الهداية إلى بلوغ النهايةمريم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مريم

عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وهي لم تذنب، لأن الألم إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما تحرق النار الجلد ليصل الألم إلى الإنسان، وينعم ليصل النعيم إلى الإنسان، وليس بألم الجلد ولا اللحم وإنما يألم الإنسان، ألا ترى أنه لو مات وحرق الجلد واللحم لم يكن ألم ثابت يحس، وإنما بمنزلة الجندل إذا زالت الإنسانية منه.
وقيل: المعنى: بدلناهم جلوداً غير محرقة، أي يصير الجلد (غير) محرق، وهو كما تقول: صغ لي خاتماً من هذه الفضة، فإذا تم الخاتم فهو الفضة بعينها.
وقيل: المعنى: كلما نضجت سرابيلهم بدلوا سرابيل من قطران غيرها، فجعلت السرابيل لهم جلوداً لملازمتهم لها كما يقال: الشيء الخاص بالإنسان هو الجلدة ما بين عينيه لملازمته لها.
وقد أخبر الله بلباسه السرابيل من قطران فقال ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: 50] فأما جلودهم فليس تحرق لأن في احتراقها فناءها، وفي فنائها راحتها وجواز فناء غيرها من أجسامهم ولحومهم.
وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يخفف عنهم ولا يموتون.

والاختيار عند أهل النظر أن يكون الجلد الأول أعيد جديداً كما كان، كما تقول صغت من خاتمي خاتماً فأنت وإن غيرت المصوغة، فالفضة واحدة لم تبدلها.
قوله: ﴿لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ أي: فعلنا ذلك ليذوقوا العذاب أي: ألمه وشدته ﴿إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً﴾ أي: لم يزل عزيزاً في انتقامه لا يقدر على الامتناع منه أحد ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره وقضائه.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الآية.
المعنى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به وأدوا العمل الصالح فندخلهم يوم القيامة بساتين تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً أي: بغير نهاية ولا انقطاع ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي بريئا من الأدناس والريب والحيض والغائط والبول والمخاط، وغير ذلك من أقذار بني آدم ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ (أي): كثيفاً كما قال ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 32].
وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ". وقيل: معنى ﴿ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ أي: يظل من الحر والبرد وليس كذلك كل ظل

فأعلمهم الله تعالى أن ظل الجنة لا حر معه ولا برد.
قوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ الآية.
قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في ولاة أمور المسلمين.
قال مكحول في وقوله: ﴿وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾: هم أهل الآية التي قبلها في قوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾.
وقال ابن زيد: قال أبي: هم الولاة أمرهم الله عز وجل أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها.
وقال ابن جريج: خوطب بهذا النبي عليه السلام أن يرد مفاتيح الكعبة على عثمان بن طلحة كان المفتاح لآبائه من قصي، وكان أبوه قتل يوم بدر فورثه من أبيه

طلحة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا عثمان خذ المفاتيح على أن للعباد معك نصيباً، فأبى أن يأخذه حتى نزلت الآية، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشرك معه أحداً، فهو اليوم في ذريته الأمثال فالأمثال.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذها منه يوم فتح مكة، ففتح البيت ودخله، ثم خرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفاتيح ". وقيل: نزلت لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة من شيبة بن عثمان.
وروى أهل التفسير أن العباس عم النبي عليه السلام سأل النبي عليه السلام أن يجمع له السقاية والسدانة، وهي الحجابة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال: " يا رسول الله: اردد علي ما أخذت مني "، يعني مفاتيح الكعبة فرده صلى الله عليه وسلم على شيبة.
وقال الحسن: " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فقال: " أرنا المفتاح "، فلما أتاه به قال عباس: " يا رسول الله اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم

الآخر فأرني المفتاح ". فقال: هاك في أمانة الله عز وجل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففتح باب الكعبة، ثم دخل، فأفسدها ما كان في البيت من التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم فوضعه حيث وصعه، ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين، ونزل جبرئيل عليه السلام بالآية يأمره أن يرد المفتاح إلى أهله، فدعا عثمان فقال: هاك المفتاح إن الله يقول: " أدوا الأمانات إلى أهلها وقرأ الآية كلها ". وقال ابن عباس: الآية على العموم في كل من ائتمن على شيء فعليه رده إلى أهله.
واختار أهل النظر أن يكون خطاباً لولاة أمور المسلمين أن يؤدوا الأمانة.
يما ائتمنوا عليه من أمور المسلمين في أحكامهم والقضاء في حقوقهم بكتاب الله، والقسم بينهم بالسوية، ويدل على صحة ذلك أن الله تعالى أمر المسلمين بطاعتهم بعد ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ فحض الولاة على العدل والإنصاف بين المسلمين، وحض المسلمين على طاعة الولاة.
قوله: ﴿إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: نعمه العظيمة يعظكم بها يا ولاة أمور المسلمين، في أداء ما ائتمنتم عليه من أموال المسلمين ﴿إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً﴾ أي: لم يزل

سميعاً لما تقولون وتنطقون وتحكمون في رعيتكم ﴿بَصِيراً﴾ بما تعملون فيما أئتمنكم عليه من الحكم والإنصاف، لا يخفى عليه شيء من أفعالكم.
وهذا كان لولاة أمور المسلمين ومن قام مقامهم من الحكام، وقد حض على ذلك في غير موضع من كتابه فقال: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِي القربى﴾ [النحل: 90].
وقال: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ [ص: 26].
وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ [المائدة: 47]، ﴿فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ [المائدة: 47]، و ﴿فأولئك هُمُ الظالمون﴾ [المائدة: 45].
وقال: ﴿كُونُواْ قوامين بالقسط شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين﴾ [النساء: 135]. وقال صلى الله عليه وسلم " المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه - جلت عظمته - يمين هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وأموالهم ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أحب الناس إلى الله عز وجل وأقربهم إليه سبحانه وتعالى - إمام

عادل " وقال: " إن أبغض الناس إلى الله جل ذكره وأشدهم عذاباً إمام جائر " وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل عباد الله منزلة إمام عادل رقيق، وإن شر عباد الله تعالى منزلة يوم القيامة إمام جائر ". وقال معقل المزني عند موته: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس من ولي أمة قَلت أوكثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله على وجهه في النار".
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما من أمير عشرة إلا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". وقال - صلى الله عليه وسلم -: " سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام مقسط، وشاب نشأ في عبادة الله - عز وجل - حتى توفاه الله على ذلك، ورجل ذكر الله في خلا، ففاضت عيناه من خشية الله - عز وجل -، ورجل كان قلبه متعلقاً بالمسجد حين يخرج منه حتى يرجع إليه، ورجل قال أحدهما للآخر: إني أحبك في الله، وقال الآخر: إني أحبك في الله، فتصادرا على ذلك، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فى خطبته: "اصحاب الجنه ثلاثة: ذو سلطان مقسط ,ومصدق مؤمن , ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذى قربى ومسلم , ورجل عفيف فقير.
قال ابن مسعود, إذا كان الإمام عادلا فله الأجر , وعليكم الشكر وإذا كان جائرا فعليه الوزر وعليكم الصبر.
وقال بعض الحكماء انفع من خصب الزمان.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله.
. .﴾ الآية.
أي: دوموا على طاعته ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ في سنته، وما أتاكم به ﴿وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ﴾ أي: ولاة أموركم، وهم الأمراء، قال ذلك أبو هريرة، وابن عباس وغيرهما.
وقيل: هم أصحاب السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال زيد بن زيد أسلم: هم السلاطين.
وقال جابر بن عبد الله " هم أهل العلم والفقه والخير، قاله مجاهد وقتادة، وأبو العالية، وروي عن ابن عباس مثله وقاله عطاء، ولذلك قيل، إن الأمر في هذا: القرآن: فمعناه: وأولي القرآن، وأولي العلم بالقرآن، ودل على أن الأمر: القرآن

قوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: 5].
وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية.
وروي عن مجاهد أنه قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال عكرمة: هم أبو بكر وعمر.
واختار أهل النظر أن يكون المراد أمراء مسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: " سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم ". قال صلى الله عليه وسلم: " على المرء المسلم الطاعة ". وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هذاتهم وولاتهم " والهداة العلماء العاملون بعلمهم.
قوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله﴾ الآية.

المعنى: إن اختلفتم في شيء من أمور دينكم فردوه إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، وحكمه.
وقيل: المعنى إن اختلفتم في شيء فقولوا: الله أعلم، على التغليظ في الاختلاف والنهي عنه، قوله: ﴿ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي هذا الفعل خير لكم في دنياكم وأخراكم، وأحسن عاقبة، لأنه يدعوكم إلى الإلفة وترك الاختلاف والتنازع، والفرقة.
وقال مجاهد ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾: أحسن جزاء.
وقيل: أحسن ثواباً وخير عاقبة.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُو﴾ الآية: معناه ألم تعلم بقلبك الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك من الكتاب، وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به: أي: بما جاء به الطاغوت.
والطاغوت كل ما عبد من دون الله عز وجل فهو جماعة، وهو يذكر ويؤنث، فإذا ذُكِّر ذهب به إلى [معنى] الشيطان وإذا أُنِّث ذُهب [به] إلى معنى الألوهية، وإذا جمع ذهب به إلى [معنى] الأصنام.

قال الله في التذكير: ﴿وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ فذكر على معنى الشيطان، وقيل: هو كعب بن الأشرف.
قال الله جل ذكره: ﴿اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: 17] فأنث على معنى الألوهية.
وقال في الجمع: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: 257] فجمع على معنى: أوليلؤهم الأصنام.
قوله: ﴿يُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ﴾ أن يضلهم أي: يضل هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن الحق أي: يصدهم عنه.
وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما، فكان المنافق يدعوه إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، واصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن جهينة ليحكم بينهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فأنزل الله هذه الآية فقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني به المنافق ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني به اليهود ﴿يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت﴾ وهو الكاهن ﴿وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ أمر هذا في كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن.
وقيل: إنهما رجلان من اليهود تخاصما فدعا أحدهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم والآخر يدعو إلى الكاهن فمضيا، فأنزل الله هذه الآية.

وقال ابن عباس: كانت اليهود إذا دعيت إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أبوا، وقالوا: بل نتخاصم إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ضَلاَلاً﴾ مصدر لفعل دل عليه ﴿يُضِلَّهُمْ﴾ كأنه فيضلهم ﴿ضَلاَلاً﴾ مثل: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17].
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول﴾ هذا ذم لفعل المذكورين أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، فأخبر الله تعالى أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله " أي: إلى كتابه جلت عظمته وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ﴾ أي: يمتنعون عنك.
و ﴿صُدُوداً﴾: هو اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر عنده الصد، وهو مصدر عند الكوفيين، والصد أيضاً مصدر عندهم.
ووقع الإخبار عن المنافق بالصد لأنه هو الذي دعا إلى الكاهن، ولم يمض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن جريج: دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: " دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق: بيني وبينك الكاهن، فلم يرض اليهودي بالكاهن، ومضيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم لليهودي على

المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، وقال: بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، فقال: بيني وبينك عمر، فمضيا إلى عمر فأخبره اليهودي أن المنافق قد حكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر فلم يرض بحكمهما، فقال عمر للمنفق: كذلك؟: قال: نعم، قال عمر اصبر، فإن لي حاجة ادخل فأقضيها وأخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج إلى المنافق فضاربه بالسيف فقتله، فجاء أهله فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن قصته فقال عمر: رد حكمك يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت الفاروق ". ومعنى: يصدون عنك أي: عن حكمك.
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَآ أصابتهم مُّصِيبَةٌ﴾ الآية.
معنى: كيف في هذا: الاستفهام، ولها معان أخرى.
تكون بمعنى التحذير، والتخويف نحو قوله ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: 51].
وتكون بمعنى الجحود فتتبعها إلى نحو قوله ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله﴾ [التوبة: 7] ألا ترى بعده ﴿إِلاَّ الذين﴾ [التوبة: 7] تقديره ما يكون للمشركين عهد.
وتكون كيف استفهام بمعنى التوبيخ والتعجب، نحو قوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أمواتا﴾ [البقرة: 28] ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله﴾ [آل عمران: 101] وتكون تنبيهاً نحو قوله:

﴿انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ [الإسراء: 21]، ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الإسراء: 48].
وتكون توكيداً لما قبلها، وتحقيقاً له، نحو قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] فهذا كله من تفسير الكوفيين النحويين وهو صحيح.
والمعنى كيف يكون حال هؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ويزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ويمتنعون أن يأتوا حكمك إذا أصابتهم مصيبة أي: نزلت بهم نقمة من الله تعالى ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بذنوبهم التي تلفت منهم ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ حالفين بالله ﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إحسانا وَتَوْفِيقاً﴾.
أخبر الله عنهم أنهم لا يردعهم عن النفاق: والعبر والنقمات وأنهم إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم أخذوا يحلفون كاذبين أنا لم نرد إلا الإحسان والتوفيق أي: لم نرد باحتكامنا إلى الكاهن إلا الإحسان من بعضنا البعض، ولم يرجعوا إلى التوبة والاعتراف.
وقيل: أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر القتيل الذي قتله عمر وحلفوا، أنا أردنا بطلب الدم إلا إحساناً وموافقة الحق.

قوله: ﴿أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يعلم ما أضمروا من احتكامهم إلى الكاهن، وتركهم الاحتكام إلى كتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو يعلم ذلك منهم، وإن حلفوا أنا أردنا إلا الإحسان والتوفيق ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (أي): فدعوهم ولا تعاقبهم في أبدانهم ولكن ﴿عِظْهُمْ﴾ بالتخويف من الله عز وجل أن تحل بهم عقوبة منه ﴿وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ هذا التوعد بالقتل لمن خالف حكم الله وكفر به.
وقيل: قوله ﴿في أَنْفُسِهِمْ﴾ مؤخر عن موضعه يراد به التقديم، فكيف إذا أصابتهم مصيبة في أنفسهم بما قدمت أيديهم.
وكونه في غير موضعه من غير تقديم ولا تأخير، أحسن لتمام المعنى بذلك، إنما يحسن تقدير التقديم والتأخير إذا لم يكمل معنى الآية، وتقدير التقديم والتأخير مروي عن مجاهد.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ الآية.
المعنى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ رسولاً إلا افترضنا طاعته على أمر من أرسل إليهم، فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليهم فهذا توبيخ لمن احتكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: ﴿بِإِذْنِ الله﴾ أي: بعلمه، فدل هذا، أن هؤلاء الذين لم يتحاكموا إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا طاعته إنما ذلك لشيء سبق في علم الله عز وجل، فطاعته تكون ممن سبق في علم الله أنه يطيعه، وكذلك خلافه.
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظلموا أَنْفُسَهُمْ﴾ لو أن هؤلاء المنافقين إذ تحاكموا إلى الكاهن، فظلموا أنفسهم بذلك ﴿جَآءُوكَ﴾ تائبين مستغفرين مما فعلوا، فسألت الله العفو عن جرمهم ﴿لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ ومعنى تواباً راجعاً عما يكرهون إلى ما يحبون، رحيماً بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم.
قوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
المعنى في قوله: ﴿فَلاَ﴾ أي: ليس الأمر على ما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك، ثم استأنف القسم فقال: ﴿وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وربك يا محمد، لا يؤمنون أي: لا يصدقون بالله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، أي: يحكمونك حَكَماً بينهم في خصوماتهم.
وقرأ أبو السمأل: ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ بإسكان الجيم وهو بعيد لخفة الفتحة.
قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: ضيقاً من حكمك أي لا تأثم أنفسهم بإنكارها حكمك، وشكها في طاعتك لأن الحرج الإثم، وكأنه قال: ثم لا

تحرج أنفسهم بإنكارها حكمك، قال: معنى ذلك مجاهد والضحاك.
وقيل: الحرج: الشك وكله يرجع إ'لى الإثم.
﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ أي: يسلموا لحكمك إقراراً بنبوتك.
ويروى أن هذه الآية نزلت في الزبير بن العوام وخصم له، " ذكر عن الزبير أنه خاصم رجلاً من الأنصار وهو حاطب بن أبي بلتعة في شريج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر، وكانت أرضه أسفل من أرض الزبير فأبى عليه، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك.
فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا زبير اسق، ثم تحبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعب رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم وكان

أولاً أراد النبي صلى الله عليه وسلم الرفوت والسعة لهما فنزلت الآية ". وقيل: نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تقدم ذكرهما قاله مجاهد وغيره، وهو أولى بسياق الكلام.
قال الطبري: ولا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع فيكون حكم المتحاكمين إلى الطاغوت، وحكم الزبير وخصمه.
ومن قال إنها في الزبير وخصمه ما زالت أحسن الوقف على ما [قبل الآية، ومن قال: إنها في اليهود والمنافق ما زالت، فليس الوقوف على ما] قبلها بتمام، لأن القصة واحدة.
وروي " أنها نزلت في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الذي له الخق: يا ابن الخطاب قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك، قال: كذلك؟ قال: نعم! قال عمر: مكانكما حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فاراً إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: " ما كنت أطن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن "! فأنزل الله عز وجل: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية ". قوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ديارهم ما فعل ذلك إلا قليل منهم.
ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضاً كما أمر أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى منا سبعون ألفاً، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ وقيل: " إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قيل: هو أبو بكر رضي الله عنهـ لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ".

ومعنى ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى.
وقال السدي: وأشد تثبيتاً أي تصديقاً.
قوله: ﴿وَإِذاً لأتيناهم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً﴾ المعنى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، ﴿وَإِذاً لأتيناهم مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً﴾، أي ثواباً في الآخرة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق الجنة.
قولهم: ﴿وَمَن يُطِعِ الله والرسو﴾ الآية.
المعنى من يطع الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم بتسليم لأمرهما والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم لأنبيائه، وأهل طاعته في الآخرة ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ أي: وحسن الأنبياء ومن معهم رفيقاً.
و ﴿رَفِيقاً﴾ منصوب على الحال عند الأخفش، بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: نصبه على التفسير، وقال بعض البصريين نصبه على التمييز.
والصديقون: أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، صدقوهم فهو فعيل من الصدق وقد كثر ذلك عنه.

وقيل: هو فعيل من الصدقة كأنه (كثر) ذلك منه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حكاية أنه قال: " الصديقون المتصدقون ". وفعيل أصله المبالغة في ذم أو مدح.
﴿والشهدآء﴾ جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل لله [شهد لله عز وجل بالحق، فسمي شهيداً لذلك.
وقيل: سمي شهيداً لأنه يشهد كرامة الله] سبحانه وقيل: لأنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، وقيل: هم الذين قاموا وشهدوا لله بالحق.
ويقال: الشهداء عدول يوم القيامة.
﴿والصالحين﴾ كل من صلحت سريرته وعلانيته.
﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ في الجنة.
والرزق لفظه لفظ واحد وهو في معنى الجمع.
ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم حزنوا على فقد النبي صلى الله عليه وسلم حذر ألا يروه في الآخرة، فأخبرهم الله عز وجل أن من أطاعه، وأطاع رسوله مع النبيين في الجنة.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل