الذاريات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
فيقولون: هو ساحر كذاب.
قال أبو إسحاق: كانوا يقولون لضعفتهم: إنما محمد بشر، لا فرق بينكم وبينه، فيلبسون عليهم بهذا، فأعلم الله نبيه أنه لو أنزل ملكاً لأنزله في صورة رجل، إذ كانوا لا يقدرون على رؤية الملك في صورته كما سألوا، ولكان يقع عليهم من الّلبس ما وقع عليهم في محمد.
يقال: " لَبَسْتُ الأَمرَ ": (أي) أشكلته وشبهته، أي: أدخلت فيه الشبه.
ومُخرج قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ مُخرج قوله: ﴿يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15] لأنه مجازاة لفعلهم، فسمي باسمه، وليس به.
قوله: ﴿وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية.
المعنى أن الله جل ذكره سَلّى نبيه ليهُوَّن ما يلقى من المشركين، وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بالأمم الماضية الذين استهزأوا برسلهم.
ومعنى " فحاق بهم ": أي: وجب ونزل وأحاط بهم ما كانوا يُنكرون، وهو العذاب.
والمضمر في ﴿مِنْهُمْ﴾ يعود على الرسل، وتقديره: فحاق بالذين سخروا من الرسل عقاب ما كانوا يستهزئون.
قوله: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله غيره، المكذبين بك: سيروا في الأرض، أي: جولوا فيها، تروا ما (صار) إليه عاقبة أشكالهم من الناس - الذين كذبوا الرسل - من العذاب والهلاك فتحذروا (أن يصيبكم) مثل ما أصابهم.
قوله: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض (قُل للَّهِ)﴾ الآية.
قوله ﴿الذين خسروا﴾ في موضع رفع بالابتداء.
ويجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من المضمر في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، وهو قول الأخفش.
وقيل: إن
﴿لَيَجْمَعَنَّكُم﴾ بدل من ﴿الرحمة﴾ على معنى التفسير لها.
ورد المبرد قول الأخفش، وقال: لا يجوز أن يبدل من المخاطب إلا المخاطب، لو قلت: " مَرَرْت بك زيدٍ "، و " مررت بي زيد " لم يجز، لأن هذا لا يُشكِل فيُبيَّن، ولكنه مرفوع بالابتداء، و ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الخبر.
وقال ابن قتيبة: ﴿الذين﴾ في موضع خفض على البدل أو النعت " للمكذبين " الذين تقدم ذكرهم.
ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين المكذبين ﴿لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض﴾ أي: لمن ملك ذلك؟، وليس لهم جواب عن ذلك، فكأنهم طلبوا الجواب من السائل، فقالوا لمن ذلك؟، فقيل لهم: ﴿للَّهِ﴾، فصار السؤال والجواب من جهة واحدة في الظاهر والجواب إنما هو (جواب) لسؤال مضمر، لأنهم عجزوا عن الجواب فقالوا: لمن ذلك؟، فأجيبوا: ﴿للَّهِ﴾، أي: هو للهِ، فأخبرهم أن ذلك للهِ، وأعلمهم أن الله كتب على نفسه الرحمة لعباده، فلا يعجل عليهم بالعقوبة، فتوبوا إليه.
روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: " كَتَب اللهُ كِتاباً قبلَ الخَلْقِ: إن رَحْمَتي
تَسْبِقُ غَضَبِي ".
وعن سلمان أن الله لما خلَق السماء و (الأرض)، خلقَ مائةَ رحمة، كلُّ رحمةٍ تملأُ ما بين السّماء والأرضِ، فَعِندهَ تِسعٌ وتسعونَ رحمةً، وقَسَّمَ رحمةً بينَ الخلائقَ، (فبها يتعاطفون)، فإذا كان ذلك - يعني يوم القيامة - قَصَرها الله على المتقين، وزادهم تسعاً وتسعين.
وعن سلمان قال: نجد ذلك في التوراة.
وروى الحكم بن أبان عن عكرمة قال: إذا فَرَغ الله عز وجل من القضاء بين خَلْقه، أخرج كتاباً من تحتِ العرش فيه: (أن رَحْمَتِي سَبَقَت غضبي وأنا أرحمُ الراحمين).
قال: فيَخْرُجُ من النار مثل أهل الجنة، أو مِثْليْ أهل الجنة، مكتوباً ها هنا - وأشار الحكم إلى نحرِهِ - " عُتَقاء اللهِ ". فقال رجل لعكرمة: فإن الله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [المائدة: 37].
قال عكرمة: أولئك أهلها
" الذين هم أهلها ".
وعن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن لله مائة رحمةٍ، أهبط منها رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجِنُّ والإِنسُ وطائرُ السماءِ، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرض وهوامُّها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحَولها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، (و) على أهل الجنة.
فمعنى ﴿كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة﴾: أمهلكم إلى يوم القيامة، لأن معنى ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أي: يُمهلكم حتى يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه.
ومعنى ﴿كَتَبَ﴾ هنا: قضى.
وقيل: ﴿إلى﴾ بمعنى " في "، أي: ليجمعنكم في يوم القيامة.
وقيل: المعنى ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، ف (إلى) لغير معنى " في ".
واللام في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ لام قسم، جواب لِ ﴿كَتَبَ﴾، لأن ﴿كَتَبَ﴾ بمعنى " أوجب " والقسم إيجاب، (فاحتاج الايجاب إلى جواب، إذ هو بمعنى القسم في الإيجاب)، وله نظائر كثيرة في القرآن تقاس على هذا.
والوقف على ﴿الرحمة﴾ حسن عند أبي (حاتم والفراء)، ويكون ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مبتدأ على القسم على قولهما.
وقيل: إن ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ بدل من (الرحمة)، فلا يوقف على (الرحمة)، ومعنى
البدل أن اللام بمعنى " أن "، فالمعنى: الرحمة: أن يجمعكم، أي: كتب ربكم على نفسه أن يجمعكم.
ومثله على مذهب سيبويه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ (مَا) رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّه﴾ [يوسف: 35] المعنى: أن يسجنوه، ف " أن " الفاعلة، ومثله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة أَنَّهُ﴾ [الأنعام: 54] في قراءة من فتح (أن).
قال نافع: ﴿قُل للَّهِ﴾ تمام.
﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾: وقف حسن عند نافع وغيره.
قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار﴾ الآية.
المعنى: وقل لهم - يا محمد -: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار﴾ أي: ما استقر، فكيف تعدلون به وتشركون بمن له الخلق والأمر.
قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ الآية.
المعنى: قل (لهم) يا محمد: أغير الله أتخذ ولياً وهو فاطر السماوات (والأرض)، أي: مبتدعهما وخالقهما.
قال ابن عباس: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: " أنا فطرتها ": (أي) ابتدأتها.
وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش: (ولا يَطعم) بفتح الياء، وقرأوا الأول مثل الجماعة على معنى: وهو يَرزقُ ولا يأكل.
وقرأه الجماعة على معنى: " وهو يَرزق ولا يُرزق ".
وقوله: (تعالى): ﴿إني أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: قل لهم يا محمد: إني أمرت
أن أكون أول من خضع بالعبودية، وقيل: (لي: لا) تكونن من المشركين.
وقال بعض العلماء قوله: ﴿أُمِرْتُ﴾ بدل من " قيل لي: كن أول من أسلم و (قيل لي): لا تكونن من المشركين "، فالثاني محمول على معنى الأول، اجتُزئ بذكر.
الأمر عن ذكر / القول، والمعنى: قل " إني قيل لي: كن أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين ". فهما جميعاً محمولان على القول لكن أتى الأول بغير لفظ القول وفيه معناه، فحمل الثاني على المعنى.
والوقف على (الأرض) حسن، وعلى (يُطعَم حسن.)
قوله: ﴿قُلْ إني أَخَافُ﴾ الآية.
المعنى: (قل) يا محمد لهؤلاء الذين لا يخافون: ﴿إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: هائل شديد.
قوله: ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية.
من قرأ ﴿يُصْرَفْ﴾ بضم الياء وفتح الراء، فعلى ما لم يُسمَّ فاعله.
ومن فتح الياء وكسر الراء، فعلى إضمار، والتقدير: " من يَصرِف اللهُ عنه العذاب " يومئذ.
والأول أحسن عند سيبويه، لأن الإضمار كلما قل كان أحسن.
فتقدير من ضم الياء: من يُصرَف عنه يومئذ فَقد رحِمَه اللهُ، ففي ﴿يُصْرَفْ﴾ ذكر العذاب المتقدم، ويضمر الاسم بعد (رحمه)، وفي الفتح يضمر الاسم والعذاب جميعاً.
وقيل التقدير - في قراءة من فتح الياء - مَن يَصرف (الله) عنه شرَّ يومئذ، ثم حذف المضاف.
وفي قراءة عبد الله وأُبيّ: (من يصرف الله عن يوم القيامة)، وهذا شاهد لمن قرأ بالفتح.
واحتج بعضهم لقراءة من فتح الياء أنه قريب من اسم الله، كأن تقديره: من يَصرف ربّي (العذاب عنه) فقد رحمه، واحتج أيضاً بقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ولم يقل: (" فقد رُحم ")، فجريان آخر الكلام على أوله أحسن من مخالفته لأوله.
قال: ولو قلت: " من وَهَب لك درهماً فقد أكرَمَك "، كان أحسن من أن تقول: " من وُهِبَ له درهم فقد أكرمه "، وقولك: " من يؤخذ منه ماله، فقد ظُلم " أحسن من قولك " من يؤخذ منه ماله فقد ظَلَمه "، وهو بعيد في الكلام وكذلك من قرأ: (" من " يُصرَف عنهُ يوْمَئذ فَقد رَحَمِه.
وقراءة الفتح اختيار أبي عبيد وأبي حاتم على معنى: من يصرف الله عنه يومئذ عذابه فقد رحمه.
﴿وَذَلِكَ ا﴾: إشارة إلى صرف العذاب.
و ﴿الفوز﴾: النجاة من الهلاك، والظفر بالمطلوب، ﴿المبين﴾ (أي) الظاهر لمن وفقه الله.
قوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ الآية.
المعنى: إِن يمسك (الله) - يا محمد - بضر، فلا يكشفه إلا هو، (و) الضر - هنا -: الشدة في العيش والضيق، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ أي: برخاء في عيش وسَعَة، فهو على ذلك وغيره قدير.
قوله ﴿إِلاَّ هُوَ﴾ تمام حسن.
قوله: ﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الآية.
المعنى: والله المُذلّل لعباده، العالي عليهم علّو قدرة وقهر،
لا (علو) انتقال من سفل، بل استعلى على خلقه بقدرته فقهرهم بالموت وبما شاء من أمره، لا إله إلا هو.
ولمّا وصف نفسه تعالى بأنه المذل القاهر، ومن صفة القاهر أن يكون مستعلياً، قال ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿وَهُوَ الحكيم﴾ أي: في علوه، ﴿الخبير﴾ بمصالح عباده.
قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة﴾ الآية.
﴿أَيُّ﴾ اسم مبهم معرب، وإنما أُعرِب دون سائر المبهمات لعلتين:
- إحداهما: أنه قد أُلزم الإضافة فخالف سائر المبهمات، والمضاف إليه يَحل محل التنوين فيه، إذ لزمه ما هو عِوضٌ من التنوين، وإذا قدر التنوين فيه وجب إعرابه، لأن التنوين علامة للأمكن، والأمكنُ لا يكون إلا معرباً.
- والوجه الآخر: أنه مخالف لسائر المبهمات، لأنه يدل على البعض المعيّن،
فإذا قلت: " أيُّ الرجليْن أتاك "؟، فالذي تسأل عنه داخل في " الرجلين "، وليس ذلك في " ما " و " من ".
ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين جحدوا نبوتك: أي: شيء أعظم شهادة؟، ثم أخبرهم بأن الله أعظم شهادة ممن يجوز عليه السهو والغلط والكذب والخطأ من خلقه.
وقيل: المعنى: سلهم يا محمد: أي: شيء أكبر شهادة حتى أستشهد به عليكم؟.
(و) قال الكلبي: قال المشركون - من أهل مكة - للنبي: من يعلم أنك رسول الله فيشهد لك، فأنزل الله ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أني رسوله، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾.
والله - جل ذكره - شيء بهذه الآية، لكنه شيء لا كالأشياء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن﴾ (أي وقل لهم: أوحي إلي هذا القرآن) لأنذركم
به عقاب الله، ﴿وَمَن بَلَغَ﴾: (أي) وأنذر به من بلغه ذلك بعدي.
قال محمد بن كعب القرطبي: من بلغته آية فكأنما رأى الرسول.
قال ابن عباس: " من بلغه هذا القرآن فهو له نذير ".
ف ﴿من﴾ في موضع نصب.
وقيل: المعنى في ﴿وَمَن بَلَغَ﴾: أي: وأنذر من بلغ الحلم، لأن من لم يبلغ الحلم، فليس بمخاطب ولا متَعَبد.
والقول الأول: " إن معناه: ومن بلغه القرآن "، وهو أولى.
وقال مجاهد ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ أي: من أسلم.
وقيل معناه: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ﴾ أيها
العرب ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ أي: العجم، كقوله: ﴿بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2] يعني العرب، ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 3] أي: من الذين أرسل إليهم، يعني العجم.
(و) قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهءَالِهَةً أخرى﴾: هذا على التوبيخ لهم.
ثم قال لنبيه: قل يا محمد لا أشهد بما تشهدون، إنما هو إله واحد، وإنني بريء من إشراككم بربكم.
(و) روى ابن عباس " أن طائفة من اليهود قالوا للنبي: يا محمد، ما نعلم مع الله إلهاً غيره!، فقال رسول الله: لا إله إلا الله، بذلك بُعثت وإلى ذلك أدعو "،
فأنزل الله: ﴿قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
ووقف نافع: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة﴾.
والتمام عند الجماعة ﴿وَمَن بَلَغَ﴾.
قوله: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ الآية.
(معنى ذلك أن أهل الكتاب - هنا - (هم)) اليهود والنصارى.
ومعنى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: أي: يعرفون أن دين الله الاسلام، وأن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم، وهو عندهم في التوراة والانجيل.
وقيل: المعنى: يعرفون محمداً كمعرفتهم أبناءهم.
وقد قال بعض من أسلم من أهل الكتاب: والله لنحن أَعَرفُ به من أبنائنا، لأن صفته ونعته في الكتاب، وأما أبناؤنا فلسنا ندري ما أحدث النساء فيهم.
وقيل: المعنى يعرفون أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله.
وقيل: يعرفون القرآن.
وأكثر العلماء على أن الهاء تعود على النبي.
وقوله: ﴿الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: أوبقوها في النار بإنكارهم محمداً، ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بخسارتهم أنفسهم.
و ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾: تمام إن جعلت ﴿الذين﴾ مبتدأ.
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ الآية.
المعنى: من أشدُّ ظلما ممن اختلق على الله قول الباطل، أو (جحد آياته)
وأدلته، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ أي: لا ينجح القائلون على الله الباطل.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ الآية.
المعنى: أن هؤلاء المفترين على الله الكذب لا يفلحون في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعاً (أي) ولا يوم القيامة، ففي الكلام تقدير محذوف.
ومعنى: ﴿الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (أي تزعمون) " أنهم (لكم آلهة) من دون الله افتراءً وكذباً ".
وقال القتبي: المعنى أين آلهتكم التي جعلتموها لي شركاء، فنسبها إليهم، لأنهم ادعوها أنها شركاء لله.
قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ الآية.
قرأ ابن مسعود وأبي (وما كان فتنتهُم) بالرفع.
ومن (قرأ) تكن بالتاء، ونصب " الفتنة "، فإنما أنَّث، لأن " القول " هو " الفتنة "، فأنث على المعنى، وهو مذهب سيبويه.
وقيل: إنما أنت، لأن ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ بمنزلة " مقالتهم " فأنث على ذلك.
و (قد قرئ) برفع " الفتنة "، والياء في (يكن) على المعنى، لأن " الفتنة بمعنى " الفتون ".
ومعنى ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾: مقالتهم.
وقيل: معذرتهم إلا أن أقسموا بالله ربهم إنهم لم يكونوا مشركين.
ومعناه عند أبي إسحاق أن المشركين افتتنوا بشركهم في الدنيا، فأخبر الله عنهم أن فتنتهم التي كانت في الدنيا عادت انتفاء من الشرك، وهذا مِثْل إنسان يرى (محبّاً له) في هَلكة فيتبرأ منه، فيقال له: صارت محبتك (تبرؤا).
واختار الطبري قراءة النصب في (ربَّنا)، لأنه جواب من المشركين الذين قيل لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُم﴾ [الأنعام: 22]؟، فنفوا عن أنفسهم أن يكونوا فعلوا ذلك وادعوه أنه ربهم كان فنادوه، ولذلك قال لمحمد: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: 24].
وإنما قصدوا إلى نفي الشرك عن أنفسهم دون سائر الذنوب والكبائر، لأنهم
رأوا أن كل شيء يغفرُهُ الله إن شاء إلا الشرك، فنفوه عن أنفسهم رجاء أن يغفر لهم ما ارتكبوا دون الشرك، ودل على ذلك قوله ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] (فدل هذا) على أن ما دون الشرك مغفور إن شاء الله، ذلك: إما بتوبة وإقلاع، وإما بفضل من الله ورحمة.
قوله: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ الآية.
معنى النظر هنا: هو نظر القلب " معناه: تَبيَّنْ فاعلم كيف كذبوا في الآخرة ".
وقوله: ﴿كَذَبُواْ﴾ معناه: يكذبون، إلا أنه لما كان أمراً يقع بلا شك، أخبر عنه بمثل ما يخبر (عما) وقع.
ومعنى ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: وفارقتهم الأنداد والأصنام، وتبرأوا منها.
وقيل: (معناه) ذهب عنهم ما كانوا يختلقون.
قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا (تعالوا) فلنجحد ما كنا فيه، فقالوا: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثاً، فود الذين كفروا حين ذلك لو تسوى بهم الأرض، و ﴿لاَ يَكْتُمُونَ﴾ حديثاً.
وقال ابن جبير: لما أمر بإخراج من دخل النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين: تعالوا فلنقل " لا إله إلا الله " لعلنا نخرج من هؤلاء.
فقالوا، فلم يُصَدّقوا، فحلفوا فقالوا: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقال قطرب: إنهم لم يتعمدوا الكذب، ولكنهم قالوا ما قالوا وهم عند أنفسهم صادقون، لكنهم كاذبون عند الله، ولذلك قال: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾.
والذي يدل على خطأ قول قطرب قوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا
يَحْلِفُونَ لَكُمْ} [المجادلة: 18].
فلم (يحلفوا للنبي) قط إلا وهم يعلمون أنهم كاذبون، وقد أخبر الله أن (اليمينين متساويتان).
وقوله: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ يدل على أنهم تعمدوا الكذب.
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الآية.
المعنى: ومن هؤلاء المختلقين على الله الكذب من يستمع القرآن منك يا محمد - قال مجاهد: هم قريش - ويستمع كل واحد ما تدعوه إليه من الإيمان، فلا ينفعه ذلك، ولا يَعِيهِ، ولا يتدبره، ولا يعقله عنك، لأن الله جعل على قلبه كنانا، أي / غطاء، وجمعه أكنة، وجعل في آذانهم وقراً عن ما تقول لهم
وتتلو عليهم.
فعل ذلك بهم مجازاة لهم على كذبهم، وليس المعنى أنهم لا يسمعون ألبتة ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا بمنزلة الذي في أذنيه وقر، وعلى قلبه غطاء.
(و) قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ يريد أنهم رأوا القمر منشقاً، فقالوا: (سحر، ثم) أخبر عنهم أنهم إذا أتوا يجادلون قالوا: هذا سحر ((مبين)).
قوله: ﴿مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ((و)) ﴿وَقْراً﴾ تمامان عند الأخفش.
و ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ (تمام) عند غيره.
و (بها) التمام الحسن عند أبي حاتم.
ومعنى ﴿أساطير الأولين﴾ أي: أحاديثهم.
وقيل: أساجيع الأولين.
وقيل: المعنى ما كتبه الأولون.
ومعنى جدالهم المؤمنين أن ابن عباس قال: كان المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة، يقولون لهم: ما ذبحتم وقتلتهم تأكلون، وما قتل الله لا تأكلون وأنتم تتبعون أمر الله.
(وواحد الأساطير " أسطورة " كأًُضْحوكة (وأُحدوثَة)، وقيل:) واحده " أَسْطار "، كأقوال، وأَسْطار جمع سَطَر، (يقال: سَطْر) وسَطَر.
وقال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له، كأبابيل ومذاكير وعباديد، وقد قيل: إن واحد الأبابيل " إِبيّل ". وقيل: هو " إِبّوْل "، كِعَجَّوْلِ.
قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.
المعنى أن الله أخبر عن المشركين أنهم ينهون الناس عن اتباع النبي والقبول منه، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يبعدون.
قال ابن عباس: لا يأتونه ولا يدّعون أحداً يأتيه.
فالهاء - على هذا - تعود على النبي.
وقيل: المعنى أنهم ينهون [الناس عن] أن يستمعوا ما في القرآن، ويتباعدون هم عن استماعه، فالهاء للقرآن.
وقيل: المعنى: أنهم ينهون الناس عن أذى محمد، (ويتباعدون هم) عنه، أي: عن اتباعه.
(و) روي عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب عم النبي عليه السلام ونفر من كفار قريش كانوا ينهون ((الناس)) عن أذى النبي ولا يؤمنون به، ولا بما جاءهم به، وكان أبو طالب ينهى أن يؤذى محمد، ويتباعد عن قبول ما جاء به.
وهذا يدل على أنها في قريش.
وكان الطبري يختار أن تكون عامة في المشركين، لأن أول الكلام جرى على العموم، فيكون المعنى على هذا: وهم ينهون الناس أن يتبعوه ويتباعدون عن اتباعه، وما ﴿يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: ما يهلكون بصدهم عنك إلا أنفسهم، لأنهم يكسبونها سخط الله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (أن) ذلك راجع عليهم.
وقرأ الحسن ﴿وَيَنْأَوْنَ (عَنْهُ)﴾ بإلقاء حركة الهمزة على النون على
أصل التسهيل.
قوله: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار﴾ الآية.
من قرأ برفع (نكذبُ) و (نكونُ) فعلى القطع، (أي: يا ليتنا) نرد، ثم ابتدأ على معنى: ونحن لا نكذب.
هذا قول سيبويه، والمعنى عنده: ونحن لا نكذب رُددنا أو لم نُردّ، فإنما سألوا الرد وقد أوجبوا على أنفسهم أنهم لا يعودون للتكذيب ألبتة، رُدوا أو لم يُردوّا، ومثله عند سيبويه: " دعني ولا أعود ": أي: وأنا لا أعود.
تركتني أو لم تتركني.
ومن نصب فإنما أراد أن يكون " رد " يتبعه ترك عودة، كأنه في المعنى: إن رُددنا لم نعد للتكذيب.
ومثله: " زرني وأزورَك "، (أي، لتكن منك) زيارة وأن أزورَك، ولو رفعت لكان المعنى: وأنا أزورُك، زُرتَني أو لم تَزرْني.
ووجه آخر في الرفع، وهو أن يكون معطوفاً على (نُرد)، كأنهم تمنوا أن يردوا، وتمنوا (ألا) يكذبوا / وأن يكونوا من المؤمنين.
والأول أحسن، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الرد وادعوا أنهم إذا رُدوا لم يكذبوا وكانوا من المؤمنين.
(والنصب) على جواب التمني، كأنه: يا ليتنا وقع لنا الردّ و (ألا) نكذب، فالواو في جواب التمني كالفاء، وقيل: المعنى في الرفع: لا نكذب واللهِ
ونكون - والله - من المؤمنين، وهو أيضاً منقطع.
وأنكر جماعة النصب، وقالوا: هو خبر أخبروا به عن أنفسهم، ألا ترى أن الله كذبهم فيما أخبروا به، والكذب لا يقع إلا في جواب الخبر.
وأنكر بعض النحويين أن يكون الجواب للتمني بالواو، وقالوا: إنما يكون بالفاء.
وأجاز أبو إسحاق أن يكون التمني داخلاً في الخبر، قال: لأن الرجل الفاسق (يقول): " ليتني في الجنة "، فيقال له: كذبت، لو أردت ذلك لاتقيت الله.
وقد قيل: إنه منصوب على الظرف، وإن معنى الكلام: أنهم تمنوا أن يوقفوا ((وهم) غير مكذبين، لأنهم وقفوا مكذبين، فتمنوا أن يوقفوا) على غير تلك الحال.