النساء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
والتابعين.
ولا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره فيقتل أو يُحدِث حَدثاً فيؤخذ منه بقدر ذلك.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل بسحره ضرراً لم يعاهد عليه على مسلم ".
وكذلك روى ابن القاسم: قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها.
قال: " ينكل بها ولا تقتل ".
وقال الشافعي: " لا يقتل الساحر ولكن يسأل عن سحره، فإن كان كفراً / استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله فيئاً ".
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتقوا﴾.
أي: لو أن الذين [يتعلمون السحر آمنوا أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل الله، ﴿واتقوا﴾] أي اتقوا الكفر وعمل السحر - لوجب لهم عند الله الثواب على ذلك.
فهو خير لهم لو كانوا يعلمون قدر ذلك.
وقيل: ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾: أي لو علموا مبلغ ثواب الله / ورضاه ومقدار ذلك.
وقيل: معنى: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: لرجعة إلى الله خير.
وقيل معنى ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: أي: لأثيبوا على ذلك، فَاسْتُغْنِيَ بالمثوبة عن الثواب، لأن المثوبة مصدر يشتمل على الماضي وغيره.
" ولو " تحتاج إلى جواب يكون ماضياً، ودلت المثوبة على الماضي.
وقال ابن إسحاق: " معنى ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعملون بعلمهم.
وقيل: يعلمون حقيقة الفضل في ذلك.
قوله: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾.
أي: خلافاً.
وقيل: معناه أرعنا سمعك، أي: اسمع منا ونسمع منك.
قال الضحاك: " كان الرجل من المشركين يقول: " أرعني سمعك " ".
قال قتادة: " هي كلمة كانت اليهود تقولها على الاستهزاء، فنهى الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم ".
وقيل: إنها لغة كانت في الأنصار فنهوا عن قولها تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم وتبجيلاً له، لأن معناها: " أرعنا نرعك "، فكأنهم لا يرعونه حتى يرعاهم، بل يرعى صلى الله عليه وسلم على كل حال.
ولا يعرف أهل اللغة: " راعيت " بمعنى " خالفت " كما روى مجاهد.
وقرأ الحسن " راعنا " من " الرعونة " منوناً ونصبها على المصدر: كأنه قال:
رُعُونة.
وقيل: بالقول انتصبت.
وقرأ الأعمش: " أنظِرنا - بقطع الألف وكسر الظاء - أي: أخرنا، وذلك بعيد لأنهم لم يؤمروا بالتأخير /، إنما أمروا بالقرب منه والتلطف في الخطاب.
وقيل: معنى قراءة الأعمش: أمهلنا.
وقوله: ﴿واسمعوا﴾ أي: واستمعوا ما يقال لكم، وَعُوه.
ثم قال: ﴿مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ الآية.
يعني بها اليهود والنصارى أنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله.
﴿والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: بنبوته ورسالته فيرسلها إلى من يشاء، ويهدي من يشاء.
قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
أي: من حكم آية، قرأ ابن عامر: ما نُنسِخْ - بضم النون الأولى وكسر السين، بمعنى: " ننسخك ".
قال أبو غانم: " يقال: نسخته وأنسخته مثل قبرته وأقبرته، [فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له] قبراً ".
قوله: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾.
من ضم / النون الأولى وَكَسَر السين، فمعناه: نتركها لا نبدلها.
وهو مروي عن ابن عباس على معنى: نأمرك بتركها.
ويلزم على هذا المعنى فتح النون ليصح معنى الترك إذ هو غير معروف في اللغة: أَنْسَيْتُ الشيء تركته، إنما يقال: " نسيت "، كما قال ﴿نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، أي: تركوه فتركهم.
/ وهذا إنما يصح على قراءة من قرأ " نَنْسِهَا " بالفتح.
والصواب في معنى: " نُنْسِها " بضم النون أن يكون من النسيان على معنى: " ننسكها " يا محمد فتذهب من حفظك ".
وعن ابن عباس أن في الآية: [تقديماً وتأخيراً]، والتقدير: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها أي بأنفع منها لكم أو مثلها.
ثم قال: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ أي نؤخرها فلا ننسخها ولا نبدلها.
وقيل: معناه: نأمرك بتركها كأنه: " أو ننسكها "، أي: نجعلك تتركها.
وقيل: معناه: ننسكها من النسيان أي: نزيل ذكرها من قلبك فلا تذكرها.
والفرق بين إباحة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم النسخ، وبين إباحته الترك، أن النسخ أن تنسخ آية / بآية أخرى كنسخ قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] لقوله: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. والترك هو ترك الآية من غير آية تنسخها كإباحة الله / للمؤمنين ترك امتحان من أتاهم بعد أن قال: ﴿فامتحنوهن﴾ [الممتحنة: 10].
فأما قراءة من قرأ " نَنْسَأَهَا " بالهمز، فمعناه أو نؤخرها فلا ننزلها البتة.
وقيل: معناه نؤخرها بعد إنزالها وتلاوتها فلا تتلى.
وقيل: معناه نؤخر العمل بها [وننسخه ويبقى لفظه متلواً غير معمول] به.
ولكل واحد من هذه المعاني أمثلة في كتاب الله عز وجل قد بيناها في كتاب:
" الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ".
فالنسخ يكون فيما نزل، والنَّسْءُ فيما لم ينزل فيؤخر.
يقال: " نسَّأَ الله في أجلك وأَنسأَ " أي: أخر فيه.
وقيل: معنى هذا القول: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ فننزلها على محمد صلى الله عليه وسلم " أو ننسأها " أي نؤخرها في اللوح فلا ننزلها، فالمنسوخ جميع القرآن، والمنسوء ما أخر، فلم ينزل هذا على هذا التأويل.
وفيها قول ثان: وهو أن يكون معناه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي: نرفعها، " أو ننسأها ": أي نؤخرها فلا نرفعها.
وفيها قول ثالث: وهو أن يكون " ننسأها " [معناه نؤخرها عن] التلاوة ويبقى الحكم بها نحو آية الرجم.
وفيها قول رابع: وهو أن يكون " ننسأها " معناه نؤخره إلى وقت ما، نحو ما
روي في قوله، ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم﴾ [المائدة: 105].
وقرأ الضحاك بن مزاحم " أو تُنْسَها " - بالتاء مضمومة وفتح السين - على ما لم يُسَمَّ فاعله، أي: " ينسكها الله أو الشيطان " بدلالة قوله: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان﴾ [الأنعام: 68].
/ وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾.
معناه عند أبي إسحاق وقطرب: / " نأت منها بخير " وهو غلط عند النحويين.
لأن من حقها أن تكون بعد " أفعل " لا قبله " وخير " أفعل فإن جعلت " خيرا " فعلاً الذي هو ضد الشر، ولم تجعله أفعل، جاز ذلك.
وقيل: المعنى: نأت بخير منها لكم، إما في تخفيف وإما في زيادة أجر في الآخرة.
وقيل: معنى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: بأنفع لكم منها في زيادة الأجر إذا صح من الأصل إذا [عملتم بها].
وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾.
أي: مثلها في الآخرة، لكنها أحب إليكم من المنسوخة نحو نسخ القبلة إلى بيت المقدس، نسخت بالتوجه إلى الكعبة فهي مثلها، وهو أحب إليهم من بيت المقدس
فلذلك قال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144]. فنسخت القبلة بمثلها، والناسحة أحب إليهم من المنسوخة.
وقيل: المعنى نأت بأنفع لكم منها في الوقت الثاني، وأصلح لِحَالِكُم في النفع وصلاح الحال.
وقال السدي وغيره: " ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي: من التي نسخنا، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾: أي: مثل التي تركنا فلم ننزلها ".
وقيل: بخير من هذه أو هذه.
ولا يجوز لذي علم ودين أن يتأول بهذا النص تفضيل بعض القرآن على بعض لأن القرآن كلام الله جل ذكره / ليس بمخلوق وإنما يقع التفضيل بين المخلوقات فاعلمه.
قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾.
معناه أن النبي [عليه السلام] قد كان عالماً بذلك فضلاً من الله عليه، فخرج هذا الكلام مخرج التقرير على عادة العرب.
تقول العرب للرجل: " ألم أكرمك، ألم أفضل عليك " يخبره بذلك، وينبهه عليه، وهو عالم به.
ومعناه: قد علمت ذلك، فكذلك هذا.
ومعناه: قد علمت يا محمد أن الله على كل شيء قدير وعلمت أن الله له ملك السماوات والأرض.
وقال الطبري: " حرف الاستفهام في هذا داخل لمعنى الاستثبات والتنبيه لأصحاب النبي [عليه السلام] الذين قيل لهم: لا تقولوا راعنا.
ويدل على صحة ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله﴾، فأتى بلفظ / الجماعة.
وقد قال تعالى:
﴿يا أيها النبي﴾ [الطلاق: 1]، ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ [الطلاق: 1].
وقال: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1].
ثم قال: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: 1].
ومعنى ذلك: " أَلَمْ تعلموا أن الله قادر على تعويض ما ينسخ من أحكامه وفرائضه للتخفيف عليكم أو لزيادة أجر لكم ". وهذا كله إنما هو تنبيه لليهود على أن أحكام التوراة جائز أن [تُنسخ على يدي] نبي، أو بكتاب آخر لأنهم أنكروا ما
أتى به صلى الله عليه وسلم مما ليس في التوراة، فنبهوا على أن التوراة يجوز نسخها على لسان نبي / غير موسى كما كانت التوراة ناسخة لما تقدمها من الكتب.
ومعنى " يَنسخ بعض كتب الله بعضاً ": أنه إنما ينسخ بعضها بعضاً في الشرائع لا غير، كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48].
فالدين في الكتب كلها واحد وهو التوحيد، وهو دين الإسلام.
والشرائع / مختلفة يتعبد / الله جل ذكره أهل كل كتاب بما شاء وبما أراد لا معقب لحكمه لا إله إلا هو.
قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ﴾.
" أم " تقع منقطعة بعد الخبر والاستفهام تقول: " جاءني زيد " ثم تقول: " أم جاءني عمرو "، وتقول: " هل عندك زيد أم [عندك عمرو]، " و - أزيد عندك أم لا؟ " كأنه في هذا كله أدركه الشك، بعد أن مضى صدر الكلام فاستدرك بـ " أم ".
وتكون " أم " عاطفة بعد الاستفهام خاصة، تدل على ثبوت أحد الشيئين غير معين وعن عينه يسأل بها.
فهي بمنزلة أيهما عندك " فتسأل عن العين بعد أن يستقر عندك أن ثمّ شخصاً ولا تدري من هو، ولا يكون الجواب إلا بالعين.
يقول المجيب: " قلان أو فلان " ولا يجوز أن يقول: " لا، ولا نعم.
وإنما لا ونعم جواب.
أو إذا قلت: " أذا عندك أو ذا؟ ". وتقول " سواء علي أقمت أم قعدت "، فبالتسوية أجريته مجرى الاستفهام لأنك سويت الأمرين في علمك، كما استوى علمك في قولك: " أزيد عندك أم عمرو؟ ".
فالتسوية تُجري هذا على حروف الاستفهام، كما أجرى الاختصاص ما ليس بمنادى على حروف النداء.
قال بعض النحويين في ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: " معناه: أتريدون ".
وقيل: هي منقطعة مما قبلها بمنزلة قول العرب: " إنها لإبل أم شاء ". وهذا القول بعيد لأنه لا يصح في أكثر كلام العرب إلا على حدوث شك دخل المتكلم، وذلك لا يليق بالقرآن.
وقيل: إنها مردودة على الاستفهام الذي قبلها وهو ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه بمعنى: " ألم تعلموا "، ثم قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾.
قوله: ﴿كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ﴾.
قال ابن عباس: " [أتى رجلان من] اليهود إلى النبي [عليه السلام] فقالا له: إئتنا بكتاب نقرأه، وفَجِّر لنا أنهاراً نتبعك.
فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ﴾ الآية.
ومعنى ﴿سُئِلَ موسى﴾، هو قولهم: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾.
وقال مجاهد: " سألت قريش [النبي عليه السلام] أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال: نعم، هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل.
فأبوا ورجعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ الآية ".
وقال أبو العالية: " جاء رجل إلى النبي / [عليه السلام] فقال: لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل.
فقال النبي [عليه السلام لا نبغيها]: مَا أَعْطَاكُمُ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى
بَنِي إِسْرائِيلَ؛ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمْ الْخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفّارَتَها، فَإِنْ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْياً في الدُّنْيا.
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، كَانَتْ لَهُ خِزْياً فِي الآخِرَةِ.
فَقَدْ أَعْطَاكُمُ الله خَيْراً مِمّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ و " الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَات لِمَا بَيْنَهُنْ ". و " مَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ [لَهُ حَسَنَةٌ، فَإنْ] عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عشْر أَمْثَالِهَا " ثم أنزل الله بعقب ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ / الآية.
قوله: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان﴾.
/ قال أبو العالية: " الشدة بالرخاء ".
وقيل: الجحود بالإيمان، وهو أولى.
قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾.
أي: ذهب عنه وزاغ.
والسواء هنا قصده ومنهجه.
وأصل السواء الوسط.
قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾.
قيل: " كثير " هنا واحد، وهو كعب بن الأشرف /. قاله الزهري.
وقيل: هما ابنا أخطب.
قاله ابن عباس.
وقيل: هو عام في أكثرهم.
وفي الآية تقديم وتأخير، معناها: " وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ".
ومعنى: ﴿مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لم يؤمروا به، ولا وجدوه في كتاب إنما اخترقوه واخترعوه من قبل أنفسهم.
﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق﴾ أي: من بعد ما ظهر لهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة
[وصفته وعلاماته] فكفروا به وأحبوا أن تكفروا معهم به بعد إيمانكم حسداً وبغياً.
ثم قال: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾.
أمر الله عز وجل المؤمنين بالعفو عنهم إلى وقت يأتي فيه أمر الله تعالى بترك العفو.
فالآية منسوخة بالأمر بقتالهم وقتلهم وهو قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] وقوله: ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 29] الآيتان.
وقوله: ﴿واقتلوهم﴾ [البقرة: 191].
وقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾.
إقامة الصلاة هو أداؤها بفروضها لوقتها وهي الخمس الصلوات المفروضة.
قال أنس بن مالك: " فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً تخفيفاً من الله، ثم نودي يا مُحَمَّدُ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ القَْولُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَكَ بِهَذَه الخَمْسِ خَمْسِين ".
ويجمع أوقاتها قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾ / [الروم: 17].
يريد المغرب والعشاء الآخر / ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] يريد الصبح.
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18].
يريد الظهر ﴿وَعَشِيّاً﴾ [الروم: 18].
العصر.
فأما قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس﴾ [الإسراء: 78].
فقال علي بن أبي طالب " دلوكها غروبها ". وهو قول ابن مسعود.
وروي عن ابن عباس: " دلوكها زوالها ". وقاله ابن عمر وأبو هريرة.
﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ [الإسراء: 78] صلاة الصبح.
وقال قتادة: " ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ [طه: 130]: هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130] صلاة العصر.
﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ [طه: 130] صلاة المغرب والعشاء الآخرة.
وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر الزوال.
وقال مالك: " آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال ".
وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور.
وقال عطاء: " لا تفريط في الظهر حتى تصفرّ الشمس ".
وقال طاوس: " لا تفوت حتى الليل ".
وقال النعمان: " آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين " وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله ". هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد بن حنبل وأبي / ثور.
وقال النعمان: " أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال، ولا تجزئ الصلاة قبل ذلك ".
وآخر وقتها أن يصير ظلك مثليه.
وقال أحمد وأبو ثور: " آخر وقتها ما لم تصفرّ الشمس على وجه الأرض ".
وقال إسحاق: " آخر وقتها أن يصلي منها ركعة قبل غروب الشمس لقول النبي عليه السلام " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا ".
وهذا عند الشافعي وغيره إنما هو لأهل العذر.
وروي عن ابن عباس: " أن آخر وقتها غروب الشمس ". " ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً "، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي.
وقال الثوري وأحمد وإسحاق: " وقتها إلى أن يغيب الشفق ".
ووقت العشاء مغيب الشفق.
وهو الحُمرة في قول ابن عمر وابن عباس ومالك وسفيان وابن أبي ليلى والشافعي.
وروي عن أبي هريرة " أنه البياض "، وهو قول زفر.
وآخر وقتها عند النخعي ربع الليل.
وروي عن عمر رضي الله عنهـ وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز " إلى ثلث الليل " وهو قول مالك.
وقال الثوري وابن المبارك وإسحاق " إلى نصف الليل ". وروي ذلك عن عمر أيضاً.
ووقت صلاة الصبح انصداع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت الجمعة بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال لم تجزه عند الجميع إلا أحمد بن حنبل فإنه أجازه قبل الزوال.
ومعنى قولهم في التشهد: " التحيات "، قال أبو عبيد " التحيات الملك،
والصلوات هي الصلوات الخمس لله، والطيبات هي الأعمال الزكيات لله ".
قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾.
معناه / قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فأخبرنا الله أن ذلك هما يتمنون، فقيل لهم: هاتوا برهانكم على ذلك، أي حجتكم وبيّنتكم إن كنتم صادقين.
وقد [أكذب الله تمنيهم وقولهم] ذلك بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 94]، إي إن كنتم من أهل الجنة كما زعمتم، فتمنوا الموت لأنكم تنتقلون إلى ما هو خير لكم.
فلما / لم يفعلوا عُلم أن قولهم / ذلك شيء لا حقيقة له وكذب وبهتان.
ثم قال: ﴿بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾.
أي: أخلص عمله ونيته بالطاعة والإيمان.
وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء لأنه أشرف أعضاء بني آدم وأعظمها حُرمة.
فإذا خَضَّع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما سواه أحرى أن يخضع.
قوله: ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ﴾.
نزلت في قوم من أهل الكتابين تخاصموا عند النبي [عليه السلام] فكفر بعضهم بعضاً، فأخبرنا الله أنه قد فعل هذا من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم فعلوا ذلك وهم يجدون في كتبهم كذبهم فيما يقولون لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً، فلذلك قال تعالى:
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب﴾.
فهؤلاء قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في كتاب كل واحد منهم الأمر بالإيمان بالآخر وبمن جاء به.
و ﴿الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أمم كانت قبلهم.
وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء.
وقيل: قالوا: ليست اليهود على شيء ولا النصارى على شيء.
وقيل: إنهم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا.
فالذين من قبلهم قالوه وهم غير عالمين، وهؤلاء / قالوا عن علم لأن ما قالوا كذب.
ومعنى قولهم: ﴿لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ﴾، ﴿لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾: إنما أرادوا أنهم ليسوا على شيء [مذ دانوا]، ولم يريدوا ليسوا على شيء الساعة لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا صادقين في قولهم، إذ كل فريق منهم قد جحد / نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه نبي ويجده في كتابه، فهو في ذلك الوقت ليس على شيء لأن
من جحد آية من كتاب الله فقد جحده كله.
فإنما أراد: قال كل فريق منهم: ليس هؤلاء على شيء منذ دانوا، ومنذ أنزل عليهم الكتاب [لا أنهم] أرادوا في الوقت الذي وقع فيه التنازع خاصة لأن ذلك لو كان لكانوا صادقين فيما قالوا، ولأنهم لو أرادوا ذلك لكفر كل واحد نفسه على لسانه، لأن جميعهم جاحد لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا قال فريق: ليس هؤلاء على شيء، واعتقادهم / واحد في محمد صلى الله عليه وسلم.
فكأنه قال: ليس نحن على شيء.
إلى هذا يؤول الكلام لو حمل على أنهم أرادوا الوقت الذي تخاصموا فيه، وإنما أرادوا من تقدم قبل محمد [ صلى الله عليه وسلم] فأكذبهم الله عز وجل لأن أوائلهم قد كانوا على شيء.
ولو أرادوا الزمان الذي بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم لم يكذبهم الله في ذلك لأنهم كانوا على غير شيء إذ جحدوا ما عرفوا وبدلوا وغيروا وأنكروا ما في كتابهم، وجعل الله تعالى هذه الآية تحذيراً لئلا يُختلف في القرآن، لأن اختلافهم أخرجهم إلى الكفر، فحُذِّر المسلمون من ذلك.
قوله: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: أي: يفصل.
وقيل: معناه يريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً.
وسميت الآخرة القيامة لأن فيها يقوم الخلق كلهم من قبورهم.
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله﴾ الآية.
عني بذلك النصارى منعوا الناس من بيت المقدس وكانوا يطرحون فيه الأوساخ قاله ابن عباس وغيره.
وقال قتادة: " حمل بُغض النصارى لليهود أن أعانوا عدو الله بُخْتُنصر المجوسي البابلي على تخريب بيت المقدس ".
وقال السدي: " أعانت الروم بختنصر على خراب بيت المقدس عداوة منهم لليهود إذ قتلوا يحيى بن زكريا ".
وقال ابن زيد " عني بذلك مشركي العرب إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام يوم الحديبية حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم.
وكانوا قد قالوا له: لا تدخل علينا وقد قتلت أباءنا يوم بدر، [ومنا طارف يطرف] وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده عن البيت فَصُدَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت ".
وقوله: ﴿أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾.
قال قتادة: " هم اليوم لا يوجد أحد منهم في بيت المقدس إلا عوقب ".
وقال السدي: " لا يدخل رومي بيت المقدس إلا خائف أن تضرب عنقه مع أنهم / أخيفوا بأداء الجزية ".
وقال ابن زيد: " معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى: أَلاَّ يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، فخاف المشركون وانْتَهَوُا ".
ومعنى ﴿وسعى فِي خَرَابِهَآ﴾ أي: في هدمها ونقضها.
وقيل: هو خلاؤها أي: المنع من ذكر الله فيها من الصلاة وذكر الله فيها.
وقال / ابن زيد: " هو منع المشركين المسلمين من الحج والعمرة ".
والخزي أخذ الجزية منهم وهم صاغرون، أي: من اليهود والنصارى.
وقال السدي: " الخزي هو قتل الروم عند قيام المهدي وفتح القسطنطينية ورومية ".
قوله: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾.
معناه: إنَّ له / ما بين مشرقها / كل يوم، ومغربها كل يوم، وإنما خص الله تعالى ذكره ذا أنه له وإن كان كل الأشياء له لأنه نزل في أمر معين، وذلك أن اليهود كانت تصلي نحو بيت المقدس، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم معهم إليها ستة عشر شهراً، ثم رجع إلى الكعبة.
فاستعظم اليهود ذلك، وقالوا: ما ولاّهم عن قبلتهم
التي كانوا عليها؟ فقال الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، لله المشرق والمغرب يصرف من يشاء إلى أين يشاء، فحيثما تولوا فثمّ وجه الله.
فهذا أول ناسخ في القرآن لأنه نسخ التوجه إلى بيت المقدس.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى، وكان يحب قبلة إبراهيم [عليه السلام]، وكان يدعو أو ينظر إلى السماء فأنزل الله: ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ [البقرة: 144] فارتابت اليهود من ذلك فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ الآية.
وقال قتادة: " هذا منسوخ، وذلك أن الله تعالى أباح لهم أولاً التوجه حيث شاءوا، وأخبرهم أنه أينما تولوا وجوهكم فثمَّ وجه الله، لأن له المشارق والمغارب، ثُمَّ نسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾.
وقال ابن زيد: " لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ وأباح له التوجه أين
شاء.
قال: هؤلاء يهود يستقبلون بيتاً من بيوت الله، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم معهم فبلغه أنهم قالوا: ما درى محمد ولا أصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم.
فكره ذلك النبي / صلى الله عليه وسلم ورفع وجهه إلى السماء فأنزل الله ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ الآية، فاستقبل الكعبة ".
وقال ابن عمر: " الآية نزلت في التطوع، وكان يصلي حيثما توجهت به الراحلة ويقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ".
وقيل: " نزلت في قوم عميت عليهم القبلة، فصلوا إلى جهات مختلفة، فأعلموا أن صلاتهم ماضية ".
وروى عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: " كنا مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] في سفر فتغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة.
قال: فصلينا وعَلِمْنَا، فلما طلعت
الشمس، إذا نحن صلينا لغير القبلة، وذكرنا ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ ".
وقيل: إنها نزلت في أمر النجاشي؛ قال قتادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِي قَدْ مَاتَ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ.
فَقَالُوا: نُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ.
فَأَنْزَلَ الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾.
فقالوا: وإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ الآية "
/. وقد أفردنا كتاباً للناسخ والمنسوخ مبسوطاً / بأشبع من هذا.
ومعنى: ﴿وَجْهُ الله﴾.
أي جهته التي أمرتم باستقبالها.
وقيل: معناه فثمَّ قبلة الله.
وقيل: معناه: فثمَّ الله جلَّ ذكره.
وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ﴾.
أي: تستقبلوا بوجوهكم.
وقيل: معناه: تستدبروا من " وَلَّيْتُ عَنْهُ ". وهو قول غريب.
وقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ أي واسع الرحمة، ﴿عَلِيمٌ﴾ بكم / وبما في قلب النجاشي من الإيمان.
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾.
أي: وقال الذين منعوا الذكر في مساجد الله وسعوا في خرابها: اتخذ الله ولداً.
﴿سبحانه﴾: أي: براءة له من ذلك وتنزيهاً له.
قال أبو إسحاق: " يريد به النصارى واليهود والمشركين من العرب، لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله ".
وروي عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قَال اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ
آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
أَمّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَيَزْعُمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ.
وَأَمّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، [فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ] وَلَداً ".
قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾.
أي: مطيعون.
وقيل: مطيعون يوم القيامة.
وقيل: مقرون بالعبودية.
وقال الفراء: " هو خصوص يراد به أهل الطاعة ".
وأصل القنوت في اللغة الطاعة، والقنوت القيام الطويل.
وقال الحسن: " يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ كل [له قائم] بالشهادة بأنه عبد له ".
قال يحيى: " إنما خص الحسنُ اليهود والنصارى ومشركي العرب، لأنهم هم الذين كانوا بحضرة النبي [عليه السلام] يومئذ ".
وقال في آية أخرى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: 87].
من تفسير ابن سلام.
قوله: ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ [البقرة: 117]. ﴿أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: 101].
أي: كيف يكون له ولد وهو خلق السماوات والأرض بمن فيهما وابتدعهما من غير مثال.
والمبدع المخترع للشيء، وبديع /: بمعنى مبدع.
ثم قال: ﴿وَإِذَا قضى أَمْراً﴾.
أي: إذا حتم أمراً، أو أحكم أمراً.
ومنه قيل للقاضي: حاكم، لأن أصل كل قضاء الإحكام له، والفراغ منه.
قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
زعم [قوم أن] هذا مخصوص في إحياء الميت ومسخ الكافر ونحوه لأن الأمر لا يكون إلا لموجود ولا يكون لمعدوم.
وهذا قول مرغوب عنه.
ومعنى الآية: أنه تعالى عالم بالأشياء التي ستكون وكانت فقوله لها: " كن " إنما هو قول لموجود في علمه ليخرجه إلى العيان لنا.
وقد قيل: إن المعنى: فإنما يقول من أجله كن.
ف " لَهُ " بمعنى من أجله.
وهذا أيضاً قول لا يمتنع وهو عام، لا يقتضي الأمر لموجود، لأن القول من أجله وقع لا له.
وقال الطبري: " أمره للشيء " يكن "، لا يتقدم الموجود ولا يتأخر عن الموجود، بل هو في حال يكون ذلك، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر.
ولا موجود إلا وهو مأمور بالوجود ".
قال: " ونظير ذلك قيام الأموات من قبورهم لا يتقدم / دعاء الله عز وجل ولا يتأخر عنه، وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25].
فمعنى الآية أن الله
مبدع الأشياء ومالكها، قد ابتدع المسيح صلى الله عليه وسلم وأنشأه إذ أراد خلقه من غير ذكر ".
والهاء في " له " تعود على الأمر، و " له " بمعنى من أجله.
وقيل: تعود على القضاء الذي دل عليه " قضى ".
/ وقيل تعود على المراد الذي عليه الكلام.
قوله: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله﴾ الآية.
قال مجاهد: " عني بذلك النصارى ".
/ وعن ابن عباس قال: " قال رافع [بن حريملة] من اليهود لرسول الله صلى الله عليه سلم: إن كنت رسولاً من عند الله، فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله﴾، أي: هلا يكلمنا.
وقال السدي والربيع وقتادة: " هم مشركو العرب، قالوا ذلك ".
قال مجاهد: " الذين من قبلهم هم اليهود لأنهم سألوا موسى صلى الله عليه وسلم مثل ذلك من كلام الله ورؤيته سبحانه، فدل على أنهم النصارى ".
وهو اختيار الطبري أن يكون الذين عنوا بالآية هم النصارى.
وقال قتادة: " الذين من قبلهم اليهود والنصارى ".
فعلى هذا يكون الذين عنوا بالآية مشركي العرب، وعلى هذا الاختيار يقع الاختلاف في ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
قيل: هم اليهود والنصارى.
وقيل: هم العرب واليهود والنصارى.
وقيل: ﴿الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ و ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾: هم قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وجميع الأمم الماضية المكذبة الكافرة.
قوله: ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾.
معناه التعظيم لما هم فيه كما تقول: " لا تسال عن فلان " أي قد بلغ فوق ما تظن.
وقيل: هو نهي نهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك لما روي أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] . قال: " لَيْتَ شِعْري مَا فَعَلَ أَبَوَايَ "، فأنزل الله عز وجل، ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ / فما سأل
عنهم [ صلى الله عليه وسلم] حتى مات.
ومن قرأ بالرفع، فهو في موضع الحال، تقديره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ وغير مسؤول عن أصحاب الجحيم ".
وقيل: هو نفي، ولا " بمعنى " ليس كأنه قال: " ولست تسأل " كأنه أخبره أنه لا يسْأَلُ عن ذلك.
واختار جماعة الرفع لأن الكلام المتقدم يدل عليه، لأنه تعالى قال بعد الذكر اليهود والنصارى وما صنعوا:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً﴾.
أي: بشيراً لمن اتبعك، ونذيراً لمن كفر بك، " غير مسؤول عمن كفر بك.
ولم يجر ما يوجب النهي.
فجري الكلام على أوله أولى من جريه على خبر آحاد يقطعه
مما قبله لأن أوله قد ثبت نصه وصحته، وخبر الآحاد لا يحكم على / صحة مغيبه.
فرده على ما يقطع على صحته في الغيب أولى.
ومع ذلك فقراءة أُبي وعبد الله تشهدان للرفع، لأن قراءة أبي، " وما تُسْأل "، وقراءة عبد الله: " ولن تُسْأل " وذلك يشهد أن الرفع بمعنى النفي.
وقال المحتج للجزم: إن الجزم إذا حمل على التعظيم لأمر من تقدم كان مردوداً على ما قبله فيصير مثل الرفع، ويزيد الجزم مزية، وهو أن يحمل على الخبر.
فالجزم محتمل لمعنى الرفع وزيادة.
قوله: ﴿وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى﴾ الآية.
دعت كل فرقة منهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه فأخبر الله تعالى أنهم لا يرضون عنه إلا أن يتبع ملتهم.
ثم قال له: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ﴾.
هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يراد به أمته.
وقيل: / إنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة.
وطمعوه أن يتبعوه / إن هادنهم وأمهلهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ﴾ الآية.
قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ﴾.
قال ابن مسعود: " ومعنى ﴿حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾، أي: يحل حلاله ويحرم حرامه، ويضعه على مواضعه.
فمن قرأ منه شيئاً كان له بكل حرف عشر حسنات ".
وعني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام]، فيكون " يتلون " الخبر.
وإن شئت " أولئك " الخبر، و " يتلون " حال.
وقيل: عني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام] من بني إسرائيل والنصارى، فيكون " يتلون " الخبر، وهو اختيار الطبري.
فيكون مردوداً على ما قبله
من ذكرهم ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذكر فيرد إليهم، ولآلهم ذكر بعدها، فتجعل الآية مبتدأة فيهم، ولا جاء أثر بأن ذلك فيهم.
فردها إلى ما قبلها أولى وهو ذكر بني إسرائيل والنصارى.
وأجاز ابن كيسان أن يكون: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ خبراً عن " الذين " على أن يكون " الذين " يراد بهم المرسلون والأنبياء صلوات الله عليهم.
وأجاز أن يراد " بالذين " العاملون بالكتاب خاصة منهم؛ فيكون " يتلون " الخبر أيضاً.
ويجوز وجوه أخرى أيضاً.
وروي أنها مخصصة نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران بعضهم، ومن الحبشة بعضهم، ومن الروم منهم ثمانية؛ وهم الملاحون أصحاب السفينة الذين أقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع جعفر بن أبي طالب أثنى الله تعالى عليهم إذ آمنوا بكتابهم