الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 5088-5127
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 5088-5127
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومعاذة هذه أم خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها، وفي ذلك نزل: ﴿قَدْ سَمِعَ الله﴾ [المجادلة: 1] الآية.
ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء﴾ الآية.
وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك.
قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم.
وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي عليه السلام، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ذلك.

ومن قال: إن ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ندب، و ﴿وَآتُوهُمْ﴾ حتم، وقف على ﴿خَيْراً﴾ ثم ابتدأ بالحتم بعد / تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه لاختلاف معنييهما، وهذا قول الشافعي.
قال: المكاتبة: ندب، ويجير السيد أن يضع عن عبده من المكاتبة.
ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً: عنده الحتم.
ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضاً إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني أيضاً معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً الندب وهو مذهب مالك والثوري.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، من كسر الياء من ﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾.

فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: ﴿يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: 64] فأضاف الفعل إلى السورة، والبيان في الحقيقة إلى الله جل ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح الياء، فمعناه مفصلات، كما قال تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: 1]، ويدل على صحة قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: 118]، فهي الآن مبينة، فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: 118] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولاً بها والفاعل هو الله، لأنه تعالى بيّنها وأظهرها، والكسر يدل على أن الايات فاعلات أي بينات لكم الأحكام والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة بالكسر على ما ذكرنا فافهم.
والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات مفصلات أو موضحات، على ما تقدم من الفتح والكسر.

وقوله تعالى ذكره: ﴿مَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي مضوا قبلكم من الأمم.
﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي لمن اتقى الله فخاف عقابه.
قال تعالى: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾.
قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا فيها.
قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
وقيل: معناه: الله هادي أهل السماوات والأرض قاله ابن عباس ثم استأنف فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية، أي مثل هداه في قلب المؤمن كالكوة التي هي غير نافذة.
﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك المصباح في زجاجة، الزجاجة صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، الكوة التي هي غير نافذة أجمع للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح إذا كان في زجاجة كان أظهر

لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك أظهر للضياء، وإذا كان الزيت الذي فيها صافياً، كان أظهر وأكثر للضوء، فذلك كله مبالغة للضياء والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن.
ومعنى هذا القول مروي: عن ابن عباس فهو مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب المؤمن.
وعن ابن عباس أيضاً، وعن مجاهد: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، أي مدبرهما: شمسهما وقمرهما ونجومهما.
وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.

وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن وهو القرآن.
والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، مثل هداه وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح الموصوف بهذه الصفات.
وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره.
وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد عليه السلام والمعنى: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير.
فيكون المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد صلى الله عليه وسلم، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة.
﴿المصباح / فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني به الزهرة

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة ومحمد عليه السلام على ملته ودينة، فمنه استنار ثم مثل الله.
إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا أطيب، وأصفى وأضوى.
وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضاً فيما بعد إن شاء الله.
وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها.

وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نوراً.
وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب.
وقال ابن جبير والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها.
وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد عليه السلام.
قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب دري، شبه صدر النبي عليه السلام بالكوكب الدري، ثم

رجع في المصباح إلى قلبه فقال: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء﴾، أي يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم يتمسه نار ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾.
وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت.
وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان والزجاجة قلبه.
وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين.
هذا قول أبي بن كعب.
قال أبيّ: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره.
﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: فمثل ما استنار فيه من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي مثله كمثل شجرة التفت بها شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.
ثم قال تعالى: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾، فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة: إلى الجنة.
وقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل هدى الله في قلب المؤمن.

وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله والنور معنى الهدى.
وقيل: تعود على المؤمن.
وقيل: على محمد عليه السلام.
وقد مضى هذا.
قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان والقرآن من نوره، لكنه بنفسه فقال: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، أي بنوره يهتدي من في السماوات والأرض.
ثم قال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، يعني مثل نور المؤمن.
وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به.
وكان أبيّ يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن

عباس وغيره: الله هادي أهل السموات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم / والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نوراً ولا ضياء ولا من جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخاوقان لله جل ذكره، ومعنى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم.
وهذا يدل على أن معنى ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، أي هاديهن وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور بالمشكاة الموصوفة، والله لا يشبهه شيء، ولا يُشَبَّه بشيء، فنوره إنما هو هداه ودلالة خلقه إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما يعقلون من المشكاة فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد بزيت من شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده.

وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال قتادة: " لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى للزيت كأنه يقول: إن الشمس ى تفارقها ". وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا.
وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن، والمشكاة مثل الجوف.
وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها.
وقال ابن زيد: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، نور القرآن الذي أنزله الله على رسوله، فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو لا ينقص.
فهذا مثل ضربه الله لنوره.
وقال مجاهد: المشكاة القنديل.

وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قال أيضاً مجاهد: واختار الطبري أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في قلوب المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط التي لا تنفذ.
ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات.
ثم قال: ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني إن السراج الذي في المشكاة، في القنديل وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه،

واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: ﴿الزجاجة﴾ وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومعنى قراءة من قرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بالتشديد وضم الدال أنه نسبه إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر الكواكب كفضل الدر على سائر الحَبّ، ومن قرأ دِرئ بكسر الدال والمد والهمز جعله من إندرأ الحريق إذا اندفع.
وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا.
وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين.

وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له بالاندفاع لأنها كلها تندفع.
فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في الكلام.
فُعَيلٌ، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عني.
وأنكر هذا القول على أبي عبيدة لأِنه لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير والواو لا يكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان عتياً مصدراً فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري / إذا جعل أصله دروي ظرفاً فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين أنه فعيل كَمُريق، على أن مُريقاً أعجمي، فلا يجب أن يحتج به.
والكوكب الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة قال الضحاك.
ومن قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ على تفعل جعله فعلاً ماضياً خبراً عن المصباح.

وقيل، خبراً عن الكوكب.
ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلاً لم يسم فاعله راجعاً إلى المصباح.
ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلاً لم يسم فاعله مستقبلاً أيضاً راجعاً على الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به لعلم السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما كان الريح في اليوم جعل وصفاً لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام العرب.
وأنشد الفراء: " يومين غيمين، ويوماً شمساً " ... فجعل الغيمين وصفاً لليومين لأنهما في اليومين يكونان، فكذلك وصف الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون.

ومعنى قوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾، أي توقد من دهن شجرة.
وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾.
قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق.
وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه تمثل بالنور.
وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر في فجوة من ذلك فهي في ظل أبداً قد سترها ما حولها من الشجر.
وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: فلان لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا حامض أي لم

يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس المتقدم.
وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها وهذا موافق لمذهب ابن عباس أيضاً.
وعن مجاهد أنه قال: لا يُكنها جبل ولا وادي.
وقال قتادة: هي شجرة بارزة للمشس.
وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة.
وعن مجاهد أيضاً أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب عليها.
وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للمشس، لا يصيبها الظل فيقال لها شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية.
وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضاً قول ابن عباس

بعينه وهو قول عكرمة.
وقوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، قال الطبري: معناه أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها بعده.
وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء﴾ يعني أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر.
وقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، أي ولو لم يزدها الله بياناً ووضوحاً، فأنزل القرآن إليهم منبهاً لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم وذكرهم بآياته فزادهم حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك.
فذلك بيان من الله جل ذكره ونور على البيان.
وقوله: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ النور الأول النار، والثاني الزيت الذي يكاد يضيء من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد.
قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على خلقه يستضيئون به.

وقوله ﴿على نُورٍ﴾ يعني / الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن.
قال ابن زيد: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾، يضيء بعضه بعضاً يعني القرآن.
قوله: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن من يشاء من عباده.
ثم قال: ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال.
ثم قال: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نور المؤمن جاز له أن يقف على ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾، ومن قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح ﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، تمام، ﴿دُرِّيٌّ﴾ تمام ﴿تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تمام [للناس]، قطع.
و [عليم]،

تمام إن جعلت في " بيوت " متعلقاً بيسبح.
فإن جعلته على قول ابن زيد متعلقاً بقوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، لم تقف إلى ﴿عَلَيِمٌ﴾ وكذلك إن جعلته متعلقاً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وهو قول الطبري.
وكذلك إن جعلته حالاً مما تقدم لم تقف على ﴿عَلَيِمٌ﴾ وهو قول: أحمد بن يحيى.
وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف.
ذكره الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور محمد عليه السلام إذ كان مستودعاً في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ يعني قلب النبي، ضبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان.
﴿المصباح فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره ﴿الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان

والحكمة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني الزهرة.
﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب.
وقيل معنى ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم.
وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه.
والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها.
قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾.
أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت.
وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت.
وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾.
قال ابن عباس وأبو صاح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد.

قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها.
وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.
وقال عكرمة: هي البيوت كلها.
وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس.
وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد.
وروى ابن زيد / عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أحد يغدو أو يروح إلى

المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ". وقوله: ﴿أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾، قال مجاهد: ترفع: تبنى.
وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان.
وقول مجاهد أولى لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل﴾ [البقرة: 127]، أي يبنيان.
وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه.
قال ابن عباس: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ [البقرة: 114]، أي يتلى فيها كتابه.

ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة.
وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة.
قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال.
وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع.
وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله عز وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾.
كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى.

قال: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾، أي: لا يُشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء.
ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾.
وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره.
قال عطاء: ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة.
وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله.
في القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة.

وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾، إلى قوله: ﴿الأبصار﴾ قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل.
قال: ثم يحاسب سائر الناس ". وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: " هم الذين يضربون في

الأرض يبتغون من فضل الله.
ثم قال: ﴿وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة﴾ "، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها.
وإقام مصدر أقمت وأصله إقواماً، ثم قلبت الواو ألفاً، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاماً فدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قالم المضاف إليه مقام الهاء التي دخلت عوضاً من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم مقامها.
ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضاً من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء.
قال الشاعر: إن الخليط أَجَدُّوا البين فانجردوا ... واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا يريد عدة الأمر.

وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾ وقوله ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ [مريم: 55] وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة﴾ [مريم: 31]، وقوله: ﴿مَا زكى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: 21]، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: 164]، وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: 13]، هذا كله ونحوه عنده.
عني به الطاعة لله والإخلاص.
/ ثم قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار﴾، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عياناً ويقيناً، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقيناً، ويكشف عن الأبصار غظاؤها فتنظر الحق، ومثله ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]، وقيل: المعنى.
تتقلب فيه

القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة.
وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لَفْح.
وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [الأحزاب: 66]، وكما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 110]، أي: نقلبها في النار.
قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا،

ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله.
﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محسبة، ولا يوقف على ﴿الآصال﴾ لأن رجالاً مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف على ﴿الآصال﴾ لأن رجالاً عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال.
ومن رفع رجالاً على هذه القراءة بالابتداء، و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الخبر لم يقف على ﴿الآصال﴾.
قال تعالى: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب.
والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد

الحر.
وإذا أري من بعد ظن أنه ماء.
والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء.
وقوله ﴿بِقِيعَةٍ﴾ هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء.
وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب.
و ﴿يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً﴾، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئاً.
وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه.
حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى عمله لم يجده شيئاً يفعله إذا كان على كفر بالله.
ثم قال: ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ﴾، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على

عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه.
هذا معنى قول ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد.
فالضمير في لم يجده و ﴿جَآءَهُ﴾ للظمآن، والضمير في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر الذي ضرب الله مثلاً بالظمآن.
فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً.
وقوله ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه.

وقال ﴿سَرِيعُ الحساب﴾، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ [39]، إلى قوله (لَعِبْرَةً) (لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [42]. الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع / رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم.
وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله.
وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد،

وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه.
﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب.
﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة.
كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض.
قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان.
وقوله:

﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر.
وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه.
ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾،

نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع " سحاباً " و " ظلمات " وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول.
ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة.
رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا.
وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن

يراها، فهو لم يراها من شدة الظلمة.
وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يراها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: 48].
وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة.
ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة.
وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد.
وغيره يتأوله في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله.
قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ﴾،

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل