الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
إلى الحلول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
يريد ثم السلام عليكم فرفع اسماً بالابتداء لما قدمه ولم يعمل فيه الإغراء لأنه متأخر لا يتقدم عليه معموله، ومثله قول الشاعر:
يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
أي هذا دلوي، ويجوز النصب بإضمار فعل تقديره: ثم الزم اسم السلام.
وحذفت الألف من بسم لأن الباء كفت منها، فوصلت اللسان إلى النطق بالسين.
وكان الخليل يسمي ألف الوصل سلم اللسان، وحذفت من الخط لكثرة الاستعمال، هذا مذهب الجرمي، والمبرد، والكسائي والفراء.
وقال الاخفش: حذفت
من الخط لما وصلت إلى السين بالباء فألزمه الفراء أن تحذف الألف من الخط في قولهم: فاضرب واضرب ولا يحسن حذف هذا.
وقال الكسائي: في قوله: ﴿بِسْمِ الله مجراها﴾ [هود: 41] إن شئت أثبت الألف في الخط وإن شئت حذفتها.
وإنما دخلت ألف الوصل الأسماء، وحقها أن تدخل على الأفعال على التشبيه بالأفعال، كما أضافوا إلى الأفعال وليس بابها أن يضاف إليها على التشبيه أيضاً بالأسماء.
وقيل: إنما دخلت هذه الأسماء اللف لأنهم لما حذفوا من أواخرها أرادوا العوض من المحذوف، فلم يمكن أن يعوضوا منه آخراً، فعوضوا منه أولاً، وسكنوا السين ليسوغ دخول الألف، والعوض في كلام العرب كثير ألا ترى أنهم يقولون: زنادقة وزناديق.
فيعوضون الياء من الهاء، وإنما حذفوا من هذه الأسماء
لأن آخرها / حرف علة ياء، أو واو، وقد كان يجب أن ينقلبا ألفا غذ هما ظرفان، فكان الحذف أخف من الإعلال والإقلاب، فلما حذف من آخرها حرف أشبهت الأفعال، لأن الحذف أكثر ما يكون في الأفعال نحو: لم أبل ولا أدر فلما ضارع الاسم الفعل في باب الحذف آخراً ضارعه في باب الزيادة أولاً فدخلته ألف الوصل، ولم يمكن أن تدخل على متحرك فسكن أوله، وهذا قول حكي عن الخليل.
والمحذوف من اسم عند البصريين واو وأصله سمو على مثال قنو، دليله قولهم: أسماء كأقناء وكذلك أب وأخ.
المحذوف منهما واو يدل على ذلك قولهم: الأبوة والأخوة.
وقولهم: أبوان وأخوان.
وقد كان يجب أن تدخل ألف الوصل على أب، وأخ على ما قدمنا من العلة إلا أنه لما كان في أول أب وأخ همزة ثقل دخول همزة أخرى عليها، والعرب تستثقل الجمع بين همزتين في كلمتين ولا تجيزه في كلمة إلا بالتخفيف، فتركوا ما يستثقلون.
واسم مشتق من السمو.
وقيل: من السمة.
وقيل: هو أمر من قولك اسم فلاناً أي أعله وكذلك ابن أصله الأمر من قولك: ابن البناء يا رجل.
وقول ما قال: هو من السمة.
قول صحيح في المعنى لأن صاحبه يعرف به كالسمة في البعير يعرف بها، لكنه غير جائز في الاشتقاق، والأصمول، وذلك أنه ليس في كلام العرب مصدر فعل معتل فاؤه واو تدخله ألف الوصل، فيكون هذا مثله، ألا ترى أنك لا تجد مثل أعد وأزن في وعد ووزن وأيضاً فإنه يجب أن يقال في تصغيره وسيم كما تقول في تصغير عدة وعيدة وذلك لا يقال.
وقولك: بسم في موضع نصب عند الكوفيين فبين لأن التقدير أُبدأ بسم.
وقال البصريون: موضعه رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير أول ابتداء بسم الله، وقد أجاز النحويون: ابتدأت ببسم الله فأدخلوا الباء على الباء، وليس هذا بجائز في غيره، وإنما ذلك، لأن هذه الباء لما لزمت الاسم ولم تفارقه، وكثر الاستعمال بها صارت كأحد حروف الاسم، فدخلت عليها الباء كما تدخل على سائر الأسماء، وإنما خصت الألف بالزيادة والتعويض من المحذوف في اسم لأن أولى الحروف بالزيادة من حروف المعجم الياء والواو والألف، وهنا حروف المد واللين، ولا يكون الإعراب إلا بواحد منها، أو بحركة هي منها.
قالوا: ولا تزاد أولاً، وكذلك الياء، فزادوا ألفاً، والألف لا تكون إلا ساكنة وبعدها السين ساكنة فكسرت الألف لالتقاء الساكنين وإنما سميت الهمزة ألفاً لأن صورتهما واحدة، ولأن الألف تبدل من الهمزة في يأكل ويأتي، والهمزة تبدل من الألف في رسائل وقلائد، وإنما ردت ألف الوصل في قولك امرئ وهو غير محذوف الآخر لأن آخره وهو الهمزة لا تثبت على حال يكون في الرفع واواً، وفي النصب
ألفاً، وفي الخفض ياء، فضعف فصار بمنزلة المحذوف فزيدت الألف في أوله لضعف الآخر.
وقال المبرد: لما كان امرؤ لا يقوم بنفسه حتى يضيفه إلى غيره.
فتقول هذا امرؤ سوء، وشبه الأفعال إذ كانت لا تقوم بنفسها ولا بد لها من فاعل فدخلته ألف الوصل لذلك، وإنما لقبت هذه الألف بألف وصل عند الكوفيين لأنها تذهب في الوصل فلقبت بضد حالها كما سمي اللذيع سليماً، والمخافة مفازة.
وقيل: سميت ألف وصل لأنها تصل الكلام الذي قبلها بالذي بعدها ويستغنى عنها.
وهذا القول هو القول الأولى في المعنى.
وقال البصريون: لقبت ألف وصل: لأنه يوصل بها إلى الساكن الذي بعدها.
وحكي عن الخليل: أنه كان يسمي ألف الوصل: سلم اللسان.
قوله تعالى ذكره ﴿قَالَتْ يا أيها الملأ أَفْتُونِي﴾.
أي قالت بلقيس لأشراف قومها: أشيروا / علي في أمري الذي قد حضرني في أمر هذا الكتاب الذي ألقي إلي.
﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حتى تَشْهَدُونِ﴾، أي قالت: ما كنت قاضية أمراً في جواب هذا الكتاب حتى تشهدون أي تحضروني.
قال لها أشراف قومها لما شاروتهم في أمرها: ﴿نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ﴾، أي أصحاب قوة في القتال ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي ذوو بأس في الحرب شديد، والأمر أيّتها الملكة إليك في القتال وغيره ﴿فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.
روي: أن قومها كانوا أولي قوة، وأن أحدهم كان يركض الفرس حتى إذا امتلأ في جريه ضم فخذيه عليه فحبسه بقوته.
روى الأعمش عن مجاهد أنه قال: كان مع ملكة سبأ اثنى عشر ألف قيول مع كل قيول مائة ألف.
وعن ابن عباس أنه قال: كان مع بلقيس مائة ألف قيل مع كل قيل مائة ألف، والقيل بلسانهم الملك.
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾، أي قالت بلقيس لأشراف قومها: إن الملوك إذا دخلوا قرية عنوة وغلبة أفسدوها.
﴿وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾، تم كلامها.
ثم قال الله عز وجل تصديقاً لقولها في الملوك إذا غلبوا على قرية:
﴿وكذلك يَفْعَلُونَ﴾، وقد أجاز بعضهم أن يكون ذلك من قولها على التأكيد لصدر ما قالت.
وقيل: هو من قول سليمان.
ومثله في اتصال كلامين مختلفين قوله:
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ في يوسف، فهو من قول امرأة العزيز فاتصل له كلام يوسف.
فقال: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب﴾ [يوسف: 52]، ومثله في قصة فرعون.
﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: 35]، وانتهى كلام الأشراف من قوم فرعون ثم اتصل به كلام فرعون لهم وهو قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يخاطب أشراف قومه.
والقرية كل مدينة تجمع الناس مشتقة من قريت الماء: أي جمعته.
ثم قال تعالى عنها: أنها قالت لهم: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، أي إني مرسلة إلى سليمان بهدية، لنختبر بذلك سليمان ونعرف أملك أم نبي؟ فإن يكن نبياً لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، وإن يكن ملكاً قَبِل الهدية
وانصرف.
قال ذلك ابن عباس.
قيل: إنها لما لم يشر عليها قومها برأي رجعت إلى رأيها فأرسلت الهدية.
قال ابن عباس: بعثت إليه بوصائف ووصف ألبستهم لباساً واحداً حتى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم رد الهدية فإنه نبي، وينبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتبع دينه ونلحق به.
وكذلك قال ابن جريج، ومجاهد، والضحاك.
وروي عن ابن عباس أنه قال: أهدت إليه اثني عشر غلاماً فيهم تأنيت مخضبة أيديهم قد مشطتهم، وألبستهم لباس الجواري، وقالت لهم: إذا كلمكم فردوا عليه كلاماً فيه تأنيث، وأهدت إليه اثني عشر جارية فيهن غلظ، واستأصلت رؤوسهن وأزرتهم، وألبستهن النعال، وقالت لهن: إذا كلمكن فردوا عليه كلاماً
صحيحاً وأرسلت إليه بعود يخرج بالمسك والعبير والحرير في الأطباق على أيدي الوصفاء والوصائف، وأرسلت إليه اثني عشر بختية، كل بختية تحلب كذا وكذا من اللبن.
وأرسلت إليه بخرزتين إحداهما مثقوبة ملتوية الثقب، والأخرى غير مثقوبة، وأرسلت إليه بقدح ليس فيه شيء، وأرسلت ذلك كله مع امرأة، وتقدمت إليها أن تحفظ جميع أمره وكلامه حتى تخبرها عنه، وقالت لهم: قوموا بين يديه قياماً، ولا تجلسوا حتى يأمركم، فإنه إن كان جباراً لم يأمركم بالجلوس وأرضيناه بالمال فيسكت عنا، وإن كان نبياً أمركم بالجلوس، وأمرتها أن تقول له أن يثقب الخرزة الصحيحة بغير حديدة، ولا علاج إنس ولا جان، وأمرتها أن تقول له: أن يميز الغلمان من الجواري، وأمرتها أن تقول له: يدخل في الخرزة المثقوبة المعوجة / خيطاً بغير علاج إنس ولا جان، وأمرتها أن تقول له أن يملأ القدح ماءً مزبداً ليس من الأرض ولا من السماء.
قال: وكتبت إليه تسأله عن ألف باب فانطلقت المرأة بهديتها، حتى أتت بها سليمان، فوضعتها بين يديه، وقاموا قياماً ولم يجلسوا، فنظر
إليهم سليمان لحظاً لم يحرك يداً ولا رجلاً، ثم رفع رأسه إلى رسولها فقال: إن الله رفع السماء ووضع الأرض، فمن شاء قام ومن شاء جلس، فجلسوا، فقدمت إليه الخرزتين وقالت: إنها تقول لك: أدخل في هذه الخرزة المثقوبة خيطاً ينفذ إلى الجانب الاخر من غير علاج إنس ولا جان، وأن تثقب الأخرى ثقباناً فذاً من غير علاج إنس ولا جان، ثم قربت إليه القدح، وقالت: تقول لك أن تملأ هذا القدح من ماء مزبد رواء ليس من الأرض ولا من السماء، ثم قربت إليه الوصفاء والوصائف، وقالت: تقول لك: أن تفرق بين الغلمان والجواري ففرق بينهم بالوضوء فبدأ الجواري بالمرافق، وبدأ الغلمان بالإيدي، وملأ لهما القدح من عرق الخيل، ودخلت دودة الثمرة بالخيط في الخرزة حتى خرجته من الجانب الآخر، وتولت دودة الخشب ثقب الخرزة الأخرى حتى نفذتها، ورد الهدية عليها.
وقال ثابت البُناني: أهدت إليه صفائح الذهب في أوعية الديباج، فلما بلغ سليمان ذلك أمر الجن فموهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به فألقي في الطرق، فلما جاءوا رأوه ملقى لا يلتفت إليه، صغر في أعينهم ما جاءوا به.
قال ابن زيد: قالت: إن هذا الرجل إن كانت همته الدنيا فسنرضيه، وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبل غيره.
وقال ابن جبير: أرسلت بمأتي وصيف ووصيفة وقالت: إن
كان نبياً فسيعلم الذكر من الأنثى، فأمرهم فتوضأوا، فمن توضأ منهم، فبدأ بمرفقه قبل كفه قال: هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال: هو من الذكور.
وروى أنها: وجهت إليه بمائة وصيف، ومائة وصيفة، وألبست الجواري ثياب الغلمان، وألبست الغلمان ثياب الجواري، وقالت: إن كان ملكاً لم يعرف حتى يعريهم، وإن كا نبياً علم ولم يعريهم، فلما قدموا على سليمان أمر فوضع لهم ماء يتوضأون، فكل من بدأ بالمرفق فغسله إلى اليد علم أنها جارية، وكل من بدأ باليد إلى المرفق علم أنه غلام، فأمر بنزع ثياب الغلمان فردها على الجواري، ونزع ثياب الجواري وردها على الغلمان، ثم ردَّ ما أهدت إليه.
وقوله: " إليهم " تريد به سليمان وحده لأن الملوك يخاطبون مخاطبة الجماعة، كما يخبرون عن أنفسهم بلفظ الجماعة.
وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾، أي فأنظر بأي شيء يرجع رسلي
بقبول الهدية أم بردها؟
قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾،
أي فلما جاء رسولها سليمان بالهدية، قال سليمان: أتمدونني بمال، فالذي أعطاني الله من الملك في الدنيا ﴿خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أي ما أفرح بما أهديتم إلي بل أنتم تفرحون بها، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا، ومكاثرة بها.
روي: أن رسولها لما رجع إليها بالهدية وأخبرها خبر سليمان، قالت لقومها: هذا أمر من السماء لا ينبغي لنا معاندته فعمدت إلى عرشها فجعلته في آخر سبعة أبيات، وأقامت عليه الحرس، ثم أقبلت إلى سليمان فرجع الهدهد وأخبر سليمان بذلك، فقال عند ذلك: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، أي بسريرها ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فيحرم علي ما لهم.
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ﴾، فوحد وقد قال عنها ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون﴾ [النمل: 35]،
فجمع فمعناه: فلما جاءوها سليمان.
وقيل: إن الرسول كان واحداً، وإنما قالت هي: ﴿المرسلون﴾، فجمعت لأن الرسول لا بد له من خدمة وأعوان، فجمعت على ذلك المعنى.
وقد قيل: إن الرسول الذي وجهته إلى سليمان كانت امرأة.
وقيل: بل كانوا جماعة، وإنما قال " جاء " فوحد على معنى الجمع ودل / على ذلك أن في حرف ابن مسعود ﴿فَلَمَّا جَآءَ﴾ بالجمع وقوله: ﴿ارجع إِلَيْهِمْ﴾، يدل على أنه كان واحداً والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، أي قال سليمان لرسول المرأة: ارجع إليهم بهديتهم فلنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها.
﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً﴾، أي لنخرجنهم من بلدتهم صاغرين إن لم يأتوني مسلمين.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
قال ابن عباس: كان إتيان العرش إليه قبل أن كتب إليها.
لأنه لما أتاه الهدهد فأخبره بملك سبأ وعرشها، أنكر سليمان أن يكون لأحد سلطان في الأرض غيره، فقال لمن عنده من الجن والإنس: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ قال سليمان أريد أعجل من هذا.
﴿قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، وهو رجل من الإنس كان عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر، فدعا بالاسم، فاحتمل العرش احتمالاً حتى وضع بين يدي سليمان بقدرة الله، فلما أتاه العرش صدّق الهدهد في قوله، ووجهه بالكتاب وكذلك روى الضحاك.
وقال وهب بن منبه وغيره: بل كتب معه الكتاب قبل أن يأتيه العرش.
والكلام في التلاوة على رتبته ووصل إليه العرش بعد رده الهدية.
قال وهب بن منبه: لما رجعت إليها
الرسل بالهدية، وأ'لموها بما كان من أمر سليمان.
وقوله: قالت: قد والله علمت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة وبعثت إليه إني قادمة إليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك؟ وما تدعو إليه من دينك؟ ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت على الأبواب، وكانت إنما يخدمها النساء، معها ست مائة امرأة يخدمنها، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا ترينه حتى آتيك، ثم شخصت إلى سليمان في إثني عشر ألف قيل، معها من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه
بمسيرها، ومنهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت، جمع من عنده من الإنس والجن ثم قال: ﴿يا أيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، أي بسريرها، وذلك أنه خشي أن تسلم فيحرم عليه أخذه، وقد وصف له، وأعجب به، فأراد أن يأخذه قبل إسلامها فيحل له.
قاله قتادة.
قال قتادة: كان السرير من ذهب وقوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ.
قال ابن جريج: كان من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ.
وقيل: إنما فعل ذلك ليختبر عقلها به هل تنتبه إليه إذا رأته أم لا؟ قاله ابن زيد.
قال ابن عباس: معنى ﴿مُسْلِمِينَ﴾، طائعين أي مستسلمين لي.
وقال ابن جريج: معناه قبل أن يدخلوا في الإسلام فتمتنع علي أموالهم.
وهو قول قتادة المتقدم.
وإنما خص سليمان السرير دون غيره من مملكتها لأنه أعجب به.
فعل ذلك لإعجابها به، واحتياطها عليه، فأراد أن يريها قدرة الله عجزها، وأن السبعة الأبيات التي قفلت عليه لا تنفع شيئاً، فيكون ذلك حجة عليها في نبوته.
وقوله: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، العفريت النافذ في الأمور المبالغ فيها الذي معه خبث ودهاء، وفيه لغات:
عفريت وعفرية وعفر وعفارية.
وقرأ أبو رجاء: قال: " عفرية " وجمع عفرية على عفار وجمع: عفريت على عفاريت، وإن شئت عفار لأن التاء زائدة كما تقول في طاغوت طواغ، وإن شئت عوضت فقلت عفاري.
/ قال مجاهد: عفريت من الجن: أي ما ورد من الجن.
وقال قتادة ومعمر: داهية من الجن.
وقيل: عفريت: رئيس من الجن.
قال وهب: كان اسم العفريت: كودتا.
وعن ابن عباس: أنه صخر الجني.
فالمعنى: قوي على حمله، أمين على فرج هذه.
وعن ابن زيد: نحوه.
وقوله ﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، قال مجاهد: مقعدك الذي تقضي فيه.
وقال قتادة: يقال مقام ومقامة: للمكان الذي يقام فيه قيل: كان سليمان يجلس للناس إلى وقت نصف النهار، ثم يقوم إلى عبادة ربه، وإلى أهله.
قال ابن عباس: كان من قوة العفريت حين وصف نفسه بالقوة: أنه كان يضع قدمه حيث ينال طرفه، فقال سليمان: أنا أحب أعجل من ذلك: ﴿قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب﴾ قيل: هو جبريل عليه السلام.
وقيل هو سليمان نفسه.
وذهب ابن وهب: أنه الخضر.
وقيل: هو أصف بن برخيا.
وقوله: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، أي لقوي على حمله: أمين على ما فيه من الذهب والجوهر لا أخون فيه.
وعن ابن عباس: أمين على فرج المرأة.
ثم قال: ﴿قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، أي قال الإنسي الذي عنده علم من كتاب الله جلّ ذكره.
قال مجاهد: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج إليهم.
قال الزهري: دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت: إيتني بعرشها.
قال: فتمثل له بين يديه.
قال قتادة: كان اسمه يلجا.
وقيل: كان اسمه آصف بن برخيا.
وقال النخعي: هو جبريل صلى الله عليه وسلم.
وقيل: هو سليمان نفسه.
ودل على ذلك قوله: ﴿هذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.
ومعنى: ﴿قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، أي قبل أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك، أي قبل أن يأتيك أقصى ما ترى.
وقال وهب معناه: أنا آتيك به قبل أن تمتد عينك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى آتيك فأمثله بين يديك فدعا فغاص العرش تحت الأرض ثم نبع إليه.
وقال وهب: توضأ آصف، وركع ركعتين، ودعا فنبع السرير من تحت الأرض، فقال سليمان: ﴿هذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾، أي هذا النصر من فضل ربي ليختبرني أشكر أم أكفر، ومن شكر فلنفسه يشكر، لأن النفع إليه يرجع، ومن
كفر فإن ربي غني عنه، ونفسه ظلم.
كريم أي تفضل على من كفر ويرزقه.
قال مالك: كانت باليمن وكان سليمان بالشام.
وروى ابن وهب عن ابن لهيعة قال: بلغني أن الذي قال لسليمان ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أنه الخضر.
قال الأعمش: قال الذي عنده علم من الكتاب لا إله إلا أنت رب كل شيء إيتني به.
قال: فإذا هو بين يديه.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أتهتدي﴾.
أي قال سليمان لما أتي بالعرش وقدمت إليه بجندها: غيروا سريرها.
قاله قتادة.
قال ابن عباس: زيد فيه ونقص منه.
وقال الضحاك.
" ننظر أتهتدي " أي ألها عقل تهتدي به إلى عرشها، أم لا تهتدي إليه؟.
قال الفراء: كان الشياطين قد قالوا لسليمان: إنها لا عقل لها، وإن رجلها كحافر حمار، فأراد أن يعرف صحة ذلك، فغير السرير وصنع الصرح من زجاج تحته ماء فيه حيتان.
وقيل: المعنى ننظر أتهتدي لهذه العظمة التي أتت بسريرها مع عظمه وبعد موضعه، وأن الناس لا يتهيأ لهم حمل مثله، فتعلم أنه لا يأتي به إلا نبي من عند الله، فتدع الضلالة وترجع إلى الإيمان بهذه المعجزة التي رأتها من حمل سريرها من موضعه، وهي لا تشعر به ولا قومها، أم تكون من الذين يجهلون ذلك.
قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾، أي فلما جاءت بلقيس سليمان أخرج لها العرش، وقال لها: أهكذا عرشك؟ فشبهته به وقالت: / ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، ولم تقطع أنه هو، لأنها تركته خلفها وغلقت عليه الأبواب.
وقوله تعالى ﴿وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا﴾، هذا خبر من قول سليمان، أي قال سليمان: وأعطينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء جل ذكره من قبل هذه المرأة
﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾، من قبلها، قاله مجاهد وغيره.
وقيل: العلم هنا التوحيد.
قال: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله﴾، أي وصدها عبادتها الشمس من دون الله عن أن تعلم ما علمنا، وعن أن تسلم " فما " في موضع رفع بفعلها على هذا التقدير.
وقيل: المعنى: وصدها الله أو وصدها سليمان عما كانت تعبد.
ثم حذفت " عن " فتعدى الفعل إلى " ما " في موضع نصب على هذا التقدير، ومثله في الحذف ما أنشد سيبويه:
نبئت عبد الله بالجو أصبحت ... مواليها لئيماً صميمها
أي عن عبد الله.
وقرأ ابن جبير: " أنها كانت " بفتح أن وموضعها نصب على البدل من " ما " على مذهب من جعل " ما " في موضع نصب، ويجوز أن تكون في موضع نصب على حذف اللام، وفي موضع خفض على إرادة اللام.
وهو قول الكسائي.
وفي موضع رفع على البدل من " ما " على مذهب من جعل " ما " في موضع رفع.
والوقف لمن كسر " إن " ﴿مِن دُونِ الله﴾، ومن فتحها وقف على ﴿كَافِرِينَ﴾.
قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح﴾، قال وهب بن منبه: أمر سليمان بالصرح فعملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضاً، ثم أرسل الماء تحته، ثم وضع له فيه سريره فجلس عليه وعطفت عليه الطير، والجن، والإنس.
وقيل: إنه ألقى في الماء الحوت، فنظرت إلى ماء فيه حوت على ظهره سرير، ولم تر الزجاج لصفائه، فرفعت ثيابها، وكشفت عن ساقيها لتخوض الماء إلى سليمان.
فقيل: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ﴾، أي من زجاج، والممرد: الأملس، ومنه الأمرد.
وقيل: إنما فعل ذلك ليختبر عقها بذلك على نحو ما اختبرته يعني في توجيهها إليه الوصائف والوصفاء، ليميز بين الذكور والأناث يعاتبها بذلك.
فقال لها: ادخلي الصرح ليريها ملكاً أعز من ملكها، وسلطاناً أعظم من سلطانها.
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ﴾، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وعابها في عبادة الشمس من دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجداً إعظاماً لما قالت، وسجد معه الناس، وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع رأسه قال: ويحك ما قلت؟ فأنسيت ما قالت، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾، فحسن إسلامها.
وقيل: إن سليمان إنما أمر ببناء الصرح، لأن الجن خافت سليمان أن يتزوجها، فأرادوا ان يزهدوه فيها فقالوا: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الجن.
فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجن به.
قاله محمد بن كعب القرظي.
وقال: إن سليمان لما عمل له الصرح سخر فيه دواب البحر: الحيتان والضفادع، فلما نظرت إلى الصرح، قالت: ما وجد ابن داود عذاباً يقتلني به إلا الغرق.
فحسبته لجة وكشفت عن ساقيها، فإذا هي أحسن الناس ساقاً وقدماً.
قال: فضن سليمان بساقيها عن الموسى، فأحدثت النورة لذلك السبب لسيلمان.
قال مجاهد: والصرح: بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير
ألبسها إياه.
قال: وكانت بلقيس هلباء شعراء قدمها كحافر حمار وأمها جنية.
وعن ابن عباس قال: سمعت الجن بشأن بلقيس فوقعوا فيها عند سليمان ليكرهوها إليه، وخافوا أن يتزوجها، فتظهره على أمورهم، وكانت تعلم ذلك لأن أحد / أبويها كان جنياً.
فقالوا: أصلح الله الملك إن في عقلها شيئاً، ورجلها كحافر حمار، فلما قالوا له ذلك، أراد أن يرى عقلها، ويرى قدميها، فأمر بالصرح وأجرى تحته الماء وجعل فيه الضفادع والسمك، وأمر بعرشها فزيد فيه ونقص منه، فلما نظرت إليه جعلت تعرف وتنكر، وقالت في نفسها: من أين تخلص إلى عرشي، وهو تحت سبعة أبواب والحرس حوله؟ فلم تعرف ولم تنكر وقالت ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فقيل لها ﴿ادخلي الصرح﴾، إلى القصر فظنته ماء، وكشفت عن ساقيها لتخوض
الماء إلى سليمان، فرأى سليمان أحسن ساق بخلاف ما قيل له فيها.
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان أحد أبوي صاحبة سبأ جنياً ".
ومعنى: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾، أي لما رأت الماء تحت الزجاج الأبيض، ودواب الماء تحته، ظنته لجة بحر وكشفت عن ساقيها لتخوض إلى سليمان.
قال مجاهد: لما كشفت عن ساقيها، فإذا هما شعراوان فقال سليمان: ألا شيء من يذهب هذا؟ قالوا: الموسى، قال الموسى له أثر، فأمر بالنورة، فصنعت، فكان أول من صنع النورة.
وقيل: إنه لما تزوجها قالت له: إني لم يمسني حديد قط، فعملت النورة.
ومعن: " ممرد " أي مشيد.
﴿مِّن قَوارِيرَ﴾، أي من زجاج.
وقيل: الصرح: القصر.
وقيل الصحن: هو ساحة الدار.
وأصل الممرد: الأملس.
ومنه: الأمرد، ومنه قولهم: شجرة مرداء: إذا سقط عنها ورقها.
وقيل: الممرد: الطويل.
ومنه قيل لبعض الحصون: مارد.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾.
وقد تقدمت قصة صالح في مواضع، فأغنى عن إعادتها.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، إنما جمع لأن كل فريق جمع، ويجوز يختصمان، وفي الكلام حذف، والتقدير: فلما دعاهم صار قومه فريقين يختصمون: مؤمن وكافر، ومصدق له ومكذب يختصمون في أمره فيما جاءهم به.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ ياقوم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة﴾،
أي قال صالح لقومه: لم تستعجلون بعذاب الله قبل رحمته؟.
قال مجاهد: وقيل السيئة: العذاب، والسنة: العافية، وهذا يدل على أنه طلبوا منه أن يحل بهم العذاب الذي توعدهم به، واستعجلوه لوقوعه أنهم تكذيباً منهم للعذاب، ولما جاءهم به.
قوله: ﴿لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله﴾ أي هلا تسألون الله المغفرة من كفركم ليرحمكم.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾،.
أي قالت ثمود لصالح
تشاءمنا بك وبمن معك لما يصيبنا من القحط والشدة، وقلة نماء الأموال، وذلك من اتباعك، فقال لهم صالح: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ الله﴾، أي ما يصيبكم مما تكرهون عند الله علمه، ومن عند الله يأتيكم.
قال قتادة: معناه: علمكم عند الله.
وقال الفراء: عند الله، ومعناه: أي في الوح المحفظ ما يصيبكم.
مثل: قوله ﴿قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ [يس: 19]، أي ما يصيبكم من خير وشر لازم لكم في رقابكم.
وقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، أي تختبرون، أي يختبركم ربكم برسالتي إليكم، فينظر طاعتكم له فيما بعثني به إليكم.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾، أي كان في مدينة قوم صالح تسعة أنفس ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾، أي يكفرون بالله ولا يؤمنون به، وخص هؤلاء بالذكر، وقد علم أم جميعهم كافرون، لأنهم هم الذين سعوا في عقر الناقة، وتعاونوا عليها، وتحالفوا على قتل صالح من بين ثمود.
قال ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نبيت صالحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئاً وما لنا به علم، فدمرهم الله أجمعين.
قال عطاء بن أبي رباح: بلغني عنهم أنهم / كانوا يقرضون الدراهم.
وقال الضحاك: كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون، ويأمرون بالفساد، فجلسوا تحت صخرة عظيمة على نهر، فقلبها الله عليهم فقتلهم.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ﴾، أي تحالفوا كأنه أمر بعضهم بعضاً أن يتحالفوا بالله، ويجوز أن يكون تقاسموا فعلاً ماضياً في معنى الحال والتقدير: قالوا: متقاسمين بالله، والمعنى: قال تسعة الرهط: تحالفوا بالله أيها القوم،
أي ليحلف بعضكم بعضاً لنبيتن صالحاً الليلة، وأهله فلنقتلنه ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾، أي ولي دمه ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾.
قال مجاهد: تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا هم وقومهم أجمعون.
قال أبو إسحاق: قال التسعة الرهط الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحاً، فإن كان صادقاً أي فيما يوعدنا به من العذاب بعد الثلاث عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً كنا قد ألحقناه بناقته.
فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم متشادخين قد رضخوهم بالحجارة.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، أي نقول لوليه: وإنا لصاقون أنا ما شهدنا مهلك أهله.
أي مكر هؤلاء التسعة بسيرهم إلى صالح ليلاً ليقتلوه، وصالح لا يشعر بذلك.
﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً﴾ أي فأخذناهم بالعقوبة وهم لا يشعرون بمكر الله.
فالمعنى: ومكروا مكراً بما عملوه، ومكرنا مكراً أي جازيناهم على مكرهم.
وقيل: مكر الله بهم هو: إعلامه لصالح ومن آمن به بهلاكهم، وأمره لهم بالخروج من بين أظهرهم، ففعلوا، وأخذ العذاب الكفار دون غيرهم.
وقيل: المكر من الله الإتيان بالعقوبة المستحقة من حيث لا يدري العبد.
وقيل: المكر من الله: أخذه من أخذ منهم على غرة وغفلة.
قال إبراهيم بن عرفة: المكر من المخلوقين هو إظهار غير ما في النفوس ليوقعوا الحملة، ويبلغوا ما يريدون، والمكر من الله إظهار النظرة وترك العقوبة عاجلاً حتى يأخذه على غرة.
ألم تسمع إلى قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182] أي أطيل لهم المدة.
روي في خبر صالح مع قومه: " أنهم قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل ثلاث.
وكان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ففرغنا منهم، فبعث الله عليهم صخرة من أهضب جبالهم فخشوا أن تشدخهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم في ذلك، فلا يدر قومهم أين هم؟ ولا يدرون ما فعل بقومهم؟ فعذب الله هؤلاء هنا، وهؤلاء هنا، وأنجى صالحاً ومن معه.
قال: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾، أي فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود لنبيهم صالح كيف كان.
﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي أهلكناهم وقومهم أجمعين.
ومن فتح ﴿أَنَّا﴾ ففيه خمسة أوجه:
الأول: أن يقدر اللام معها ثم يحذفها فتكون " أن " في موضع نصب على حذف حرف الجر منها.
الثاني: أن تكون " أن " في موضع رفع بدل من عاقبة، وكيف خبر كان في الوجهين.
الثالث: أن تكون في موضع نصب على خبر كان: أي كيف كان عاقبة مكرهم، تدميرهم، وتكون " كيف " ظرفاً عمل فيه جملة الكلام بعده، كما تقول: اليوم كان زيد منطلقاً.
الرابع: أن تكون " أن " فيوضع رفع على إضمار مبتدأ للعاقبة والتقدير للعاقبة والتقدير هي إنا دمرناهم.
الخامس: ذكره الفراء: أن يجعل " أن " بدلاً من كيف، وهذا الوجه بعيد.
فأما من كسر " إنا " فإنه يجعل " كيف ": خبر كان و " عاقبة " اسم كان / ثم يستأنف فيكسر.
قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظلموا﴾، خاوية نصباً على الحال، ويجوز الرفع من خمسة أوجه:
الأول: أن ترفع " تلك " بالابتداء " وبيوتهم " بدل من تلك " وخاوية " خبر الابتداء.
والثاني: أن ترفع " تلك " بالابتداء و " خاوية " و " بيوتهم " خبر ثاني عن الابتداء كما يقال هذا حلو حامض.
الثالث: أن ترفع " خاوية " على إضمار مبتدأ: أي هي خاوية.
الرابع: أن تجعل " خاوية " بدلاً من بيوتهم كأنك قلت: فتلك خاوية.
الخامس: أن تقدر في بيوتهم الانفصال، فتجعل خاوية نعتاً للبيوت تقديره فتلك بيوت لهم خاوية.
والمعنى: فتلك مساكنهم خاوية منهم ليس فيها منهم أحد، قد أهلكوا بظلم أنفسهم.
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أي إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك لعظة لمن يعلم.
وروي: أن بيوتهم هذه المذكورة: هي بوادي القرى: وهو موضع بين المدينة والشام معروف.
أي أنجينا من عذابنا، ونقمتنا التي حلت بثمود صالحاً والمؤمنين به، وكانوا يتقون العذاب والنقمة، فآمنوا خوفاً من ذلك، فكذلك ننجيك يا محمد، ومن آمن بك عند حلول عقوبتنا بمشركي قومك.
وروي: أن صالحاً صلى الله عليه وسلم لما أحل الله تعالى ذكره بقومه ما أحل من العذاب، خرج هو والمؤمنين به إلى الشام فنزل رملة فلسطين.
قال: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾، أي واذكر لوطاً وإن