البقرة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
سمعت أحداً منهم يقرأ في صلاته (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ".
وجاء من الخبر الثابت الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأيي بن كعب: "لأعلِمَنَّك سُورَةً [ما أُنْزِلَ] فِي التَّوْرَاةِ ولا فِي الإنْجِيلِ وَلاَفي الزَبُورِ مثْلُهَا.
فلمَّا دَنَا النَبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الخْروجِ مِنَ المَسْجِدِ: قالَ لَهُ أبَيٌّ: يَا رَسُولَ الله [السُّورَةُ] (3) التي تُعَلِمُنِي؟.
قالَ: كَيْفَ تَقْرأ أمَّ الكتابِ؟ قلتُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) حَتِّى خَتَمْتُها، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: هيَ هَذه، وَهيَ السَّبع المَثَاني وَالْقرْآنُ الْعَظيمُ الَّذِي أوتيتُ".
ويدل على ذلك أيضاً ما لا مدفع في حد فيه أن أهل المدينة بأسرهم/ نقلوا عن آبائهم التابعين عن الصحابة المرضيين استفتاح الصلاة بالحمد رب العالمين دون تسمية؛ نقل كافة عن كافة لا يجوز عليهم الخطأ فيما نقلوه ولا التواطؤ على الكذب فيما رووه واستعملوه.
ويدل على ذلك أيضاً من الخبر الصحيح ما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال:
"يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بيْنِي وَبَينَ عَبْدِي شَطرَيْنِ ولعَبْدِي مَا سَأَل".
فَإذا قالَ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .. الحديث" فلو كانت (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الحمد لابتدأ بها.
وفي قوله: "قَسَمْتُ" وعَدُّه لآياتها ولم يذكرها دليل واضح على أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ليست منها.
ويدل على ذلك أيضاً من طريق النظر الذي لا مدفع لأحد فيه أن القرآن لا يثبت بخبر الآحاد، إنما يثبت بالإجماع، أو ربما يقطع على مغيبه من أخبار التواتر.
ولا إجماع نعلمه ولا تواتر نعقله في أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الحمد، وإذا لم يصح/ إجماع ولا ثبت تواتر في أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية من الحمد لم
ذلك، إذ فيما ذكرناه كفاية لمن أنصف.
قال أبو محمد: نذكر في هذا الموضع جملة من علل النحويين في ﴿بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ﴾، ونستقصي إن شاء الله ذلك في سورة النمل إذ هي بعض آية هناك بإجماع.
فمن ذلك أن في كسر الباء قولين:
- أحدهما: إنها كسرت لتكون حركتها مشبهة لعملها.
القول الثاني: إنها كسرت ليفرق بين ما لا يكون إلا " [حرفاً وبين ما] قد يكون اسماً نحو الكاف، وكذلك لام الجر.
وأصل الحروف التي تدخل للمعاني أن تكون مفتوحة لخفة الفتحة نحو حروف العطف وألف الاستفهام وشبهه.
ولكن خرجت الباء واللام عن الأصل للعلة التي ذكرنا.
وقيل: إنما كسرت لام الجر للفرق بينها، وبين لام التأكيد في قولك: " إن هذا لزيد " إذا أردت أن المشار إليه هو زيد، وإذا أردت أن المشار إليه في ملك زيد كسرت اللام.
ويدل على أن أصلها الفتح أنها تفتح مع المضمر إذ قد أمن اللبس لأن علامة المجرور خلاف علامة المرفوع.
تقول: " هذا له وهذا لك "، وأيضاً فإن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها.
هذا أصل مجمع عليه في كلام العرب، وسترى منه أشياء فيما بعد إن شاء الله.
ومن ذلك أن " اسما " فيه أربع لغات: " اسم " بكسر الألف وبضمها، و " سِم " بضم السين وبكسرها.
فَمن ضَم الألف في الابتداء جعله من " سما يسمو " إذ ارتفع " كدعا يدعو ". ومَن كسرها جعله من [سَميَ يَسْمَى] " كرَضِيَ يَرْضَى ".
قال ابن كيسان: " يقال: " سموت وسميت كعلوت وعليت، وأصله سُمْوٌ أو سِمْوٌ على [وزن] فُعْلٌ أو فِعْلٌ، ثم حذفت الواو استخفافاً لكثرة الاستعمال.
فلما تغير آخره غير أوله بالسكون، فاحتيج إلى ألف وصل ليوصل بها إلى النطق بالساكن وهو السين المغيرة إلى السكون ".
واختلف في كسرة الألف المجتلبة.
فقيل: اجتلبت ساكنة وبعدها ساكن فكسرت لالتقاء الساكنين.
وقيل: بل اجتلبت مكسورة، وإنما ضمت إذا كان الثالث من الفعل مضموماً لاستثقال الخروج من كسر إلى ضم /، وضمت الألف إذا كان الثالث من الفعل مضموماً ليخرج الناطق من ضم إلى ضم، نحو: " أُقْتل، أُخْرج "، فذلك أسهل من الخروج من كسر إلى ضم.
وقيل: بل أصلها السكون لكن لا بد من حركتها إذ لا يبدأ بساكن فأتبعت ثالث الفعل، فكسرت إذا كان الثالث مكسوراً نحو " إضرب ". وضمت إذا كان الثالث مضموماً نحو " أُقْتُل ". ولم تفتح إذا كان الثالث مفتوحاً لئلا تشبه ألف المتكلم فكسرت، وكان الكسر أولى بها / والثالث مفتوح لأن الخفض والنصب أخوان، وذلك نحو: " اصنع ".
و" اسم " عند البصريين مشتق من السمو؛ يدل على ذلك قولهم في التصغير " سمي ". فرجعت اللام المحذوفة إلى أصلها، ورجعت السين إلى حركتها لأن التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها.
وقال الكوفيون: " هو مشتق من السمة وهي العلامة لأن صاحبه يعرف به، وليس يسمو به، كما ذكر البصريون أن اشتقاقه من السمو وهو العلو ".
قال أبو محمد: وقول الكوفيين قول يساعده المعنى ويبطله التصريف
لأنهم يلزمهم أن يقولوا في التصغير " وُسَيْمٌ "، لأن فاء الفعل واو محذوفة فيجب ردها في التصغير، وذلك لا يقوله أحد.
وقد شرحنا هذه المسألة بأشبع من هذا في غير هذا الكتاب.
والباء من ﴿بِسمِ الله﴾ متعلقة بمحذوف.
ذلك المحذوف خبر ابتداء مضمر قامت الباء وما اتصل بها مقامه، فهي وما بعدها في موضع رفع إذ سدت مسد الخبر للابتداء المحذوف، تقديره: " ابتدائي ثابت بسم الله " أو " مستقر بسم الله "، ثم حذف الخبر وقامت الباء وما بعدها مقامه، وهذا مذهب البصريين.
وقال الكوفيون: " الباء متعلقة بفعل محذوف، وهي ما بعدها في موضع نصب بذلك الفعل "، تقديره عندهم: " ابتدأت بسم الله ".
والاسم هو المسمى عند أهل السنة.
قال أبو عبيدة: " معنى باسم الله:
بالله ".
وقال: " اسم الشيء هو الشيء ".
ودل على ذلك قوله: " ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] أي سبح ربك، أي نزه ربك.
واختلف النحويون في علة حذف الألف من الخط في ﴿بِسمِ الله﴾؛ فقال الكسائي والفراء: " حذفت لكثرة الاستعمال ".
وقال الأخفش " حذفت لعدمها من اللفظ.
ويلزمه ذلك في كل ألف وصل لأنها معدومة أبداً في اللفظ في الوصل، لكنه قال: " مع كثرة الاستعمال بجعل حذفها لاجتماع العلتين ".
وقيل [بل] حذفت لأن الباء دخلت على سين مكسورة أو مضمومة.
حكى ابن زيد أنه يقال: " سِمٌ " و " سُمٌ "، ثم أسكنت السين إذ ليس في الكلام فعل على مذهب من ضم السين وأسكنت على مذهب مَن كسر السين استخفافاً.
وقيل: حذفت الألف للزوم الباء هذا الاسم في الابتداء، فإن كتبت " بسم الرحمن " أو " بسم الخالق " و ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [العلق: 1]، فالأخفش والكسائي يكتبان هذا وما أشبهه بغير ألف " كبسم الله ". والفراء يكتبه بألف إذ لم يكثر استعماله، ككثرة استعمال " بسم الله ". ولا يحسن الحذف للألف من الخط عند جميعهم إلا مع الباء.
لو قلت: " لاسم الله حلاوة " أو قلت: " ليس اسم كاسم الله "، لم يجز حذف الألف مع غير الباء من حروف الجر،
إلا على قول مَن قال: " سِمٌ " أو " سُمٌ " فأما مَن قال " اسم " بألف في الابتداء بكسر الألف أو بضمها فلا يجوز حذف الألف من الخط مع غير الباء عند أحد من النحويين إذ لم يكثر استعماله.
والحمد لله معناه الثناء الكامل.
والشكر الشامل لله يكون لأفعاله الحسنة وفضائله الكاملة، والحمد أعم من الشكر وأمدح.
ورفعه بالابتداء، " وَلِلَّهِ " في موضع الخبر تقديره: " الحمد ثابت لله " أو " مستقر لله ". فاللام متعلقة بهذا المحذوف الذي قامت اللام وما بعدها مقامه.
والنصب جائز في الحمد في الكلام على المصدر، لكن الرفع فيه أعم لأن معناه إذا رفعتَه جميع " الحمد مني ومن جميع الخلق لله " وإذا نصبت فمعناه: " أحمد الله حمداً "، فإنما هو حمد منك لله لا غير.
فالرفع يدل على أن الحمد منك ومن غيرك لله، فهو أعم وأكمل، فلذلك أجمع القراء على رفعه في جميع ما وقع في القرآن من لفظ ﴿الحمد للَّهِ﴾، إذ لم يكن قبله عامل فإذا كان " الحمد " مبتدأ، و " لله " خبر، وهو في اللفظ بمنزلة قولك: " المال لزيد " في حكم الإعراب، وليس مثله في المعنى لأنك إذا قلت: " الحمد لله " أخبرت بهذا، وأنت معتمد أن تكون حامداً لله داخلاً في جملة الحامدين طالباً للأجر على قولك، مقراً إذا رفعته أن جميع الحمد منك ومن غيرك لله
متقرباً بذلك إلى الله، متعرضاً لعفوه مظهراً ما في قلبك بلسانك، شاهداً بذلك لله.
ولست تخبر أحداً بشيء يجهله، فأنت غير مخبر على الحقيقة بشيء استقر علمه عندك، وليس ذلك العلم عند غيرك.
وإذا قلت: " المال لزيد "، فأنت مخبر بما استقر علمه عندك مما ليس علمه عند غيرك.
فاعرف الفرق بينهما.
فأما علة حذف الألف الثانية من " الله " في الخط ففيها أيضاً اختلاف.
قال قطرب: " حذف استخفافاً إذ كان طرحها من الخط لا يلبس.
وقيل: إنما حذفت الألف على لغة مَن يقول قال: " الله بغير مد، كقول الشاعر:
أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله.
... وقيل: حذفت الثانية لأن الأولى تكتفي عنها، وتدل عليها.
وقيل: إنما حذفت لئلا يشبه خط " اللات " في قول من وقف عليه بالهاء.
فأما حذف ألف ﴿الرحمن﴾ من الخط فلكثرة الاستعمال والاستخفاف، ولأن المعنى لا يشكل بغيره.
وقدم ﴿الرحمن﴾ على ﴿الرَّحِيمِ﴾ لأن " الرحمن " اسم شريف مبني للمبالغة لا يتسمى به غير الله جل ذكره، والرحيم قد يوصف به الخلق فأخر لذلك.
وقيل: الرحيم، ولم يقل: الراحم، لأن فعيلا فيه مبالغة أيضاً تقارب مبالغة الرحمن، فقرن بالرحمن دون الراحم إذ الراحم لا مبالغة في بنيته لأنه يوصف بالراحم مَن رحم مرة في عمره، ولا يوصف بالرحيم إلا مَن تكررت منه الرحمة.
وقيل: إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن النبي عليه السلام كان يكتب في كتبه " باسمك اللهم " حتى نزل: ﴿بِسْمِ الله مجراها﴾ [هود: 41] فكتب ﴿بِسمِ الله﴾، حتى نزل: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: 110]، فكتب ﴿بِسمِ الله﴾، فسبق نزول الرحمن.
ثم نزل: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: 30].
فكتب ذلك على ترتيب ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن مسعود " كنا نكتب زماناً باسمك اللهم " حتى نزلت: ﴿أَوِ ادعوا الرحمن﴾، فكتبنا " بسم الله الرحمن " فلما نزلت " التي في النمل كتبناها ".
ومعنى ﴿الرحمن﴾: الرفيق بخلقه، ومعنى: ﴿الرَّحِيمِ﴾ العاطف على خلقه بالرزق وغيره.
وقيل: إنما جيء بالرحيم ليعلم الخلق أن ﴿الرحمن الرَّحِيمِ﴾ على اجتماعهما لم يتسم بهما غير الله جل ذكره، لأن الرحمن على انفراده قد تسمى به مسيلمة الكذاب لعنه الله، و ﴿الرَّحِيمِ﴾ على انفراده قد يوصف به المخلوق.
فكرر الرحيم بعد الرحمن، وهما صفتان لله أو اسمان، ليعلم الخلق ما انفرد به الله تعالى ذكره من
اجتماعهما له، وما ادعى بعضه بعض خلقه.
وهذا القول هو معنى قول عطاء لأنه قال: " لما اختُزِلَ الرحمن من أسمائه - أي تسمى به غيره -، صار لله الرحمن الرحيم ".
والألف واللام في ﴿الرَّحِيمِ﴾ للتعريف، وإنما اختيرا للتعريف، لأن الهمزة تختل بالتسهيل والحذف والبدل وبإلقاء حركتها على ما قبلها، واللام تدغم في أكثر الحروف وكلاهما من الحروف الزوائد.
في وصل ﴿الرَّحِيمِ﴾ بـ ﴿الحمد﴾، عند النحويين ثلاثة أوجه:
- أحدهما: أن تقول " الرَّحِيْمِ.
الحَمْدُ لله " فتكسر الميم وتقف عليها وتقطع ألف الحمد.
وهذا مستعمل عند القراء حسن، وهو مروي عن النبي
صلى الله عليه وسلم روته أم سلمة.
- والثاني: أن تقول: " الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لله "، فَتَصِل الألف وتعرب الرحيم بحقه من الإعراب فتكون الكسرة خفضاً، وإن شئت قدرت أنك وقفت على الرحيم بالإسكان، ثم وصلت فكسرت الميم لسكونها وسكون لام الحمد بعدها، ولا يعتد بألف الوصل لسقوطها في درج الكلام.
وهذان الوجهان حسنان مستعملان في القراءة. - والوجه الثالث: حكاه الكسائي سماعاً من العرب، أن تقول: " الرَّحِيمَِ الحَمْدُ " فتح الميم ووصل الألف وذلك أنك تقدر أنك أسكنت الميم للوقف عليها وقطعت ألف الحمد للابتداء بها، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفتها فانفتحت الميم.
ولا يقرأ بهذا.
وقد ذكر الفراء هذا التقدير في قوله تعالى: ﴿الم * الله﴾ [آل عمران: 1 - 2] وذكره غيره.
وستراه إن شاء الله ومثله قياس وصل " نَسْتَعِينُ " بِ " اهْدِنَا ".
والألف الأول من اسم " الله " تحذف من الخط مع اللام، تقول: " لله الحجة، ولله الأمر "، فإن قلت: " بالله أتق "، و " ليس كالله أحد "؛ لم يجز حذف الألف من الخط، وعلة حذفها من الخط مع اللام، دون سائر حروف الجر، أنَّ اللام مع الألف يصيران حرفاً واحداً في رأي العين.
والألف مع اللام الثانية بمنزلة " قَدْ " لأنهما زيدا معاً للتعريف لا يفترقان.
فلو أثبتت الألف مع اللام الأولى، كنت قد فصلتها مع اللام الأولى من اللام الثانية.
وقيل: إنما حذفت الألف من الخط مع اللام، لئلا تصير " لا " فتشبه النفي.
فإن كانت الألف مقطوعة لم تحذف الألف مع اللام، ولا مع غيرها من حروف الجر في الخط نحو قولك: " لألواحك حُسْنٌ، ولألواحِك بياض "، وإنما ذلك، لأن الألف في هذا ليست مع اللام للتعريف إذ اللام أصلية فجاز انفصالها من اللام الثانية مع اللام الأولى.
قوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾.
الرب المالك.
فمعناه: مالك العالمين.
وقيل: الرب السيد.
وقيل: المصلح، يقال: " رَبَّه يَرُبُّه رَبّاً " إذا أصلحه.
ويقال على التكثير: رَبَّتَهُ وِرَِبَّاهُ ورَبَّبَهُ.
فالذين يقولون: " رَبَّتَه " بالتاء، أصله عندهم رَبَّبَهُ ثم أبدلوا من الباء الثالثة " ياء "، كما يقال، تقَضَّيْتُ " في " تَقَضَّضْتُ " ثم أبدلوا من الياء تاء.
كما أبدلوا من الواو تاء في " تُراتٍ "، و " تُجاهٍ " و " تولج " وأصله " وولج " على " فوعل، من " ولجت ". وبدل التاء من الياء قليل شاذ، وهو في الواو كثير.
و ﴿العالمين﴾ جمع عالم.
والعالم هو جميع الخلق الموجود في كل زمان.
وروى
عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه في قول الله:
﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾.
قال: " العالمون ثمانية عشر ألف ملك في نواحي الأرض الأربع، في كل ناحية أربعة آلاف ملك وخمسمائة ملك مع كل ملك منهم عدد الجن والإنس، فبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض ".
قد تقدم الكلام عليه في التسمية.
وإنما كرر، وقد تقدم ذكره في التسمية، لأن الأول ليس بآية من الحمد، وهذا آية، فلذلك وقع التكرير في آيتين متجاورتين.
وهذا مما يدل على أن ﴿بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ﴾ ليس بآية من الحمد، إذ لو كانت آية كما يقول المخالف لكنا قد أتينا بآيتين متجاورتين متكررتين بمعنى، وهذا لا يوجد في كتاب الله جل ذكره إلا بفصول تفصل بين الأولى والثانية، أو بكلام يعترض بين الأولى والثانية.
- فإن قيل: قد فصل في هذا بـ ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾.
- فالجواب إن " الرحمن الرحيم " في الحمد مؤخر يراد به التقديم، وإنما تقديره: "
الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين "، فلا فاصل بين " الرحمن الرحيم " الأول والثاني.
فإن كان ذلك كذلك، دل على أن التسمية ليست بآية من الحمد إذ لا نظير لها في كتاب الله جل ذكره، وإنما حكمنا على أن المراد " " بالرحمن الرحيم " في " الحمد " التقديم، لأن قوله: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ مثل قوله: ﴿رَبِّ العالمين﴾ في المعنى، لأن معناه أنه إخبار من الله أنه يملك يوم الدين، و ﴿رَبِّ العالمين﴾ هو إخبار من الله أنه يملك العالمين فاتصال الملك بالملك أولى في الحكمة ومجاورة صفته بالرحمة صفته بالحمد والثناء أولى.
فكل واحد مرتبط إلى نظيره في المعنى فدل على أن ﴿الرحمن الرحيم﴾ في " الحمد لله " متصل به، يراد به التقديم.
و ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ متصل بِ ﴿رَبِّ العالمين﴾ إذ هو نظيره في المعنى، وذلك أبلغ في الحكمة.
والتقديم والتأخير كثير في القرآن.
الدين الجزاء في هذا الموضع.
وقد يكون الدين التوحيد، نحو قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: 19].
ويكون الدين الحكم، نحو قوله: ﴿رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ [النور: 2] أي في حكمه.
ويكون
الدين الإسلام نحو قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]، و ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: 19].
وقال مجاهد، " الدين الحساب "، كما قال: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: 86].
أي غير محاسبين.
ويكون الدين العادة، ولم يقع في القرآن.
وقد روى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (مالك) بألف.
وأبو بكر، وعمر، وعثمان، كذلك قرأوها وبذلك قرأ علي، وابن مسعود، وأُبي، ومعاذ بن جبل وطلحة، والزبير.
وبذلك قرأ عاصم والكسائي.
وقد بَيَّنا كشف وجوه القراءات في كتاب: " الكشف عن وجوه القراءات "، فأغنانا ذلك عن الكلام فيها في هذا الكتاب.
فأما من قرأ، ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾، فهم الأكثر من القراء وشاهده إجماعهم على ﴿مَلِكِ الناس﴾ [الناس: 2] بغير ألف.
اختلف النحويون في " إياك وإياه وإياي "؛ فللبصريين فيها قولان:
- أحدهما: أن " إيا " اسم مضمر أضيف إلى ما بعده للبيان لا للتعريف.
ولا يعرف في كلام العرب اسم مضمر مضاف إلى ما بعده غير هذا.
وحكى الخليل عن العرب: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب ". فأضاف " إيا " إلى الشواب للبيان.
- والقول الثاني: مروي عن المبرد قال: " إن " إيا " اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، ولا يعرف في كلام العرب اسم مبهم أضيف إلى ما بعده غير هذا ". وللكوفيين في هذا أيضاً ثلاثة أقوال.
- حكى ابن كيسان وغيره.
عنهم أن " إياك " بكماله اسم مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغير آخره غيره، فتقول: " إياه وإياك وإياي ". - والقول الثاني: إن الكاف والهاء والياء، هن الاسم المضمر في " إياك وإياه وإياي "، لكنه اسم لا يقوم بنفسه ولا ينفرد ولا يكون إلا متصلاً بما قبله من الأفعال، فلما تقدم على الفعل لم يقم بنفسه فجعل " إيا " عماداً له ليتصل به، ولو أخرت لا تصل المضمر بالفعل واستغنيت عن " إيا " فقلت: " نعبده "
و " نعبدك ". وهو اختيار ابن كيسان.
- والقول الثالث: حكاه أيضاً ابن كيسان؛ وهو أن " إيا " اسم مبهم يكنى به عن المنصوب وزيدت إليه الكاف والهاء والياء في: إياك وإياه وإياي ". " ليعلم المخاطب من الغائب من المُخْبِر عن نفسه ولا موضع للكاف والهاء والياء من الإعراب، فهي كالكاف في " ذلك " وأرأيتك زيداً ما صنع ". ذكر معنى جميع ذلك ابن كيسان في كتابه في تفسير القرآن وإعرابه ومعانيه.
والعبادة في اللغة التذلل بالطاعة والخضوع.
فمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: نذل لك ونخضع بالعبادة لك ونستعين بك على ذلك.
وإنما قدم ﴿نَعْبُدُ﴾ على ﴿نَسْتَعِينُ﴾ وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة، والعمل لا يقوم إلا بعون الله، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً.
فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر، وأيضاً فإن الواو لا توجب ترتيباً عند أكثر النحويين.
وأما علة تكرير ﴿إِيَّاكَ﴾ فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر
استعانة.
وقيل: كرر للتأكيد كما تقول: " المال بين زيد وعمرو، بين زيد وبين عمرو "، فتعيد " بين " للتأكيد.
قوله: ﴿نَسْتَعِينُ﴾.
أصله " نَسْتَعْوِنُ " على وزن " نَسْتَفْعِلُ " من العون.
والمصدر منه استعانة، وأصله استعواناً، فقلبت حركة الواو على العين، فلما انفتح ما قبل الواو - وهي في نية حركة - انقلبت ألفاً، فالتقى ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين.
فقيل: المحذوفة الثانية لأنها زائدة، والأولى أصلية.
وقيل: بل المحذوفة الأولى لأن الثانية تدل على معنى ولزمته الهاء عوضاً من الألف المحذوفة.
والنون الأولى في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ يجوز فيها الكسر لغة مشهورة وكذلك التاء والهمزة في قولك: " أنْتَ تَسْتَعِين وأنا أسْتَعينُ ". وإنما ذلك في كل فعل سمي فاعله فيه زوائد أو مما يأتي من الثلاثي على " فَعِلَ، يَفْعَلُ " بفتح العين في المستقبل،
وكسرها في الماضي نحو: " أنت تعلم وأنا أعلم ".
معناه ثبتنا، لأنهم كانوا مهتدين، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه.
وقيل: معناه ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام، وهو مروي عن ابن عباس.
و" هَدَى " يكون بمعنى: " أَرْشَد "، نحو قوله: ﴿واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط﴾ [ص: 22]، أي أرشدنا.
ويكون بمعنى " بَيَّنَ " كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: 17]، أي بينّا لهم الصواب من الخطأ، فاستحبوا الخطأ.
ويكون بمعنى " أَلْهَمَ " كقوله: ﴿ثُمَّ هدى﴾ [طه: 50]، أي ألهم الذَّكَر من الحيوان إلى إتيان الأنثى.
وقيل: معناه ألهم المصلحة ويكون هدى بمعنى " وَفَّقَ " كما قال " ﴿لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: 258] أي لا يوفقهم.
والصراط المستقيم كتاب الله.
وهو مروي عن النبي [عليه السلام].
وقال ابن عباس: " هو الطريق إلى الله عز وجل ".
وعن جماعة من الصحابة أنه الإسلام.
وقال جابر بن عبد الله: " هو الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض ".
وعن أبي العالية أنه: " رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه ابو بكر
وعمر ".
وهو قول الحسن.
وأصله الطريق الواضح.
وقال ابن الحنفية: " هو دين الله تعالى ".
وسمي مستقيماً لأنه لا عوج فيه ولا خطأ.
وقيل: سمي بذلك لاستقامته بأهله إلى الجنة.
وأصل ﴿المستقيم﴾: " الْمُسْتَقْوِم "، فألقيت حركة الواو على القاف وبقيت الواو ساكنة فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
كما قالوا ميزان، وهو من الوزن.
وأصله " مِوْزَان "، ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.
وكذلك يقلبون الياء واواً
إذا انضم ما قبلها نحو " مُوقِنٍ " و " موسِرٍ " لأنه من اليقين واليسار.
قوله: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
صراط بدل من الأول.
والذين أنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصدِّيقون والصالحون بدلالة قوله: ﴿فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين﴾ [النساء: 69].
وقيل: هم أصحاب النبي [عليه السلام]، قاله الحسن.
وقيل: هم المؤمنون من بني إسرائيل الذين لم يغيروا ولا بدلوا، بدليل قوله: ﴿يابني إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾
. فلذلك قال هنا: ﴿صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
وقيل: هم المسلمون.
وقال أبو العالية: " هم محمد [عليه السلام] وأبو بكر وعمر ".
وقال قتادة: " هم الأنبياء خاصة ".
وقال ابن عباس: " هم أصحاب موسى قبل أن يبدلوا ".
وهذا دعاء أمر الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يدعوا به وألا يكونوا مثل المغضوب عليهم - وهم اليهود -، ولا مثل الضالين - وهم النصارى -، ولا على صراطهم.
ودخلت " لا " في قوله: ﴿وَلاَ الضآلين﴾ لئلا يتوهم أن ﴿الضآلين﴾ عطف على ﴿الذين﴾ في قوله: ﴿صِرَاطَ الذين﴾.
فبدخول " لا " امتنع أن يتوهم متوهم ذلك إذ لا تقع " لا " إلا بعد نفي أو ما هو في معنى النفي.
وقيل: " لا " زائدة.
وقيل: هي تأكيد بمعنى: " غير ".
ولم يجمع ﴿المغضوب﴾، لأنه في معنى الذين غضب عليهم / فلا ضمير فيه إذ لا يتعدى إلا بحرف جر.
فلو قدرت فيه ضميراً، كنت قد عديته إلى مفعولين أحدهما بحرف جر / وهذا ليس يحسن فيه.
إنما تقول: " غضبت على زيد " و " غضب على زيد ". فالمخفوض يقوم مقام الفاعل.
وكذلك ﴿عَلَيْهِم﴾ في موضع رفع يقوم مقام المفعول الذي لم يسم فاعله.
والهاء والميم يعودان على الألف واللام.
والغضب من الله البعد من رحمته.
والضلال الحيرة.
" و ﴿غَيْرِ المغضوب﴾ " خفض على النعت " للذين " من قوله ﴿صِرَاطَ الذين﴾، وحَسَنٌ ذلك لأنه شائع لا يراد به جمع بعينه فصار كالنكرة، فجاز نعته " بغير "، و " غير " نكرة وإن أضيفت إلى معرفة.
ويجوز أن تخفض " غير " على البدل من [الذين.
وقد قرئ] بالنصب على الحال أو على الاستثناء، وقد شرحت هذا في كتاب: " مشكل الإعراب " بأشبع من هذا.
ويقول المأموم إذا سمع ﴿وَلاَ الضآلين﴾: آمين.
ويقولها وحده.
واختلف في قول الإمام إياها عن مالك.
و (آمين)، قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى.
وقيل: هو دعاء بمعنى: " اللَّهم استجب ".
وقال ابن عباس والحسن: " معنى " آمين ": كذلك يكون ".
وهي تمد وتقصر لغتان.
والمؤمن داع.
فقد قال الله لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89].
وموسى كان هو الداعي، وهارون يؤمن، والمؤمن إذا قال: " اللهم استجب " فهو داع بالإجابة، وهو مبني لوقوعه موقع الدعاء / وبني على حركة لالتقاء الساكنين وكان / الفتح أولى به لأن قبل آخره ياء.
وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام] قال: " إِذَا قَالَ الإمَامُ {غَيْرِ
المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين}، فَقُولُوا: آمينَ، فإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "، أي من وافقه في الإجابة.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مدنية
روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أُعْطيتُ البَقَرَةَ مِنَ الذِكْرِ الأَوَّلِ وأعْطِيْتُ طَهَ
وَالطَوَاسِينَ من ألْوَاحِ مُوسى.
وأعْطِيْتُ فَاتِحَةَ الكِتَاب وَخَواتيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، وأُعْطِيْتُ المُفَصَّلَ نَافِلَةً ".
وروي عنه أنه قال: "تَجيءُ الْبقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنهما غَمَامَتَانِ أوْ غَيَايَتَانِ ". والغياية والغمامة واحد.
فبهذا الحديث وأمثاله، استجاز الناس أن يقولوا: سورة البقرة وسورة كذا
وسورة كذا.
وهذا إضافة لفظ، لا إضافة ملك، ولا إضافة نوع إلى جنسه، وهو بمنزلة
قولك.
"باب الدار وسرج الدابة" ومثله قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ).
فأضاف القول إليه لأنه هو ينزل به، وهو جبريل - عليه السلام -. وهذا من اتساع لغة العرب.
وروى أبو هريرة ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لِكُل شَيْءٍ سَنام، وسَنَامُ الْقرآنِ سُورةُ الْبقَرَةِ، فيهَا آية سَيِّدَةٌ آي القُرْآنِ/ لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فيهِ شَيْطَان إِلا خَرَجَ مِنْهُ وهي آيَةُ الكُرْسِي ".
ومعنى سيدة آي القُرآن، عظيمة آي القرآن.
وكل آي القرآن عظيم جليل، لا يفضل بعضه بعضاً لكن يعطي الله من الأجر والثواب على بعض ما لا يعطي على بعض، يفعل ما يشاء.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل رجلا: "مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ فَقالَ: سُوْرَةُ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: وأَي الخَيْرِ أَبْقَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ؟ "
وقال الحسن: قال رسول الله [- عليه السلام -]: أيُّ الْقُرآنِ أعْظَمُ؟ قَالُوا: اللهُ ورَسولُهُ اعْلَمُ/ قَالَ: سُورَةُ البَقَرةِ.
قَالَ فَأَيُّهَا أعْظَمُ؟، قَالُوا: اللهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: آيةُ الْكُرْسي ".
واختلف العلماء في معاني أوائل السور: فعن ابن عباس أقوال، منها: أنه قال: " الاما؛ أنا الله أعلم، الارا؛ أنا الله أرى ".
فالألف: يؤدي عن " أنا "، واللام: يؤدي عن اسم الله.
والميم: تؤدي عن " أعلم "، والراء: يؤدي عن " أرى ".
وعنه [أن] أوائل السور مأخوذة من أسماء الله.
فيقول في ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1]: " إن الكاف: من كاف، والهاء: من هاد ".
وعنه أيضاً " أنها أقسام، أقسم الله بها، وهي من أسماء الله جل ذكره ".
وقد قال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء.
وروى عنه عطاء أنه قال في ﴿الم﴾: " الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد صلى الله عليه وسلم "
[ وكذلك] روى الضحاك عنه.
وقال قتادة: " الم، اسم من أسماء القرآن ". وروي مثله عن مجاهد.
وعن مجاهد أيضاً أنه قال: " هي فواتح السور ".
وقال أبو عبيدة والأخفش: " هي افتتاح كلام ".
وقال زيد بن أسلم: " هي أسماء السور ".
وروى ابن جبير عن ابن عباس: " ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1]: كبير، هاد، عزيز، صادق ".
وقال محمد بن كعب: ﴿حم* عسق﴾: الحاء والميم: من الرحمان، والعين: من العليم، والسين: من القدوس، والقاف: من القهار ".
/ وقال في ﴿المص﴾: " الألف واللام: الله، والصاد: من الصمد ".
وقال بعض أهل النظر: " هي تنبيه ".
وقال قطرب في معناها: " كان المشركون ينفرون عند قراءة القرآن.
فلما سمعوا " ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ وقفوا ليفهموا ما هو وأنصتوا، فاتصلت تلاوة القرآن بها / فسمعوه، وثبتت عليهم الحجة، وجحدوا بعد سماع ما هو حجة عليهم.
وهذه حكمة بالغة من الله، والله أعلم بذلك ".
وعن قطرب أيضاً أنه قال: " هي حروف ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف المقطعة ".
وقال أبو العالية: " هي الحروف من التسعة وعشرين حرفاً دارت بها الألسن كلها، ليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه ونعمائه، وليس منها (حرف) إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.
الألف: مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح / اسمه: لطيف، والميم مفتاح اسمه: مجيد.
الألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: مجده.
الألف: سنة، واللام: ثلاثون سنة، والميم: أربعون سنة ".
وقال جماعة: " هي مما لا يعلمه إلا الله، ولله في [كل كتاب] سر، وهذه الحروف سره في كتابه ".
وقيل: هي اسم الله الأعظم.
رواه السدي عن ابن عباس.
ويروى أن اليهود لما سمعت / ﴿الم﴾، قالوا: " الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، وهي مدة ملك محمد.
أفتدخلون في دين، إنما مدة ملكه إحدى وسبعون سنة.
فلما سمعوا ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] قالوا: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون والصاد ستون فذلك إحدى وثلاثون ومائة سنة، فلما سمعوا ﴿الر﴾ [يونس: 1] و ﴿المر﴾ [الرعد: 1] و ﴿حم* عسق﴾ [الشورى: 1 - 2]، قالوا: قد لبس علينا الأمر، فما
ندري ما يقيم ملكه.
فأنزل الله عز وجل: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7].
فهذا الذي اشتبه عليهم في هذا التأويل والله أعلم.
وهذه الحروف تسمى حروف المعجم، وإنما سميت بذلك لأنها مبينة للكلام فاشتق لها هذا الاسم من قولهم: " أعجَمْتُ الِكتَابَ " إذا بَيَّنْتَهُ.
وقيل: إنما اشتق لها هذا من قولهم: " عَجَمْتُ الْعُودَ " إذا عَضَضْتَهُ لِتَخْتَبِرَهُ.
فيكون " المعجم " من هذا أتى على توهم زيادة الهمزة، كما أتى " لواقع " على توهم حذف الهمزة من " ألْقَحْتُ "، وكان الأصل " ملاقح ". كذلك كان الأصل " المعجوم "، إذا جعلته من " عَجَمْت ". وقد قالوا: / " مسعود "، على تقدير حذف الهمزة من " أسعده الله "، وقرئ: ﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ﴾ [هود: 108]- بضم السين - على ذلك التقدير.
فكذلك المعجم من " عجمت " على تقدير حذف الهمزة من " أعجمت "، فيكون معناه حروف الاختبار، وهي موقوفة مبنية على السكون أبداً، إلا أن تخبر عن شيء منها، أو تعطف بعضها على بعض، فتعربها، تقول: هذه جاء وياء ". وهي تؤنث وتذكر.
قوله عز وجل: ﴿ ذَلِكَ الكتاب﴾.
أكثر أهل التفسير على أن " ذلك " بمعنى " هذا ".
كما تقول للرجل وهو يحدثك: " ذلك، والله الحق "، أي هذا والله الحق.
قال الله جل ذكره: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].
أي هذا ما كنت منه تحيد.
وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]، أي هذه عشرة كاملة.
وقال: ﴿ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام﴾ [البقرة: 196]. أي هذا الحكم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
وقال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: 64] أي إن هذا وهو كثير في كلام العرب والقرآن.
وقيل: إن ﴿ذلك﴾ / على بابها للإشارة إلى شيء / معلوم.
واختلف في ذلك المشار إليه.
ما هو؟
فقيل: إن ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل سورة البقرة.