الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 645-684
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأنعام

صفحات 645-684
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وقال الفراء: " لا واحد له ". قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي فعلهي فدية.
ويجوز النصب على معنى: فليُفد فديةً، وفليأت فدية.
قوله: ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾.
الثاني يجوز فيه ما جاز في الأول.
قوله: ﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ﴾ أي ذلك الفرض على من هذه حالته.
قوله: ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة﴾.
أي: أتموا الحج إلى أقصى مناسكه، والعمرة إلى البيت، وفي قراءة عبد الله: " وأَتِمُوا الحَجّ والعُمْرَةَ إلَى البَيْتِ لله عز وجل ". وقرأ الشعبي: " والعُمْرَةُ لله " بالرفع/ وكأنه تأول أن النصب يوجب فرض العمرة، وليس كذلك عند أكثر العلماء، وإنما معنى النصب هو الفرض بإتمام ما قد دخل فيه الرجل.
فالعمرة ليست بفرض، وإتمامها إذا دخل فيها الداخل فرض.
فالقراءة بالرفع تخرج وجوب إتمام العمرة عند الدخول فيها أن يكون فرضاً بالآية.

ومعنى النصب: " أتموا الفرض والتطوع.
والفرض قد بُيِن بقوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ [آل عمران: 97].
قال ابن عباس: " مَن أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما ". وقال مجاهد: " إتمامهما ان يقضي مناسكهما ". وقال علي بن أبي طالب: إتمامها أنتحرم من دويرة أهلك ". ويرد هذا فعل النبي [عليه السلام] إذا لم يحرم إلا من الميقات.
وقال طاوس: " إتمامها أن تفرد/ ولا تقرن ". وقال قتادة: " إتمام العمرة/ أن يحرم بها في غير أشهر الحج ". وإتمام الحج: أن تأتي بمناسكه حتى لا يلزمك دم القِران ولا متعة لأن

من أحرم من غيرها بعمرة في أشهر الحج، ثم حج عامة فهو متمتع وعليه دم.
وقال سفيان: " إتمامها أن تخرج من بيتك لا تريد غيرهما، وتهل من الميقات.
ليس أن تخرج لتجارة أو لحاجة/ حتى إذا صرت قريباً من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت ". وروي عن عثمان أنه قال: " إتمامها ترك الفسخ وأن تكون النفقة حلالاً.
وليست/ العمرة بواجبة عند مالك وأبي حنيفة، وهي واجبة عند الشافعي.
وقال عطاء وطاوس ومجاهد: " العمرة فرض كالحج ". وهو قول ابن جبير وعلي بن الحسين.
وروي ذلك عن ابن عباس وعن ابن عمر.
وروى جابر أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] سئل عن العمرة: أواجبة هي؟ فقال: " لا، وأنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك ". وعنه أنه قال: " الحجُّ جِهادٌ، وَالْعُمْرَةوُ تَطَوُّعٌ ". وهو قول نافع، والقاسم بن محمد.
وقال ابن مسعود: " الحج فريضة، والعمرة تطوع ".

وليس في هذا دليل على فرض الحج، ولا العمرة، إنما افترض في قوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ [آل عمران: 97].
إنما في هذه الآية فرض إتمام ما دخل فيه من حج أو عمرة.
وهو داخل تحت قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ {المائدة: 1].
فمن عقد عقداً من حج أو عمرة أو غير ذلك من الطاعات فعليه إتمامه فرضاً من الله بآية العقود.
فبان من هذا أن العمرة غير فرض إذ لم تأت بذلك آية، كما أتت في الحج.
ومعنى " اعتمر ": قصد، كأنه افتعلمن " عَمَرَ ". والحج القصد.
وقيل: اعتمر، معناه: زار.

والإحصار عند مجاهد الحبس بمرض.
وهو عند عطاء الحبس من كل شيء مرض أو خوف أو غيره.
وقال ابن عباس: " هو منع العدو لا غير ". وإنما أنزل الله الآية في إحصار العدو لرسول الله [عليه السلام] ومنعهم إياه أن يتم عمرته حين رجع، و [أحل في موضعه وعاد] في العام المقابل.
وأكثر الناس على أن العلل العارضة المانعة من الحج غير داخلة في الإحصار، وحكمها حكم من فاته الحج، وليس حكم من منعه العدو حكم من فاته الحج.
قوله: فَمَا استيسر مِنَ الهدي}.
" هو شاة " قال ذلك علي وابن عباس.
وقال قتادة: " أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة ".

وقال ابن عمر: " هو البقرة دون البقرة في السن، والبعير دون البعير ". وهو قول ابن الزبير وعائشة.
فمعنى ذلك أن حبسه شيء عن إتمام حجة أو عمرته، فعليه إذا أراد أن يحل شاة/ أو بقرة أو بعير على مذكرنا من الاختلاف.
ومذهب مالك أن الشاة تجزي.
ولا هدي عند مالك على من أحصر بعدو، ولا قضاء لحجه ولا لعمرته إلا أن يكون ضرورة فعليه الحج.
فإن كان الإحصار بمرض ونحوه فلا يحله إلا البيت، وعليه الهدي، إذا فاته الحج ويفسخ حجه في عمرة، وعليه حج قابل يكون معه الهدي الذي لزمه لفوات الحج.
قوله: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ﴾.
أي من أراد أن يحل، فلا [يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي] محله لأن حلقه إحلال.

وبلوغ الهدي محله هو نحره أو ذبحه في أي موضع كان، إذا أحصر بخوف أو عدو، لأن النبي [عليه السلام] حل بالحديبية ونحر بها حين صد، وحلقوا رؤوسهم.
والحديبية ليست من الحرم.
فالنحر مقدم على حلق الرأس بهذه الآية.
قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي بمرض أو نحوه، فمحله بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا/ والمروة.
وليس على من أحصر بعدو أو خوف قضاء ولا هدي، ويحل في موضعه، [وينحر في مضعه من حل] أو حرم إذا فاته الحج بحصر العدو بخلاف حصر المرض ونحوه الذي يلزم/ فيه القضاء ولا يحله إلا البيت، ويلزمه الهدي عند قضاء ما فاته من حج أو عمرة؛ هذا مذهب مالك.
إنما القضاء على من فاته الحج من غير إحصار عدو بمرض أو فوات.
فإن كان الذي أحصر لم

يحج فعليه الحج لازم، وإن كان الذين أحصر بمرض لا يقدر على الوصول، ويخاف على الهدي أن يعطب، أرسله يُنحر بمكة، ويبقى هو على إحرامه حتى يطوف ويسعى وإن أقام سنين.
قوله: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾.
أي شقيقة أو وجع أو كثرة قلم.
" وهذه الآية نزلت في كعب بن عَجُرَة إذ شكا إلى النبي [عليه السلام] كثرة قمله وذلك عام الحديبية، فأمره النبي [ صلى الله عليه وسلم] بحلقه، وأمره بالهدي، فقال: لا أجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " صُمْ ثلاثَةَ أيامٍ أوْ [أطْعِمْ سَتَّةَ مَساكينَ].
لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ "، ففي ذلك نزلت الآية ". وقال الحسن: " عليه صوم عشرة أيام، أو إطعام عشرة مساكين ". وقاله

عكرمة قياساً على المتمتع.
قوله: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج﴾.
ومعنى التمتع عند الفقهاء المدنيين والكوفيين أن يعتمر الرجل الذي ليس من أهل مكة، ويحل من عمرته في أشهر الحج ثُمّ يجج من عامة ولم يرجع إلى أُفقه، أو أُفق مثل أفقه/ بين الحج والعمرة.
فمن حصل له ذلك فهومتمتع، وعليه شاة.
وقيل: بقرة، وقيل: / بدنة.
فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وهو معنى قوله: ﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام﴾ أي هذا الحكم يجب على الغرباء إذا حلوا من عمرتهم في أشهر الحج ثم حجوا من عامهم.
يعني من ليس بقاطن من الغرباء بمكة/ يلزمه ذلك، خاصة على ما فسرنا.
قال ابن عباس: " الثلاثة الأيام ما بين إحرامه إلى عرفة ".

وعن ابن عمر: " هن [يوم قبل] التروية، ويوم التروية ويوم عرفة ". وروي ذلك عن علي.
وروي عن علي أنه قال: " أخرها انقضاء أيام منى ". وقالت عائشة رضي الله عنها: " يصوم أيام منى ". وقال مالك: " يصوم ثلاثة أيام قبل النحر، فإن لم يصم صام أيام التشريق و [هي ثلاثة أيام] بعد يوم النحر، فإن لم يصبها صام بعد ذلك ". ولا اختلاف بين الفقهاء أن يوم النحر ويوم الفطر لا يجوز صومهما لأحد.
وقال ابن عباس: " إذا فاته الصوم في العشر، فعليه دم ". وهو قول سعيدي بن جبير.
وهو قول أصحاب الرأي.

وقال ابن عباس: " صيامه الثلاثة الأيم ما بين إحرامه إلى يوم عرفة وليس له صوم، قبل إحرامه.
وقال مالك: " يصومهن إذا أهلّ متى ما أهل ". وقال مجاهد وطاوس: " له صومهن في أشهر الحج متى صام، وإذا دخل في الصوم ثُم وجد هدياً، وتمادى على الصوم أجزأ ". واستحب مالك أن يهدي إذا وجد قبل أن يتم قبل الصوم، إن كان صام يوماً أو يومين.
فإذا صام أكثر من ذلك استحب أن يهدي.
فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
وروي عنه إيجاب الهدي إذا وجده، وقد صام يوماً أو يومين، ويصوم السبعة متى شاء؛ إن شاء أخرها حتى يعود إلى مصره، وإن شاء عجل صيامها.
وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
إما قال تعالى: " عَشَرَةٌ " لجواز أن يظن أن عليه ثلاثة أو سبعة فبيّن إيجاب العددين بقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.

وقال المبرد: " إنما قيل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ / لأنه يجوز أن يظن السامع أن ثم شيئاً آخر بعد السبعة، فأزال اللبس ". فأما قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾، فقال الحسن: " معناه: كاملة من الهدي ". أي قد كملت في المعنى الذي جعلت بدلاً منه.
وقيل: معناه الأمر، كأن معناه: " تلك عشرة فأكملوا صومها ولا تقصروا فيها.
وقيل: معنى " كاملة " التوكيد، كما تقول: " سمعته بأذني، ورأيته بعيني "، وكما قال: / ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 26].
وقيل: معناه: تلك عشرة وافية للهدي.
وقيل: إنه قد كان جائزاً أن يقول: " وعليكم عشرة من قابل ونحوها " فلما قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾، علم أنه لا فرض بعد ذلك، كما تقول في آخر الحساب: " فذلك كذا وكذا " لتدل على أنه لم يبق شيء.
وقيل: لما كانت العشرة/ تتركب من عددين عَيَّنَ الثلاثة والسبعة، ولو صامها أحد على غير [ثلاثة وسبعة] لم يكن يمكن بمكمل لما أراد الله عز وجل من الترتيب، فقال: ﴿كَامِلَةٌ﴾، أي إذا صامها أحدهم على هذا الترتيب كانت كاملة.
وإن لم يفعل،

فليست بكاملة في الفرض، وهي كاملة في العدد.
ف " كاملةٌ " ليس بتأكيد للعشرة، وإنما هو تأكيد للكيفية في صومها وترتيبها.
وقيل: لما كانت الواو قد تقع بمعنى " أو "، فتكون مخيرة في صيام سبعة أو ثلاثة.
أتى بـ ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ليبين أن الواو ليست بمعنى " أو "، وأن السبعة والثلاثة يلزم صيامها، فبين بِ " عشرة " ذلك، وأزال اللبس والاحتمال.
وهذا مبني على مذهب الكوفيين في إجازتهم لوقوع الواو بمعنى " أو "، وليس هو مذهب البصريين، لا تقع عندهم الواو بمعنى " أو " لاختلاف مَعْنيهما وحكميهما.
قوله: ﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام﴾.
قيل: اللام بمعنى " على " أي ذلك الحكم على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، كما قال: ﴿لَهُمُ اللعنة﴾ [الرعد: 25] أي [و] عليهم.
ومنه قول النبي [عليه السلام لعائشة]: " اشتَرِطِي لَهُمْ الوَلاءَ " أي عليهم.
وقيل: اللام على بابها، وأن المعنى: أن التمتع لم هو من غير أهل مكة

ليس بقاطن بها، لأنهم تمتعوا بأحد السفرين إذا اعتمروا وحجوا في سفر واحد وانتقال واحد في أشهر الحج.
وقيلأ: يراد بذلك أهل الحرم كلهم، لا متعة عليهم.
وقال مالك: " هم أهل مكة وأهل ذي طوى لا متعة عليهم، وليس أهل منى منهم، بلا يكونون متمتعين كغيرهم من غير أهل مكة والحرم ". وقيل: هم مَن منزلُه دون الميقات في حرم أو غيره.
رواه ابن جريح عن عطاء.
وقال الزهري: " هو الذي بينه وبين مكة اليوم واليومان لا متعة عليه ". وكان الطبري يقول: " هو الذي ليس بينه/ وبين مكة ما تقصر فيه الصلاة ". وقيل: التمتع لبس الثياب وأخذ الطيب فيما بين العمرة والحج.
وفعله، فعليه ما استيسر من الهدي، وذلك إذا كانت عمرته في أشهر الحج، فتمتع؛ فلبس الثياب وأخذ الطيب، ثم حج/ من عامة، فهو متمتع إذا كان من غير أهل مكة.
وهو خلاف

قول أهل المدينة.
قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾.
فرق أبو عمرو بين الجدال والرفث والفسوق فجعل " لا " مع الجدال للتبرئة، وفتح وجعلها مع الرفث والفسوق، بمعنى " ليس " / فرفع/ وذلك لأن الجدال أتى على غير معنى ما قبله، لأن معنى الأول النفي الذي ليس بعام إذ قد يقع فيه الرفث والفسوق من أهل الخطايا، فجعلت " لا " بمعنى " ليس ". ومعنى الثاني أنه نفي عام إذ قد استقرت معالم الحج وثبت فرضه واستقام أداؤه، فلا جدال في إيجابه لأحد من الناس، ففتحه على ذلك.
وقيل: المعنى: ولا جدال في كون الحج في ذي الحجة لأنهم كانوا يقدموا فيحجون في غير أشهر الحج ويؤخرون مثل ذلك.
وروي عن ابن عباس أنه قال: " الجدال أن تماري صاحبك ". فهذا التفسير يوجب أن تجري الثلاثة مجرى واحداً.
ويجوز في الكلام النصب في الثاني والثالث والتنوين، [تعطفه على موضع لفظ

لا]، وما عملت فيه.
ويجوز فتح الأول ورفع الثاني والثالث والتنوين؛ تعطفه على موضع " رفث " قبل دخول " لا ". وقرأ أبو جعفر يزيد برفع الثلاثة والتنوين، أجراها مجرا واحداً.
قوله: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾.
معناه: أشهر الحج أشهر معلومات ثم حذف، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
وقيل: ذو الحجة كامل.
وهما مرويان عن مالك.
قوله: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج﴾ أي من أوجبه.
وقيل: من أحرم فيهن.
والرفث هو الإفحاش للمرأة بالكلام في الجماع.
وقال ابن عمر: " الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال

والنساء ". وهو مروي عن ابن عباس.
وقال مالك: " الرفث إصابة النساء "، قال: " والفسوق: الذبح للأصنام، والجدال هو تخاصم في المواقف ". قوله: ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾.
لا معاصي فيما نهى عنه من قتل صيد أو أخذ شعر أو تقليم ظفر، ونحوه.
وروى مجاهد عن ابن عمر: " ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾: لا سباب ". وكذلك روى عن ابن عباس.
وقال ابن زيد: ﴿وَلاَ فُسُوقَ﴾ لا ذبح للأصنام، وقرأ: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله﴾ [الأنعام: 145]. وقوله: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾: أي لا يماري المحرم أحداً.
وقيل: لا مراء فيه، أنه في ذي الحجة.

وقيل: معناه: لا يقال: / حجي أتم من حجك.
وقيل: نهو أن يختلفوا في اليوم الذي يكون فيه الحج.
وقيل: إنهم نهوا أن يتماروا في المناسك، فيقول هؤلاء: هذا موقف [إبراهيم ويقول الآخرون]: بل هذا.
وقيل: بل ذلك إخبار من الله أن الحج/ قد استقامت أوقاته لا تتقدم ولا تتأخر وأن [النسيء باطل لا نسئ] فيه، قد استقام وثبتت أوقاته.
فهذا على قراءة أبي عمرو حسن لأنه مخالف لما قبله في المعنى فخالف بين إعرابه.
والأقاويل الأول تجري على قراءة فتحها كلها.
أو من نوَّنها كلها، لأنها منهاج واحد.
قوله: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾.

نزلت هذه الآية في قوم كانوا يحجون بغير زاد، وكان بضعهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد، فأمروا بالزاد.
قال ابن جبر: " هو الكعك والسويق ". وقال الشعبي: " هو التمر والسويق ". وقال ابن جبير: " هو الكعك والزبيب ". وقال سفيان: " حجوا فسألوا في الطريق، فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد ". وقال ابن عباس: " كان ناس يخرجون ولا يتزودون، ويقولون: نحج ولا يطعمنا الله كأنهم يمتحنون الأمر، فأمروا بالزاد ". وقيل: هم قوم كانوا يخرجون بلا زاد، يقولون: نتوكل.
فأمروا بالزاد ". قوله: ﴿يا أولي/ الألباب﴾.
أي أولي العقول.
[يقال: " لَبَبْتُ] أَلُبُّ، وليس في كلام العرب فعل يفعل في المضاعف غير هذا الحرف.

قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾.
أي لا حرج ولا ضيف في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده.
ونزلت هذه الآية في القوم كانوا لا يتجرون إذا أحرموا، يرونه من البر، فأعلمهم الله أنه لا حرج فيه وليس من البر.
وقيل: إن قوماً كانوا يزعمون أنه ليس لتاجر ولا جَمَّال ولا أجير حج، فأعلمهم الله أن ذلك مباح.
قوله: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عرفات﴾: أي اندفعتم.
وسميت عرفات بهذا الاسم، لأن نعتها كان عند إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
فلما رآها عرفها، فقال: " قد عرفت " فسميت " عرفات ". وق السدي: " لما أذَّن [إبراهيم في الناس بالحج] أجابوه بالتلبية، فأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها له فخرج.
فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله

الشيطان يرده فرماه بسبع حصيات/ يكبر مع كل حصاة فطار، فوع على الجمرة الثانية وهي [عقبة الثنية] فصدوه فرماه وكبر، فطار، فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر، فلما رأى أنه لا يطيقه ذهب، فلم يدر إبراهيم أين يذهب حتى أتى ذا الجاز رآه.
فلما انظر إليه، لم يعرفه وهو مكان، فسمي ذلك " المجاز ". ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، فقال: قد عرفت فسمي " عرفات "، فوقف بها حتى إذا أمسى ازدلف إلى " جمع "، فسمي " المزدلفة " / فوقف " بِمَجمع ". وقال ابن عباس: " كان جبريل يُعَلِّمُ إبراهيم المناسك، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم يقول: قد عرفت، فلذلك سميت عرفات.
وسمي الموسم موسماً لأن الناس يسم فيه بعضهم بعضاً أي يعرف ". والمشعر هو ما بين جبلي المزدلفة من حد منتهى مأزمي عرفة إلى محسر، وليس مأزماً عرفة من المشعر.
وموضع المصلى اليوم في بطن عرفة، فإذا خرج الإنسان عرفة فإذا خرج الإنسان منه صار بعرفة.

قوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضآلين﴾.
معناه: وما كنتم من قبل الهدى إلا من الضالين، " فَإنْ " بمعنى " ما " واللام بمعنى " إلا ". وقد قيل: إنَّ " إنْ " بمعنى " قد " ذكره الطبري، وليس بجيد في اللغة.
قوله: / ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾.
أمر الحمس وهم قريش أن يفيضوا من حيث أفاض جميع الناس لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة افتخاراً وتعالياً، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه إلى عرفات.
فأمروا أن يقفوا مع الناس.
ويفيضوا من حيث أفاض الناس أي من عرفة.
قالت عائشة رضي الله عنها: " كانت قريش ومَن دانها يفقون بالمزدلفة، ويقف الناس بعرفة فأمروا أن يقفوا مع الناس ". وقال الضحاك: " معنى الآية: أن الله تعالى أمر جميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس قبلهم ".

والناس هم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن كان معه وذلك/ من جمع.
وتقدير ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾: ثم أمرهم بذلك على معنى التأكيد لما أمر الله به أوّلاً، لأنه تعالى قد ذكر المعشر والإفاضة من عرفات قبل ذلك ثم قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾.
فإن كان/ عرفات فليس الإفاضة من عرفات بعد الذكر في المشعر الحرام، فالمعنى هو التأكيد لا أنه اتباع حكم لحكم تقدم.
وروي أن قريشاً كانت قد اتبدعت أشياء منها أنهم امتنعوا أن يَقِفُوا بعرفات لأجل أنها في الحل، فقالوا: لا ينبغي لنا أن نعظم إلا الحُرُم، فكانوا وحلفاؤهم يقفون يوم عرفة بمزدلفة، ويقف سائر العرب بعرفات وسما أنفسهم ومَن وَالاَهم على ذلك الحمس، وابتدعوا ألا يأتقطوا الأقِط ولا يسألوا السمن وهم محرمون، ولا يدخلوا بيتاً من شعر وهم حرم، ولا يستظلوا وهم حرم إلا في بيوت الأُدْم، ولا يأكلوا وهم حرم من طعام جيء به في من الحل، وابتدعوا ألا [يطوف القادم إلى البيت إلا في ثياب] الحمس، فإن لم يجد ذلك طاف عرياناً.
فإذا تم طوافه أخذ ثيابه، فإن

طاف أَحَدٌ بثيابه ألقاها إذا فرغ/ من طوافه، فلا يأخذها أبداً هو ولا غيره.
وكانت العرب تسمي لك الثياب اللُّقى، وسمحوا للمرأة أن تدع عليها درعها.
فلم يزل الأمر ذلك حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾.
يعني قريشاً إذ كانت تفيض من مزدلفة.
وقيل: يعني سائر العرب، إذ كانوا يفيضون من عرفات، فيكون في الكلام على هذا القول تقديم وتأخير، وفي ذلك أنزل: ﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا﴾ [الأعراف: 31] فأباح لهم ما حرموا على أنفسهم من لبس الثياب، والطعام والشراب.
وقد قيل: إن " ثُمَّ " بمعنى الواو في هذا.
فأما المعنى على قول الضحاك: فثم على بابها، لأنه يقول: أمرهم أن يفيضوا من جمع، والإفاضة من جمع لا شك أنها بعد الوقوف بمزدلفة وبعد الإفاضة من عرفات.
وقد قال الطبري: " إن من قال: إنه عرفات، ففي الكلام تقديرم وتأخير، وتقدير.
ومعناه: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾، ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾، قال: " ولولا الإجماع من أهل التأويل على أن المراد بقوله ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ من عرفات، لكان قول الضحاك هو لوجه

البين؛ إن المراد به " جمع " لأنه على ترتيب الكلام وسياقه ولا تقديم فيه ولا تأخير ". ويدل على أن المراد به " جمع " قوله: ﴿واستغفروا الله﴾ وذلك أن النبي [عليه السلام] قال: " دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لأُمَّتِي ذُنُوبَهَا، فأجَابَنِي: أَنِّي قَدْ غَفَْتُ إِلاَّ ذُنُوبَهَا/ فيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَلْقِي، فَأعْدَتُ الدُّعَاءَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ أُجَبْ شَيْئاً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ المُزْدَلِفَةِ قُلْتُ: يَا رَبّ، إِنَّكَ قَادِرٌ أَنْ تُعَوِّضَ هَذَا الْمَظْلُوم مِنْ ظَلامَتِهِ، وَتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمَ، فأَجَابَنِي أَنِي قَدْ غَفَرْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ضَحِكْتُ مِنْ عَدُوِّ اللهِ إِبْلِيسَ لَمَّا سَمِعَ مَا سَمِعَ، أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَيَضَعُ التُّرَابَ عَلَىَ رَأْسِهِ ". فأمر/ المسلمون أن يستغفروا في ذلك الموضع الذي غفر الله [لهم فيه] التبعات فيما بينهم وهي أعظم من التبعات فيما بينهم وبين الله.
ومعنى: ﴿واستغفروا الله﴾.
استدعوا المغفرة.
قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ﴾.
أي أهراقة الدماء.
قاله مجاهد.
وقيل: متعبداتكم التي أمر بها في الحج/ وكان القوم في الجاهلية إذ فرغوا

من حجهم وقفوا فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمروا أن يكون ذلك الثناء على الله أو أشد منه، والخلاق: النصيب.
وقال عطاء: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ﴾، هو قول الصبيان: " أبا، أبا " يلهج بذكر أبيه ". قوله: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا﴾.
قال مجاهد غيره: " كانوا يسألون الله لأمر دنياهم والظفر على عدوهم، ولا يسألونه إلى الآخرة شيئاً ". قوله: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾.
أي عافية في الدنيا، وعافية في الآخرة.
قاله قتادة.

وقيل: " الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة.
وفي الآخرة: الجنة ". قاله الحسن وسفيان.
وقال ابن زيد: " الحسنة في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة "، وقاله السدي.
ومعنى: ﴿سَرِيعُ الحساب﴾.
أي يحصي ما يحصيه بغير كلفة ولا تكلف، وليس مثل ما يتكلف له بنو آدم من العقد/ وغيره.
وقيل: معناه: يحاسبه بغير تذكر ولا كتاب.
وقيل: معناه: مجاز للفريقين على أعمالهم.
وقيل: معنى: " السرعة ": أنه يغفر السيئات ويضعف الحسنات بلا حساب على من فعل به ذلك ولا كلفة.
قوله: ﴿واذكروا الله/ في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.

هذه الآيام هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهي أيام منى عند مالك.
وقال زيد بن أسلم: " المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، والمعدودات: أيام التشريق ". وعن مجاهد وابن عباس: " المعلومات: " العشر.
والمعدودات: " أيام التشريق ". وإنما سميت أيام التشريق لأن الناس يشرحون فيها للحم ويقددونه، فالتشريق التشريح.
فكأنها سميت أيام التشريح، فأمروا بالذكر فيها عند رمي الجمار وغيرها.
وقال النبي [عليه السلام] في أيام منى - وهي أيام التشريق -: " هِيَ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ ". والأيام المعلومات هي: يوم النحر، ويومان، بعده.
فيوم النحر معلوم، ويومان

بعده معلومان معدودات، واليوم الثالث بعد يوم النحر معدود.
قوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
أرخص الله تعالى أن ينفر الناس اليوم الثاني من الأيام المعدودات وأعلمهم أن من تأخر إلى اليوم الثالث أنه لا إثم عليه، أي لا حرج ولا ضيق في تركه الرخصة، ومن تعجّل فلا إثم عليه في تركه الاتمام إلى اليوم الثالث.
وروي عن ابن مسعود وابن عمر: " لا إثم عليه: أي قد غفر له، ومن تأخر قد غُفر له ". وقل/ ابن عباس: " لا إثم عليه: أي رجع مغفوراً له "، وقال: " إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج ". واستبعد جماعة تأويل من قال: " لا حرج عليه "، لأن من جلس إلى الثالث

فقد أتى بالغاية، فليس يقال لمن أدى فرضه: " لا حرج عليك فيما صنعت ". وقيل: معناه: لا حرج عليك في تركك الرخصة.
ومن قال: " غفر له " معناه.
فهو أبين وأحسن/ وعليه [أكثر] الناس.
وقال مجاهد: " معناه: لا إثم عليه إلى الحج القابل ". ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
أي لا حرج عليه إلى الحج القابل، أي مغفور له إلى ذلك الوقت.
وقال أبو العالية: " معناه: غفر له ما تقدم "، وفي مصحف عبد الله: " لمن اتقى الله ". قال ابن عباس: " معناه: لا حرج عليه لمن اتّقى المعاصي فيما يستقبل، أي

غفر له ". وقيل: معنى ﴿لِمَنِ اتقى﴾ أي: اتقى قتال الصيد في الحرم.
وقال ابن مسعود أيضاً: " ﴿إِثْمَ﴾ أي: مغفور له إن اتّقى ما حرم عليه في الحج ". وروى أبو حازم عن أبي هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: " مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهِ ". وروي أن عمر قال لما سمع الآية: " خرج القوم من ذنوبهم، وربّ الكعبة ". وعن أبي هريرة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ/ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةَ.
والعُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا " ومعنى اللام في ﴿لِمَنِ اتقى﴾: أي: هذا لمن اتّقى.
وقيل: المعنى: قلنا فلا إثم عليه لمن اتّقى.
واللام متعلقة بالقول.
وقال

الأخفض: " ذلك لمن اتّقى ". وقيل: معنى: ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يقل المتعجل للمتأخر: أنت آثم، ولا المتأخر للمتعجل: أنت آثم.
تم الجزء الرابع

قوله: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياوة الدنيا﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، واسم الأخنس أبي، وأمه ضبيعة عمة عثمان رضي الله عنهـ، كان حليفاً لبني زهرة، وكان قد أتى مع قومه بني زهرة إلى بدر مع المشركين يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا الجحفة، أشار على بني زهرة بترك القتال فأطاعوه، فأخنس بهم من المشركين، ورجع فسمي الأخنس فلما بلغ النبي [عليه السلام] قوله وما أشار به على بني زهرة عجب من ذلك، ففيه نزلت: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآية.
ثم إنه قعد ذلك قدم على النبي [عليه السلام] فأظهر المحبة للإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، وأنه صادق في قوله، فأعجب النبي [عليه السلام] منه ذلك وكان يبطن الغش والنفاق، فلما خرج أفسد زَرْعَ/ الناس بالنار وأهلك مواشيهم، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث﴾ أي: بالنار والنسل.
وري أنه

عقر حمراً، وفيه نزلت: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ/ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1].
وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: 10] إلى ﴿الخرطوم﴾ [القلم: 16]، لأنه حلف أنه ماقدم إلا رغبة في الإسلام وأنه صادق في يمينه، فقال الله عز وجل: ﴿ وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي أنه صادق فيه قوله.
وقوله: ﴿أَلَدُّ الخصام﴾.
أي شديد الخصومة.
وقيل: معناه أنه كاذب في قوله.
والخصام مصدر " خاصم ". وقال الزجاج والقتبي: " هو جمع خصم.
يقال: خصم، وخصوم، وخصام ". وعن ابن عباس أنه قال: " نزلت في السرية التي أصيبت للنبي عليه السلام تكلم قوم من المنافقين فيها، فأخبر الله عن اختلاف سريرتهم وعلانيتهم ". وقيل: إن الآية عامة في كل منافق أخبر الله أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد بقلبه.
وقد

قال في موضع آخر، ﴿وَإِذَا/ لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا﴾ [البقرة: 14]، وقال: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ [آل عمران: 119]. فأخبر الله أنه يشهد على ما في قلبه.
يريد أنه يقول ما يقول، ويستشهد بالله أنه صادق في قوله؛ يقول: الله يشهد أني صادق فيما أقول وهو كاذب.
فأخبرنا الله تعالى أنه شديد الخصومة، وأنه إذا تولى سعى في الأرض بالفساد الذي هو سبب هلاك زرع الناس لأنه إذا أفسد اشتغل بالحرب والقتال عن الزرع، وإذا لم يكن زرع لم تجد البهائم ما تأكل، فيذهب النسل/ وقوله: ﴿وَيُشْهِدُ الله﴾.
أي يقول: اللهم إنك تشهد أني صادق: " وهو كاذب ". وقرأ ابن محيصن: " ويَشْهَدُ اللهُ " بفتح الياء، ورفع الاسم على معنى: [والله] يشهد أنه كاذب في قوله.
وقيل: معنى، ﴿وَإِذَا تولى﴾ إذا غضب، فعل ذلك.

وقال مجاهد: " إنه إذا أفسد وتعدى، كان ذلك سبب إمساك الله القطر، وإمساكه هلاك الحرب والبهائم، وقرأ مجاهد: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس﴾ [الروم: 41].
وقرأ الحسن وقتادة: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ بالرفع عطفاه على يُعْجِبُكَ.
وقال أبو حاتم: " عطف على ﴿سعى﴾، أي يسعى ويهلك، وقال الزجاج: " معناه: وهو يهلك ". وعن ابن كثير أنه قرأ: " ويهلك " بتح الياء والنصب، الحرب والنسيل بالرفع.
ومثل الجماعة أشهر عنه.
قوله: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية.
أي يبيع نفسه من أجل مرضاة الله، ونزلت في المهاجرين والأنصار

المجاهدين منهم.
وقال عكرمة: " نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن خرجوا/ مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب فأخذوه أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكاً لزيد بن جدعان.
وروي أنه كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو صغير، فسار إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكاً لزيد بن جدعان، فلما أمر النبي [عليه السلام] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى سبيله/، فخرجت بنو تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ

قوسه وخوفهم من قبله، وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان رامياً مجوداً فرجعوا وتركوه، فلما وصل المدينة قال له عمر: " ربح بيعك لا تقيل ولا تقال ". وشهد بدراً، ففيه نزلت ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغآء﴾ الآية.
فيشري على هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى " يبيع ". وقال الربيع: " نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم] فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي عليه السلام فلقيه عمر في رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خَسِر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيهك كذا وكذا ". وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضباً لله إذ

سمع الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل.
فيشري على هذا بمعنى/ يبيع.
وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إلا الله.
فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشربن نفسي من الله ". أي لأَبِيعَنَّهَا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله.
وقال ابن المسيب: " أقبل صهيب مهاجراً فاتَّبعه نفر من المشركين.
فنزل عن راحلته وانتشر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأَيْمُ الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم.
فعادهوه على أن يدلهم على بيته ماله بمكة ويدعوه

ففعل، وقدم على النبي [عليه السلام] فقال له: أبا يحيى، رح البيع، فأنزل الله ﴿وَمِنَ الناس﴾ الآية.
وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره.
وهو أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم﴾.
/ قال ابن عباس: " السِّلْمُ - بالكسر - الإسلام " وهو قول أبي عمرو.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل