الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 422-461
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النساء

صفحات 422-461
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأثنى الله عز وجل عليهم في غير موضع من كتابه، فيكون " يتلون " خبراً عنهم.
. وإن جعلته عاماً كان " يتلون " حالاً لا غير، لأنك إن جعلته خبراً أوجبت أن كل منْ أوتي الكتاب من النصارى ومن بني إسرائيل يتلونه حق تلاوته، وليسوا كذلك.
قوله: ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم إذا تلوا / التوراة حق تلاوتها وجدوه مكتوباً فيها.
فهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ضرورة / إذا أنصفوا في التلاوة.
ومعنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ أي: يتبعونه حق اتباعه.
كذلك رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
أي: يتبعون ما فيه حق اتباعه.
وقيل: معناه: يقرأونه حق قراءته.
وقد قيل: إن الهاء في " به " عائدة على الكتاب كالهاء في " يتلونه " والهاء في " ومن يكفر به ".

قال ابن زيد: " تعود على محمد صلى الله عليه وسلم ". وقيل تعود على الكتاب.
قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾.
أي: على عالم زمانكم، وقد تقدم / ذكر النعم وما فضلوا به، ومن أجَلّ نعمة أنعم بها عليهم أن موسى [عليه السلام] أخبرهم بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق عندهم خبر / الصادق بذلك، ففضلوا على سائر الخلق بما عندهم من العلم في أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن عنده مقدمة ولا خبر عنهما.
كل ذلك بخذلان الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم.
قوله: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
قيل: فاعل " أتمهن ": الله عز وجل، أي أكملهن الله له.
وقيل: الفاعل إبراهيم صلى الله عليه وسلم أخبره الله عز وجل بما سبق في علمه فيه ليكون الامتحان موجوداً معقولاً فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ لا يقع جزاء على ما في علم الله تعالى

دون ظهوره من العبد.
أخبر الله عز وجل أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا الموضع: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ [النجم: 37].
واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: " هي ثلاثون سهماً، عشر منها في براءة ﴿التائبون العابدون﴾ [التوبة: 112]. وعشر في الأحزاب.
﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ [الأحزاب: 35].
في (المؤمنين) إلى قوله: ﴿يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 9] وعشر في ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: 1] إلى ﴿حَافِظُونَ﴾ [المعارج: 29].
أيضاً.
وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر.
وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية.
وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين بالماء، والختان.
وعن ابن عباس أيضاً قال: " هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة،

والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة.
وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة ". وعن مجاهد قال: " هي أن الله تعالى قال لإبراهيم صلى الله عليه وسلم.
إني مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: / تجعلني للناس إماماً؟، قال الله: نعم.
قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال الله [ عز وجل] /: لا ينال عهدي الظالمين.
قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم.
قال إبراهيم: وأمنا؟ قال الله: نعم.
قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال الله: نعم.
قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال الله: نعم.
قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال الله: نعم.
قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم ".

وقال جماعة: " تلك الكلمات مناسك الحج خاصة ". وقال الحسن: " الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ ". وقيل: من ذلك الذبح.
وقال السدي: " الكلمات: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾ ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾، ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً﴾.
وروي عن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ [النجم: 37] " عَمَلُ يَوْمِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ ". ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أَلاَ أُخْبِرُكُم لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ ﴿الذي وفى﴾ الآية.
قال: كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ، وَكُلَّمَا أَمْسَى:

﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ". وروي أن الله جلَّ ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله / إليه أن تطهر فاستنشق.
ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك.
ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأخذ شاربه.
ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنجى.
ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماماً؛ أي: يقتدي بك

الصالحون من بعدك.
فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم فقال: ومن ذريتي، أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، أي: من كان من ولدك ظالماً فلا يكون إماماً.
/ قوله: ﴿لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾.
أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك.
قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾.
قال ابن عباس: " عهدي.
نبوتي ". وقال مجاهد: " العهد هنا: الإمامة، / لا يستحق الظالم الإمامة ". وقيل: " معناه.
لا عهد لظالم عليك أن تطيعه في ظلم، وإن عاهدته فانقضه ". وقيل: " العهد الأمان.
أي: لا أُؤَمِّنُ الظالم من الانتقام منه "، قاله قتادة.
/ قال: " ذلك يوم القيامة، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم ".

وقيل: عهد الله هنا دينه.
أي: لا ينال ديني الظالمين.
وقيل: العهد هنا الطاعة.
أي: لا ينال طاعتي ظالم.
والظالم هنا المشرك عن مجاهد.
وقد أخبر الله عز وجل بذلك فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: 113] يريد إبراهيم وإسحاق.
وقال الضحاك: " معناه: طاعتي لا ينالها [عدو لي] ولا أَنْحَلُهَا إلا وَلِيّاً لي يطيعني ". وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت﴾.
" إذ " في موضع نصب عطف على " إذ " في قوله: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ﴾.
و " إذ " في: ﴿وَإِذِ ابتلى﴾ معطوفة على النعمة في قوله ﴿اذكروا نِعْمَتِيَ﴾ أي واذكروا إذ ابتلى، واذكروا إذ جعلنا.
والهاء في " مثابة " دخلت للمبالغة عند الأخفش مثل نسَّابة وعلاَّمة.

وقال الكوفيون: " أُنِّثَ " لأنه أريد به البقعة التي يثاب إليها، أي: يرجع إليها، كما قالوا: المقامة على تأنيث البقعة، والمقام على تذكير المكان.
ومعنى: ﴿مَثَابَةً﴾: " لا يقضون منه وطراً ". قاله مجاهد: وقال السدي: " إذا أتاه مرة لا يدعه حتى يعود إليه ". وقيل: معناه: لا ينصرف عنه منصرف إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً.
قوله: ﴿وَأَمْناً﴾.
هذا كان في الجاهلية لأنهم كانوا إذا لقي أحدهم قاتل أبيه وأخيه في الحرم لم يؤذه حتى يخرج منه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67].
ويروىَ أن عمر قال: " قلت يا رسول الله، لو اتّخذت المقام مصلى، فأنزل الله

عز وجل: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
فهذا على قراءة من كَسَر الخاء، كأنه أمر من الله عز وجل بذلك.
فأما مَن فتح فهو خبر معطوف على النعمة عند الأخفش كأنه قال: اُذكروا نعمتي، واذكروا إذ اتخذوا ". وقال غيره: " هو معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾ ". والمقام هو الذي يصلى إليه اليوم.
وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ارتفع بناؤه / وضعف عن حمل الحجارة، فكان إسماعيل صلى الله عليه وسلم يُناوِله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾.
قاله ابن / عباس.
وروي عن ابن عباس أيضاً أن المقام هو الحج كله.
وكذلك قال مجاهد وعلماء.
وقيل: هو عرفة والمزدلفة، والجمار.
روي ذلك عن عطاء.

وقيل: مقامه عرفة.
وعن مجاهد أنّ " مقامه الحرمُ كله ". وقال الربيع بن أنس: " المقام هو الحجر الذي وضعت زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحَجَر، فوضعته تحت الشق الآخر / فغابت رجله أيضاً فيه ". وقال عمر بن الخطاب: " وافقني ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله، لو اُتخذت [مقام] إبراهيم مصلى.
فأنزل الله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وأشرت على النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فأنزل الله سبحانه آية الحجاب، ووعظت نساء النبي فقلت لهن: لئن لم تنتهين ليبدلنه الله خيراً منكن، فأنزل الله عز وجل: ﴿ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: 5].

ومعنى ﴿مُصَلًّى﴾: " مدعى يدعون عنده ". قاله مجاهد.
وقال قتادة: " مصلى يصلون إليه ". قوله: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
أي: من الشرك والأوثان.
وقيل له بيت ولم يكن ثَمَّ بيت، لأنه كان بيتاً في عهد نوح صلى الله عليه وسلم فأمره أن يطهره قبل بنيانه من الأوساخ؛ من الأصنام وغيرها.
وقيل: معناه أنهما أمرا ببنيانه مطهراً من الشرك.
و ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ هم الغرباء.
وقيل: هم كل من يطوف حوله، وهو أبين.
و ﴿والعاكفين﴾؛ قال عطاء: " هم الجالسون من غير طواف ".

وقال مجاهد: " العاكفون المقيمون به، المجاورون له من الغرباء ". وقال سعيد بن جبير: " العاكفون هم أهل البلد ". وقال ابن عباس: " العاكفون المصلون ". وقوله: ﴿والركع السجود﴾ يمنع من هذا القول.
والاختيار عند جماعة أن يكون العاكف المجاور للبيت بغير / صلاة ولا طواف.
وهو قول عطاء وغيره.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾.
قيل: إِنّ إِبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل الله أن يحرم مكة فحرمها، واحتج من قال ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدُ اللهِ وَخَلِيلُهُ وإني عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا ".

وقال قائلون: " لَمْ تُحَرَّم بسؤال إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بل كانت حراماً، [واحتجوا بقول النبي عليه السلام] يوم افتتح مكة /: " هَذِهِ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: لَمْ تَحِلّ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي.
. أُحِلَّتْ لِي سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ " واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم ﴿ رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم﴾ [إبراهيم: 37].
وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول: " إن الله عز وجل حرّم مكة وقضى ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم / أن يتعبد الخلق بذلك فأجابه.
فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك، والله تعالى قد حرّمها يوم خلق السماوات والأرض ". وقوله: ﴿عِندَ بَيْتِكَ المحرم﴾ [إبراهيم: 37].
معناه الذي حرمته عندك، ولم تتعبد الخلق به.
وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم / لما دعا فقال: ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ أجاب الله عز وجل دعاءه: فبعث جبريل عليه السلام إلى الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم

طاف بها حول الكعبة أسبوعاً، ولذلك سميت الطائف.
ثم أنزلها تهامة ولم يكن يومئذ بمكة غير إسماعيل صلى الله عليه وسلم، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل صلى الله عليه وسلم بمكة، فلم يزالوا على الإسلام حتى نشأ عمرو بن [لحي الجرهمي فَغَيَّرَ] دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعَبَدَ الأصنام، وسَيَّبَ السوائب، وبَحَّرَ البحيرة وحَمَى الحامي، وَوَصَلَ الوصيلة، وغلب مكة، وقهر أهلها.
وهم ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم - وهو [الذي قال فيه النبي عليه السلام]: " رَأَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ يَجرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ " أي: أمعاءه.
قوله: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾.
ذلك إخبار من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم قاله أبي بن كعب.
أي: أنا أرزق البر والفاجر فأمتع الفاجر قليلاً.
وقال ابن عباس: " هو من قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن يرزق من كفر فيمتعه قليلاً ".

ويجب على هذا التأويل وصل ألف " أَضْطَرُّهُ "، وفتح ألفَ أُمتِّعُهُ ". ويجب أيضاً بناء الفعلين / على السكون لأن طلب كالأمر، ولأنه؟ سؤال من إبراهيم صلى الله عليه وسلم لله عز وجل.
وإن كان الخبر من عند الله سبحانه كانت الألف في " أمتعه " ألف المتكلم، وكذلك هي في " أضطره "، ويرتفع الفعلان لأنهما إخبار عن الله جل ذكره.
ومعنى: ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أكرهه وألجئه إلى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت﴾.
القواعد أساس البيت.
قال عطاء: هي قواعد آدم صلى الله عليه وسلم كانت قد اندرست وخفي أثرها فبوأها الله [إبراهيم.
قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات الملائكة.
قال: بخطيئتك، ولكن اُهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء.
فبناه من خمسة أجبل، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس ". وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: " أهبط الله مع آدم صلى الله عليه وسلم من السماء إلى الأرض بيتاً يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء.
ثم رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم

صلى الله عليه وسلم قواعد ذلك البيت.
فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم فأعلمه مكانه ". وقال عطاء: لمَّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: نقص، شكا أنه استوحش لِفَقْدِ أصوات الملائكة، فَوُجه إلى مكة / فكان موضع قدمه قَرْية، وما بين / القدمين مفازة، فأنزل الله عز وجل عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت في موضع البيت.
فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبناه ". / وقال مجاهد: " لما أراد الله خلق الأرض علا الماءَ زبدةٌ حمراء أو بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم فبناه على أساسه، وأساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة ". وقال ابن عباس: " وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت ".

وفي حرف ابن مسعود: " وإسماعيل يَقُولاَنِ: رَبَّنَا " فدل على أنهما جميعا دَعَوا.
وقيل: القائل هو إسماعيل صلى الله عليه وسلم وحده.
والمعنى إذ يقول إسماعيل " ربنا ". قال ابن عباس، " كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون عَلَماً للناس.
فذهب إسماعيل فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا.
فمضى إسماعيل صلى الله عليه وسلم يطلب فنادى أبو قبيس: " يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فَخُذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم عليه السلام من الجنة ". وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة.
وقال النبي [عليه السلام] " الحَجَرَ يَاقُوتَةٌ / مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ [بَيْضَاءٌ، وَلَولاَ مَا لاَمَسَهُ] مِنْ أَجْنَاسِ المُشْرِكينَ وَأَرْجَاسِهِمْ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلاَّ شَفَاهُ اللهُ عز وجل ".

وقال عليه السلام: " الحَجَرُ يَمينُ اللهِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ وَلَيَأْتِيَنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالمَقَامُ، وَلَهُمَا لِسَانَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لِمَنْ وَافَاهُمَا بِالوَفَاءِ ". وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء لم يدريا أين البيت.
فبعث الله عز وجل ريحاً يقال لها الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: 26]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه هنا.
قال: يا أبت.
إني كسلان تعب.
قال: على ذلك.
فانطلق يطلب [حجراً فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق [يطلب حجراً] وجاء

جبريل [عليه السلام] بالحجر الأسود / وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان آدم صلى الله عليه وسلم هبط به من الجنة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل صلى الله عليه وسلم بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ فقال: جاء به من هو أنشط منك فبنياه ". وقال عبيد بن عمير الليثي: أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام / يَبْرَى نبلاً قريباً من زمزم، فلما رآه [قام إليه]، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله [جل وعز] أمرني بأمر.
قال: فاصنع ما أمرك ربك.
قال: وتعينني؟ قال: وأعينك.
قال: فإن الله أمرني أن أبني / هاهنا بيتاً - وأشار إلى الكعبة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت،

فكان إسماعيل صلى الله على محمد [و] عليه وسلم يأتي بالحجارة وإبراهيم صلى الله عليه وسلم يبني، حتى ارتفع البناء، فجاء بهذا الحجر يعني المقام، فقام [عليه إبراهيم] يبني، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾.
فمعنى الآية: أنها خبر من الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل صلى الله على محمد و [عليهما وسلم] وما كانا يفعلان في بناء البيت، وما كانا يقولان وهما يبنيان.
وقوله: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.
أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً، فالمسلم الذي قد استسلم لأمر الله [ عز وجل] . والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر الله سبحانه فأضمر مثل ذلك.
فأما قوله: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].
فمعناه ولكن

قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام.
فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر / فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن.
إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء.
وقوله في الدعاء: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.
دخول " مِنْ " يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره.
فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله تعالى.
والأمة هنا عني بها الجماعة.
وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم صلى الله عليه وسلم ﴿ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120]، أي: إماما يقتدى به.
وتكون الأمة السنين كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ﴾ [هود: 8]، أي: إلى سنين.
وتكون الأمة الملة كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22].
أي: على ملة ودين.

وقيل: الأمة هنا محمد وأمته صلى الله عليه وسلم.
[ قوله] / ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾.
يعني [محمداً عليه السلام].
وقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام.
[قال] مالك: " لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ الصالحين﴾.
معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين.
وقيل: معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها.
والمناسك: مناسك الحج ومعالمه.
وقال قتادة: " فأراهما / الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين ".

/ قال السدي: " لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى محمد من بنيان البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج﴾ [الحج: 27]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته.
قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه.
وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج.
فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضاً فصده]، فرماه وكبّر فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر.
فلما رأى أنه لا يطيقه

انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم صلى الله عليه وسلم أين يذهب فلما أتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز.
ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم صلى الله عليه وسلم عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات.
فوقف إبراهيم صلى الله عليه وسلم بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة.
فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج ". وقيل: المناسك المذابح.
فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك.
قال عطاء: " مناسكنا ذبحنا ". وعنه: " مذابحنا ". وكذلك قال مجاهد.
وقيل: مناسكنا متعبداتنا.
ومنه قيل للعابد ناسك.
/ قال ابن عباس: " لما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: " ﴿ رَبَّنَا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، أتاه [جبريل صلى الله عليه وسلم]

وعلى محمد بهذا الحجر من الجنة الذي يقال له المقام - وهو ياقوتة بيضاء - فأقامه عليه.
ثم رفعه إلى السماء حتى أشرف به على البلاد كلها.
فأراه أعلام الحرم وجميع مناسك الحج كلها / عرفات، والمزدلفة، ومنى، وجميع المناسك.
ثم قال له: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج﴾.
وواحد المناسك منسك مثل " مسجد ". / وقيل: منسك وكان يجب أن يكون على " مَنْسُك " بالضم لأنه من " فَعَلَ يَفْعُلُ " إلا أنه ليس في الكلام " مَفْعُلُ ". وقيل: المنسك الموضع الذي ينسك فيه لله عز وجل، ويتقرب فيه إليه سبحانه بما يرضيه من الأعمال الصالحة.
وأصله الموضع الذي يعتاده الإنسان يفعل فيه الخير، ولذلك [قيل: مناسك الحج لأنها مواضع] قد اعتادها الناس لفعل الخير.
ثم قال: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾.
التوبة الرجوع من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد / إلى ربه رجوعه مما هو عليه من المكروه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العمود فيه.

وتوبة الرب سبحانه على عبده عوده عليه بالعفو عنه عن جرمه وذنبه.

  • فإن قيل: وهل كانت لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟.
  • فالجواب: أنه ليس أحد من خلق الله عز وجل إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه عز وجل ما يجب عليه الإنابة [منه والتوبة، فخصا] الموضع الذي كانا فيه بالدعاء ليستجاب لهما على طريق التبرك به، وليكون دعاؤهما في ذلك المكان سُنة لمن بعدهما، وليتخذ الناس بعدهما تلك البقعة موضع تنصل من الذنوب ورجوع عن المكروه.
    وقيل: عَنَيا بقولهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾: وتب على الظلمة من ذريتنا الذين أعلمتنا أن منهم ظالماً.
    وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم﴾.
    معناه إنك أنت العائد في الفضل على عبادك، المتفضل بالغفران لذنوبهم، الرحيم بهم.
    ثم قال: ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكِّيهِمْ﴾.

هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكان النبي [عليه السلام يقول]: " أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْراهيمَ وَبُشْرَى عِيسَى ". قال قتادة: " [فأجاب] الله دعوتهما، فبعث الله فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو محمد صلى الله عليه وسلم " قال الربيع: / " فقيل لإبراهيم: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان ". وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك﴾.
من نعت الرسول.
أي: يقرأ عليهم كتابك، وكذلك ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، كله من نعت الرسول صلى الله عليه وسلم.
والكتاب القرآن.
قال قتادة: " الحكمة: السنة ".

وقال ابن وهب: " قلت لمالك: ما الحكمة؟ فقال: المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له ". وقال ابن زيد: " الحكمة.
العقل في الدين ". ومعنى ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهرهم من الشرك بك ويكثرهم بطاعتهم لك.
ثم قال: ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾.
أي: أنت القوي الذي لا يعجزه شيء المنيع الغالب.
وأصل العزة المنع والغلبة، والعرب / تقول: " مَنْ [عزّ بَزّ] "، أي: من غلب استلب.
وقولهم: " أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ "، أي: غلبتك وظفرك.
والحكيم الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.
وقال الطبري: " الحكيم ذو الحكمة ". وقيل: " الحكيم الحاكم ".

وقيل: " الحكيم: معناه المحكم، أي المحكم ما خلق ". وقال ابن عباس: " العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته ". ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
أي: ومن يزهد في دين إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ورغب عن ملته.
واتخاذ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من عند الله، هذا معنى قول قتادة والربيع.
وقيل: المعنى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها.
قال ابن زيد: " ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: معناه من أخطأ حظّه ".

ومذهب الفراء أن " نفسه " منصوب على التفسير مثل " ضِقْتُ بهِ ذَرْعاً ". قال: وهو من المعرفة كالنكرة، ولا يجوز أن يكون التمييز / معرفة عند البصريين ومثلها عنده: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: 58].
ولا يجوز عند الفراء التقديم.
وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش - / المعنى: إلا من سفه في نفسه، فلما حذف الحرف نصب.
ويُجيزان التقديم.
ومذهب أهل التأويل أن معناه: سفه نفسه.
فهو مفعول به.

وقال يونس: " أراها لغة ". وقال أبو عبيدة: " معناه: [أهلك نفسه ". ومذهب] البصريين أنه مثل: " ضرب فلان الظهر والبطن " أي: في الظهر [والبطن] فلا حذف في نصبه.
كذلك معناه: سفه في نفسه، ثم نصب لما حذف " في ". " وقال الزجاج ": معناه: جهل نفسه ". فهو مفعول به عنده بجهل " أي: لم يفكر في نفسه.
فالسفه والجهل سواء.

وقيل: التقدير إلا من جهل رأي نفسه وقول نفسه، ثم حذف، مثل: / ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
وقيل: التقدير، إلا من جهل قولُه نفسه، ثم حذف المؤكد وأقام التوكيد مقامه.
ثم قال ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا﴾.
أي اخترناه للخلة والإمامة.
[ثم قال].
﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾.
أي: وإن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لمن المؤدين حقوق الله.
وتقدير تعلق حرف الجر: " وإنه صالح، في الآخرة، لمن الصالحين "، ثم حذف.
وقيل: إنه متعلق بالصالحين، والألف واللام ليستا بمعنى " الذي "، ولكنه اسم على حدته كالرجل والغلام.
قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾.

أي واذكروا إذ قال له ربه أسلم، أي أخلص لي العبادة والطاعة.
﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾: أي قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم [ و] على محمد مجيباً لربه عز وجل: خضعت بالطاعة وأخلصت العبادة لِمالِك جميع الخلق.
ومدبرهم.
ويجوز أن يكون العامل في: ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه﴾ أي ولقد اخترناه في الدنيا إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت، وهذا كان منه حين قال: ﴿ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً﴾ [الأنعام: 78 - 79]. قال الطبري: " وذلك في الوقت الذي قال له ربه فيه: أسلم، من بعد ما امتحنه بالكوكب والقمر والشمس ". ثم قال تعالى: ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾.
أي: وأوصى بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ إبراهيم - صلى الله عليه وسلم [ و] على محمد - بنيه، وأوصى بها يعقوب صلى الله عليه وسلم [ و] على محمد [بنيه].

والهاء في " بها " تعود على كلمة الإسلام وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾.
وقيل: تعود على الملة، وكلمة الإسلام أقرب إليها.
[وقيل: بل] أوصاهم باتباع الملة، ف " يعقوب " على هذا معطوف على " إبراهيم ". وقيل: إن يعقوب مرفوع بإضمار فعل.
والتقدير " وقال يعقوب: يا بني إن الله ". والمعنى في " أَوْصَى " عهد إليهم بذلك، وأمرهم به.
قال ابن عباس: " وصّاهم بالإسلام ". وفي التشديد في " وصَّى " معنى تكرير الوصية.
وقوله: ﴿إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين﴾.
معناه: اختاره لكم.
ودخلت الألف واللام في " الدين " لتقدم علمهم به

وتكرير الوصية عليهم.
ثم قال: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
أي: فاتقوا الله أن تموتوا إلا على الإسلام.
والمعنى: لا تفارقن هذا الدين أيام حياتكم لأن أحداً لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قال لهم: لا تموتن إلا وأنتم مسلمون، لأنكم لا تدرون متى يأتيكم الموت، ولم ينههم عن الموت / لأن ذلك ليس إليهم.
وقيل: المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين.
وعرف المعنى كما عرف في قول العرب / " لا أَرَيَنَّكَ هَا هُنَا ". فالنهي في اللفظ للمتكلم، وفي المعنى للمتكلم أي: لا تكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه.
قال الأخفش: " ﴿بَنِيهِ﴾، قطع، ثم يبتدئ: ﴿وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾، أي: وقال يعقوب: يا بني ". وقال أبو حاتم وغيره: " الوقف ﴿وَيَعْقُوبُ﴾، ثم يبتدئ ﴿يَابَنِيَّ﴾ ". أي:

وقال كل واحد منهما: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين﴾.
ثم قال: " عز وجل ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت﴾.
﴿أَمْ﴾ بمعنى الألف، أي: أكنتم حاضرين يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم / إذ نزل بيعقوب الموت حين قال لبنيه: ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وهو جده - وإسماعيل - وهو عمه - وإسحاق - وهو أبوه - صلوات الله عليهم [و] على محمد.
وقدم إسماعيل لأنه أكبر من إسحاق.
﴿إلها وَاحِداً﴾؛ أي: معبوداً واحداً، لا نشرك به شيئاً.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون متذللون بالعبادة له.
وروي أنه لم يقبض الله نبياً قط حتى يخيّره بين الموت والحياة، فلما

خيّر يعقوب عليه السلام قال: أنظرني / حتى أسأل ولدي، وأوصيهم ففعل الله ذلك.
فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط -، وجمع أولادهم فقال لهم: إنه قد حضرتْ وفاتي، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم: فما تعبدون من بعدي؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد.
فمعنى الكلام: إنكم يا أهل الكتابين لم تحضروا ذلك - ولا شاهدتموه فكفرتم بغير علم ولا يقين فادَّعَيْتُمْ على أنبياء الله الأباطيل ونحلتموهم إلى اليهودية والنصرانية، وإنما بعثهم الله [بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم] فلو حضرتم ذلك وسمعتموه لعلمتم أنهم على غير ما تنحلونهم من الدين.
وهذه الآيات نزلت تكذيباً من الله لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم / ويعقوب أنهما كانا على ملتهم.

وقرأ يحيى بن يعمر والحسن وأبو رجاء والجحذري " وإله أبيك " بلفظ التوحيد.
فيحتمل أن يكون جمعاً مسلماً، فيكون كالقراءة التي عليها الجماعة.
ويحتمل أن يكون موحداً وإبراهيم بدل منه وإسماعيل وإسحاق عطف على الأب وهما في القول الأول بدل الجمع الذي قبلهما.
وجمع " إبراهيم " وإسماعيل " عند سيبويه والخليل: " بَرَاهيمُ " و " سَمَاعِيلُ ". وحكى الكوفيون " بَرَاهِمَةٌ " و " سَمَاعِلَةٌ "، فالهاء بدل من الياء كزنادقة وزناديق.
وجمعهما عند المبرد: " أَبَارِهٌ " و " أَسَامِعٌ " و " أَبَارِيهٌ " و " أَسَامِيعٌ ". قال: لأن الهمزة ليس هذا موضوع زيادتها.

وأجاز أحمد بن يحيى: " بِرَاهٌ " / كما يجوز في التصغير " بُرَيْهٌ ". وجمع إسحاق أَسَاحِيقٌ.
وحكى الكوفيون أَسَاحِقَةٌ وأَسَاحِيقٌ وَيَعْقُوبٌ وَيَعَاقِيبٌ، وَيَعَاقِبَةٌ وَيَعَاقِبٌ ". ولا يجوز عند أحد حذف الهمزة من " إسرائيل "، ويقال في جمعه: " أساريل ". وحكى الكوفيون " أَسَارِلَةٌ " و " أَسَارِلٌ "، وجمعه كله مسلماً أحسن.
وقوله: ﴿إلها وَاحِداً﴾.
نصب على الحال أو على البدل من " إله " الأول.
فإذا كان حالاً كان تقديره: نعبد إلهك في حال انفراده ووحدانيته.
وأجاز يعقوب الوقف على ﴿آبَائِكَ﴾ ويبتدئ: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾، ينصب

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل