الواقعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان من خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاماً يولد في قريتك هذه، يقال له " إبراهيم "، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، في وقت كذا يولد.
فلما كان ذلك الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم بحبلها لِما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاماً في ذلك الوقت) إلا ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلاًَ إلى مغارة، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده حياً يمص أصابعه جعل الله له رزقاً فيها.
وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر
كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت غلاماً فمات.
فصدقها فلما بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: أخرجيني أنظر.
فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: " إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله " غيره ". ثم نظر إلى السماء فرأى كوكباً، ﴿قَالَ هذا رَبِّي﴾، ثم اتبعه ينظر إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، ﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾ أي: الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس.
ثم أتى إبراهيم أباه آزره وأخبرته (أمه به) فَسُرَّ (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: " من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ " فلا يشتريها منه
أحد.
فإذا بارت عليه مضى بها إبراهيم إلى نهر، فصوَّب (فيه) رؤوسها وقال: (اشربي)، استهزاء بقومه، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من غير أن يبلغ ذلك نمرود.
وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئاً من ذلك حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) (جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب والقمر والشمس أضوأُ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فَتَركُ عبادة الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلاً بباطل على طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم.
قال إبراهيم بن عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا يجادلونه، فأراهم من خلق الله / تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: " هذا ربي "، لو كان رباً يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما تعبدون.
فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا غلب عليه ضوء النهار، والمعبود لا يكون مغلوباً.
وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان.
وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها نحو " أم " ونحوها.
وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ [إبراهيم: 35]، وبقوله: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: 84]، أي: سليم من الشرك.
وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: (لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: 27، القصص: 62، 74، فصلت: 47] المعنى: أين شركائي على قولكم).
ويجوز أن يكون المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: " هذا ربي "، ثم حذف القول، كما قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: 24] أي: يقولون: سلام (عليكم).
ومعنى ﴿بَازِغاً﴾: طالعاً، وهو نصب على الحال.
وكذلك ﴿بَازِغَةً﴾.
وذكر ﴿الشمس﴾ في قوله: ﴿هذا رَبِّي﴾، على معنى: " هذا البازغ ربي "، أو " هذا الشيء
ربي "، أو " هذه النور ربي "، أو " هذا الطالع ربي ".
قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ (لِلَّذِي)﴾ الآية.
هذا خبر عما قال إبراهيم بعد أن أوقفهم على نقص الكوكب والشمس والقمر في الأفول، فقال الحق ولم يبال بخلافهم، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: قصدت في عبادتي: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ﴾ (أي خلق) السماوات والأرض ﴿حَنِيفاً﴾ أي: مائلا إلى ربي، وما أنا مشرك مثلكم.
قوله: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ (قَالَ أتحاجواني فِي الله)﴾ الآية.
المعنى: وجادل إبراهيم قَومُه في الله، فقال لهم إبراهيم عليه السلام: أتحاجوني في توحيد الله وقد هداني للإيمان به، وإخلاص العمل له، ولست أخاف ما تشركون به أن ينالني بسوء ومكروه.
والهاء للضم، (وهو (ما)).
وقيل: الهاء لله جل ذكره، يعني أصنامهم، وذلك أنهم قالوا له: إنَّا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء: من مرض أو خَبْلٍ لِسَبِّك لها.
ثم قال لهم: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ أي: إن أراد أن يصيبني بسوء " أو خير "، فهو لاحقي لا شك.
ووجه حذف النون من ﴿أتحاجواني﴾ أنه استثقل التشديد فحذفت النون الزائدة [لا] التي للإعراب، قال سيبويه: حذفت لكراهة التضعيف.
وقال (أبو) عبيدة: حذفت كراهة الجمع بين ساكنين.
وقد أنكر أبو عمرو الحذف وقال: هو لحن، لأنه تأول أن المحذوف النون التي للإعراب.
والمحذوف عند سيبويه والخليل النون الزائدة.
قوله: ﴿وَسِعَ [رَبِّي] كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي: [وسع] علم ربي كل شيء، فلا يخفى عليه شيء، وليس كآلهتكم التي لا تنفع ولا تضر، ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تعقلون أنها لا
تنفع ولا تضر.
قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ الآية.
هذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه بآلهتهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ [أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ]﴾ أي: كيف أرهب أصنامكم التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم لا تخافون إذا أشركتم بمن خلقكم ورزقكم، وهو قادر على ضركم ونفعكم، أشركتم به ما ليس معكم في عبادته حجة ولا برهان /، ﴿فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن﴾ من العذاب؟:
مَن آمن برب واحد يضر ويَنْفَعَ، أو مَن آمن بأرباب كثيرة لا تضر ولا تنفع، ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صدق ما أقول لكم.
قوله: ﴿الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية.
يجوز أن يكون من قول إبراهيم، ويجوز أن يكون مستأنفاً من قول الله، فصل " الله " بين إبراهيم وقومه، فأخبر لمن الأمن.
والحجة التي أوتي إبراهيم هو قوله: ﴿فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن﴾ [الأنعام: 81].
ومعنى: ﴿وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوه بشرك، ولما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي، فقال لهم النبي: ليس الأمر كما تظنون، لهو كما قال لقمان: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءاتيناهآ إبراهيم (على قَوْمِهِ)﴾ الآية.
﴿تِلْكَ﴾: إشارة قول إبراهيم لقومه: ﴿فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 81].
وقيل: إنهم قالوا " له ": إنّا نخاف أن تُخَبِّلك آلهتنا لسبك لها، فقال لهم: أفلا تخافون أنتم منها - إذ سوَّيتم بين الصغير والكبير منها، والذكر والانثى - أن تخبلكم، ثم قال لهم: أمن يعبد إلهاً واحداً يضر وينفع أحقُّ بالأمن، " أم " من يعبد آلهة كثيرة لا تضر ولا تنفع؟، فهذه حجته التي آتاه الله على قومه ولقنه إياها.
وفي الكلام حذف والمعنى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، فرفعنا درجته عليهم: ﴿نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَآءُ﴾، وهذا كله تنبيه لمحمد في الحجة على أمته، وتنبيه له على التأسي بمن قبله من الأنبياء.
﴿على قَوْمِهِ﴾: وقف حسن.
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية.
قوله: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ عطف على " كل "، أي: وهدينا داوود.
وقيل: هو عطف ﴿إِسْحَاقَ﴾ أي: وهبنا له داوود.
وقيل: هو عطف على ﴿وَنُوحاً﴾.
والهاء في ﴿[ذُرِّيَّتِهِ]﴾: تعود على (إبراهيم).
وقيل: على " نوح "، وهو قول الطبري، قال: لأن في سياق الكلام المعطوف ﴿لُوطاً﴾، ولوط لم يكن من ذرية إبراهيم، إنما هو من ذرية نوح، فالمعنى: وهدينا نوحاً من قبل إبراهيم، وهدينا من ذرية نوح داود ومن بعده.
﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾: وقف حسن، ﴿وَإِلْيَاسَ﴾: أيضاً وقف عند أبي حاتم، ولا يحسن عند غيره، لأن بعده ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف عليه.
واختلف " الناس " في ﴿إِلْيَاسَ﴾: فقيل: " هو " من ذرية هارون أخي موسى، بينهما ثلاثة آباء.
وقال ابن مسعود: إلياس هو إدريس.
وإدريس جد نوح، بينهما أربعة آباء.
فمحال أن يُنْسَب إلى نوح وهو جده الأعلى، والذي عليه " أهل " الأنساب: أن إلياس غير إدريس.
و ﴿اليسع﴾: اسم أعجمي، جرى على غير قياس.
وقد قال أبو عمرو:
إنما هو " يَسَعُ " ثم أدخلت الألف واللام عليه، وليس بفعل، ولو كان فعلاً لم يجز إدخال الألف واللام عليه، (ألا ترى) أنهم أدخلوها على " يزيد " إذ هو اسم، فقالوا: " اليزيد "، كما قالوا: " الوليد "، وأنشد الفراء:
وَجَدْنا الوْليدَ بْنَ الْيَزيد.
(مُبارَكاً، ... ورد الكسائي هذه القراءة، وقال: لا تجوز، كما لا يجوز " اليحيى ")، وهذا لا يلزم، لأنا لو نكّرنا " يحيى " لأدخلنا عليه الالف واللام، والعرب تقول: / " اليعملة ".
ومن قرأ (الَّليْسَع) فأصله " ليسع "، مثل: ضيغم وزينب، ثم دخلت
الألف واللام للتعريف.
وأنكر " أبو " حاتم هذه القراءة، وقال: (لا يوجد) " ليسع ". وهذا لا يلزم، لأنه مثل: " ضيغم " و " زينب ".
واختار الطبري أن يكون بلام واحدة، لأنه أعجمي، وقد تواترت الأخبار بهذا الاسم بهذا اللفظ، وقال: ولم يُحفظ عن أحد من أهل العلم أنَّ اسمه " ليسع "، (إنما قالوا: اسمه " اليسع ").
قال زيد بن أسلم: كان يوشع بن نون خليفة موسى في قومه، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، فشكر الله له ذلك، و [نبّأه].
بعد موسى في بني إسرائيل، وسماه " اليسع " بلسان العرب.
قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل - وهو يعقوب - إلا عشرة: نوح وهود ولوط وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل " وإسحاق " وعيسى ومحمد.
قوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ الآية.
المعنى: وهدينا من آباء هؤلاء المذكورين، ومن ذرياتهم، ومن إخوانهم)،
أي: بعض ذلك، ﴿واجتبيناهم﴾ أي: أَخْلَصْنَاهم، ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: سدّدناهم وأرشدناهم إلى طريق الحق، وهو الإسلام.
وهو مشتق من " جَبَيْتُ الماءَ في الحوض: إذا جمعته ".
قوله: ﴿ذلك هُدَى الله﴾ الآية.
أي ذلك الهدى الذي هُدِي به هؤلاء ﴿ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: أي: يوفق به من يشاء، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ﴾ أي: " لو " أشرك هؤلاء الأنبياء لذهب عنهم جزاء أعمالهم، لأن الله لا يقبل مع الشرك عملاً.
قوله: ﴿أولئك الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ الآية.
المعنى: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء هم الذين أعطوا الكتاب، يعني صحف إبراهيم وموسى، وزبور داوود، وإنجيل عيسى، ﴿والحكم﴾ يعني: الفهم بالكتاب.
قال مجاهد: ﴿الحكم﴾: اللب.
وقوله: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء﴾ أي: بالآيات التي أنزلت عليك يا محمد، يريد القرآن، (هؤلاء) " أي " مَن بحضرتك من المشركين.
وقيل: الإشارة إلى قريش، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني الأنصار:
قال قتادة: ﴿هؤلاء﴾: إشارة إلى أهل مكة، والقوم الذين ليسوا بالآيات بكافرين: أهل المدينة، وكذلك قال الضحاك والسدي، وروي عن ابن عباس ذلك.
وقال: (أبو رجاء): ﴿قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾: الملائكة.
وعن قتادة قال: هم الأنبياء المذكورون، فهم ثمانية عشر.
وأكثرهم قال: الإشارة في هؤلاء لكفار قريش.
قوله تعالى: ﴿أولئك الذين هَدَى الله﴾ الآية.
المعنى: أن ﴿أولئك﴾ إشارة إلى من تقدم ذكره من النبيين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهداهم، ويسلك طريقهم، والاقتداء: الاتباع.
والمراد: اتّباعهم على ما كانوا عليه من الإسلام والتوحيد، لا ما كانوا عليه من الشرائع، لأن شرائعهم كانت مختلفة، وغير جائز أن يؤمر النبي باتباع " شرائع " مختلفة، ولا يمكن ذلك، لأن ما حرم " عليهم " في شريعة نبي، أُحِلَّ في شريعة نبي آخر، فكيف يَقْدِر النبي صلى الله عليه وسلم على اتباع ذلك؟، والعمل بالشيء وضده - في حال هذا - لا يمكن ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48] فهذا هو الصحيح، ليست الآية في الاقتداء بشرائعهم لاختلافها، إنما الآية في الاقتداء بهم فيما لم يختلفوا فيه، وهو التوحيد ودين الإسلام.
وأما الشرائع فقد اختلفوا فيها بأمر الله " لهم " بذلك وفَرضِه على كل واحد ما شاء.
وأكثر النحويين " على " تلحين " من كسر الهاء من ﴿اقتده﴾ وهي قراءة ابن عامر، إلا ما قال أحمد بن محمد بن عرفة: إنه يجوز أن تكسر على التشبيه بهاء الإضمار، كما جاز إسكان هاء الإضمار على التشبيه بهاء السكت.
وقال بعض النحويين: من كسر الهاء، يجوز أن تكون الهاء لغير السكت، وأن تكون للمصدر، كأنه: " فبهداهم (اقتد الاقتداء) "، " قال ": ويجوز أن تكون كناية عن الهدى، والمعنى: فبهداهم اقتد " هداهم "، على التكرير للتأكيد.
والوقف على هذه الهاء أسلم، وهو الاختيار عند أكثر النحويين، لأنه تمام، ولأنه إنما جيء بها للوقف.
ثم قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا أسألكم على تذكيري إياكم أجراً " ولا " عوضاً، إن القرآن الذي جئتكم به ﴿إِلاَّ ذكرى لِلْعَالَمِينَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
المعنى: وما عظموا الله حق عظمته ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾.
وقيل: المعنى: وما عرفوه حق معرفته.
والذي قال ذلك هو " رجل من اليهود، جاء يخاصم النبي، فقال له النبي: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟، وكان الرجل حبراً سميناً، فغضب اليهودي وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء!، فقال له: أصحابه: ويحك، ولا على موسى؟.
فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء!، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية ".
وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً يحملها من عند الله؟، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء﴾ [النساء: 153] الآية، ثم ﴿قَالُواْ مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾، فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية، ثم قال الله لنبيه محتجا عليهم:
﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى " نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ "﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ الله﴾.
وقيل: إن هذا خبر عن مشركي العرب أنكروا أن يكون الله أنزل على أحد كتاباً.
وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ هم يهود أخفوا من التوراة ما أرادوا، وأبدوا ما أرادوا.
واختيار الطبري أن يكون ذلك خطاباً لقريش، لأنه في سياق الحديث عنهم، ولأن اليهود لم يَجْرِ لهم ذكر.
قال مجاهد: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ هو خطاب لمشركي العرب، ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ إخبار عن اليهود، ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تعلموا أَنتُمْ وَلاَءَابَآؤُكُمْ﴾ للمسلمين.
فمن قرأ بالياء في (يجعلونه) و (يبدون) و (يخفون)، رَدَّهُ على الناس.
ومن قرأ بالتاء، فعلى المخاطبة لليهود، والمعنى: علمتم علماً فلم يكن لكم علم لتضييعكم إياه، ولا لآبائكم لتضييعهم إياه، لأن من عَلِمَ شيئاً وضيّعه، فليس له علم.
ويجوز أن يكون المعنى: وعلمتم علماً لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على الامتنان عليهم بإنزال التوراة عليهم، والأول: قول أهل التفسير.
﴿وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ وقف على قراءة من قرأ بالياء في ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ وما بعده، ﴿وَلاَءَابَآؤُكُمْ﴾ تمام عند نافع، ﴿قُلِ الله﴾ التمام عند الفراء، لأن المعنى عنده: قل الله عَلَّمَكُم.
وقيل: المعنى: قل يا محمد: الله أنزله، ولا جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ﴾ أي: دعهم في باطلهم، وهذا تهديد من الله لهم.
قوله: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية.
المعنى: وهذا القرآن - يا محمد - كتاب، - ومعنى الكتاب هنا -: مكتوب - أنزلناه إليك مباركاً، ﴿مُّصَدِّقُ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: يصدق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى﴾ أي: لتنذر عذاب الله وبأسه أم القرى.
وأم القرى: مكة، (ومن حولها): شرقاً وغرباً.
وسميت: ﴿أُمَّ القرى﴾، لأن الأرض دُحيت منها، أي: بُسِطَت.
وقيل: سميت بذلك، لأن فيها أول بيت وضع للناس.
وقيل: سميت بذلك لأنها تُقصد من كل قرية.
ومن قرأ (وليَنذِرَ) رَدَّهُ على (الكتاب)، ومن قرأ بالتاء فعلى المخاطبة
للنبي عليه السلام.
وقوله: ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾ أي: يصدقون بالبعث، ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بهذا الكتاب والهاء في (به) للقرآن، وقيل: لمحمد.
وقيل: إنه لما نزل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: 14]، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أكُتبْها، فكذلك نُزِّلَت عليّ.
قوله: ﴿وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: على الصلوات التي افترضها الله.
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ الآية.
قوله: وَ (مَن) قال في موضع جر، عطفٌ على (مَن) الأولى.
المعنى: ومن أخطأُ قولاً ممن اختلق على الله الكذب، فادَّعى أنه بعثه نبياً.
وهذا تسفيه من الله عز وجل لمشركي العرب في معارضة عبد الله بن أبي سرح ومسيلمة للنبي، ادعى أحدهما النبوة، وادعى الآخر أنه جاء بمثل ما جاء به النبي.
فالَّذي قال: ﴿أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾ هو مسيلمة الكذاب، والذي قال: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله﴾ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان عبد الله هذا قد كتب للنبي، فكان يملي عليه (عزيزٌ حكيمٌ) فيكتب (غفورٌ رحيمٌ)، وقال: قد أنزل " عليّ " مثل الذي أنزل على محمد، قد كتبتُ ما لم يُمْل عليَّ.
وكان يقرأ على النبي ما يكتب، فيقول له النبي: نعم سواء.
وقيل: إنه لمّا نزل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، فقال ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: 14]، فقال له النبي: أكتُبها، فكذلك نُزِّلَت عليّ.
فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وأخبرهم بما كان يصنع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في الذي يكتب: نعم سواء.
ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة.
وفيه نزل: ﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل: 106].
وقيل: إن قائل القولين هو عبد الله هذا.
وقيل: هو مسيلمة.
وقال ابن عباس: الذي افترى على الله كذباً هو مسيلمة، والذي قال: " سأنزل مثل ما أنزل الله " هو عبد الله بن أبي سرح.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت﴾ / أي: لو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين المفترين على الله الكذب وقد قرب
" فناء " آجالهم، والملائكة قد بسطت أيديها، يضربون وجوههم وأدبارهم.
قال ابن عباس: البسط هنا: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم.
وقال الضحاك: بسطت الملائكة أيديها بالعذاب.
وقيل المعنى: (باسِطو أَيْديهم) لإخراج أنفسهم
﴿أخرجوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من العذاب، أي: خلصوها اليوم.
قوله: ﴿اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون﴾ أي: عذاب جهنم، وهو عذاب الهوان، وهذا إخبار من الملائكة للكفار " بما " يصيرون إليه في الآخرة.
والهون - بالضم -: الهوان، والهَوْن بالفتح: الرفق والدَّعَة، تقول: " هُوَ هَوْنُ الْمؤوَنه "، ومنه قوله: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] يعني بالرفق والسكينة.
قال أبو أمامة: يقبضون [روح الكافر] ويعدونه بالنار ويشدد عليه وإن رأيتم أنه (يُهّون عليه، ويقبضون روح المؤمن ويعدونه بالجنة ويهون عليه وإن رأيتم) " أنه " يُشَّدد عليه.
قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ الموت﴾ ليس يوقف، لأن ما بعده في موضع الحال.
و ﴿مِثْلَ مَآ أَنَزلَ الله﴾: وقف حسن.
﴿أَيْدِيهِمْ﴾: وقف، ﴿غَيْرَ الحق﴾ وقف عند نافع، ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تمام حسن، لأنه آخر قول الملائكة.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى﴾ الآية.
قرأ أبو حَيْوَةَ ﴿فرادى﴾ بالتنوين، وهي لغة تميم، ويقولون في الرفع " فُرادٌ " وحكى أحمد بن يحيى " فُرادُ " بغير تنوين مثل " رُباع ".
قال القتبي: ﴿فرادى﴾ جمع فَرْدٍ، كأنه جمع على " فَرْدان "، ثم جمع على " فرادى "، ككَسْلان وكُسالى.
وقال الطبري: واحد ﴿فرادى﴾: " فَرَدٌ "، بالفتح.
ومن قرأ (بَيْنَكم) بالنصب، فمعناه: لقد تقطع (الأمر بينكم) والسبب بينكم، ونصبه على الظرف.
ومن رفع، جعله غيرَ ظرف، بمعنى الوَصْل، تقديره: لقد تقطع وصلُكم.
ومعنى الآية: أنها خبر من الله عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء المشركين، يقول لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى﴾ أي: وُحداناً لا مال معكم، ولا أثاث، ولا شيء مما كان الله خَوَّلَكُم في الدنيا.
ومعنى ﴿كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: قيل: منفردين لا شيء لكم، وقيل: عراة.
وروي " أن عائشة رضي الله عنها قرأت هذه الآية فقالت: يا رسول الله، واسوأتاه إن الرجال (والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، لا ينظر الرجال) إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعض عن بعض ".
ومعنى ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: في الدنيا، ﴿مَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ﴾ أي: ليس نرى معكم مَن كنتم تزعمون أنهم (لكم شفعاء) عند ربكم يوم القيامة.
وكان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الآلهة، لأنها تشفع لهم عند الله، و [إنها] شركاء له.
قال عكرمة: قال النضر بن [الحارث]: " سوف تشفع لي اللات والعزى "، فنزلت هذه الآية.
قوله: ﴿إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى﴾ الآية.
معنى الآية: أنها تنبيه لهؤلاء المشركين على قدرة الله، وأن ما يعبدون لا يقدر على ذلك.
ومعنى فَلْقِه الحبَّ والنوى: يريد به النبات، فلق الحبة عن السنبلة، والنوى عن النخلة.
وقال الضحاك: معنى ﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ خالقهما، وروي ذلك عن ابن عباس.
وقيل: معنى ذلك أنه هو الذي جعل الشق في النواة وفي الحبة، قال مجاهد: هما (الشقان اللّذان) فيهما.
واختيار الطبري أن يكون المعنى: فلقهما للنبات، لأنه أتبع ذلك بقوله: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾، (فخروج الحي من الميت) كخروج النبات عن الحب والنوى، قال: ولا يعرف في اللغة " فلق " بمعنى خلق.
وقوله: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ معناه: يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج " الحب " الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي.
والعرب تسمي النبات والشجر ما دام لم يَيْبَس " حياً "، فإذا يبس وجف سمي " ميتاً ". فتقديره: يخرج النبات الأخضر الغض من الحبة اليابسة، ويخرج اليابس من الأخضر الغض.
وقال ابن عباس في معنى ذلك: يخرج النطفة الميتة من الحي، ويخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة.
﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: من أين تُصْرَفون عن الحق ولا تتدبرون.
قوله: ﴿فَالِقُ (الإصباح) وَجَعَلَ الليل سَكَناً﴾ الآية.
قرأ الحسن: (فالِقُ الأَصباح) بفتح الهمزة، " و " جعله جمع صبح.
وقرأ النخعي ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ بالنصب في (الإصباح) وكسر الهمزة، يقدر حذف التنوين لالتقاء الساكنين، كأنه " قال " فالق الإصباح، فالإصباح: مفعول به، لكن حذف التنوين لسكونه وسكون اللام.
ومعنى ﴿فَالِقُ الإصباح﴾: مضيء الصبح عن سواد الليل.
﴿وَجَعَلَ الليل سَكَناً﴾ أي: يَسْكُن فيه كل مُتحرك، ويستقر فيه كل متصرف.
قوله ﴿والشمس والقمر حُسْبَاناً﴾ أي: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب.
قال ابن عباس: يعني عدد الأيام والشهور والسنين.
وقال قتادة: ﴿حُسْبَاناً﴾: ضياء.
والحسبان - بضم الحاء - " و " الحِساب بكسر الحاء: جمع حسبانة، وهي الوسادة الصغيرة.
قال الأخفش: " حُسبان " جمع " حساب ": كشهبان وشهاب.
وقال يعقوب: حسبان: مصدر " حَسِبْت الشيء حُسباناً "، والحساب: الاسم.
﴿ذلك تَقْدِيرُ العزيز﴾ أي: هذا الفعل الذي فعله الله: تقدير عزيز عليم، أي: عزيز في سلطانه، وعليم بمصالح خلقه.
قوله: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم﴾ الآية.
المعنى: والله " الذي " جعل لكم النجوم أيها المشركون به، جعلها أدلة في ظلمات البر والبحر لكم إذا ضللتم وتحيرتم ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات﴾ أي: " قد " بيناها لِتَفْقَهوها وتعلموا أن الله مدبر ذلك كله، فلا تعبدوا غيره.
قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ واحدة﴾ الآية.
المعنى: والله الذي قد تركتم عبادته هُوَ الذي أنشأكم من نفس واحدة، وهو آدم.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي في الرحم، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: في الصلب.
وعن ابن مسعود: المستودع: المكان الذي يموت فيه، وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ [هود: 6] أي في الأرحام، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6] أي في الأصلاب، / وقيل: حيث تموت.
وقال ابن جبير: المستودع: ما كان في الأصلاب، والمستقر: ما كان في البطون وعلى الأرض وفي بطنها.
وقال ابن عباس: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ [هود: 6]: ما كان على وجه الأرض وفي الأرض،
﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6]: في الصلب.
وعن ابن عباس " أيضاً ": المستقر: في الأرض، والمستودع: " عند الله، وكذلك روي عن مجاهد.
وقال الحسن: المستقر: في القبر، والمستودع ": في الدنيا يوشك أن يلحق بصاحبه.
ومن قرأ بالفتح في ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾، فمعناه: أن الله استقره.
ومن كسر، رد الفعل إلى المذكور عند الاستقرار.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيات﴾ أي: بيّنّا الحجج والعلامات، ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ مواقِعَ
الحجة.
﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، وقف، و ﴿يَفْقَهُونَ﴾ التمام.
قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء﴾ الآية.
قوله: ﴿وجنات﴾ قراءة الجماعة بالنصب والتاء مكسورة، عطف على ﴿نَبَاتَ﴾، كأنه [قال]: وأخرجنا به جنات.
وقيل: هو معطوف على ﴿خَضِراً﴾.
وقرأ الأعمش بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولهم جنات.
وقيل: هو معطوف على المعنى، (فعطف) على القنوان، كأنه قال: وثم قنوان وجنات.
وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ بالضم: لغة، وقرأ محمد بن السَّمَيفَع ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي: مدركه.
والمعنى: والله هو الذي أنزل من السماء (ماء ففعل) به ما ذكر، وأخرج به ما ذكر.
ومعنى ﴿خَضِراً﴾ (أخضر)، أي: نباتاً أخضر، ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي: من الخضر، ﴿حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ وهو السنبل ونخرج من الماء من النخل من طلعها ما قنوانه دانية، أي: قريبة مُتَهَدَلة، يعني قصار النخْل التي قد لصقت عُذُوقُها بالأرض،
والقنوان طلعه.
وقوله: ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه﴾ أي: (قد) اشتبه في الخلق واختلف في الطعم.
قوله: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي: نضجه.
ومن قرأ (يانعة) فمعناه: ناضجة.
وقد قيل: إن ﴿يَنْعِهِ﴾ - بالفتح - جمع يانع، كتاجر وتَجْر.
و (قد) قيل: هو مصدر " يَنِع الثمر يَنْعاً " اذا نضج.
وقرأ محمد بن السَّمَيفَع اليماني (ويانعه)، وقرأه ابن أبي اسحاق (ويُنْعه) بالضم، على معنى: ونُضجه.