الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقد قيل في قوله " ﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ إنه [ظل] الصليب الذي يعبده النصارى.
وهوقول شاذ يوجب أن يكون المأمور بهذا، النصارى خاصة.
ولست الآية إلا عامة في جميع الكفار، وليس كلهم عبد المطلب، فإنما أمروا إلى ظل دخان جهنم، دخان قد أنفرق على ثلاث شعب].
قال قتادة: هو كقوله: ﴿نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29].
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾.
هذا نعت للظل أي: إلى غير [غانٍ] من اللهب.
أي: [لا يظلهم/ ولا يمنعهم] من لهب جهنم، فلا يمنع عنهم ذلك الظل حرها ولا لهبها.
وهذا الوصف مطابق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " نَّ الشَّمْسَ تَدْنُوا مِنْ رُؤُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ لِبَاسٌ وَلآَ لَهُمْ مَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْهَا، فَيُنْجِي اللهُ المُؤْمِنِينَ إلى ظِلٍّ مِنْ ظِلِّهِ، وَيُقَالُ لِلْكُفَّارِ: انْطَلِقُوا إلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ ﴿انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ فَيَنْطَلِقُونَ إلى دُخَانِ جَهَنَّمَ " أفهذا للكفار، لأنه روي: أَنَّ الخَلاَئِقَ إِذَا اشْتَدَّ عليهم حرُّ الشمس وَدَنَتْ مِنْ رُؤُسِهِمْ وأَخَذَتْ بِأَنفاسهِم وأشتد ذلك عليهم وكَثُرَ العَرَقُ، واشتد القَلَقُ، نَجَّى اللهُ المؤمنين برحمته إلى ظل من ظله، فهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم﴾.
ويقال للكفار المكذبين: انطلقوا إلى ما كنتم تُكَذِّبُونَ من عذاب الله وعقابه، انطلقوا إلى ظِلٍّ من دخان جهنم قد سَطَعَ وافترق ثلاثَ فِرَقٍ، فينطلقون ويكونون فيه، وهو أشد من حر الشمس الذي كانوا قد قَلِقُوا فيه.
فيُقِيمُونَ في ظل ذلك الدخان حتى يُفْرَغَ من الحساب، كذلك أولياء الله في ظل عرش الرحمن، وحيث شاء الله حتى يفرغ من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مُسْتَقَرِّهِ من الجنة أو من النار ".
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقصر﴾.
أي: [إن]: جهنم ترمي ذلك اليوم بشرر كالقصر [المبني].
وقال ابن عباس: " كالقصر العظيم ". قال الحسن: هو واحد القصور.
وروى حجاج عن هارون ﴿كالقصر﴾ أي: كالخشب الجزل، وهو جمع قَصْرَة، كجَمْرة وجَمْر، وثَمْرَة وثَمَر.
وقرأ ابن عباس: " كَالْقَصَرِ " بفتح الصاد.
وقرأ ابن جبير والحسن: " كَالْقِصَرِ " بكسر القاف وفتح الصاد.
وعن ابن جبير: كقراءة ابن عباس، القصرة: الخشبة تكون [ثلاث] أذرع أو أكثر، فهو على قراءته جمع قصرة كشخبة وخشب.
وقال مجاهد وقتادة: القَصَر - بالفتح - هو [أصول] النخل.
ومن كسر القاف جعله جمع قِصَرَة وقصر، وهي الخشبة أيضاً.
وقال المبرد: قيل: القَصْرُ: الجزل من الحطب الغليظ، واحدته قَصْرَةٌ، كَجَمْرَة وجمر.
والقَصْرُ في هذا الموضع إذا جعلته أحد القُصُورِ فهو واحد يدل [على
الجمع]، وذلك جعل نعتاً لِ " شَرَرٍ " وهي جماعة.
فإن جعلته جمع قَصْرَةٍ جئت به في النعت بالجمع كالمنعوت، وقد [قال]: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45]، فَوَحَّدَ (و) لم يقل: " الأدبار "؟ لأن الدبر بمعنى الجمع، وفعل ذلك توفيقاً بين رؤوس [الآي] ومقاطع الكلام، إذ كان ذلك شأن العرب، والقرآنُ بلسانها نزل فَجَرَتْ [ألفاظه] على عادتها في لغتها وكلامها [وسجعها]، وقد قال تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [الأحزاب: 19]، ولم يقل: " كعيون الذين ". وهو المعنى لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
- ثم قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ﴾.
أي: كأن ذلك الشرر الذي هو كالقصر: نُوقٌ سُودٌ.
فالصفرة هنا بمعنى السواد، وإنما وقعت الصفرة في مضع السواد لأن ألوان الإبل السود تضرف إلى الصفرة، كما سميت [الظباء] " أُدْماً " لِمَا يَعْلُوهَا في بياضها من الظلمة.
قال الحسن: ﴿جمالت صُفْرٌ﴾ [أَيْنُقُ] سود، وهو قول قتادة ومجاهد.
وقال ابن عباس: عنى بذلك قلوس السفن، يعني حبال السفن.
شبهت الشرر بحبال السفينة.
والقَلْسُ.
الحبلُ.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿جمالت صُفْرٌ﴾: " قِطَعُ النّحَاسِ " وهو جمع جِمَالَةٍ
[وجِمَالَةٌ]: حمع جمل.
(ومن قرأ (جِمَالَةٌ) جعله جمع جَمَل).
وقد قرأ (أبو) أيوب: " جُمَالاَت " - بضالم الجيم - كأنه جمع جَمَلاً (على جُمَالٍ) كما يجمع رَخِلٌ على رُخَالٍ.
ثم جمع " جُمَالاً " على جُمَالاَت، لأن باب " فَعَل " و " فُعَل " واحد.
ويجوز (أن) يكون من الشيء المجمل.
- قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تقدم ذكره. - قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾، إلى آخر السورة.
أي: هذا يوم لا ينطق فيه أهل التكذيب بثواب الله وعقابه، وذلك في موطن دون موطن.
ودليله: قوله - حكاية عنهم - {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا
(مِنْهَا)} [المؤمنون: 107] ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين﴾ [غافر: 11].
وشبهه.
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
أي: مما كسبوا في الدنيا من المعاصي.
وقال ابن عباس: يوم القيامة أوقات، فوقت لا ينطقون فيه، وذلك عند (أول) نفخة، يريد: كل هول.
وقيل: المعنى لا ينطقون فيه بحجة لهم.
تقول العرب لمن أحتج بما/ لا حجة فيه: ما جئت بشيء، ولا نطقت بشيء، أي: هم بمنزلة من لا ينطق، إذ لا ينتفعون بمنطقهم.
ومثله في هذا المعنى قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: 18]، أي: هم بمنزلة من هو هكذا.
وقد استدل بعض أهل النظر على أنه يراد به بعض أوقات اليوم دون بعض [بإضافة] اليوم إلى الفعل.
قال: والعرب لا تضيف اليوم إلى " فعل " و " يفعل " (إلا) إذا [أرادت] الساعة من اليوم، تقول: آتيك يوم يقدم فلان، وأراك يوم يقدم.
والمعنى: ساعة يقدم، لأنه لا يتمكن أن يكون إتيانه اليوم كله.
- ثم قال تعالى: ﴿هذا يَوْمُ الفصل جمعناكم والأولين﴾.
أي: يقال [لهؤلاء المكذبين بالله ورسله.
هذا يوم يفصل الله فيه بن خلقه بالحق، [جعلناكم فيه] لموعدكم الذي كنا نعدكموه في الدنيا، وجمعنا الأولين معكم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون العافية.
- ﴿فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾.
أي: فإن كان لكم كلكم اليوم حيلة تحتالون بها في التخلص من العقاب، فاحتالوا بها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً. - ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بهذا الخبر. - ثم قال: ﴿إِنَّ المتقين فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ﴾.
أي: إن الذين اتقوا الله بأداء فرائضه وطاعته في الدنيا ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾، لا يصيبهم حر ولا قُرٌّ ﴿وَعُيُونٍ﴾، أي: وأنهار تجري في خلال أشجار جناتهم. - ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: يأكلون منها متى اشتهوا لا يخافون ضرها ولا عاقبة مكروهها. - ﴿كُلُواْ واشربوا هنيائا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
أي: يقال لم ذلك، أي كلوا من الفواكه، واشربوا [من] العيون هنيئاً [بما
كنتم تعملون].
لا تكدير عليكم، ولا تنغيص في ذلك جزاء لكم بأعمالكم الصالحات في الدنيا وطاعتكم.
وقيلأ: معناه: هنيئاً لكم، لا تموتون.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾.
أي: كما جزينا هؤلاء المتقين بما ذكرنا، كذلك نجزي من أحسن إلى نفسه فأطاع الله واجتنب معاصيه [وأدى] فرائضه. - ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: للمكذبين بما أخبر الله منه جزائه المتقين في الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهديد للمشركين المكذبين بما ذكره الله في هذه السورة وغيرها من مجازاته للمتقين وانتقامه من المذكبين، أي: كلوا في بقية آجالكم أيها المذكبون، وتمتعوا بقية أعماركم.
﴿إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ﴾ أي: مكتسبون لما فيه عطبكم وهلاككم كما فعل من كان قبلكم من الأمم المكذبة.
ق ل ابن زيد: عنى بذلك أهل الكفر.
وقيل: إن ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ﴾ [يرجع] إلى أول الكلام في قوله: ﴿جمعناكم والأولين * فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ﴿كُلُواْ﴾.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
(أي للمكذبين) [بخبر} الله عن البعث والجزاء. - ثم قال تعالى: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ﴾.
قال ابن عباس: " هذا يوم القيامة، يدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا ".
وقال قتادة: ذلك في الدنيا، كانوا يمتنعون من السجود (لله).
ورأى ابن مسعود رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقالو: ما أضحكك؟! قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا تقبل له صلاة، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.
وقيل: عني بالركوع هنا الصلاة، قاله مجاهد.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: الذين كذبوا رسل الله فردوا عليهم فيما بلغوهم عن الله. - ثم قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: بعد القرآن إذ كذبوا به، فبأي شيء يؤمنون بعده إيماناً ينتفعون به؟!
بسم الله الرحمن الرحيم سورة عم يتسألون مكية
- قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَن
العظيم﴾.
إلى قوله: ﴿(مَآءً) ثَجَّاجاً﴾.
أي: عن أي شيء يتساءل هؤلاء [المشركون] يا محمد؟، عن أي شيء يختصمون؟
ف ﴿عَمَّ﴾ تحتاج إلى جواب، وجوابه ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾، وكان حقه أن يأتي
الجواب من المسؤول، وكلن دل عليه/ ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ وقام مقامه، وهو جواب لجوابهم، كأنهم قالوا: عم نتساءل؟ سألوا الجواب من السائل لهم، فقيل لهم: ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾.
ذكر أن قريشاً كانت تختصم فيما بينهم [وتتجادل] في الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان بكتاب الله، فنزل هذا في اختاصمهم.
ثم بين - جل ذكره - ما الذي هم يختصمون، فقال: ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ (أي: يتساءلون عن النبأ)، ثم حذف لدلالة الأول [عليه]، فتقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
وقيل: [إن " عن "] متعلقة بهذا الفعل.
والمعنى: لأي شيء يتساءل هؤلاء عن النبأ العظيم.
فلا تقف على هذا على ﴿يَتَسَآءَلُونَ﴾.
فأما النبأ، فقال مجاهد: " هو القرآن ". وقال: قتادة: " هو البعث بعد الموت ".
وقال ابن زيد: " هو " يوم القيامة ".
- ثم قال: ﴿الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
أي: منهم مصدق و [منهم] مكذب، إما بالقرآن وإما بالعبث.
قال قتادة: [صار] الناس [فرقتين] في البعث بعد الموت، (فمنهم مكذب)، ومنهم مصدق. - ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ما الأمر كما يزعم هؤلاء أنه لا بعث.
ثم قال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ على
الوعيد والتهديد، أي: سيعلم (هؤلاء) المنكرون للبعث [وعيد] الله لهم أحق هو أم باطل.
ثم أكد الوعيد فقال: ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾.
أي: ثم ليس الأمر على ما [قالوا] إنه لا بعث، سيعلمون وعيد الله لهم أحق هو أم باطل.
ويجوز أن يكون " كلا " بمعنى " حَقّاً " في الموضعين، وبمعنى " أَلاَ ".
وهذا التفسير إنما هو على قول من قال: إن [النبأ] العظيم: البعث ويوم القيامة.
فأما من قال هو القرآن فيكون معناه: كلا سيعلمون (عاقبة تكذيبهم لهذا القرآن ثم كلا سيعلمون) ذلك على التأكيد والوعيد وتكون " كلا " بمعنى (حقاً) أو بمعنى " ألا "، ويجوز أن تكون [بمعنى " لا "]، أي: [لا، لا اختلاف] (في) القرآن، وهو قول نصير ولم يجزه أبو حاتم.
وقال الضحاك تقديره: كلا سيعلم الكافرون ثم كلا سيعلم المؤمنون.
فالوقف [على ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾] الأول وعلى ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ الثاني.
والوقف عند أكثرهم على سيعلمون الثاني.
- ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا * والجبال أَوْتَاداً﴾.
أي: ألم أنعم عليكم أيها الخلق فجعلت لكم الأرض فراشاً تفترشونها، وجعلت الجبال أوتاداً للأرض أن تميد بكم؟! - ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾.
- (أي) ذكراناً وإناثاً، وطوالاً وقصاراً؟!
- ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾.
أي: راحة (لكم ودعة تسكنون كأنكم أموات لا تشعرون؟! والسبات السكون)، وبذلك سمي السبت سبتاً لأنه يوم راحة ودعة.
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً﴾.
أي: غشاء لكم يتغشاكم سواده وتغطيكم ظلمته كما يغطي الثوب لابسه.
قال قتادة ": ﴿اليل لِبَاساً﴾ أي: " سكناً. - ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾.
(سمي النهار معاشاَ لما كان يطلب المعاش فيه.
وتقديره: وجعلنا النهار ذا معاش.
قال مجاهد: ﴿مَعَاشاً﴾ أي: " تبتغون فيه من فضل الله ". - ثم قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾.
يعني السبع سماوات.
وسمي بناء على عادة العرب، لأنهم يقولون لسقف البيت سماء، ويقولون له بناْ.
ومعنى " شداد " أي: وثاقاً محكمة الخلق، لا صدوع فيهن ولا
فطور، ولا يبليهن [مر] الليالي والأيام عليهن.
- ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾.
(أي): شمساً وقادة مضيئة منيرة. - قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً﴾.
أي: من السحائب ماء منصباً يتبع بعضه بعضاً كثج [دماء].
البدن كذا قال ابن عباس ومجاهد والربيع: الثجاج المنصب.
وقال ابن زيد: الثجاج: الكثير.
وأكثرهم على أنه المُنْصَبُّ.
وهو اختيار الطبري.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ والْثَّجُّ ".
[فالعج] رفع الصوت بالتلبية، والثَّجُّ [صَبُّ] دماء الهدايا والبدنِ، قال ابن عباس: المعصرات " السحاب ".
وهو قول سفيان والربيع.
وقال الحسن وسعيد/ بن جبير وقتادة: المعصرات: السماء.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: المعصرات: الرياح، لأنها تعصر في هبوبها.
و (هو) قول ابن زيد.
ويلزم قائل هذا أن تكون القراءة: " وأَنْزَلْنَا بِالْمُعْصِرَاتِ "، وبذلك قرأه عكرمة.
والمُعْصِرُ: المرأة التي قددنا [حيضها] وإن لم تحض، فشبهت السحاب بها [للمطر] الذي فيها.
- قوله تعالى: ﴿لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً﴾ إلى قوله: ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾.
أي: أنزلنا الماء لنخرج به من الأرض لكم حباً، يعني القمح والشعير وسائر القطنية، ﴿وَنَبَاتاً﴾ يعني ما ترعى البهائم. - ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً﴾.
أي: وثمر جنات ملتفة مجتمعة قال ابن عباس: " التف بعضها ببعض ". وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما.
وقال الأخفش وأبو عبيدة: واحد الألفاف لِفٌّ.
وقيل: لَفِيفٌ وحكى الكسائي أنه جمع الجمع، وواحده " لَفَّاءُ " كحمراء،
ثم جمعت لَفَّاءُ على (لِفّ [كحمر] ثم جمعت " لِفٌّ " على) ألفاف، [كخف] وأخفاف.
قال ابن مسعود: يرسل الله جل وعز الرياح فتأخذ الماء من السماء فتجريه في السحاب [فتذريه] كما تذر اللقحة.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً﴾.
أي: يوم يفصل الله فيه بين خلقه كان ميقاتاً لما أعد الله للمكذبين بالبعث ولنظرائهم من الخلق.
قال قتادة: هو يوم عظمه الله يفصل فيه بين الأولين والآخرين.
- ثم أبدل من ﴿يَوْمَ﴾ للبيان فقال:
- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾.
أي: يوم الفصل بين الخلق يوم ينفخ إسرافيل في الصور فتأتون من قبوركم إلى المحشر ﴿أَفْوَاجاً﴾ [أي]: زُمَراً زُمَراً.
روي أن كل أمة تأتي مع رسولها [يوم القيامة]، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71]. - ثم قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً﴾.
[أي]: وشققت السماء وصدعت (فكانت) طرقاً.
وقيل: تصير قطعاً كقطع الخشب المشققة لأبواب الدور والمساكن.
والمعنى: وفتحت السماء فكانت قطعاً كالأبواب، (فلما سقطت الكاف صارت الأبواب) خبرا.
وكذلك قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً﴾.
أي: صارت لا شيء، كما أن السراب لا شيء، وذلك أنها تنسف فَتُجْتَثُّ من أصولهها فتصير هباء منبثاً لعين الناظر كالسراب الذي يظنه (الناظر) ماء وهو في الحقيقة ليس بماء إنما هو هباء.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً﴾.
أي: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترتقب من يجتاز بها وترصدهم، ولم يقل " مرصادة "، لأنه غير جار على الفعل.
فالمعنى ترصد من عصى الله.
وفي " مرصاد " معنى التكثير.
ولذلك لم يقل: " راصدة "، ففي وصفها لما لم يجر على الفعل معنى التكثير، ولو قال [راصدة] لثبتت الهاء، لأنه جار على الفعل، ولم يكن فيه (معن) تكثير، ففي " مرصاد " معنى النسب (كأنه قال: " ذات إرصاد "، وكل ما حمل على معنى النسب) من الأخبار والصفات ففيه معنى التكثير واللزوم، فالمعنى أنها
مركاد لمن كان يكذب بها في الدنيا.
وكان الحسن يقول - إذا قرأ هذه الآية -: أَلاَ إن على النار المَرْصَد، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ احتبس.
وروي عنه أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز على النار.
وقال قتادة: [تعلمن] أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وقال سفيان: على جهنم ثلاث قناطير.
- ثم قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآباً﴾.
أي: هي لمن طغى في الدنيا فتعدى حدود الله [مرجع] يرجعون إليها ويصبرون إليها.
- ثم قال تعالى: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً﴾.
قال قتادة: لا بثين في جهنم أحقاباً (لا انقطاع لها.
وقيل: معناه: ﴿لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً) * لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾، ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذ العذاب مما شاء الله، كما قال: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: 58].
وقيل: الضمير في ﴿فِيهَا﴾ يعود على الأرض، لأنه قد تقدم ذكرها، والضمير في ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا﴾ لجهنم لتقدم ذكرها.
فعلى [القول] الأول، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ أو ل ﴿جَهَنَّمَ﴾ / أو نعتاً للأحقاب.
وعلى هذا القول الآخر، يكون ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ حالاً من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو من الطاغين.
وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة ".
وهو جمع الجمع، واحده: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاب.
ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب والحُقْبُ ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
قاله [بشير] بن كعب.
وقال علي بن أبي طالب: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، وهو قول ابن جبير، وقاله الربيع بن أنس.
[وقال] أبو هريرة: الحقب ستون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا.
وقال قتادة: " الحقب ثمانون سنة من سنيّ الآخرة ". وقال: هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
وقال الحسن: أما الأحقاب، فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما نعده.
قال خالد بن مَعَدَّان: هي في أهل التوحيد من أهل القبلة مثل قوله ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 108]، وهذا التأويل يرده قوله بعد ذلك.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
وليس هذه صفة الموحدين.
وقد روي عن مقاتل أنه قال: إنها منسوخة، نسختها قوله: ﴿فَلَن نَّزِيدَكُمْ (إِلاَّ) عَذَاباً﴾.
وهذا لا يكون فيه نسخ، لأنه خبر من الأخبار لا تنسخ.
والحقب عند أهل اللغة مبهم كالحين والزمان.
البرد: النوم.
وقيل: [الهدوء].
وقيل: برد [الشراب] المستلذ.
قال ابن عباس: هو برد الشراب وقيل: البرد: الراحة.
- ثم قال: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
قال الربيع: " استثنى من الشراب الحميم، ومن البرد الغساق ".
[والحميم الذي قد انتهى [حره] كالمهل [يشوي] الوجوه.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم، يجمع في حياض ثم يسقونه.
والغساق]: الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض النار فيُسْقَوْنَهُ.
وأصل الحميم الماء الحار، ومنه اشتق الحًَمَّامُ، ومنه الحُمَّى، ومنه [اليَحْمُومُ].
قال قتادة: الغساق ما يسيل [من] جلده ولحمه.
وقال سفيان: هو ما يسيل من دموعهم.
وقال النخعي: هو " ما يسيل من صديدهم من البرد ".
وعن ابن عباس أن الغساق: " الزمهرير ".
وقال مجاهد: " الغساق: الذ لا يستطيعون أن يذوقوه (من برده).
وقال عبد الله بن [بريدة]: " هو المُنْتِنُ ".
وروى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لَوْ أَنَّ دَلْواً مِن غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي
الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا ".
وقال عبد الله بن [عمرو]: " أتدرون أي شيء الغساق؟ قالوا: الله أعلم، قال: هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتنت أهل [المشرق].
ولو تهرق [بالمشرق] لأنتنت أهل المغرب.
- وقوله: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾.
أي: هذا العذاب الذي وصف جزاء للكفار على أفعالهم في الدنيا وافق أعمالهم وفاقاً، قاله ابن عباس.
قال قتادة: " وافق الجزاء أعمال القوم.
. . ". وقال
الربيع: " ثواباً وافق أعمالهم ". قال ابن زيد: " عملو شراً فجوزوا شراً، [وعملوا] حسناً فجوزوا حسناً ".
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً﴾.
أي: لا يخافون محاسبة الله (لهم على أعمالهم في الآخرة.
قال قتادة: كانوا في الدنيا لا يخافون محاسبة).
وقال ابن زيد: كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب فكيف يخافون الحساب وهم لا يوقنون بالبعث بعد الموت؟! - ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾.
أي: حجوا بها جحوداً. - ثم قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾.
أي: وأحصينا كل شيء من أعمالهم وغير ذلك فكتبناه كتاباً، [ف ﴿كِتَاباً﴾] مصدر عمل فيه فعل مضمر.
وقيل: العامل فيه (احصينا) [لأنه] يعني: كتبنا.
- ثم قال تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾.
أي: ثقال لهم - إذا شربوا الحميم والغساق - ذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، فلن نزيدكم على العذاب الذي أنتم فيه إلا عذاباً زائداً.
قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه، فهم في مزيد أبداً.
وقد روي مثل ذلك علن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أنه لا يأتي على أهل الجنة ساعة إلا ويزدادون صنفاً من النعيم لم
يكونوا يعرفونه، ولا يأتي على أهل لنار ساعة إلا وهم مستنكرون لشيء من العذاب لم يكونوا يعرفونه.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾.
أي: منجى من النار إلى الجنة ينجون به، وهي حدائق وأعناب.
وقال ابن عباس: ﴿مَفَازاً﴾، " متنزهاً ". وقيل: المفاز: الظفر بما يحبه الإنسان.
يقال: فاز فلان بكذا إذا ظفر به.
والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان من النخيل والأعناب والأشجار التي قد حوط عليها الحيطان فأحدقت (بها)، فَلإِحْدَاقِ الحيطان بها سميت حديقة،