الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 5614-5653
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 5614-5653
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: إن الله على إنشاء جميع خلقه بعد فنائه كهيئته قبل ذلك قادر، لا يعجزه شيئ أراده.
وقيدر أبلغ من قادر.
ثم قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي: يعذّب من يشاء ممن سبق له الشقاء، ويرحم من يشاء ممن سبق له السعادة، وإليه تردون.
وقيل: يعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، ويرحم من يشاء ممن يستحق الرحمة.
ثم قال: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ أي: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا أهل السماء بمعجزين في السماء، أي: ليس يفوت الله أحد.
وقيل: المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها.
وقال المبرد: التقدير: ولا من في السماء، على أن تكون (من) نكرة، وفي السماء من نعتها، ثم أقام النعت مقام المنعوت.
وقد ردّ عليه هذا/ القول علي بن سليمان، وقال: لا يجوز، لأن (من) إذا كانت نكرة فلا من صفتها، فصفتها كالصلة، ولا يجوز حذف الموصول وترك

الصلة.
والمعنى عنده: أن الناس خوطبوا يعقلون - من في السماء الوصول إليه أبعد - وأما المعنى: وما أنتم بمعجزين في الأرض، ولو كنتم في السماء ما أعجزتم، ومثله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78].
فالمعنى: لا تعجزوننا هرباً ولو كنتم في السماء.
قال ابن زيد: معناه: لا يعجزه - تعالى ذكره - أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء في السماء إن عصوه.
فالتقدير على هذا: وما أنتم بمعجزين الله في الأرض ولا من في السماء بمعجزي الله.
على حرف (من) مرة واحدة، كما قال: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] أي: إلاّ من له مقام.
وقيل: المعنى: وما أنتم معجزين من في الأرض من الملائكة ولا من في السماء منهم، على إضمار (من) في الموضعين، وهو بعيد.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي: ليس يمنعكم من عذاب الله ولي ولا نصير ينصركم إن أراد بكم سوءاً.
ثم قال تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله وَلِقَآئِهِ أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ أي: كفروا بالقرآن وبالبعث: ﴿أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ أي: في الآخرة لمّا عاينوا لهم ما أعد لهم من العذاب.
﴿وأولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم موجع.

قال قتادة: إن الله جلّ ذمّ قوماً هانوا عليه فقال: ﴿أولئك يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾، وقال: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ [يوسف: 87].
فينبغي للمؤمن ألاّ ييأس من رحمة الله، وأن لا يأمن عذابه وعقابه.
وصفة المؤمن أن يكون راجياً خائفاً.
ثم قال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ يعني: قوم إبراهيم.
وهذا جواب لقوله عن إبراهيم: إنه قال لقومه اعبدوا الله واتقوه.
وجميع ما جرى بين ذلك إما أتى به تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وعظة لقريش، وتذكيراً لهم وتوبيخاً.
﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرِّقُوهُ﴾.
أي: قال بعضهم لبعض اقتلوه أو حرّقوه بالنار ففعلوا، فأنجاه الله منها ولم يسلط [عليه]، بل جعلها برداً وسلاماً.
قال كعب: ما أحرقت منه إلاّ وثاقه.

﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في إنجاء الله إبراهيم من النار وتصييرها عليه برداً وسلاماً، لدلالة وحجة لقوم يصدقون بما آتاهم من عند الله.
ثم قال: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مِّن دُونِ الله أَوْثَاناً﴾ أي: قال لهم إبراهيم: اعبدوا الله واتّقوه، وقال لهم: إنما اتخذتم من دون الله آلهة هي أوثاناً للمودة، أي: فعلتم ذلك للمودة.
وهذا على قراءة من نصب.
و (ما) مع (إن) حرف واحد.
والمعنى: إنما اتخذتموها مودة بينكم، أي: تتحابون على عبادتها وتتواصلون عليها.
فأما من رفع المودة فإنه جعلها خبر إن، وما بمعنى الذي.
أو على إضمار مبتدأ، أي: هو مودة أو تلك مودة.
أي: إلفتكم وجماعتكم مودة بينكم.
وإن شئت

جعلت (مودة) مبتدأ، وفي الحياة الدنيا الخبر.
ومن أضاف المودة إلى بين أخرجها عن أن تكون ظرفاً، ولا يجوز أن تكون ظرفاً وهو مضاف.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي: يكون أمركم بعد هذه المودة في الدنيا على عبادة الأوثان إلى أن يتبرأ بعضكمم من بعض، ويلعن بعضكم بعضاً.
﴿وَمَأْوَاكُمُ النار﴾ أي: مصير جميعكم إليها أيها العابدون الأوثان.
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: ما لكم من نصنير من الله فينقذكم من عذابه.
" أوثاناً " وقف إن رفعت مودة على الابتداء، أو على إضمار مبتدأ.
ثم قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ أي: صدقه لوط وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي، يعني إلى الشام.
قل ابن عباس: هاجرا جميعاً إلى الشام.
قال قتادة: كانا بكوثى قرية من سواد الكوفة فهاجرا إلى الشام.
وقيل:

الذي قال إني مهاجر إلى ربي هو لوط، لما انفرد بالإيمان بإبراهيم لم يقم بين أظهر الكافرين، فقال: إني مهاجر لقومي وبلدي، أخرج (من) بين أظهر الكفار إلى حيث يأمرني ربي.
فهاجر من سواد الكوفة إلى الشام.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ العزيز الحكيم﴾ أي: الذي لا يذل من نصره، الحكيم في تدبيره/.
ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: وهب الله لإبراهيم ولده إسحاق وولده يعقوب بن إسحاق ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب﴾ أي: والكتب فدلّ الواحد على الجمع.
يعني الكتاب الذي أنزل على موسى وداود وعيسى ومحمد صلّى الله عليهم، كلهم من ذرية إبراهيم.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا﴾ أي: أعطيناه ثواب بلائه فينا في الدنيا ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي: في المجازاة لا ينقص من أجره شيء والأجر هنا الثناء الصالح والولد الصالح، قاله ابن عباس.
قال عكرمة: أجره في الدنيا هو أن أهل كل ملة يتولاه وهو عند الله من

الصالحين في الآخرة.
وقال قتادة: أجره في الدنيا عافية وعمل صالح وثناء حسن، فلست تلقى أحداً من الملل إلاّ يرضى إبراهيم ويتولاه.
وقيل: أجره في الدنيا أن الله لم يبعث نبياً بعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلاّ من ذريته، وليس من أهل دين إلاّ (وهم) يتحلون حب إبراهيم صلى الله عليه وسلم يدعون دينه، وذلك كله لا ينقصه من ثوابه في الآخرة، فلذلك قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي: إن له في الآخرة منازل الصالحين.
ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار﴾ [ص: 46 - 47]. يعني في الآخرة لم ينقصهم ما تفضل به عليهم في الدنيا من أجرهم في الآخرة شيئاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ أي: واذكر لوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة، وهي إتيان الذكور.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين﴾ أي: لم يتقدمكم أحد إلى إتيان الذكور.
قوله تعالى ذكره: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: تأتون الرجال في أدبارهم، وتقطعون الطريق على المسافرين.
روي أنهم كانوا يفعلون ذلك بمن يمر بهم من المسافرين، ومن يرِدُ ديارهم من

الغرباء، قاله ابن زيد.
روي أنهم كانوا - مع فسقهم - يقطعون الطريق ويقتلون ويأخذون الأمول حتى انقطعت الطريق فلا يسلكها أحد.
وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾.
روي عن عائشة أنه الفراط، يعني أنهم كانوا يتفارطون في مجالسهم.
" وروت أم هانئ أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ قال: " كانوا يَخْذِفون أهلَ الطريقِ ويَسْخَرُونَ منهم، فهوَ المنكر الذي كانوا يأتون "، وقاله عكرمة والسدي.

وقل مجاهد: المنكر هنا أنهم كانوا يجامع بعضهم بعضاً في المجالس.
وهو قول قتادة وابن زيد.
والحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع.
وروي ذلك عن ابن شهاب: " إنّ على مَنْ عمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرجم أُحْصِنَ أو لم يُحْصَن ". قال مالك: إذا شهدَ على الفاعل والمفعول به أربعة شهداء عدول رُجما، ولا يرجمان حتى يُرى كما يرى المِرْوَد في المِكحلة أُحْصِنَا أو لم يُحْصَنَا إذا كانا قد بلغا الحُلمَ.

وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ ". وقال عليّ بن أبي طالب: يحرق الفاعل والمفعول به في النار.
وروي أن أبا بكر شاور علياً في هذا فأمر بحرقها.
وفعل ابن الزبير مثل ذلك في أيامه، وفعله هشام ابن عبد الملك.
وقيل إنما فعلوا الحرق بعد القتل.

وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر برجمِهما " وأكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك " القتل لهما جميعاً " وفي بعض الحديث: " ومن وقَعَ على ذاتِ مَحْرَمٍ قاتلوهُ ". وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا علا الذّكرَ الذّكَرُ اهتزّ العرشُ وقالت السماوات: يا ربّ مُرْنا أن نَحْصِبَهُ، وقالتِ الأرضُ: يا ربِّ مُرْنَا نَبْتَلِعَهُ، فيقولُ:

دعوهُ فإنّ ممرَّهُ بي ووقوفَهُ بينَ يديَّ ". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله﴾ أي: ما جاوب لوطاً قومه لما نهاهم عن المنكر، وخوفهم من عذاب الله إلاّ أن قالوا: جئنا بعذاب الله الذي توعدنا به إن كنت صادقاً في قولك.
﴿قَالَ رَبِّ انصرني عَلَى القوم المفسدين﴾ أي: قال لوط مستغيثاً لما استعجله قومه بالعذاب: يا ربّ انصرني على القوم المفسدين/.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ أي: جاءته الملائكة من الله بالبشرى بإسحاق ومن ولده بيعقوب.
﴿قالوا إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية﴾ وهي: سدوم قرية قوم لوط.
﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ أي: ظالمين أنفسهم بمعصيتهم الله.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ أي: قال ذلك إبراهيم عليه السلام.
قال ابن عباس: فجادل إبراهيمُ الملائكة في قوم لوط عليه السلام أن يتركوا، فقال أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين أتتركون؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان، فقال إبراهيم: إن فيها لوطاً.

﴿فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين﴾ أي: من الباقين في العذاب.
وقيل: المعنى كانت من الذين أبقتهم الدهور والأيام وتطاولت أعمارهم، فإنها هالكة مع قوم لوط.
وحسن وصفها بلفظ المذكور، فقال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لما كانت مع الرجال، فجعل صفتها كصفتهم.
وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال للملائكة: إن كان فيهم مائة يكرهون هذا أتهلكونهم؟ قال: لا قال: فإن كان فيهم تسعون قالوا: لا، إلى أن بلغ إلى عشرين.
قال: إن فيها لوطاً.
قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها.
روي أنه كان في المدينة أربع مائة ألف.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه فرأى جمالهم وحسنهم فخاف عليهم من قومه، إذ قد علم أنهم كانوا يظلمون مثلهم في حسنهم وجمالهم فساؤوه بذلك.
قال قتادة: ساء ظنّه بقومه وضاق وبضيفه ذرعاً لما علم من حيث فعل قومه.
قال ابن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ألف، فلما رأت الرّسل غمّه

وخوفه عليهم من قومه، قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك ولا تحزن مما أخبرناك من أنا مهلكوهم، فإنا ننجيك وأهلك إلاّ امرأتك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ أي: عذاباً بفسقهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ أي: أبقينا فعلتنا بهم عبرة وعظة ظاهرة لقوم يعقلون عن الله حججه وتلك الآية: اندراس آثارهم ومعالمهم.
ونتبع الحجرة إياهم حيث كانوا.
ثم قال تعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي: وأرسلنا إلى مديَن أخاهم شعيْباً.
فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم إياه اليوم الآخر، أي: جزاء اليوم الآخر وهو يوم القيامة.
﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تكثروا الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى وإقامتكم عليها.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ أي: فكذب أهل مدين شعيباً فيما جاءهم به عن الله جلّ ذكره، فإخذهم العذاب، فأصبح بعضهم على بعض جثوماً موتاً في ديارهم.
قال قتادة: أرسل شعيب مرتين إلى أمتين، إلى أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكان شعيب من ولد مدين، وأهل مدين من ولده أيضاً، فلذلك قال: أخاهم، ولم

يكن بين شعيب وأصحاب الأيكة نسب فلذلك لم يقل أخاهم.
قال قتادة: جاثمين: ميتين.
وأصله المد والسكون وقطع الحركة.
ثم قال تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ نصب عاد وثمود عند الكسائي على العطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 3] وفتنا عاداً وثموداً.
وقال الزجاج: التقدير: وأهلكنا عاداً وثموداً.
وقال الطبري: التقدير: واذكر عاداً وثموداً، وقد تبيّن لكم من مساكنهم، يعني خرابها وخلاءها منهم.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسّنها لهم فتمادوا على كفرهم وتكذيبهم.
﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل﴾ أي: عن سبيل الله.
﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أي: في ضلالتهم، أي: معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى

وصواب، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة.
وقيل: المعنى: كانوا قد عرفوا الحق من الباطل.
فهو مثل قوله تعالى ذكره: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14].
قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾.
هذا معطوف على عاد على الاختلاف المتقدم.
﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ موسى بالبينات﴾ أي: الآيات الواضحات.
﴿فاستكبروا فِي الأرض﴾ أي: عن التصديق بالآيات.
﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين بأنفسهم، بل القدرة عليهم غالبة من الله.
ثم قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ أي: فأخذنا جميع هذه الأمم المذكورة بذنوبهم وأهلكناهم.
﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من سجيل والعرب تسمي الريح التي تحمل الحصى حاصباً.
وهم قوم لوط.
﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة﴾ قال ابن عباس: هم ثمود.
وقال قتادة هم قوم

شعيب.
﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض﴾ قال ابن عباس وقتادة: هو قارون.
﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال ابن عباس: هم قوم نوح.
وقال قتادة هم قوم فرعون.
﴿وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: وما كان الله ليهلك هذه الأمم بغير ذنب.
﴿ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بعبادتهم غير من ينعم عليهم ويرزقهم.
ثم قال تعالى: ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ أي مثل من اتخذ من دون الله آلهة في ضعف ما يرجون منها كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها اتخذت بيتاً ليُكِنّها، فلم يغن عنها شيئاً عند حاجتها، فكذلك هؤلاء الذين عبدوا الأوثان لتنفعهم عند حاجتهم إليها.
قال ابن عباس: هو مثلٌ ضربه الله لمن عبد غيره.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أضعف البيوت لبيت العنكبوت لو علموا ذلك يقيناً.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون﴾.
أي: يعلم حال ما تعبدون من دون الله أنه لا ينفعكم ولا يضركم، وأن مثله في

قلة غنائه عنكم مثل بيت العنكبوت في قلة غنائه عنها.
﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي: في انتقامه ممن كفر به.
﴿الحكيم﴾ في تدبيره.
و " من " في قوله: " من شيء " للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد بعد النفي لا نقلب المعنى.
فما ليست نفياً، وهي بمعنى الذي.
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: وتلك الأشباه والنظائر نضربها للناس، أي: نمثلها للناس وتحتج بها عليها.
﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ أي: وما يعقل الصواب لما ضرب له من الأمثال إلاّ العالمون بالله وآياته.
ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ الله السماوات وَالأَرْضَ بالحق﴾ أي: انفرد بخلق ذلك للحق.
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لعلامة وحجة على خلقه في توحيده وعبادته لمن آمن به.
ثم قال تعالى: ﴿اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: اقرأ يا محمد ما أنزل عليك من القرآن.
﴿وَأَقِمِ الصلاة﴾ أي: أدّها بفروضها وفي وقتها.
﴿إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الْفَحْشَآءِ والمنكر﴾.
قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله جلّ ذكره.
وقال ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلاّ بعداً من الله جلّ ذكره.

وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول ابن مسعود.
وهو قول قتادة وغيره.
وقيل: المعنى: إن الصلاة تنهى من كان فيها عن الفحشاء والمنكر فتحول بينه وبين ذلك لشغله بها.
وروي عن ابن عمر أنه قال: الصلاة هنا: القرآن.
قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ينهى عن الفحشاء والمنكر.
والفحشاء الزنى، والمنكر المعاصي.
ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ قال ابن عباس في معناه: ولذكر الله أكبر إذا ذكرتموه عندما أمركم به، ونهى عنه أكبر من ذكركم إياه.
وهو قول مجاهد وعكرمة وغيرهما.
وروي ذلك عن أبي الدرداء.
وقيل: المعنى: ولذكر الله إياكم أفضل من

ذكركم أياه.
وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: ولذكركم الله أفضل من كل شيء.
أي: ذكركم الله في الصلاة والدعاء وغير ذلك أفضل من الصلاة وسائر العبادات بلا ذكر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس يتحسَّرُ أهلُ الجنّة على شيءٍ إلاّ على ساعاتٍ مرّت بهم لم يذكُروا الله عز وجل فيها " وقال ثبت البُناني: " بلغني أن أهل ذكر الله يجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام مثل الجبال، وإنهم ليقومون منها عطلاً ما عليهم منها شيء ". وسئل سلمان عن أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن،

﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ لا شيءَ أفضل من ذكرِ الله.
وقالت أم الدرداء: إن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمتَ فهو من ذكر الله، وكل خير فعلته فهو من ذكر الله، وكل شيء تجنبته لله فهو من ذكر الله، وأفضل من ذلك تسبيح الله جلّ وعزّ.
وقال قتادة: ولذكر الله أكبر، لا شيء أكبر من ذكر الله.
وقيل: المعنى: ولذكر الله العبد في الصلاة أفضل من الصلاة.
قاله السدي.

وقيل: المعنى: والصلاة التي أنت فيها، وذكرى الله فيها أكبر مما نهتك الصلاة عنه من الفحشاء والمنكر.
وقيل: المعنى: ولذكر الله الفحشاء والمنكر كبير.
﴿والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: ما تفعلون في صلاتكم من إقامة حدودها وغير ذلك من ترككم الفحشاء والمنكر.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: لا تجادلوا أيها المؤمنون اليهود والنصارى إلاّ بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله والتنبيه على حججه.
﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ هذا بدل من " أهل "، ويجوز أن يكون استثناء.
والمعنى: إلاّ الذين امتنعوا من إعطاء الجزية ونصبوا دونها الحرب فلكم قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.
قاله مجاهد وغيره، وهو اختيار الطبري.

وقال ابن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، فلك أن تجادله بالسيف.
وقيل المعنى: لا تجادلوا من كفر منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبرونكم به من نص كتابهم إلاّ بالقول الجميل، وأن تقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم، إلاّ الذين ظلموا منهم.
يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأقاموا على كفرهم.
فالآية محكمة على هذا القول.
روي هذا القول عن ابن زيد.
وقال قتادة: هي منسوخة بالأمر بالقتال لأنها مكية.
وقال أبو هريرة: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبهم، وقولوا آمنّا بالَّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا.
. " الآية.

ومعنى: ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ أي: ظلموكم في منعهم الجزية ومحاربتكمم.
والكل ظالمون لأنفسهم بكفرهم من أدى الجزية ومن لم يؤد.
﴿وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ﴾ أي: معبودنا ومعبودكم واحد.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون ومتذللون بالطاعة له.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب﴾ أي: وكما أنزلنا الكتاب على من قبلك يا محمد، كذلك أنزلنا إليك الكتاب.
﴿فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: من كان من بني إسرائيل قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ وَمِنْ هؤلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يعني: الذين كانوا من أهل الكتاب على عهد النبي عليه السلام، منهم من لم يؤمن بما أنزل على محمد.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ أي: بأدلتنا وحججنا، ﴿إِلاَّ الكافرون﴾ أي: إلاّ الذين جحدوا نعمتنا بعد معرفتهم بها.
قال قتادة: إنما الجحود بعد المعرفة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل هذا الكتاب كتاباً آخر.
﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ أي: تكتبه، بل كنت أمياً لا علم عندك من ذلك حتى أنزل الله عليك الكتاب وعلمك ما لم تكن تعلم، ولو كنت تقرأ قبل ذلك كتابا وتخطّه بيمينك.
﴿إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون﴾ أي: لشكّ فيك من أجل ذلك القائلون إنه سجع

وإنه كهانة وأساطير الأولين، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وغيرهما.
وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي عليه السلام لا يخطّ بيمينه ولا يقرأ كتاباً، فنزلت هذه الآية.
قال مجاهد: ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون﴾ أي: إذاً لقالوا إنما هذا شيء تعلمه محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه، ويعني بالمبطلين: كفار قريش.
فكأنّ كونه لا يقرأ ولا يكتب، ثم أتاهم بأخبار الأنبياء، والأمم دليل على نبوته وأن ذلك/ من عند الله جل ذكره.
قوله تعالى ذكره: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم﴾ إلى قوله جلّ ذكره وثناؤه: ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾.
قال الحسن: معناه بل القرآن آيات ظاهرات في صدور المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقرأ قتادة: " أية بيّنة " بالتوحيد على معنى بل النبي بينة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب.

وفي حرف عبد الله " بل هو آيات " أي: بل آيات القرآن آيات بينات.
وقال ابن عباس والضحاك وابن جريج: كان الله جلّ ذكره أنزل بشأن محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعل لهم آية فقال: إن آية نبؤته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه.
والمعنى: بل العلم بأنه لا يقرأ ولا يكتب آيات بينات في صدور العالمين من أهل الكتاب.
وروي ذلك أيضاً عن قتادة.
وهو اختيار الطبري.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون﴾ أي: ما يجحد نبوة محمد وينكر العلم به إلاّ الذين ظلموما أنفسهم يكفرهم بالله ونبيه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾.
أي: وقال المشركون من قريش: هلاّ أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آيات من ربّه.
وهوقولهم: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى

تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً} إلى قوله: ﴿كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 90 - 93]. هذا على قراءة من جمع، ويؤكد الجمع أن بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾ فوجب أن يكون السؤال مثل الجواب، ويؤكده أيضاً أن الخط بالتاء.
فأما من قرأ آية، معناه: هلاّ أنزل على محمد آية تكون حجة علينا كالناقة لصالح، والمائدة لعيسى، ويؤكد التوحيد أجماعهم على التوحيد في يونس: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾.
وفي الرعد: ﴿آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾ أي: لا يقدر على الإتيان بها إلاّ الله.
﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم بأس الله وعذابه مبين لكم إنذاره.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوَ لم يكفِ هؤلاء القائلين لولا أنزل عليه من ربه من الآيات والحجج أنّا أنزلنا عليك الكتاب يقرأ عليهم.
﴿إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا الكتاب لرحمة للمؤمنين وذكرى يتذكرون به ويتعظون.
ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين استحسنوا أشياء من بعض كتاب أهل الكتاب.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي: قل يا محمد لهم: كفى الله بيننا شهيداً لأنه يعلم المحق من المبطل، ويعلم ما في السماوات والأرَ ولا يخفى عليه فيهما شيء.
ثم قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل﴾ أي: بالشرك.
﴿وَكَفَرُواْ بالله﴾ أي: جحدوا توحيد الله فعبدوا معه غيره.
﴿أولئك هُمُ الخاسرون﴾ أي: المغبونون في صفقتهم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب﴾ أي: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بالعذاب، وهو قولهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ إلى قوله " ﴿أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32].

﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ أي: لولا أن لهم وقتاً يستوفونه لجاءهم العذاب عاجلاً.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه.
هذا كله معنى قوله قتادة.
ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾ أي: محدقة بالكافرين ولم يبق لهم إلا دخولها.
قال عكرمة: هو البحر محيط بهم.
ثم قال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قال قتادة: في النار أي: جهنم محيطة بالكافرين في هذا اليوم.
فلا يوقف على " بالكافرين " على هذا التأويل.
ويجوز أن ينتصب على واذكر يوم يغشاهم فيبتدئ به على هذا القول.
﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء عملكم.
وأصل الذوق باللسان ولكن اتسع فيه فاستعمل في كل شيء يصل إلى البدن منه ألم أو لذة.

ثم قال تعالى: ﴿ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ أي: أنها لم تضق عليكم، فغيروا الموضع الذي لا يحل لكم فيه المقام، ولكن إذا عمل في مكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فأهربوا منها قاله ابن جبير.
وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا إن أرضي واسعة.
وقال مجاهد: إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا.
وقال ابن زيد: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين.
وقال مُطَرِّف بن الشِّخِّير: معناه إن رزقي لكم واسع، أي: فابتغوه في

الأرض.
وقيل: المعنى: ما خرج لكم من أرضي من الرزق واسع لكم.
وقيل: المعنى: إن أرض الجنة واسعة فأعبدوني حتى أعطيكموها.
وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فاعبدون﴾ أي: أخلصوا لي عبادتكم.
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ أي: أخلصوا لي العبادة فإنكم لا بد لكم من الموت والرجوع إليّ فأجازيكم على أعمالكم وإخلاصكم.
ثم قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً﴾.
أي: والذين صدقوا بكتبي ورسلي وعلموا الأعمال الصالحة لنسكننهم غرفاً جارية من تحتها الأنهار في الجنة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: دائمين فيها.
﴿نِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي: نعم الجزاء جزاء العاملين بطاعة الله الجنة.
ومن قرأ: لَنثوِيّنهم " فمعناه: لنعطينهم ولننزلنهم.

حكى الفراء: بوأته منزلاً وأثويته منزلاً بمعنى: وأصل الثواء الإقامة.
ومعنى: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ أي من تحت أشجارها.
ثم قال تعالى: ﴿الذين صَبَرُواْ﴾ أي: على أذى المشركين في الدنيا.
﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: في أرزاقهم وجهاد عدوهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هذا تعزية للمؤمنين المهاجرين الذين فارقوا أموالهم في الله، فقيل لهم: وكم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخره من اليوم إلى غد؟ الله يرزقها، فلا تخافوا أنتم عيلة ولا فقراً، فإن الله رازقكم.
﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ لأقوالكم: نخشى بفراقنا أَوْطَانَنَا الفقر والعيلة.
﴿العليم﴾ بما في أنفسكم وتصير إليه أموركم.
وليس يدخر من جميع الحيوان إلا الإنسان والنملة والفأرة.
وهو من الحمالة، أي: لا تحملم لنفسها رزقها، وليس هو من الحمل على الظهر ونحوه.

قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش، من ابتدع السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح الخلق؟ ليقولن الله.
﴿فأنى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فمن أين يصرفون عن عبادة من فعل ذلك بإقرارهم، فيعبدون معه من لم يخلق شيئاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً.
ثم قال تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيق على من يشاء منهم فلا تتخلفوا عن هجرة وجهاد عدوكم بخوفكم العيلة والفقر.
﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بمصالحكم فيوسع على من لا يصلحه إلا التوسع في الرزق، ويضيق على من لا يصلحه إلا لضيق في الرزق.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا﴾.
أي: ولئن: سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قريش عَنْ مَنْ نزّل من السماء مطراً فأحيا بذلك المطر الأرض بعد جدوبها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ الله﴾، فقل يا محمد: ﴿الحمد لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم وما لهم فيه الضرر.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هذه الحياة الدنيآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: ما يتمتع به هؤلاء المشركون في الدنيا إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم ينقضي ويضمحل عن قليل، فهو اللهو واللعب والزائل من ساعته.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان﴾ أي: لفيها الحياة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا أنقطاع له.
والحية والحيوان واحد، يقال نهر لاحيوان ونهر الحياة، وأصل الحيوان: الحييان ثم أبدلوا من إحدى الياءين واواً ومثله حيوة أصله حيية.
ثم أبدل.
ويقال حييت حياً كعييت عياً.
فالحي المصدر، والحيوان والحياة اسمان.
قال العجاج/: " وقد نَرَى الحياةُ حييّ ". يريد: إذِ الحياة حياة ". وقد قيل: إن الحيي جمع على فِعُول كعِصي.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ أي: فإذا ركب هؤلاء

المشركون في السفينة في البحر فخافوا الغرق والهلاك أخصلوا لله الدعاء، وتركوا آلهتهم التي يعبدون.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يعبدون مع الله غيره.
ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾.
أي: لما نجاهعم الله من الغرق إلى البَرِّ عبدوا غيره ليجحدوا نعمه عليهم.
فاللام لام كي لأنها شرط لقوله ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾.
هذه اللام لام الأمر، فمن كسر لم يعتد بالواو ووجعلها كالمبتدأ بها.
ومن أسكن أعتد بالواو.
ويحسن أن تكون عند من كسر، لام كي عطف على ﴿لِيَكْفُرُواْ﴾ والأحسن أن تكون لام أمن لأن الكلام فيه معنى التهديد، فالأمر به أولى ليكون وعيد وتهدد بعقبة وعيد وتهدد.
وأيضاً فإن تمتعهم بدنياهم ليس من شرط قوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ إذا لم يشركوا

ليتمتعوا، إنما أشركوا ليكفروا.
فأما من أسكن اللام، فلا يجوز إلا أن تكون لام أمر لأن لام كي لا تسكن، إذ قد حذف معها أن، فلا يحسن حذف حركتها، فيجتمع في الكلمة حذفان وفي حرف أبي: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾، بغير لام، فهذا يدل على التهدد والوعيد.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ أي: ألم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من النعم عليهم دون سائر الخلق إذ جعلنا بلدهم محرماً على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، يأمن فيه من سكنه وآوى إليه من السِّبَاءِ والخوف والجذام.

﴿وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي: ويستلب الناس من حولهم قتلاً وسبباً.
﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالشرك بالله يقرون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، أي: يجحدون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ أي: لا أحد أظلم ممن أختلف الكذب على الله، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي: منزلاً ومسكناً لمن كفر بالله وجحد نعمه عليه.
وهو تقرير وتوبيخ ووعيد.
ثم قال تعالى: ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا﴾ أي: والذين قاتلوا المشركين في نصر دين الله، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنوفقهم لاصابة الحق والطريق المستقيم، وهو الاسلام.
﴿وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين﴾ أي: من أحسن فجاهد أعداء الله.
ومع هنا حرف، ويجوز أن تكون اسماً، وهي إذا فتحت حسن أن تكون اسماً وحرفاً وإذا سكنت لم تكن إلا حرفاً.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الروم * في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ قد ذكر تقدم ذكر " ألَمَ ". قال الفراء: في قوله " غَلَبِهِمْ ": الأصل غَلَبَتِهِم ثم حذفت التاء كما حذفت من " وإِقَامِ الصّلوَاتِ " والأصل وإقامة الصلاة وهذا غلط عند البصريين لأن التاء في وإقامة عوض من الحذف الذي وقع في المصدر لأن أصله إِقْوَام مثل إكرام ثم أُعِلَّ وحذف، فدخلت التاء عوضاً من المحذوف.
وليس في غلبهم حذف فيجب أن يكون أصله التاء، يقال غلبته غَلَباً حكاه الأصمعي وغيره.

وسنين جَمعٌ مُسَلّم أتى فيما لا يعقل على الشذوذ.
وقيل: جعل له الجمع المسلم عوضاً عن مما حذف منه.
ويجوز أن يجعل الإعراب في النون كالمُكَسَّر.
والأول أكثر، وكسرت السين لتدل على أنه جمع على غير بابه وأصله.
والمحذوف من سنة واو، وقيل: المحذوف هاء.
والمعنى غلبت فارس الروم على بيت المقدس، والروم بعد غلب فارس لهم سيغلبون فارساً على بيت المقدس في بضع سنين.
وأدنى الأرض، أي في أدنى الأرض من أرض الشام إلى فارس.

وقرأ ابن عمر وأبو سعيد الخدري " غلبت " الروم بفتح الغين.
وسئل ابن عمر على أي: شيء غلبت؟ فقال: على ريف الشام.
والبِضْعُ عند قتادة أكثر من الثلاث ودون العشر.
وعند الأخفش/ والفراء من دون العشرة.
وعند أبي عبيد ما بين ثلاث إلى خمس.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل