قالوا يا نبي الله وإن كانت لكافية، قال قد ضربت بالماء ضربتين ليستمتع بها بنو أدم ويدنو منها ". ثم قال: ﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ قال ابن عباس للمقوين: للمسافرين وقال مجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الحاضر والمسافر.
وقال ابن زيد للمقوين: للجائعين.
والعرب تقول أقويت منه كذا وكذا: (أكلت منه كذا وكذا)، وأصله من أقوت الدار إذا خلت من أهلها، (ويقال أقوى إذا نزل بالقواء في الأرض الخالية.
وقال ابن زيد المقوي: الذي لا زاد ولا مال معه.

وأقوى عند أهل اللغة على ثلاثة معانٍ، يقال أقوى إذا فني زاده، ومنه أقوت الدار إذا فني أهلها، ويقال أقوى إذا سافر أي: نزل القواء.
والقين، ويقال أقوى إذا قوى وقوى أصحابه.
والمتاع: المنفعة.
أي: فنزه ربك يا محمد من السوء.
زائدة والتقدير أقسم.
وقيل لا رد الكلام، والتقدير ليس الأمر كما يقول الكافر.
ثم استأنف فقال: أقسم بمواقع النجوم، وقيل " لا بمعنى " إلا للتنبيه ومعنى مواقع النجوم، منازل القرآن، لأن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً متفرقة.
قال ابن عباس نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد وتلا ابن عباس ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾، قال نزل متفرقاً.

وقال عكرمة فلا أقسم بمواقع النجوم، قال أنزل الله القرآن نجوماً ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات، وقال أيضاً نزل جميعاً فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل صلى الله عليه وسلم / يأتي بالسورة بعد السورة وإنما نزل جميعاً في ليلة القدر.
وقال مجاهد: بمواقع النجوم هو محكم القرآن.
وقال الحسن بمواقع النجوم بمغاربها، وقاله قتادة.
وعن الحسن أيضاً بمواقع النجوم هو أنكدارها وانتشارها يوم القيامة.
وعن مجاهد أيضاً بمواقع النجوم مطالعها ومساقطها.
أي: وأن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك.
أي: أقسم بمواقع النجوم وهو القرآن أن هذا القرآن لقسم عظيم لو تعلمون ذلك أنه لقرآن كريم، والهاء " في " " إنه " من ذكر القرآن.
قال: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي: في كتاب مصون عند الله لا يمسه إلا المطهرون.
قال ابن عباس هو الكتاب الذي في السماء، قاله الضحاك.

قال ابن زيد زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد صلى الله عليه وسلم.
فأخبرهم الله أنهم لا يستطيعون على ذلك.
قال ابن عباس: إذا أراد الله أن ينزل كتاباً نسخته السفرة فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة، وهو قول ابن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك، فهو خبر وليس بنهي، وقد يجوز أن يكون إخباراً على الإلزام فيكون فيه معنى النهي كما تقول (جعل كذا) وكقوله ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: 10].
قال المبرد معناه آمنوا بالله.
وقيل هم حملة التوراة والإنجيل، قاله عكرمة.
وقال أبو العالية المطهرون الذين طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل قال ابن زيد المطهرون: الملائكة والأنبياء والرسل التي تتنزل به من عند الله المطهرة.

وقال قتادة: معناه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، قال وأما عندكم فيمسه المشرك النجس والمنافق الرجس.
وفي حرف ابن مسعود ما يمسه.
وقال مالك بن أنس في قوله عز وجل ﴿ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون﴾ إنما هو بمنزلة قوله: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 13 - 16] فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي ليس بنهي يراد به الملائكة.
وقال مسلم: لا يمسه إلا طاهراً، وسئل عن آية فقال: سلوني فلست أمسه إنما أقرؤه، وكان قد أحدث ولم يتوضأ.
وفي كتاب عمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهراً، وهو الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم.

وروى مالك أن مصعب بن سعد قال كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص فاحتككت، فقال لعلك مسست ذكرك، فقلت نعم، فقال فقم فتوضأ، فقمت فتوضأت ثم رجعت، وروي أنه قال له فقم فاغسل يديك.
وكان ابن عمر لا يمس المصحف إلا طاهراً.
/ وقال مالك لا يمس المصحف أحد بعلاقة أو على وسادة إى وهو طاهر إكراماً للقرآن.
أي: هو تنزيل من عند رب العالمين.
أي: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره وأنتم تلينون القول للمكذبين به ممالاة منكم لهم على التكذيب والكفر.
قال مجاهد: أنتم مدهنون: أي: أنتم يريدون أن تمايلوهم [فيه] وتركنوا إليهم.

وقال ابن عباس أنتم مدهنون: مكذبون غير مصدقين.
وقال الضحاك يقال أدهن وداهن: إذا نافق.
أي: وتجعلون شكر الله على رزقه لكم التكذيب له، وهذا كقول القائل للآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني إليك إساءة منك، فالتقدير وتجعلون رزقي إياكم تذكيبكم لرسلي وكتبي.
/ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم، يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا "، وقاله ابن عباس.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ".

قال الضحاك في الآية: جعل الله رزقكم في السماء وأنتم تجعلونه في الأنواء.
قال قطرب الرزق هنا: الشكر.
وقيل المعنى: وتجعلون شكر رزقكم ثم حذف مثل، ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
يعني النفس تبلغ الحلقوم عند خروجها.
أي: من حضره ينظر ولا يغني عنه شيئاً، فهذا خطاب عام والمراد به من حضر الميت.
قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي: ورسلنا أقرب إلى الميت منكم يقبضون روحه ولكن لا تبصرونهم، وهذا كله جواب لمن ادعى أنه يمتنع من الموت ويدفعه.
أي: فهلا أن كنتم غير مجزيين.
(أي إن كنتم صادقين) في أنكم تمنعون من الموت، فارجعوا تلك النفس، وامنعوا من خروجها.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن غير مدينين: غير محاسبين.
قال ابن زيد كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت.
وقال الفراء: غير مدينين: غير مملوكين.
وقال الحسن غير مدينين: غير مبعوثين يوم القيامة.
وقيل معناه غير مجزيين بأعمالكم.
﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ أي: تردون تلك النفوس إلى الأجساد بعد إذ صارت في الحلاقيم.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة.
وقال الفراء إن كنتم صادقين: إن كنتم غير مملوكين، فالمعنى هل لا ترجعون نفس عزيزكم إن كنتم غير مملوكين ولا مقهورين.
وجواب فلولا في الموضعين جواب واحد على قول الفراء.

وقيل حذف جواب أحدهما لدلالة الآخر عليه.
أي: إن كان الميت من المقربين أي: من الذين قربهم الله من جواره ورحمته.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (أي فله) روح وريحان.
والروح: الرحمة، والريحان: الرزق.
وقال مجاهد الروح: الفرح.
وقال الحسن الريحان: ريحانكم هذا.
وقال الربيع بن خيثم فروح وريحان هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث.

قال ابن عباس فروح وريحان: فراحة ومستريح من الدنيا.
وقال ابن جبير ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: راحة ومستراح: وعنه يعني بالريحان المستريح من الدنيا.
وقال الضحاك الروح: المغفرة والرحمة.
والريحان: الاستراحة.
وعنه: الروح والاستراحة.
وقال القتبي فروح: أي: في القبر له طيب نسيم.
ومن قرأ بضم الراء فمعناه: فحياة له ربقاء.
وقيل الريحان: الراحة.
قال أبو العالية لم يفارق أحد من المقربين وهم السابقون الدنيا حتى يؤتى

بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم يقبض.
قال الحسن يقبض الملك نفس المؤمن في ريحانة.
والفاء في " فروح " " جواب " " إن "، وجواب " أما " هذا قول / الأخفش والفراء.
وقال سيبويه لا جواب " أن " هنا، لأن بعدها فعلاً ماضياً، كما تقول (أكرمك إن جئتني)، " والفاء " جواب " أما ". وقال المبرد جواب " إن " محذوف، لأن بعدها ما يدل عليه، والفاء جواب " أما " وأما معناها: الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ بشيء أخر، ولا يلي فعل فعلا، فمعنى أما: مهما يكن (من شيء).
فوجب أن يليها الاسم، وتقديره أن يكون بعد جوابها، فإذا أردت أن تعرف إعراب الاسم الذي يليها فاجعل موضعها، " مهما " وقدر الاسم بعد الفاء.

تقول أما زيداً فضربت، والتقدير: مهما يكن من شيء فضربت / زيداً.
قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) [93] أي: من الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وقيل من الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
ثم قال: (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) [94] أي: فسلام من عند الله، أي: سلام من ذلك وقيل المعنى: يقال سلام لك إنك من أصحاب اليمين.
قال قتادة: معناه سلموا وسلمت عليهم الملائكة.
وقيل المعنى: لك يا محمد منهم سلام، أي: يسلمون عليك.
وقيل المعنى: فسلام لك أنك من أصحاب اليمين.
وقيل معناه فلست ترى فيهم يا محمد إلا ما تحب من السلامة.
ثم قال: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) [95 - 96] [أي إن كان الميت ممن كذب بآيات الله وضل عن دين الله فنزل من حميم أي:

فرزق من حميم].
أي له زرق من حميم قد غلي عليه حتى انتهى حره، فهو شرابه.
(وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) [97] أي: وحريق النار يحرق بها.
ثم قال: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) [98] أي: أن هذا الذي أخبرتم به أيها الناس من الخير عن المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وما تصير أمورهم لهو حق اليقين، أي: لهو من الخبر الحق اليقين.
قال قتادة: إن الله جل ذكره ليس تاركاً أحداً من الناس [يوقفه] على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فينفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن في الآخرة حين لا ينفعه ذلك.
(وحق اليقين): محض اليقين، وقيل معناه حق الأمر اليقين، وحق الخبر اليقين مثل " دِينُ الْقَيِّمَةِ " أي: دين الملة القيمة.
وقيل أصل " اليقين " أن يكون نعتاً للحق، ولكن أضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع كما قال " وَلَدارُ الآْخِرَةِ " و " وملاة الأولى " و " مسجد الجامع "، وهو عند

أكثر الكوفيين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.
ثم قال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) [99] [أي] فنزه ربك العظيم.
وقيل معناه: فسبح بتسمية ربك العظيم.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مدنية قوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ إلى قوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) الآيات [1 - 10]. أي: كل ما دون الله من خلقه يسبح تعظيماً له وإقراراً بربوبيته وقيل التسبيح فيما لا ينطق هو ظهور أثر الصنعة فيه.
وقيل: بل كل ما لا ينطق والله أعلم بتسبيحه، ودل على ذلك قوله: ﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] ولو كان تسبيح ما لا ينطق أثر الصنعة عليه لكان ذلك [شيئاً] يفقه (ويعلم ظاهرا عندنا).

وقيل: ﴿سَبَّحَ﴾ في هذا وما بعده من السور معناه " صلى ". وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي: العزيز في انتقامه ممن عصاه الحكيم في تدبيره خلقه، لا يدخل في تدبيره خلل.
قال: ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
الآية.
أي له سلطان ذلك كله، فلا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، ويميت من يشاء من الأحياء بعد الحياة عند بلوغ الأجل الذي قدره الله له قبل أن يخلقه.
﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة لا يمتنع عليه ما يريده من إحياء ميت وموت حي.
أي: هو الأول قبل كل شيء بغير حد، والآخر بعد كل شيء بغير نهاية، وهو الظاهر على كل شيء، فكل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلا منه، والباطن في جميع الأشياء، فلا

شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ [ق: 16] يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فرق عرشه.
قال قتادة: " ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذا / راوي الأرض (يسوقه) الله إلى قوم لا يشمونه ولا يرجونه: ثم قال: هل تدرون ما التي فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم.
قال: فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ، قال فهل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال مسيرة خمس مائة عام قال هل تدرون ما فوق ذلك، (قالوا مثل ذلك) قال فوقها سماء أخرى (وبينها خمس مائة عام) ثم قال مثل ذلك حتى ذكر سبع سماوات، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك، قالوا مثل ذلك، قال فإن فوق ذلك العرش وبين السماء السابعة وبينه مثل ما بين السمائين، ثم قال هل تدرون ما التي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم.
قال فإنما الأرض ثم قال مثل ذلك إلى سبع أرضين، وذكر أن بين كل أرض وأرض مسيرة خمس مائة عام، ثم قال والذي نفسي بيده لو دلى أحدكم

بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله تعالى، ثم قرأ ﴿هُوَ الأول والآخر﴾ الآية ". وقال ابن عباس ظهر فوق الظاهرين بقهره المتكبرين.
وقيل معنى " الظاهر والباطن " /: يعلم ما ظهر وما بطن، ومنه ظهر الإنسان وبطنه، لأن الظهر غير ساتر، والبطن ساتر، ومنه الظهير وهو العوين على الأشياء حق (يستعلي) عليها، ويعين " وظهير " أي: قوي.
ومنه صلاة الظهر لأنها أول ما ظهرت من الصلوات.
وقيل الظهر والظهيرة: شدة الحر، فسميت الصلاة بالظهر لأنها اسم الوقت الذي تكون فيه، ومنه: ظهرت على فلان: أي قهرته.
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء ظهر ولا بطن في السماء ولا في الأرض كبر أو صغر.
قال: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: ابتدع ذلك وأنشأه في ستة أيام، مقدار كل يوم ألف عام.

﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ أي: ارتفع وعلا ارتفاع قدرة وتعظيم وجلالة، لا ارتفاع نقلة.
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: أي: ما يدخل فيها من الماء وغيره.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من النبات وغيره.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء﴾ أي ينزل منها إلى الأرض من القطر وغير ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: ما يصعد إليها من الأعمال والملائكة وغير ذلك، لا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بصير بأعمالكم يحصيها عليكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة.
ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال سفيان الثوري: علمه.
قال: ﴿لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي: له سلطان ذلك وملكه.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: إليه ترد الأمور يوم القيامة فيقضي بين خلقه بحكمه وعدله.
قال: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ أي: يدخل هذا في هذا وإذا في ذا أي ما نقص من هذا زاد في ذا.

ثم قال: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي: هو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير وشر، وفي الحديث " أن الدعاء يستجاب بعد هذه (الآيات البينات) ". قال: ﴿آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
أي صدقوا بتوحيد الله وكتبه ورسله، وأنفقوا في سبيل الله مما خولكم وأورثكم عن من كان قبلكم، فجعلكم خلفاً فيه، (أي فالذين آمنوا).
صدقوا وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير، أي: الجنة.
قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ الآية.
أي وأي شيء لكم في ترك الإيمان بالله، والرسول يدعوكم بالحجج والبراهين لتؤمنوا بربكم، لتصدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به.
ثم قال: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾.

أي أخذ الله عز وجل ميثاقكم في صلب آدم عليه السلام إذا قال لكم ألست بربكم، فقلتم بلى.
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن كنتم تريدون أن تؤمنوا يوماً من الأيام بالله، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لتتابع الحجج عليكم.
وقيل معناه: إن كنتم عازمين على الإيمان فهذا أوانه لما خطر لكم من البراهين والدلائل.
قال: ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعني القرآن.
﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾.
أي من الكفر إلى الإيمان.
وقيل معناه: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ /. أي لذو رأفة ورحمة بكم، ومن رأفته ورحمته أنزل الله عليكم آيات بينات

يخرجكم بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ الآية.
أي: أي عذر لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله وأنتم خلف الموت فتخلفون ما تبخلون به ويورث بعدكم، ثم يخلفه من ورثه عنكم فيعود الميراث إلى الله عز وجل.
وحضهم على الإنفاق في سبيل الله ليكون ذلك ذخراً لهم عنده من قبل أن يموتوا فلا يقدرون، وتصير الأموال ميراثاً لمن له ميراث السماوات والأرض وهو الله جل ذكره.
ثم قال: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾.
أي من قبل فتح مكة، وهاجر وقاتل في سبيل الله عز وجل قاله مجاهد وقتادة، أي: لا يستوي في الأجر والفضل من هاجر قبل الفتح وأنفق وقاتل مع من هاجر من بعد ذلك وقاتل وأنفق.
قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل فتح مكة أفضل منهما بعد الفتح،

وكذلك قال زيد بن أسلم.
وقال الشعبي الفتح هنا فتح الحديبية، فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل فتح الحديبية أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك.
وهذا القول اختاره بعض العلماء، لأن الخدري روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يوم فتح الحديبية يأتي أقوام يحقرون أعمالكم من أعمالهم قالوا يا رسول الله أمن قريش هم؟ قال لا، هم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً، قلنا يا رسول الله أهم خير منا.
قال لو أن لأحدهم جبل / ذهباً ثم أفقه ما بلغ (مد أحدكم ولا نصيفه) هذا فضل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل إلى قوله ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ". ثم قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ أي: والذين أنفقوا من قبل ومن بعد وقاتلوا كلهم وعدهم الله الجنة.
ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بما تعملون من النفقة في سبيل الله وقتل

أعدائه وغير ذلك من أعمالكم، ذو خبر وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
قال: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله محتسباً في نفقته، فيضاعف له ربه (بالحسنة عشرة أمثالها) إلى سبع مائة ضعف.
﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (وهو الجنة).
" ومن " مبتدأ و " ذا " خبره، " والذي " نعت ل " ذا ". وقيل " من " مبتدأ و " ذا " زائدة مع " الذي "، و " الذي " خبر الابتداء.
وأجاز الفراء أن تكون " ذا " زائدة مع " من " كما جاءت زائدة مع " ما "، ولا يجوز هذا عند البصريين لأن " ما " مبهمة، فجاز ذلك فيها، وليست من كذلك.
قال: ﴿يَوْمَ تَرَى المؤمنين [والمؤمنات] يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾.

أي لهم أجر كريم في يوم ترى المؤمنين، فالعامل في " يوم " معنى الملك في " لهم ". وقيل العامل فيه ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ فوعد هو العامل فيه.
ومعنى الآية: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم.
قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " من المؤمنين ما يضيء نوره [من المدينة إلى عدن وصنعاء فدون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره] إلا من موضع قدميه ". قال ابن مسعود يعطى المؤمنون نوراً على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى [نوراً كالنخلة السحوق ومنهم من يعطى نوراً كالرجل القائم وأدناهم من يعطى نوراً] على ابهامه يضيء مرة ويُطفى مرة.
وقال الضحاك معنى " وبإيمانهم " أي: وبأيمانهم كتبهم.
وقيل النور هنا: الكتاب لأنهم يعطون كتبهم من بين أيديهم بأيمانهم فلهذا وقع الخصوص.

وقيل المعنى يسعى ثواب إيمانهم وعملهم [الصالح] بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم نظائر، هذا اختيار الطبري، وهو قول الضحاك المتقدم.
والباء في " وبأيمانهم " بمعنى " في " على هذا التأويل، وعلى القول الأول بمعنى " عن ". ثم قال: ﴿بُشْرَاكُمُ اليوم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾.
أي يقال لهم بشراكم اليوم جنات، أي: الذي تبشرون به اليوم هو جنات، فأبشروا بها وأجاز الفراء " جنات " بالنصب على القطع، ويكون " اليوم " خبر الابتداء.
وأجاز رفع " اليوم " على أنه خبر " بشراكم " /، وأجاز أن يكون " بشراكم " في موضع نصب بمعنى يبشرهم ربهم بالبشرى، وأن ينصب جنات بالبشرى، وفي هذه التأويلات بعد وتعسف وغلط ظاهر.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل