محمد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
على المتعمد وأتت السنة بما على المخطيء.
(قال أبو محمد): (وإيجاب الجزاء على المخطئ) يحتاج إلى نظر، وقد أفردنا لذلك كتاباً لاتساع الكلام في ذلك، إذ ظاهر النص يعطي ألا شيء على المخطئ، وإيجاب الجزاء على المخطئ [أولى] لدخوله تحت عموم الابتلاء في قوله ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله﴾ [المائدة: 94]، ولدخوله تحت عموم النهي في قوله: ﴿لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، ولدخوله تحت عموم التحريم في قوله / ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96]، ولأنه عمل أهل المدينة، ولِمَا قال ابن شهاب: إنه السنة.
ومعنى ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم﴾ هو (أن ينظر) إلى أشبه الأشياء به، فيجزيه
(به) ويهديه إلى الكعبة.
فمن أصاب نعامة فعليه بَدَنَة، وفي بيض النعامة عُشر ثَمن البدنة، هذا قول مالك، كما يكون في جنين الحرة (غُرَّةٌ: عَبْدٌ أو) وليدة، وقيمة الغرة خمسون ديناراً وذلك عُشر دية الأم.
وفي الظبي شاة.
وفي الأرنب - عند مالك - قيمتها من طعام، وكذلك ما أشبه الأرنب، مثل اليربوع وشبهه، مثل الضب: فإن شاء أطعم كل مسكين مداً، وإن شاء صام لكل مُدٍّ يَوْماً، هو بالخيار.
وفي الحَمَام - عند مالك شاة.
وفي حمام الحِلّ حكومة عند مالك، وليس كحمام الحرم، وكره مالك أن يذبح الأهلي وهو محرم.
وعلى كل واحد من الجماعة - إذا اشتركوا في قتل صيد - جزاء عند مالك.
وصيد الحرم حرام على الحلال عند جميع العلماء.
ورخص مالك في إدخال الصيد من الحل إلى الحرم.
ومنعه غيره، وكرهه ناس.
وإذا نتف المحرمُ من الطيرِ ما يَضُرُّ به ويخاف منه هلاكه، فعليه جزاؤه تامّاً عند مالك.
وإذا أحرم وفي يده صيد فعليه أن يرسله.
ويأكل المحرم لحم
الصيد إلا ما اصطيد من أجله (عند مالك، فإن أكل منه وقد صيد من أجله) فعليه جزاء ذلك الصيد عند مالك.
وكفارة الصيد في قتل الصيد ككفارة الحر.
ولا يكون الجزاء إلا بمنى أو بمكة.
ويحكم في الجزاء عدلان يجتهدان.
ولا يحكمان في ذلك من الإبل والبقر والغنم إلا بما يجوز في الضحايا.
وإذا اختلفَ الحكمان في الجزاء، ابتدأ الحكم غيرهما.
ولهما أن يحكما بغير أمر الإمام، وله أن يرجع إلى غيرهما.
وعلى من قتل صيد الجزاء أن يكفر بإطعام مساكين، أو يصوم لكل مُدٍّ يَوْماً، فللحكمين أن يُقوِّما الجزاء بطعام، فإن شاء أتى بالجزاء، وإن شاء أطعم الطعام: مداً لكل مسكين، وهو قوله ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وإن شاء صام عن كلّ مُدٍّ يَوْماً، وهو قوله: ﴿أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً﴾، هو مخير في ذلك.
ولا يطعم بعضاً ويصوم بعضاً، بل يطعم الكل أو يصوم عن الكل.
وقيل: يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهو قول من قال: يعطي
الطعام، نصف صاع لكل مسكين.
والعَدْل: المِثْلُ، والعِدْلُ (نصف) الحمل.
وقال الكسائي: هما لغتان في المثل.
وقرأ طلحة بن مصرف والجحدري: ﴿أَو عَدْلُ﴾ بالكسر، وأنكر ذلك جماعة من أهل اللغة، لأن العِدل (نصف) الحمل.
وقال الكسائي: عَدل الشيء: مثله من غير جنسه، وعِدله: مثله من جنسه.
وقوله: ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَف﴾ أي: عفا لكم عما سلف لكم في جاهليتكم من قتل الصيد وأنتم حرم، ولكن من عاد فقتله - وهو محرم - فالله ينتقم منه في الآخرة وعليه الكفارة.
وقد ذكر ابن عباس أن المعنى: من عاد مرة أخرى فقتل متعمداً، فلا حكم عليه، والله (ينتقم منه)، ومن عاد خطأ حكم عليه.
وقال عكرمة: لا يحكم عليه، ذلك إلى الله.
وقيل: المعنى عفا (الله) لكم عن قتلكم الصيد قبل تحريمه عليكم، ومن عاد لقتله بعد تحريمه عليه.
عالماً بقتله وبِإِحْرامِه، فالله ينتقم منه، ولا كفارة عليه.
﴿والله عَزِيزٌ﴾ / (أي): ممتنع، ﴿ذُو انتقام﴾ أي: ذو عقوبة لمن عصاه.
قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ﴾ الآية.
المعنى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ - وأنتم حرم - ﴿صَيْدُ البحر﴾ وهو حيتانه.
و ﴿مَتَاعاً﴾ مصدر، والمعنى: متعتم به متاعاً، لأن المعنى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾: متعتم بصيد البحر متاعاً.
وكل نهر تسميه العرب بحراً، فالأنهار صيدها داخل في هذا، حلال بإجماع.
ومعنى ﴿وَطَعَامُهُ﴾ (أي): ما قُذِفَ ميتاً.
وقيل: طعامه ما كلن مملحاً، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وقيل: طعامه ما جاء به الموج.
وقيل: صيده أن يصطادوه، وطعامه أن يأكلوه، فذلك حلال لهم، وهذا قول حسن، أباح الله الصيد واللحم.
وقرأ ابن عباس: (وطُعْمُهُ) بضم الطاء من غير ألف.
ولم يرَ في الحوت يُطرح في النار حياً بأساً.
وكرهه غيره.
ودواب
البحر كلها - مثل الحيتان حلال للمحرم، وتؤكل الميتة منها.
ولم يُجز جماعة أكل خنزير الماء وإنسان الماء للمحرم ولغيره.
وليس في شيء يخرج من البحر ذكاة.
وليس طير الماء من صيد البحر، (لأنها تعيش) في البر.
قوله: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ﴾: (أي منفعة لكم)، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: يأكل منها السيارةُ في أسفارهم، وهو المملح.
قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ أي: حرم الله عليكم أن تصطادوا من البر ما
دمتم محرمين.
وأجاز قوم للمحرم أن يشتري الصيد المذبوح من ماله، لأن النهي إنما وقع على صيده.
﴿واتقوا الله﴾ أي: احذروه فيما أمركم به، فإنه إليه تحشرون فيثيبكم بأعمالكم.
قوله: ﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام﴾ الآية.
إنما سميت الكعبة كعبة لتربيعها، قاله عكرمة ومجاهد.
وقيل: لتربيع أعلاها.
ومعنى ﴿قياما﴾ أي: جعلها بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عن ظلم بعضهم بعضاً، وقيل: جعلها مصالح لأمورهم، كالرئيس الذي يصلح أمر من يتبعه، وكذلك ﴿الهدي والقلائد﴾ جعل ذلك أيضاً قياماً للناس.
والناس - هنا -: مَن كان في الجاهلية، كان الرجل لا يخاف إذا دخل في الحرَم
ولو لَقِي من قتل أباه أو أخاه، لم يخف الفاعل في الحرَم، وإذا لَقِي الهدي لم يَعرِضْ له القاطع ولا الجائع، وكان الرجل إذا أراد الحج تقلد بقلادة من شعر، وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يعرض له ولا يؤذى حتى يصل (إلى) أهله.
وقيل: الناس هنا: جميع الناس.
قال ابن عباس: قياماً لدينهم ومَعْلَماً لحجهم.
قال ابن زيد: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع عن بعضهم (ظلم بعض)، فجعل الله لهم البيت الحرام قياماً، يدفع بعضهم عن بعض، وكذلك الشهر الحرام لا يؤذى أحد في الحرم، ولا في الشهر الحرام وإنْ كان ذا جناية، وهذا (كله منسوخ) بالحدود (و) بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، لا يمنع الحرم من الاقتصاص من جان، ولا من إقامة حد على من وجب عليه الحد، وهذا إجماع.
وقيل ﴿قياما﴾ يأتمون بها ويقومون بشرائعها.
وقيل: (معنى) ﴿قياما لِّلنَّاسِ﴾: أي: بالحج يَسْلَمُون من استعجال العقوبات.
قال بعض العلماء لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما أنظِروا.
/ قوله: ﴿ذلك لتعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ الآية.
(ذلك) إشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام﴾ الآية، فالمعنى: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما تحدثون وما تصنعون، كما يعلم ما في السموات و ﴿مَا فِي الأرض﴾، ولتعلموا أن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم.
قال المبرد: كانت الجاهلية تعظم البيت الحرام و ﴿الأشهر الحرم﴾، كانوا يُسَمُّون رجباً: الاصم "، لأنه (لا) يسمع فيه وقع السلاح، فأعلم الله ما يكون منهم من إغارة بعضهم على بعض، فألهمهم (الله) ألا يقاتلوا في الأشهر الحرم، ولا
عند البيت الحرام ولا مَن كان معه القلائد، ثم أعلمهم أن الذي ألهمهم هذا يعلم ما السماوات وما في الأرض.
وفي تكرير الاسم في قوله: ﴿وَأَنَّ الله﴾، ولم يقل: " وأنه "، معنى التعظيم.
قال: ﴿اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ الآية تخويفاً، والمعنى: اعلموا - أيها الناس - أن الله شديد العقاب لمن عصاه، وأنه غفور لذنوب من أطاعه، أي: ساتر لها، رحيم (به).
قوله: ﴿مَّا عَلَى الرسول﴾ الآية.
هذه الآية تحذير من الله لعباده ووعيد، والمعنى: ليس على الرسول إلا أن يبلغ الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، ثم إلى الله فعل الثواب بمن أطاع، والعقاب بمن عصى، ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: غير خفي عليه ما تبدون من طاعته ومعصيته، وما تخفون من ذلك.
وقيل: هذا مردود إلى قوله: ﴿مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41]، وأخبر (الله) تعالى أنه يعلم ما يبدون من ظاهر الإيمان وما يكتمون من الكفر.
قوله: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد: لا يعتدل الصالح والطالح ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث﴾ أي: لو كثر أهل المعاصي، فإن أهل الطاعة - وإن قَلُّوا - هم أهل رضوان الله.
و ﴿الخبيث﴾: المشركون، والطيب: المؤمنون.
وهذا خطاب للنبي عليه السلام، (و) يراد به أمته، ودل على ذلك قوله: ﴿فاتقوا الله يا أولي الألباب﴾ أي: فاتقوه فيما أمركم يا أولي العقول واحذروا أن يستفزكم الشيطان بإعجابكم بكثرة المشركين، وتضعف نيتكم بقلة المؤمنين، فإن المؤمن لا يستوي مع المشرك.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية.
هذه الآية: نزلت في سبب أقوام سألوا النبي مسائل امتحاناً له، فيقول له بعضهم: (من أبي)؟، ويقول بعضهم إذا ضَلَّت ناقته: أين ناقتي؟، فنهى الله عن ذلك.
قال أنس: " سأل الناس النبي حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم وقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينتُ لكم.
فألقى الناس ثيابهم على رؤوسهم يبكون، فأنشأ رجل كان إذا لاحى دعي بغير أبيه - فقال: يا رسول الله، من أبي؟، قال: حذافة، فقام عمر فقبّل رِجلَ رسول الله فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، أعوذ بالله من شر الفتن.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما والذي
نفسي بيده: لقد صُوِّرَت مثل (النار والجنة) آنفاً في عُرض هذا الحائط، فلم (أر كاليوم) في الخير والشر.
قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة له: ما رأيت ولداً أعقَّ منك قط!، أكنت تأمن أن تكون أمُّك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟، فقال: والله لو ألحقني بعبد / أسود للحقته ".
وقال أبو هريرة: " خرج رسول الله صلى الله عليه - وهو غضبان - حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل (فقال): أين أنا؟ فقال: في النار.
و (قام آخر فقال): من أبي؟، قال: (أبوك) حذافة.
فقام عمر (وقال): رضينا بالله رباً
وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فنزلت هذه الآية ". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: " لما نزلت هذه الآية ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟، فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟، فسكت، ثم قال: لا ولو قلت " نعم " لوجب، فأنزل (الله) الآية ". وروي أنه قال " لما كرر عليه السؤال: والذي نفسي بيده، لو قلت: " نعم " لوجبت، (ولو وجبت) عليكم، ما أطعتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية ". وروي عنه أنه قال: " لو قلت " (نعم) " لوجبت، و (لو وجبت) ثم تركتم،
لهلكتم، أسكتوا ما سكتَّ عنكم، فإنما هَلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله الآية ". وهذه القصة فيها ثلاثة فصول من النظم مختلفة: فمن قوله: ﴿يا أيها﴾ إلى قوله: ﴿تَسُؤْكُمْ﴾: نهى عن السؤال للنبي فيما لا يعنيهم، فهذا فصل.
- والثاني: قوله: ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا﴾ إلى ﴿لَكُمْ﴾، والمعنى: وإن تسألوا عن أشياء أُخَر - غير الأول - تظهر لكم، (لأن) الله قد نهاهم عن السؤال، فكيف (يبيح لهم) ذلك؟ إنما تقديره: وإن تسألوا عن غيرها حين ينزل القرآن تظهر لكم، فيكون الكلام فصلاً ثانياً (مبيناً على حذف) المضاف وهو " غير "، إذ قد امتنع أن يقول لهم: لا تسألوا عن ذلك، وإن تسألوا عنه حين ينزل القرآن يظهر
لكم، فلما امتنع هذا لم يكن بد من تقدير حذف.
والفصل الثالث: قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾
فهذا سؤال لغير شيء، والسؤال الأول والثاني إنما هما سؤال عن الشيء: ما هو؟ وكيف هو؟، سؤال عن حال.
وعن ابن عباس أنهم سألوا عن البحيرة (والسائبة) والوصيلة والحامي، فأنزل الله الآية ينهى عن السؤال، قال: ألا ترى أن بعده ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: 103] الآية، فهو جواب لمن سأل عنه.
قوله: ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ﴾.
أي: ولكن [إن تسألوا] عنها إذ أنزل القرآن بها، فإنها تظهر لكم، قال تعالى:
﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] فنهاهم أن يسألوا عما لم يُنْزِلْ به كتاباً ولا وحياً.
قوله: ﴿عَفَا الله عَنْهَا﴾ أي: ما لم يكن مذكوراً في حلال ولا حرام، فهو شيء عفا الله عنه، فلا تبحثوا عنه، فإنما هي أشياء حرَّمها الله فلا تنتهكوها، وأشياء أحلها فلا تحرموها، وأشياء عفا عنها وسكت عنها، فلا تبحثوا عنها، فلعلها إن ظَهَر لكم حكمها ساءكم ذلك، وإن سألتم عنها إذا نزل القرآن بها ظهرت لكم.
﴿والله غَفُورٌ﴾ أي: ساتر لذنوبكم، ﴿حَلِيمٌ﴾ عما ترتكبون من مخالفته.
ثم أخبر أن قوماً سألوا عنها من قبلنا، فلما فرض عليهم، وبيّن لهم ما سألوا عنه وأعطوا ذلك، كفروا به، وذلك كقوم صالح الذين سألوا الناقة، وقوم عيسى الذين سألوا المائدة فكفروا لما نزلت.
وقيل: المعنى: أنها نزلت فيما سئل النبي بمكة من قولهم: اجعل لنا الصفا ذهباً، فلم يلتفت إلى قولهم صلى الله عليه، فكفروا.
قوله: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ [وَلاَ سَآئِبَةٍ﴾ الآية.
أي: ما حرم الله ذلك.
وقيل: المعنى: ما بحر الله بحيرة]، ولا وصل وصيلة ولا / سيب سائبة، ولا حمى حامياً، ولكن الكافرين اخترقوا ذلك.
وقد تعلق قوم من الجهلة القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً﴾ [الزخرف: 3] أنه بمعنى فعلناه، أي: خلقناه، وهذه الآية تظهر جهلهم، وهو قوله: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ﴾، فإن كان " جعلنا " بمعنى " خلقنا " قد نفى عن نفسه هنا الجعل، فمن خلقها؟ (أَثَمَّ) خالق غير الله؟ ويدل على فساد قولهم: قوله تعالى:
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين﴾ [القصص: 5]، فإن كان " جعل " بمعنى " خلق " فلم يكن القوم إذاً موجودين.
وقد أخبر عنهم أنهم استضعفوا في الأرض، وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: 124]، فيجب على قولهم أن يكون إبراهيم غير مخلوق في ذلك الوقت وقال: ﴿وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: 37] فواجب - على قولهم - أن يكون قد ميز الخبيث من الطيب وهو غير موجود، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات﴾ [النحل: 57] حكاية عن الكفار، (وتراهم) أيها الجهلة القدرية خلقوهم (هم)، إنما سموهم، ويلزمهم أن يكون القرآن خلق مرتين لقوله: ﴿الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، وقوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف: 3]، وهذا أكثر من أن يحصى.
والجعل يكون بمعنى التعبير والوصف والتسمية، وقد يكون بمعنى الخلق بدلالةٍ تدل عليه، نحو قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: 189] أي: وخلق، لكن إذا كانت " جعل " بمعنى " خلق " لم تتعد إلا على مفعول واحد.
(و) روى زيد بن أسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قد عرفت أول من بحر البحيرة، (و) هو رجل من بني مُدْلج، كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرم ألبانهما (وظهورهما وقال: هاتان لله: ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما) وركب ظهورهما، قال: فلقد رَأيتُه في النار، يُؤذي أهل النار (ريحُ قُصبِه) ".
والبحيرة: " فَعِيلة " بمعنى " مفعولة "، وهي الناقة المشقوقة الأذن، يقال: بحرت أذن الناقة.
والسائبة: " فاعلة " بمعنى " مَفعِلة "، كما قيل: راضية بمعنى مَرْضِية، وهي
المُخَلاَّة من المواشي، كانت الجاهلية تفعله ببعض المواشي، فيُحرِّم الانتفاع به على نفسه.
وأما الوصيلة: فإن الأنثى من نعمهم كانت - في الجاهلية - إذا أتت بذكر وأنثى، قيل: " قد وصلت أخاها "، أي: منعته من الذبح، فسموها وصيلة.
وأما الحامي: فهو الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب والانتفاع بسبب تتابع أولاد [تَحدُث] في فِحْلَتِه.
وقال قتادة: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظر إلى البطن الخامس، فإن كان ذكراً أكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء، وإن
كانت أنثى بحروا أذنها - أي: شقوها - وتركت، فلا يشرب لها لبن ولا [تركب]، وكانوا يسيّبون ما شاءوا من أموالهم، فلا يُمنع من ماء ولا كلأ، ولا ينتفع به.
وكانت الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى البطن السابع، فإن كان ذكراً ذبح، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة أكله الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت، وإن (كانت ذكراً) وأنثى، قيل: وصلت أخاها فمنعته من الذبح.
وكان الحامي هو الفحل إذا ركب من ولده عشرة، / قيل: حمى ظهره، فلا يركب ولا ينتفع به ويطلق.
ويقال: إن الناقة كانت إذا (تتابعت باثنتي عَشْرَةَ أنثى) ليس فيهن ذكر، سيبت فلم يركب ظهرها، ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها، فما نتجت - بعد ذلك - من أنثى شقَّ أذنها وخلاّها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، كما (فعل)
بأمها، فهي البحيرة ابنة السائبة.
والوصيلة: هي الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت وصيلة، وقالوا: وصلت، فما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله: الذكور والإناث منهم.
والحامي: هو الفحل إذا نتج (له) عشر إناث متتابعات، ليس بينهن ذكر، حمى ظهره فلم يركب ولم يجز وبره ويخلى في إبله يضرب فيها ولا ينتفع به لغير ذلك.
فنفى الله جل ذكره عن نفسه أن يكون سمى شيئاً من ذلك أو صيّره كذلك، فقال: ﴿ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب﴾ أي: يخترقونه.
و ﴿الذين كَفَرُواْ﴾: هم اليهود، والذين ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾: أهل الأوثان.